يا هلال الدير

 

 

الدير 

 

في نعي الدكتور علي هلال
علي أحمد الديري

كنا صغاراً نحضر الاحتفالات الدينية في المسجد الغربي بقرية الدير. أستمع إليك بإعجاب شديد، يشدني صوتك الإذاعي الجهور، ولغتك الواضحة المخارج، وكلماتك المعربة، واستعاراتك البلاغية، ما كان ينافس ناصية منصتك عريف آخر. لكأنك كنتَ تقدم خطابا إذاعيا لجمهور ألف نبرات صوتك المميزة.

لم نكن نجرؤ على الاقتراب منك، أوحى لنا مدرسونا في المأتم الذين هم تلامذتك المباشرون، أننا نحتاج أن نرتقي أكثر لنكون في مقام القرب منك. لاحقا فهمت أن كلمة السر تكمن في (العلم) و(الثقافة)، لم تولع بشيء قدر تولعك بالكتب وعالمها وطلب العلم ومراتبه. من يريد الاقتراب منك عليه أن يعرف هذا السر ويعمل على فتحه.

جئت من بيئة شديدة الفقر، في المال والعلم والشهرة، حفرت فيها عميقاً وشققت منها طريقاً، صرت علامة فيه، ولم تنس أبداً أن تأخذ معك أبناء قريتك، كنت تحترق لتدفعهم نحو الطريق، ظللت بكلماتك تنير لنا الدرب، تستفزنا نحو المعرفة، تستحقر كل شيء لا يكون مضاءً بقنديل الكلمات. حقاً لقد كنتَ هلال الدير.

في هذه اللحظات أقرأ كلماتك الأخيرة لي بدموع حارقة، لكأني أفتقد أبوتك الروحية الملهمة، أسترجع تصبيحتك قبل أشهر وأنا أبشرك بقرب صدور كتابي الجديد (بلا هوية.. إسقاط الجنسية كما شرحتها لأماسيل)، فتفتح صباحي بنور كلماتك “أهلا دكتور أبا باسل، صباح الثقافة والتنوير، تلك بشرى في ترقبها”. وأدعوك لمحاضرتي في الصيف الماضي في العراق فتجيبني بلوعة الشوق “يا ليتنا كنا من الحاضرين.. دمت موفقا دكتورنا أبا باسل”.

كم هو حارق لقلبي أني لم أستطع أن أوصل لك هذا الكتاب، بسبب هذا الحظر الذي يمارسه وطني ضد كلماتي التي تهجيت مقاماتها البلاغية تحت منصة أستاذيتك. أسترجع صورك وأنت تحضر في بيتي حيث صالون هيبا الثقافي، حفل تدشين كتابي (نصوص متوحشة) ما كنتُ أنا حينها هناك، لكن صورك وأنت تضم الكتاب أعطتني إحساس الاحتضان، وكأني كنت أسمع تعليقاتك السريعة البديهة وضحكاتك التي تكشف جانبا من شخصيتك الشعبية المحببة.

أتذكر لحظات تحولي الفكرية في بداية عشرينياتي، كنت في مجلسك تحيط بي كتبك، أراجع معك أسئلتي الجامحة لندوة أردت أن أكون فيها فوق منصتك في المسجد الغربي من قريتنا، أردت أن أحاورك حول هواجسي المعرفية الجديدة، لم تجفل من أسئلتي ولم تكبح اندفاعتي، وكنتَ تتبسم وأنا أردد كلمة جديدة تعلمتها (الدوغمائية)، قلت لي هل تريد أن تخرج المعتقدات عن طبيعتها الجامدة، حينها لن تكون معتقداً، ستكون فكرة عابرة، خجلت من نفسي حينها وتعلمت من درسك الضمني ما جعلني أكثر ثقلاً وأنا أقارب معتقدات الآخرين.

أسترجع الآن، بروفايل الشيخ حمزة الأب الآخر الذي تربيت على أخلاقه الروحية الجميلة، حين انتهيت من كتابته “الشيخ حمزة الديري.. سيرة الحُسن الناقص” دفعته إليه، بانتظار أن تصحح شيئا أو تعدل تاريخاً أو معلومة فأنت مرجعنا في تاريخ القرية وتاريخ رجالها، بأدبك الجم كنت تخجلني، بكلمات لا أستطيع أن أكتبها الآن.

وأنا أُحدث باسل في هذه الغربة، كثيراً ما كنت أستمتع وأنا أسرد له سيرتي في القرية وسيرة أساتذتي وفضلهم الكبير في صناعة شخصيتي، كنت أتطلع إلى أن أعرفك به في زيارتنا القادمة للعراق التي عشقها باسل كما عشقتها أنت حتى صارت مهبطاً لروحك المشرقة، أتحسر الآن على رحيلك المبكر، قبل أن أتمكن من تقديمه إليك، باعتباره أحد ثمرات كلمات منصتك البليغة، لقد عشق (السر) الذي أودعته أنت في طفولتنا وربيتنا عليه.

سنبقى أطفالاً دوماً، نتطلع إليك من تحت منصتك، تدوي كلماتك في فضاء أرواحنا، تملأنا بالحماس لملاحقة النور وظلاله، سنكمل كتابة تاريخ الدير، وسندشن منصة هذا التاريخ تحت اسمك هلالاً مكتملاً.

"بلا هوية".. كيف شرحها لأماسيل؟

 

manar-08762540015094555038

إسراء الفاس

أماسيل الديري، هي الابنة الثانية للكاتب والباحث البحريني علي أحمد الديري. في سن الثانية عشر، سمعت الطفلة البحرينية بمصطلح إسقاط الجنسية لأول مرة. كان الإسقاط قد طال شخص والدها، قبل أن تضطر  إلى ترك بيتها، ووطنها، باتجاه المنفى. ومطلع العام 2017، بدأ الديري بالعمل على مشروع كتاب يشرح فيه لابنته معنى إسقاط الجنسية وأسباب استخدام لمعاقبة المعارضين في البحرين.
كتبت أماسيل الديري: “كلنا غادرنا البيت، جدي أولاً ثم أبي ثانيا ثم نحن ثالثاً. هــذا هـو المعنى الذي أفهمه لإسقاط الجنسية”… لتفتح بمقدمتها الباب أمام إعادة تشكيل المعنى لشرح أشمل  قدمه والدها.

“كثير من أطفال 14 فبراير يتساءلون: لماذا أسقطت جنسيات آبائهم؟ لماذا أعدم إخوانهم؟ لماذا يُحكم بالمؤبد على أبناء عمهم؟ لماذا يُعتقل زملاؤهم من مقاعد الدراسة؟ لماذا لا تتوقف مواكب نعوش شهداء أبناء وطنهم؟ في هذا الكتاب محاولة للإجابة عن شيء من هذه الأسئلة التي باتت تلح على وجودهم الشائك في هذا الوطن الصغير”.

إجابةً على هذه الأسئلة كان كتاب “بلا هوية إسقاط الجنسية كما شرحتها لأماسيل”، الصادر عن صحيفة “مرآة البحرين” في آب/أغسطس 2017. ليشكل الكتاب الصغير وثيقة أولى من نوعها من حيث الطرح والأسلوب، حاكى فيها الديري قصص أكثر من 420 بحريني أٌسقطت جنسياتهم بفعل أصالة هويتهم التي ما تنفك تُذكر أن الملك ما كانت سلطته إلا بفعل الغزو.

عام 2011، كتب علي الديري: “أنا شاهد على هذا الدمار الذي يمارسه النظام السياسي على عاصمة بلادي. شاهد على الموت الحقيقي الذي يتذوّقه أبناء قريتي، شاهد على التمييز الكريه الذي تتعرّض له أهم كفاءات وطني. شاهد على الأطفال الذين فجّر مرتزقة النظام زهراتهم. شاهد على أطنان الغازات التي تخنق حناجر مصرّة على أن تُسمع العالم صوت حريتها. شاهد على الفساد والسرقات. شاهد على الموت الذي يأخذنا إليه هذا النظام. شاهد على هذا الملك الذي فقد إرادته السياسية وفقد وقاره الشعبي وصار نكتة (يسقط حمد) تتفنن ثقافة شعبي في إبداعها في صور لانهائية. المثقف حين يخون شهادته، يخون وطنه، وأنا لست بخائن”.

في سبعة فصول، صاغ الديري شهادة جديدة لمثقف لم يرضَ أن يكون خائناً لهويته. بأسلوب مختلف عن كتاباته السابقة، أطل الديري على الجذور التاريخية لأزمة البحرين منذ العام 2011، ملخصاً بذلك القصص المتجانسة مضموناً لأكثر من 420 بحريني ممن أسقطت جنسياتهم، ومفنداً قصص أطفال حُرموا من الجنسية لأسباب مختلفة في الظاهر، متماثلة في المضمون، راسماً صورة تماثل ديكتاتور بلاده مع ديكتاتورية الأنظمة الشمولية.

ماذا عن مشاريع الأطفال الذين سيولدون في الخارج؟

يقول الديري: “في البحرين عشرات الحالات لأطفال بلا جنسية، سارة إبنة الأمين العام لأكبر جمعية سياسية في الخليج الشيخ علي سلمان بدون جنسية، لأنها وُلدت وأبوها في السجن”، ويتحدث عن تألمه لمشهد أب يناغي طفله ذا الأشهر عبر برنامج “سكايب بالتلفون لأن جنسية الأب مسقطة والابن بلا جنسية”.. ثم يخاطب أماسيل: “تخيلي كيف سيكبر هؤلاء الأطفال، بلا أب، وبلا وطن، وبلا انتماء، وبلا اعتراف، كأن الحكومة تقول لهم: نحن لا نعترف بكم، وانتم لا تنتمون لهذه الأرض، وآباؤكم خونة.” ويتساءل: “ماذا عن مشاريع الأطفال الذين سيولدون في الخارج؟ أفكّر في أصدقائي الذين طالت بهم المحنة، محنة الهجرة ومحنة اسقاط الجنسية”.

ويبدو أن هذه التساؤلات كانت تُلح على الديري، الذي قرر منذ  الأسبوع الأول لاكتمال عام على هجرته إلى كندا أن يعقد مع ابنته الجلسات الأولى لبدء مشروع هذا الكتاب. الجانب الإنساني الذي حاكى به الديري جوانب السياسة والتاريخ، كان الأكثر وقعاً على القارئ.

قبري حيث سرّي

يقول الديري: “لا أدري الآن، هل يمكنني أن أكون مرآة لأرضي البحرين، لو دفنت في مقبرة باردة في كندا؟ يُقلقني هذا السؤال أكثر مما يقلقني سؤال إمكانية أن أعود إلى بلدي، أريد أن يكون قبري حيث كان أبي يدفن الأضحية التي هيّأتها جدتي لولادتي، بعد إجهاض 4 أجنة لأمي. أحنّ إلى السر المدفون في مقبرة الدير. أريد أن أدفن حيث تراب هذا السر. شيء من التمائم المحيطة بهذا السر، أشعر أنها مازالت تحيط بي، ولن تجد روحي تمام راحتها، إلا حين تستقر هناك حيث القبور هويات محفورة في تاريخي البحراني الذي لا يمكن أن يسقط إلا مزروعاً في الأرض مرآة ونخلاً وتاريخاً يٌحرج الغزاة.”

يسترسل الديري في شرح التداعيات العملية لاسقاط جنسيته، بعد تبلغه بالخبر في 31 كانون الثاني/يناير 2015. في قائمة ضمت 72 بحرينياً  جاء إسم الديري إلى جانب إسم “تركي البنعلي” كبير شرعييي داعش. هكذا ساوت السلطة بين الإرهاب والمطالبين بإصلاحات، طالما أن المطالب ترهب سطوة الاستفراد بالنفوذ.

وفي كتابه، يميّز الديري بين أن يكون المرء بحرينياً بهوية غير منجزة وغير جامعة، وبين أن يكون بحرانياً بهوية بعيدة عن المعنى الطائفي مشبعة بالبعد الوطني، ومنجزة بفعل التاريخ والاضطهاد والتمييز. ليعتبر كلمة “بحراني” أشبه بندبة يولد مع الانسان ليحدد هويته بعلامة فارقة.

“لا أستخدم هنا (بحراني) بالمعنى الطائفي أو المذهبي، بل بالمعنى الاجتماعي والسياسي، المتعلق بسياسة الحكم في التمييز والتخوين والتهميش وعدم الاعتراف. (البحراني) في استخدامي، هو الذي وقع عليه فعل الغزو (الفتح عام 1783) وتم إخضاعه لحكم الاقطاع… مازال هذا البحراني غير معترف به ومهمشاً وتمارس ضد سياسة التمييز الطائفي… ويُشكك في ولائه”، يقول الديري.

إسقاط الصحافة

تسأل أماسيل والدها: هل الملك يُسقط جنسيات الشيعة فقط، لأنهم من يعارضونه؟

فيحيلها إلى قصة عبدالرحمن الباكر، المناضل البحراني السُني، الذي قاد تجمعاً يضم السنة والشيعة في خمسينيات القرن الماضي، لينتهي به الأمر إلى السجن والنفي بعد إسقاط جنسيته. يقول علي الديري بذلك إن الحاكم يسقط الجنسية عن أي شخص يشكل بكلامه ومواقفه خطراً على الحكم، ونزعته السلطوية. ولهذا فإن الخطر يراه الملك في أي مناضل سواء كان شيعياً كالديري، أو سنياً كالباكر.

يفصّل الديري في كتابه آلية الحكم، وسطوة الملك على السلطات وعلى الاعلام، ليقول إن بلاده أقرب إلى الأنظمة الشمولية التي توظف الإعلام لبث دعايتها السياسية، وتجمّل صورة الملك وعائلته، ولتغطي على الانتهاكات في الداخل.

ويعتبر أن الملك وعائلته الذين نجحوا في تدمير الانسجام الاجتماعي، هم من دمّروا الصحافة بعدما أسقطوها في حضيض التأجيج والفبركة والكذب.لقدر سبق قرار الملك إسقاط الصحافة، وشيطنتها للمعارضين لتعبّد طريق السلطة أمام استهدافهم وشطبهم. يعتبر الديري أن مقالات الصحف التي هاجمته بناء على موقفه السياسي  كانت أولى أوراق اسقاط جنسيته، ليستعرض الهجوم الذي طاله في كتابه.

ذات الملك مصونة

“صدر قرار اسقاط الجنسية بمرسوم باسم الملك، وتم رفض النظر فيه بحكم باسم الملك، يتم كل شيء في وطننا باسم الملك، الوطن حيث يكون الملك، إنه يقبض على كل شيء في الوطن إنه النظام الشمولي كما سميناه”.

يفنّد الديري كيف أن ذات الملك مصونة بموجب الدستور البحريني، فلا يسائله قضاء، ولا يقف بوجه قراره اعتراض أو استنكار، إذ لا سلطة فوق سلطته في البحرين. يكتب الديري: “لا أعرف كيف أجيب الذين يسألونني: لماذا أسقطت جنسيتك؟ أقول لهم لم يخبرني أحد بالسبب، ولا تسلمت رسالة تفيد السبب، ولم تكن هناك قضية في المحكمة تتهمني بشيء معين. ربما شاهدني الملك مرة خارج البيت وقرر أني أستحق إسقاط الجنسية، وذات الملك مصونة عن السؤال، فلا يمكن لنا أن نسأل الملك ونعرض ذاته للاهانة أو الاحراج”.

استغرق إنجاز مشروع الكتاب عدة جلسات بين الوالد وابنته، لم يتصرف الديري في أسئلة ابنته، بل تركها كما هي، مقدماً لها إجابات تتفتح مع نضجها ووعيها، كما أشار في مقدمته. ولعل هذا ما سيلاحظه القارئ من خلال إجابات الديري التي كانت أكبر من وعي ابنة 13 عاماً. ولكنها إجابات كانت تحاكي وعياً يريد الكاتب البحريني له أن يتشكل ويتجذر. كانت أماسيل، الابنة الثانية للديري بعد نجله الأكبر باسل، تردد كلمة “تتفلسف” لوالدها، ما يعكس الجو العفوي الصرف للجلسات التي شكلت الكتاب كوثيقة، تصوغ هوية أماسيل علي الديري، تمنحها لأبنائها تماماً كما منحته والدته صباح بحرانيته.

لماذا أماسيل؟

قد تكمن الإجابة على هذا السؤال في الأمومة التي يراها الديري تمنح الهوية. في معرض كتابه يتحدث علي الديري عن والدته، ليقول: “لاشيء أقوى من أمومتها التي منحتني بحرانيتي، بكل ما فيها من تاريخ المحن التي تثقل مصير هذه الأرض. لم أجد أقوى من أرض صباح أستند إليها في هذه اللحظة التي تشبه أن يقذفك أحد من كوكب الأرض ويلقي بك في فراغ الفضاء. كتبت: “لايعني أني لست إبن البحرين”، وكأنني أصرخ، كأنني للتو أخرج من بطن أمي”.

رابط الموضوع

رباب النجار في رواية "الحرون": بيوت المنامة أمهاتكم

a1

“كنت أتمرد كثيراً وأعترض لأنتقم من العالم”

تقنياً، رواية “الحرون” للكاتبة البحرينيَّة رباب النجار، بسيطة ومباشرة. تظلّ تحدّث نفسك وأنت تقرأها، يمكنني أن أكتب مثلها بسهولة، لكنَّك لن تفعلها، ستظلّ معلقاً فيها منذ أول سطر حتى آخر صفحة، ستشعر بأنك تقرأ فيها شيئاً منك، شيئاً افتقدته وتريد أن تتَّصل به.

هي حكاية جليلة الحرون؛ الفتاة التي عاشت في النصف الثاني من القرن العشرين، طفلة في الخمسينيات، وصبية في الستينيات، وشابة في السبعينيات، وامرأة حرون بعد الزواج في الثمانينيات من القرن الماضي.

لحظة لقاء خاطفة في حيّ المخارقة بين الأم والبنت جليلة، تُعرض الأم كميلة عن ابنتها، تُطيّر نظراتها في السماء، لا تريد أن تنظر في وجه ابنتها. البنت تخز فيها، تريد أن تعرف سرّ هذا الإعراض والغياب عنها. نظلّ نلاحق هذا السر، ولا يتكشف لنا إلا جزء منه في نهاية الرواية، ولا تغيّر هذه المعرفة شيئاً في رأس الحرون.

ليس السرّ هنا بمعنى اللغز الذي يجعل منها رواية بوليسية، بل هو سرّ يتعلق بحكاية متعدّدة الأطراف، حكاية زواج ينتهي يوم صبحية العروس، ويخلّف حملاً يفرض فيه الجد على الأم عدم الزواج أو تسليم البنت. تسلّم الأم البنت لحظة ولادتها من دون أن تنظر في وجهها خشية أن تتعلّق بها. لا نعرف طوال الرواية سبب وقوع كلّ ذلك على وجه التفصيل. هناك إشارات خاطفة إلى وجود الأب في مكان ما في حالة غير طبيعية، لكن لا تكشف الرواية ولا تعرف جليلة ماذا حلّ بالأب وجعلها تقع ضحيةً لهذا الفقد الشديد الوقع على نفسها ومصيرها.

تظلّ جليلة طوال الرواية شديدة الحساسيّة والملاحظة، لكلّ حركة فيها أثر أم. في المدرسة تنظر إلى تسريحات شعر كل بنت وتقارنه بتسريحة شعرها التي لا أم لها، تحدثها زميلاتها كيف كنَّ يلجأن إلى أمهاتهن حين تُربكهن العادة الشهرية أول مرة في حياتهن، فيشتدّ عليها أثر الفقد، وتجد نفسها من غير أمومة تفضي لها باكتمال أنوثتها.

لا تجد جليلة غير غرفتها ومرآتها في الطابق الثاني من البيت العود. تنعزل هناك هروباً من العالم ونظراته القاتلة، حتى زوار جدتها من النساء الفضوليات تتجنّب الاختلاط بهن، تشعر بأن أسئلتهنّ تعمّق من مأساة انفصالها عن والديها، وتعليقاتهنّ تترك جرحاً على جرحها. تتذكَّر هذه التعليقات بألم كبير، تسمع إحداهن تقول إنها نحس على والديها، وأخرى تنصح جدتها بأن تبحث عن شامة شؤم في جسدها لتقوم بكيِّها، فتسبّب لها رعباً يدعوها لتتفحص جسدها في مرآتها خوفاً من وجود هذه الشامة التي ربما تتسبّب في حرقها، أخرى تأمر جدتها بمراقبتها أثناء النوم، لتتأكّد أنها لا تحرص بفكها وأسنانها وتصدر صوتاً أثناء النوم، فإن ذلك يجلب النحس.

هناك في غرفتها تتحدَّث مع مرآتها وشخصيات الروايات العالمية التي كانت تشتريها من مكتبات المنامة (مكتبة عبيد، مكتبة قصر المعرفة). تُركب واقعها من خلال هذه الشخصيات وما تمر به من أحداث. صارت تملأ الفراغ الوجودي الذي تركته أمها وخلّفه أبوها بالخيال الذي تستمده من هذه الشخصيات: كوازيمودر في رواية أحدب نوتردام، وكوزيت في رواية البؤساء وغيرها.

صارت جليلة تألف أوراق الكتب وتستوحش الناس، تعرف كتبها من روائح الورق، فلكلّ كتاب رائحة تميّزه. صار عالمها مكوناً من أربعة جدران، وأربع شخصيات؛ جدتها وأخيها سامي وصديقة طفولتها أمينة وجارتهم الضريرة فاطمة. ضمن هذا العالم الرباعي، يمكنها أن تجد شيئاً من ذاتها الضائعة منها. هذا لا يعني أنها كانت في عزلة عن العالم الخارجي، فقد كانت تخرج في (فريق المخارقة) وشارع المتنبي وشارع الشيخ عبدالله وباب البحرين، لكنها ما كانت تختلط بالناس، تظلّ تراقبهم وتحدّث نفسها لتعود إلى عالمها الرباعي.

تستفيض جليلة في وصف معالم فريق المخارقة وثقافته، وكأنَّها تريد أن تترك لنا إرثاً كي لا نُصاب بما أصيبت به من فقد للأمومة، تريد أن تقول لنا إنَّ في هذه الذاكرة أمومتكم الوجودية، لا تفقدوها، كي لا تتشوه أرواحكم كما تشوهت روحي. لا تُطيّروا نظراتكم في الهواء مداراة عنها، ستزهق أرواحكم إذا فقدتم هذه الأمومة، كما فقدتها أنا فزهقت روحي.

تقدم جليلة مادة اثنوغرافية حية ومفعمة بالحيوية، من خلال سرد سيرتها الذاتية في المنامة في فريق المخارقة حيث البيت العود، تحت شجرة البنسيانة. تقدم هذه المادة لتملأ الفراغ الوجودي في ذاكرتنا وأرواحنا التي تعاين بحسرة اختفاء مظاهر حية وحميمة من ثقافتنا وعاداتنا.

مليئة الرواية بأرشيف اثنوغرافي ثري وحي، قدمت من خلاله الرواية وصفاً لثقافة المنامة، مطبخ بيوتها بأوانيه وبهاراته وديكوره وأطباقه الشعبية: الكِشْري، والعصيدة، والمجبوس، وفتيتة التمر، شارع المتنبي وشخصيات الحي، ودكاكين الحي، ومشاكل العوائل الخاصة التي كانت تخرج إلى الحي.

يبدأ إعداد الشاي الظهيرة بعد أن تنفض السفرة قرب البنسيانة كي تلتقط العصافير بقايا الطعام، وما هو أكبر من البقايا يذهب إلى بقر الجار مسعود. في هذه الأثناء، يكون جمر الشاي قد نضج بعد أن تم إشعاله قبل الغداء، تضع الجدّة الإبريق المعدني على النار، تمسح خرطومه من الداخل بالزبدة وعينها على الماء، تغسل أوراق الشاي، وقبل أن يبدأ الغليان تسكبه على ورق الشاي مباشرة، وتتركه على الجمر، بعد دقائق تتشممه بنفس عميق وهي مغمضة العينين، وبخبرة الذوق تقرر إن كان (اتسكر) أو ما زال يحتاج إلى مزيد من الطبخ.

بهذا النَفَس الَّذي تُعدّ به جدتها الشاي، تصف رباب النجار عبر جليلة مظاهر الحياة وثقافتها في ذلك البيت والحي في النصف الثاني من القرن العشرين. لقد تركت جليلة لنا مادة ثرية نعالج بها أرواحنا وذاكرتها من آلام الفقد وشدائده؛ ذاك الذي عانته وكانت شاهدة على آخر فصوله التي انتهت ببيع البيت العود.

الميادين

غربة "آريا مهر نامة"

a2

”إن الوطن هو مكان الولادة، لكنها الآن تقبلت أن يكون مكان الوفاة هو الوطن الجديد“.

منذ أيار مايو الماضي وأنا أترقب اللحظة المناسبة للدخول في أجواء رواية الدكتور عقيل الموسوي (آريا مهر نامه). وصلتني وأنا أضع اللمسات الأخيرة على كتابي الجديد (من هو البحريني؟). وضع لي عقيل فخاً في إهدائه: إلى الأخ العزيز علي الديري، لنا في هذه الرواية كلام عن الغربة.. عساه يكون سلوى لك في حياتك الجديدة“.

وضعني الإهداء في حالة ترقب، ما الذي يمكن أن تقوله رواية معنية بتاريخ إيران السياسي والثقافي والحضاري، عن الغربة؟ رحت أربط الإهداء بسؤال كتابي الذي هو في معنى من معانيه: لماذا يغدو المواطن غريباً؟ إنه سؤال في السياسة والفلسفة والأدب.

أزحت الرواية جانباً، فلدي زيارة صيفية لمدينة مشهد، وهناك سيكون للرواية طعم خاص، في هذه المدينة لدي فائض غربات ثلاث، ولعل ما في الرواية من كلام عن الغربة، يفتح لي ثغرة أعالج منها كثافة الغربات.

تفتتح الرواية فصلها الأول بعنوان (تأبين في الغربة). يا للهول! شعرت وكأن الرواية تعبث بي، فأنا في جوار قبر والدي الذي أقمنا تأبينه الأول في الغربة، وأنا أترقب وصول كتابي (بلا هوية.. إسقاط الجنسية كما شرحتها لأماسيل)، وفي مقدمته أتحدث عن قبري ودفني في الغربة، والأكثر من ذلك إني أحمل في شنطتي قنينة تراب طلبت إحضارها من أرض  قريتي (الدير) كي يخلط بتراب قبري، كي تخف غربة تراب القبر. فوق كل ذلك، فكاتب الرواية شخصية بحرينية شهد أحداث “الربيع العربي”، واختار أن يعيش في المهجر لفترة من الزمان، ومن هناك هو يكتب الرواية.

دفعتني هذه التطابقات لمتابعة الرواية متابعة جدية، رحت أضع علامات بقلم الفلاش، على كل جملة ترد فيها كلمة (غربة). صارت القائمة طويلة، ووجدت فيها معالجة لحالتي.

ينشغل الكاتب في الفصل الأول، بملاحقة خبر انتحار علي محمد رضا ابن (الشاه) محمد رضا بهلوي. لقد انتحر في غربته الوجودية والجغرافية. تواجه والدته الشاهبانو فرح بهلوي غربة مضاعفة، فأحفاد العائلة البهلوية يعيشون غربة ثقافية، ولا يعرفون طقوس حفل التأبين على الطريقة الإيرانية. لقد سدّت هذه الفجوة الثقافية، بمشهد رمزي يُعطي دلالة على أصالتها: صفت أعضاء العائلة البهلوية، شيوخاً وشباباً وأطفالاً، في حداد ملابس سوداء أنيقة، ونثروا بوقار، واحداً تلو الآخر، تراباً جُلب من إيران على جثمان الراحل.

إنه، مشهد آسر، الغريب الذي لا تستقر روحه إلا حين تمتزج طينته بطينة تراب بلاده. شخصياً، تحسست برودة هذا التراب، ورحت أتخيل بالتذاذ تراب قبري يغدو تربةً بتراب الدير“ المقدسة. شعرت بأني بالغت في ما ذهبت إليه، لكن الكاتب الغريب الذي يعيش في منفى ما بعد أحداث الربيع العربي“، كان مصراً أن يُبقيني في المشهد، وكأنه كان يخاطبني: “إنه لمن الطبيعي أن تتعلق أرواحنا الرقيقة ببقعة من العالم محببة لنا، نولد فيها، ونتشكل منها، ونسمّيها أرض الآباء، أو الوطن… والغربة بسبب النفي أشد على النفس، لأنها تشقّ الأرواح عن الوطن وتبتر الذوات عن أرض الآباء”.

بدت لي هذه المخاطبة إشارة اطمئنان، وعلاجاً يخفف من آلام هذا البتر، إلا أنَّ ختامها كان أشبه شيء بالكي، فآخر الدواء الكي: “ولا يبدو أنَّ لغربة المنفى أي علاج، ربما، إلا الانشغال بحلم الرجوع إلى الوطن”.

هل مقدر على كل منفي أن يشغل حياته بحلم هذا الرجوع؟ إنه أشبه بمرض منه بعلاج، والدليل على ذلك، كما تقدمه الرواية، هو انتحار ليلى بهلوي قبل أخيها بعشر سنوات، وهي أصغر أبناء الشاه الأربعة من فرح بهلوي.

بين أن تموت منتحراً أو تعيش مريضاً بحلم الرجوع، هكذا يبدو حال الغريب المنفي، في رواية (آريا مهر نامه). إنه ليس أي رجوع بل حلم رجوع المنتصرين، بيقين الطبيب من تشخيص مريضه، يقرر الكاتب إنه “في المنفى تسيطر على كل منفي مثلي قصة متخيّلة لرجوعه إلى الوطن رجوع المنتصرين”.

تطلّ الرواية على التاريخ الإيراني من خلال شرفة عائلة بهلوي، من زمنهم الحالي حيث الغربة والمنفى وحلم رجوع المنتصرين. يتوغل كاتب الرواية، الذي يعيش مثلهم في منفاه السياسي، في تفاصيل تاريخ الدولة الأخمينية والدولة الساسانية والفتح الإسلامي والدويلات الحاكمة، وصولاً إلى الدولة الصفوية، فالقاجارية، فالبهلولية، إنه تاريخ طويل ومعقد.

في عام 1941 تولى السلطة محمد رضا بهلوي عن أبيه الذي نفاه الإنجليز إلى جنوب أفريقيا ليموت هناك غريباً، فيدفن في مصر قبل أن ينقل جثمانه إلى إيران.

ورث الشاه من أبيه وصية في شكل درع بهلوي مصمم في عام 1932 على الشكل التالي: أسدان يقفان على الشريط الملكي الأزرق الملكي مكتوبة عليه عبارة من ملحمة الشاهنامه للفردوسي بالعدل يأمرني وبه سيحاسبني“، يحمل الأسدان سيفين مشهرين يحميان التاج البهلوي، ويحوي الدرع صورة جبل دماوند في طهران ومن خلفه الشمس المشعة، كذلك يحوي الفراوهر الشعار الزرادشتي ووردة النيلوفر والسيمروغ وسيف (ذو الفقار) مع زهرة لاله.

يعتبر الشاه هذه الوصية خطة عمل لحكم العائلة البهلوية، ووصية عامة للشعب الإيراني. وجد الشاه نفسه بحاجة إلى تفكيك إشارات الدرع ورموزه، لفهمها والعمل بها، فاستعان بالبروفسور فرشاد عليخاني، مدير متحف إيران الوطني، ورئيس قسم الدراسات التاريخية في جامعة طهران سابقاً، ليتولى شرح إشارات الدرع بالتفصيل الذي يكشف أسرار الهوية التاريخية لإيران المودعة في هذا الدرع.

يتولى البروفيسور ترتيب رحلات ميدانية إلى مواقع أثرية، ليشرح للشاه بتفصيل تاريخي أسرار الدرع. يستغرق ذلك التفصيل التاريخي أكثر من نصف الرواية، يأخذنا فيها البرفيسور في رحلة ممتعة وسلسة في التاريخ الإيراني.

يتحول تاريخ الإخمينيين والساسانيين ونور الآريين ونار الزرادشتيين من الغربة إلى الألفة. ينجح البروفيسور في إزالة ركام الظلام عن هذه الحضارات وديانتها، ليجعلها ضمن خطة عمل الشاه لبناء الهوية القومية الإيرانية التي جبّت بإسلامها ما قبلها.

نحتاج إلى وقفة نقدية لتقييم خطاب الرواية في تحويل هذا التاريخ من الغربة إلى الألفة، ونكتفي هنا بإثارة هذه الأسئلة: هل حوّلت المادة التاريخية الرواية إلى خطاب تاريخي؟ هل أثقلت معلومات الراوي البروفيسور الذي سيطر على أكثر من نصف السرد، الرواية لتغدو رواية تعليمية؟ هل كنا أمام بروفيسور يلقننا عِبَر التاريخ ووقائعه أم كنا مع بروفيسور يروي لنا ما يفتحنا على جدل التاريخ ومكره وصراعاته؟ أو لنقل هل بقي (فرشاد عليخاني) أستاذ تاريخ أم غدا شخصية روائية مركبة الأبعاد؟

هذه الأسئلة تحتاج إلى تحليل معمق لخطاب الرواية، ربما أترك ذلك لمقالة أخرى.

الميادين

رسالة إلى أبي…

رسالة إلى أبي

(توفي والدي في 2009 في مدينة مشهد، ودفن في حرم الإمام الرضا (ع) في مقبرة بهشت ثامن الأئمة)

هذه المرة كان الطريق إليك طويلًا وشاقًّا من أقصى الأرض، إنها أطول مسافة غياب زمانًا ومكانًا بين آخر زيارة في أبريل 2014 وهذه الزيارة في أغسطس 2017.

أعود إليك هذه المرة وكأني أؤول إليك، فقد فقدت جنسيتي التي منحتني إياها في العام الذي استقل فيه وطننا، وكنت واحدًا من الذين أسهموا في ورشة بنائه العمرانية.

لقد أسقطوا جنسيتي وكأنهم أسقطوا أصلي الذي يؤول إليك. طوال السنوات الثلاث ونصف وأنا أحن إليك حنين الشيء إلى أصله.

أقف على قبرك بلا هوية رسمية، أحمل معي كتابي “بلا هوية.. إسقاط الجنسية كما شرحتها لأماسيل” أضعه على قبرك وأعرف أنه لا يكفي لأشرح لك كيف آلت بي الأمور لأغدو خارج الوطن، خارج ذلك المكان الذي أعطاني هويته بك، ملعونًا من نظامه السياسي.

أعرف أن أسئلتك أكثر من أسئلة حفيدتك أماسيل، ما زالتْ تتباهى بأغنيتك لها “أماسيل تسقي الورد”. إنها تفاخر بماء اسمها مني، وماء هويتها منك.

أقف على قبرك بكتابها، وأستمد من بحرانيتك العلامة التي لا تزول، أضعها مجاورة لهوية كتابي، لتقول بهذه المجاورة ما لا تستطيع حروفي متجاورة أن تقوله.

أدرك هذه اللحظة وأنا على أعتاب قبرك، القدر الإلهي الذي اختار لك هذه البقعة المقدسة، كنت أظنها مجرد كرامة لحبك لهذا المكان وهذا الإمام، حسبتها شاهدًا على سيرتك الروحية المشهدية فقط، هي بيقين الحب الذي فيك كذلك، لكنها بما صرت أنا إليه، أَجِد فيها سرًّا آخر يتعلق هذه المرة بي وبغربتي، وكأنك ادخرت لي بقعة وطن آوي إليها من تعب الهجرة. هنا تتقاطع ثلاث غربات، غربة الإمام المقدس وغربتك وغربتي، كل غربة تحن على الأخرى لتأتلف معها، فتشكل الغربات معًا وطنًا أرجع إليه.

أقف هذه المرة على قبرك لائذًا لا زائرًا، لاجئًا لا عابرًا. هكذا كعادتك تسلب منا المبادرات، وتمنحنا البركات. منحتنا كل شيء، ما زلت ضنينًا أن نمنحك شيئًا، حتى زيارتي لك، صارت لجوءًا يمنحني الأمن والأمان (وطن) بعد أن كنت أظنها برًّا ووفاءً مني إليك، هكذا تظل أبوتك فاعلة دومًا فوق التراب وتحت التراب، تُعطي وتمنح وتفيض.

تحت بركات تربتك ألتقي اليوم بالعائلة، لقاء يشبه العودة للوطن، معنا ستة عشر طفلًا من أحفادك، جمعهم تراب قبرك وهجرة ابنك، قرأنا لك فاتحة الكتاب، أردت أن تتفتح  ذاكرتهم هنا على ما صرنا إليه، قلت لهم تذكروا أن هذا المكان منذ هذه اللحظة سيغدو وطنًا يجمعني بكم.

إلى أبي 1

إلى أبي 2