بواسطة: علي احمد الديري | تاريخ النشر:الأربعاء, مارس, 2010 |
«السياسيون أجهل الناس بما يتولون من أمر، وأن عظماءهم قوم يسايرون الحوادث ويحسبون أنهم يُسيُّرونها، ويخضعون للعامة ويحسبون أنهم الأعلون»[1] (قيافا) حكيم بني إسرائيل ومفتيها في رواية قرية ظالمة.
حين يُجمع السياسيون باسم الشرع على قضية ما، هي أصلاً خلافية، فلابد من الشك، والبحث عن حقيقة ضائعة. قد تختلف الموضوعات (حظر الخمر، صلب المسيح، سحل
هيباتيا)، لكن لا يختلف الأمر بالنسبة إلى الحقيقة الضائعة وسط زحام الإجماع، سواء كان هذا الإجماع على قتل أو منع أو تحريم أو تجريم.
أعادني إجماع مجلس النواب وشبه إجماع الناس الذين اختاروا هؤلاء النواب ممثلين عن ضميرهم، إلى رواية «قرية ظالمة» مرة أخرى[2]، هناك في القرية الظالمة حصل إجماع على أن السيد المسيح خالف شريعة بني إسرائيل ويجب صلبه، والأصوات الفردية التي استيقظ ضميرها الخاص وراحت تفكر في ظلمها الذي ستتحمله، لم تستطع أن تُسمع الآخرين صوت ضميرها، فصوت الضجيج الذي كان يردد كلمة الرب ويحتجُّ باسمه أعلى من صوت الضمير الذي كان يشكك في ما أجمع عليه هذا الضجيج.
كان ضجيج قاعة النواب وهم يسايرون الحوادث ويحسبون أنهم يُسيُّرونها، يزبد بجمل كأنها تنطق عن الله «المسألة مؤصلة في كتاب الله ولا داعي لطرح الموضوع أساساً»، «سيكونون مسؤولين أمام الله»، «لا يمكن السكوت عن المنكرات ومخالفة شرع الله»، «لا نريد استفتاء على شرع الله»[3].
كان ضجيج النواب وهم يسوقون مسلماتهم وبدهياتهم لإقرار قانون حظر بيع وتداول الخمور، يكرر حجج بني إسرائيل حين أرادوا تبرير صلبهم للمسيح، كلها حجج دينية حرفيّة، الحجج الدينية لا تصلح وحدها للتشريع للدولة، فالعقل الفقهي الذي يُشرِّع للفرد لا يصلح أن يكون هو نفسه الذي يُشرَّع للدولة، فالدولة مجال عام لا خاص، عام لجميع المختلفين في المعاصي والطاعات والديانات والطوائف ومرتكبي الصغائر والكبائر.
جزء كبير من الجدل الذي مازال يجري في إيران منذ قيام الثورة وحتى اليوم يدور حول محاولة جعل الدولة تتوافق تماماً مع «الفقه»، وهذا ما عبّر عنه رجل الدولة والدين عطاء الله مهاجراني في مقالته أمس بمناسبة عيد النيروز في صيغة تساؤل سمّاه التساؤل الملح: هل ينبغي أن تتوافق جميع التقاليد الثقافية والاجتماعية مع الفقه؟ بمعنى إذا لم نجد مبرراً في الفقه لمهرجانات مثل مهرجان النار، فهل يصبح لزاماً علينا رفضها؟[4].
مع الأسف أن الساحة المحلية هنا في البحرين، قد خنقت تساؤلات بوادر حركة الإصلاح الديني، وأعانها على ذلك الاختناقات السياسية والمساومات على الملفات الحساسة، وأصبح هناك إجماع داخل الجماعات الدينية أدى إلى موت الضمير الفردي والعقل الفردي، فكثرت المسلمات والثوابت والشعارات والشعائر.
يقول «قيافا» الفقيه والحكيم والفيلسوف ملخصاً حكمته الفردية التي لم يستطع أن ينطق بها إلا إلى ضميره الخاص وعقله الفردي «إن بين أمر الله وأمر السياسة ما بين الأخلاق والحياة، تنافراً وتباعدًا واختلافاً، ليس أصلها التناقض وإنما مرجعها إلى صعوبة ترجمة أوامر الله إلى أعمال السياسة كما تصعب ترجمة مبادئ الأخلاق إلى أعمال الحياة»[5].
وما يفعله نواب أوامر الله هو أنهم يزيدون حياتنا صعوبة بسبب إصرارهم على هذه الترجمة المستحيلة في الحياة، وأقول مستحيلة لأنك حتى لو نجحت في تطبيقها بقانون القوة أو بقوة القانون المستمد من الجماعة في لحظة شحنها وتصلبها، فإنك ستفاقم من تناقضات الحياة وتناقضات الجماعة، وستزيد التناقضات الجماعية والفردية وفي هذه التناقضات انحطاط الأخلاق. فالمنع العام يخلق سوق سوداء في الاقتصاد وسوق مزايدات في الأخلاق وبضائع كذب ونفاق يروجها سياسيون يسايرون وهم يحسبون أنهم يُسيّرون.
إن خطاب رئيس كتلة الوفاق النائب علي سلمان يضعنا على محك هذه الصعوبة حين يبرر دفاعه المستميت عن قانون المنع «دستورنا وجميع وثائقنا تشير إلى أننا بلد مسلم عربي له تاريخه الطويل الذي ينتمي للإسلام، ولكن في كثير من تطبيقاتنا هناك مخالفات كثيرة تناقض ما جاء في الدستور والمواثيق وممارسة المحرمات ومن ضمنها الخمر يتناقض مع هذه الركائز»[6].
ولنا تاريخنا الطويل في التعدد والتسامح والتنوع والحرية الفردية في اختيار ما يتعلق بنمط الحياة الشخصية، وهو تاريخ لا يتعارض مع الانتماء إلى الإسلام، فالإسلام قابل للتأويل مع الزمان والمكان وأشكال تنظيم السلطة والدولة غير قابلة للتأويل، الدولة نص والإسلام تأويل، من هنا حيويته وتعدد تمثيله وأشكال تجسّداته.
حيوية الانتماء إلى الإسلام تكتسب فاعليتها من التنوع في طبيعة هذا الانتماء، وتفقد هذه الفاعلية حيويتها بمجرد حكر هذا الانتماء في نمط تدين الجماعات الدينية المسيّسة. مهمة الدستور أن يكفل الحرية الشخصية للفرد في المجال العام، والحريات الفردية جزء أصيل لا يجوز الانتقاص منه بحجج تجعل أعمال الحياة صعبة، أعمال الحياة التي تضج اليوم بطوائف من ديانات مختلفة وعمّال من جنسيات مختلفة واقتصاد من موارد متعددة. لندع هذا الانتماء حياً ليكون جامعا لاختلافاتنا في أشكال تمثيل الإسلام.
أنا لست مع هذا القانون، لأني أريد أن يبقى المجال العام ساحة للحرية الشخصية الفردية التي يقرر فيها الناس خياراتهم من غير وصاية، ومن غير صعوبة، ولأني أريد لنص لدولة أن يُوسّع المجال العام للحريات الفردية.
إن ماء الذهب الذي يريد أحد النواب أن يكتب فيه مداخلات النواب في جلسة حظر الخمور ويتركه صدقة جارية، ليته يكتب إلى جانبه بماء الخمرة مداخلاتهم في الدفاع عن غاسلي الأموال ومديري اللعب بالتركيب الديمغرافي للبحرين. وليته يكتب إلى جانبه بماء المسكرات مداخلاتهم في إجهاض الملفات الوطنية.
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12937
الهوامش
[1]، [5] محمد حسين كامل، قرية ظالمة، دار الشروق، ط,2009 ,3 ص.55
[2] انظر مقالي، خارج ضمير الجماعة على وصلة صحيفة الوقت
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12787
[3]، [6] انظر تغطية صحيفة الوقت لجلسة مجلس النواب البحريني
http://www.alwaqt.com/art.php?aid=201677&hi
[4] عطاء الله مهاجراني، مهرجان النار، صحيفة الشرق الأوسط
http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=562115&issueno=11438
كتب في قسم: مقالات | لا توجد تعليقات » |
Print This Post
بواسطة: علي احمد الديري | تاريخ النشر:الأربعاء, مارس, 2010 |
حين عرفت بوفاة المفكر العربي فؤاد زكريا، كنت ثملاً بقراءة ترجمته للتساعية الرابعة من تاسوعيات أفلوطين، والتي نشرها في 1970 مع مقدمة ودراسة مطولة قيمة.
قرأت نص التاسوعيات في ترجمة فريد جبر، وقد بذل فيها عشرين عاماً من حياته. وطبعها بعناية بالغة، لكني وجدت صعوبة في الدخول على
تاسوعيات أفلوطين عبر هذه الترجمة التي لا أشك في دقتها وجودتها وأعلمية صاحبها التي ترجم لنا كذلك منطق أرسطو عن اللغة اليونانية مباشرة. لكن الدقة والجودة والترجمة عن النص الأصلي ليست شرطاً للدخول على النص.
فرحت كثيراً حين عثرت على ترجمة فؤاد زكريا، مع أنه لم يترجم غير التاسوعية الرابعة، لكنه على عادته في الاحتفاء بالنص المترجم وحرصه على تمكين القارئ من الدخول عليه بحميمية، فقد قدم للترجمة بمقدمة ودراسة مطولة. شعرت أني أدخل قلب النص عبر عتبة رفيعة.
النص المكتوب في القرن الثاني الميلادي مازال ينبض بحيوية أفلوطين الذي كتبه في سياق إعادة الاعتبار للفلسفة اليونانية عبر استعادة أفلاطون (347 ق.م) وروحانيته التي وجد فيها أفلوطين رداً على المسيحية التي أخذت تبسط نفوذها على الساحة العامة «أجورا» بعد أن كانت ساحة للفلاسفة اليونان.
المهمة التي انتدب أفلوطين نفسه لها في سياق عصره، هي المهمة التي انتدب فؤاد زكريا نفسه لها، وهي إزالة الغموض عما يحجب العقل، العقل الذي وجده أفلوطين مهدداً بالعقائد المسيحية التي تدعو إلى التسليم والطاعة والامتثال والخضوع للنص والأمر.
لقد انتدب فؤاد زكريا نفسه لإعادة الاعتبار للفلسفة في الثقافة العربية عبر الترجمة والتأليف والتدريس، بعد أن ضاقت بها الساحة العامة. لقد كانت الثقافة العربية الإسلامية قد ترجمت ملخصاً لتاسوعيات أفلوطين ونسبته إلى أرسطو تحت تسمية «أثولوجيا أرسطو»، وذلك لشدة افتتانها بأرسطو، وهذا ما جعل مناخها العام الثقافي منفتحاً على الفلسفة، ووجدت فيها مصدراً لبناء خطابها عن الربوبية «أثولوجيا» بناءً عقلياً نقدياً.
كان أفلوطين يعبر عن مفهومه الفلسفي للربوبية بقوله «فحاذر من حد الإلوهية بموجود واحد، فعندما نراها، كما يظهرها لنا الله نفسه، متعددة، نكون قد عرفنا قدرة الله.. أن تكاثر من الآلهة التي إليه رباطها وبه وجودها ومنه مصدرها».
إن قدرة الله في أن يكاثر من الآلهة لا تعني الشرك ولا تعني وجود أكثر من الله، بل تعني تعدد تجلي صورة الله، وهذا ما أبرزه خطاب المتصوفة في حضارتنا، وعلى رأسهم ابن عربي الذي اتسع قلبه لكل صور الألوهية، وصار كاهناً للعالم وفق مقولة الفيلسوف الأفلوطيني بروقلس «على الفيلسوف أن يكرم آلهة الأمم جميعاً، وبذلك يصير كاهنا للعالم كله».
كان فؤاد زكريا مناضلاً ضد كل ما يحجب العقل ويحول دون ممارسته لدوره الفعّال النقدي في الساحة العامة. كان ضد تحويل الفلسفة إلى خطاب ملغز أو خطاب يبرر للسلطة ممارسة استبدادها وتضليلها.
وقد جسّد ذلك في مواقفه العملية، وعلاقاته الشخصية، ففي بداية الستينات أرسل لمطاع صفدي قبل أن تطبق شهرته الآفاق، رسالة تضمنت إعادة صوغ لموضوع كتبه صفدي كتابة معقدة يصعب فهمها ونشرها في مجلة الآداب البيروتية. أعاد كتابة الصفحة الأولى من الموضوع كتابة واضحة ومبسطة وأرسلها للكاتب فرد عليه بلطف أنه يقدر وجهة نظره ويستوعبها جيداً. لقد استعاد هذه القصة في نهاية التسعينيات في مقال له تحت عنوان «الغموض والوضوح في الكتابة»[1] نشرها في مجلة الفلسفة والعصر.
يقول عن صفدي «يبدو لي بعد ما يقرب من أربعين سنة لم يستوعب وجهة نظري بالقدر الكافي» ويستدل على ذلك بمقال نشر له بعد ثلاثين سنة وفيه يصف صدام حسين بالقائد التاريخي والقائد الضرورة في سياق جمل معقدة من نوع «إن المايحدث لا يقتصر على المعرفي، بل هنا المعرفي متحد ومعارض للقوى في ذات الوقت».
إن هذا النمط من التعقيد يحجب الفهم ويصفّد العقل، ولا يسمح للخطاب الفلسفي الذي تخصص فيه مطاع صفدي أن يمارس نقده في كشف التضليل الذي يمارسه المستبدون.
وهذا ما جعل فؤاد زكريا محارباً فذًّا ضد أي خطاب يحجب الحقيقية ويعطل فاعلية النقد، كما في موقفه النقدي من سلطة خطاب محمد حسنين هيكل في كتابه «كم عمر الغضب؟ هيكل وأزمة العقل العربي»[2] وفيه أوضح أن خريف الغضب يتجاوز فترة السادات ويشملها ويمتد إلى حيث تمتد أزمة العقل العربي مع الحرية المصادرة من قبل أنظمة الحكم السياسية وحيث تمتد أزمة العقل العرب مع التفكير العلمي المصادر من قبل الخطاب الديني، وقد واجه بمفرده خطاب القرضاوي والغزالي والشعراوي. الغضب ليس من حكم واحد ولا من حقبة واحدة ولا من جهة واحدة، إنه الغضب من هذا الكل المركب الذي صنع أزمة العقل.
لقد رحل فؤاد زكريا، لكن لا ندري كم به من غضب الآن؟
[1] هكذا تكلم فؤاد زكريا، كتيب صادر مع الملف المخصص للاحتفاء بفؤاد زكريا، في مجلة إبداع، العدد .2009 ,12
[2] فؤاد زكريا، كم عمر الغضب؟ هيكل وأزمة العقل العربي، ط ,2 دار القاهرة .1984
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12884
كتب في قسم: مقالات | لا توجد تعليقات » |
Print This Post
بواسطة: علي احمد الديري | تاريخ النشر:الأربعاء, مارس, 2010 |
تروي الأسطورة أن الرومي في أحد الأيام أراد التفكر قرب إحدى البرك لكن الضفادع أزعجته بنقيقها فقال لها ”إن تقلن أحسن من هذا فقلن حتى نصمت نحن، وإلا فاستمعن” ولأمد طويل لم يسمع نقيق الضفادع في تلك البقعة[1].
الضفادع حيوانات برمائية لكن يمكنها أن تكون ظاهرة سياسية وإعلامية مهمتها إزعاج الميدان المشترك الذي تتبادل فيه الجماعات آراءها واختلافاتها وتدير فيه صراعاتها ومصالحها، بنقيقها الذي هو عبارة عن ضجيج مفتعل يأتي في صورة تهويل من خطر جماعة ما أو رأي ما أو ظاهرة ما أو خطاب ما. أو في صورة تسميم أو في صورة استنكار أو في صورة تحذير وتخويف بغرض إسكات الصوت الذي لا ترغب فيه.
يتحول الميدان المشترك أو الساحة العامة ”أجورا” بأجهزة الإعلام والصحافة والمنابر والمنتديات إلى مستنقعات ضجيج تترع فيها هذه الضفادع وتمرح وتستقوي على خصومها بفرض نقيقها على الساحة ولا تسمح لأي صوت أن يقول أحسن من نقيقها، بل إنها لا تسمح لأي صوت أن يتجرأ على أن يطلب منها أن تقول شيئا مفيداً أو تصمت، كما فعل جلال الدين الرومي، وتمكن بجرأته من أن يسكت نقيق الضفادع.
وجدت الدراسات المعنية بالضفادع ”أن ضفدعة السهام المسمومة الذهبية يفرز جلدها سماً يعد من أقوى أنواع السموم.. و تحتوي الضفدعة البالغة على سم يكفي لقتل 1500 إنسان”
والضفادع السياسية تملك سماً مدعوماً ونافذا ويملك قوة تدمير الحقائق، والمطالب الوطنية وتحويلها إلى مطالب تآمرية وتحويل الحقوق السياسية إلى حقول ألغام ترعب كل من يحاول مسها أو الاقتراب منها. إنها تسمم ظواهر الكلام وبواطنه فتتسبب بحالات إسهال حادة. والمثال البعيد القريب على تسميم هذه الضفادع السياسية للخطاب السياسي المعارض لبركها الآسنة، هو نقيق الضفادع التي اشتغلت على إيقاع رائحة ترشح محمد البرادعي للرئاسة دون أن تخشى من خبرته النووية والذرية.
لقد حرّك البرادعي بركته بحجر وصوله إلى مصر، وحركّت الوفاق بركتنا بخطاب أمينها العام، لقد كان حظي أسوأ من حظ الرومي فالرومي كان منزعجا من بركة واحدة وضفادعه احتكمت إلى كلامه العاقل، أما أنا فكنت واقعا بين بركتين، بركة الضفادع المصرية حيث كنت في زيارة إلى مصر، وبركة الضفادع البحرينية، وضفادع البركتين لا تحتكمان إلى حجة الرومي، بل تحتكمان إلى حجة ما الذي يريده منا صاحب البركة الذي هو صاحب البركة والذي هو صاحب المزرعة التي فيها البركة والبركة، بل إني كنت منزعجا من نقيق ضفادع حالتنا التي حالتها حالة، بسبب أني ظللت أياما أقلّب كلمات الخطاب الذي بلبل ضفادع البركة ولا أعثر فيه على شيء يفسر لي حالة استنفار الضفادع، وهذا ما ضاعف من حالة الانزعاج أكثر، حتى إني اضطررت أن أستعين بخبير نقيق الحالة البحرينية واللبنانية الشقيق حسين خلف، ولم يسعفني بما يخفف عني انزعاج عدم الفهم.
والضفادع السياسية لديها خبرة علمية بنقيق أخواتها الضفادع، وأعتقد أنه جمع تدليع وتمييع. وهذه الخبرة تمكّنها من استثمار الحقيقة العلمية التي تنق على أن صوت ضفدعتين يبدو كأنه صوت ملايين من الضفادع. وعليه فليس مهماً أن نقيقها يعبر عن غالبية الشعب أو إرادته في التغيير، فلديها القدرة مهما كان صوتها لا ينوب إلا عن عدد قليل أن تبدو كأنها تمثل الملايين.
بهذه الخبرة حرك صحفيان دعوى قضائية بمحكمة القضاء الإداري ضد وزير الداخلية لأنه لم يأمر أجهزته بالقبض على مؤسسي جمعية البرادعي ”الجمعية الوطنية من أجل التغيير” والتي أسسها 30 شخصية عامة، وتهدف للضغط على النظام المصري لتعديل الدستور. وجاءت نقنقتها في صيغة اتهام، فقد اتهمت الجمعية بإحداث ”فوضى عارمة عبر حثها للجماهير على أحداث شغب” مشيرة إلى أن ”أولى اجتماعات الجمعية السرية كان هدفها الإضرار بالوطن والمواطنين عبر التخطيط للضغط على النظام لإلغاء الدستور ووضع دستور جديد للبلاد، من شأنه قلب نظام الحكم. وأضافت أن أصحاب الجمعية لهم علاقات بمنظمات وهيئات دولية منها معادٍ لمصر دولة وشعباً[؟].
وتبلغ النقنقة مداها الأقصى حين تعتبر الضفدعة نقنقتها بياناً وضد الغباء، كما الأمر مع رئيس مؤسسة ”مواطنون ضد الغباء السياسي” والتي تأسست العام ,2007 الذي قدم أول بلاغ للنائب العام ضد البرادعي قائلا: إن الأخير ”يثير الفتنة السياسية ويستخدم كراهية الحركات والقوى السياسية للحكومة، بما يؤثر على أمن وسلامة البلاد في الفترة الحالية[؟].
ولسان الضفدع كثير الحركة وهو معلق في مقدمة الفم ويمكن قذفه بسرعة إلى الخارج للقبض على الفرائس الصغيرة، وهي بهذا اللسان يمكنها أن تحول عبارات من نوع ”تدخلات أجنبية، الشؤون الداخلية، القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية، طاعة ولي الأمر، التحالف مع الكفار والمشركين والتآمر على الوطن. إقحام الأجنبي والتآمر على الوطن والتحالف مع أعداء الدين الإسلامي، تغيير نظام الحكم، الإساءة للعائلات” تحول هذه العبارات حين تمر عبر كيسها الهوائي إلى نقيق، فلا نعود نفهم شيئا ولا نسمع شيئا، سوى نقنقات الاتهام والتسميم دون منطق يبين عن مقاصدها.
والذي يمكنها من فعل ذلك بمهارة فائقة هو أن الضفدع يمتلك أطول لسان نسبياً بين الكائنات الحية، إذ يبلغ لسانه نصف طوله، وقد أعد بما عليه من مواد لزجة لصيد الذباب، وهو مثبت من الأمام وسائب من الخلف بعكس لسان الإنسان.
وربما لهذه الميزات صار يطلق على صوته عدة تسميات لعلها تفيه حقه: النقيق والنقنقة والكش والهدر والهدير. لكن أيا كانت التسمية، فهي لا تقول إلا ما في كيسها الخالي، وهي تزعج رأس جلال الدين الرومي الملآن بصمت التأمل والتفكر.
لقد تعددت أسماء الضفادع: العلجوم، الغيلم، العينوم، النقاق، أبو هبيرة، أبو معبد، أبو الضحضاح، أبو غائص. ويجمع الضفدع على ضفادع وضفاد. وتعددت أسماء أبنائها: الشرعوف والشرغوف والشرغ والشُّقدُع، وتعددت صيغ جمعها: ضفادع وضفاد. وظلت بركها آسنة بفعلها.
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12837
هوامش
[1] أنيماري شيمل، الشمس المنتصرة: دراسة آثار الشاعر الإسلامي الكبير جلال الدين الرومي، ص193
(؟)
http://www.shbeebnews.net/arab/1603-2010-03-02-09-32-10.html
(؟) Read more: http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1235340234571&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout#ixzz0haMkHtEA
كتب في قسم: مقالات | لا توجد تعليقات » |
Print This Post
بواسطة: علي احمد الديري | تاريخ النشر:الأربعاء, مارس, 2010 |
ما الذي يجعل رواية صغيرة لا تتجاوز225 صفحة من الحجم المتوسط، مكتوبة بأسلوب بسيط ومن غير تقنيات روائية عالية، منشورة في,1957 قابلة للقراءة بل قابلة لأن تكون من الروايات الأكثر مقروئية؟
إنها «قرية ظالمة» الرواية الوحيدة لطبيب الجراحة المصري محمد كامل حسين (1901-1977) وقد أعادت طباعتها دار الشروق ثلاث مرات بين (2007-2009) وترجمت إلى لغات عديدة كالإنجليزية والفرنسية والإسبانية والهولندية والتركية، واستحق من أجلها
جائزة الدولة في الأدب العام .1957
أعتقد أن السبب يكمن في قدرتها التفسيرية للسلوك الإنساني الذي يتجلّى في أفعال الفرد والجماعات على مرّ التاريخ، إذا تمكنت الرواية من تفسير جانب من هذا السلوك تفسيراً صالحاً لقراءة ما حدث في التاريخ وما زال يحدث اليوم، فإنها ستكون جديرة بالقراءة والخلود. فما الذي فسرّته هذه الرواية؟ لقد فسّرت ضمير الجماعة.
تقع أحداث الرواية في أورشليم «القرية الظالمة» في يوم الجمعة الذي صُلب فيه المسيح، تبدأ أحداثها في هذا اليوم الذي أجمع فيه بنو إسرائيل في دار الندوة على أن يطلبوا من الرومان صلب السيد المسيح. الرواية قائمة على جدلية أن الجماعة التي يقودها رجال المال والتجارة والصناعة وذوو النفوذ الدنيوي تريد صلب المسيح، فهو يهدد «حياة بني إسرائيل، شعبا وديانة ونظاما»، في حين أن ضمير الأفراد الشخصي الذي تتكون منه هذه الجماعة لا يريد صلبه، فهو يدعو إلى المحبة والسلام والتسامح مع بني الإنسان وجعل الإنسانية تعلو على القومية والوطنية. إنه ”لم يؤذ أي فرد من بني إسرائيل، ولن يؤذيه أي فرد منهم، لكنه يؤذي إسرائيل مجتمعة”[1] فلا بدّ أن تؤذيه إسرائيل مجتمعة، هذا هو منطق الجماعة.
في خارج دار الندوة علت الأصوات التي تنادي بقتله وحجتهم ”أن علماءهم قرروا ذلك وهم أدرى وأعلم ولا يمكن أن يجمعوا على خطأ”[2] في حين أنه داخل دار الندوة كان ضمير كل عالم من العلماء يعرف أنهم مخطئون في حكمهم الذي أفتوا به قبل يوم، لكن لا يجرؤ هذا الضمير أن يخرج إلى الناس ويعترف بالخطأ. النتيجة في ”ذلك اليوم أراد الناس أن يقتلوا ضميرهم”[3].
ليس عقلك فقط الذي تفقده مع الجماعة، بل حتى ضميرك، والضمير تكوين من تكوينات العقل، حين تكون في جماعة تفقد عقلك الفردي وتكون في آلة الجماعة، والآلة لا ضمير لها. الجماعة تحرق وتصلب وتقاطع وترجم وتكفّر وتقتل وتسحق دون شعور، دون ضمير، قد يستيقظ ضميرها لاحقاً، لكن بعد أن يكون فعلها تاريخاً من تاريخ جماعتها.
تستوي في ذلك الجماعات كلها، جماعة بنو إسرائيل حين صلبوا المسيح، وجماعة الاثينيين حين جرّعوا سقراط السُم، وجماعة فقهاء صلاح الدين حين حكموا على فيلسوف الإشراق السهرودي بالقتل، وجماعة فقهاء الخليفة المقتدر بالله حين حكموا على الحلاج بالقتل، وجماعة جمهور بني أمية حين قتلوا الحسين، وجماعة الرايخ الثالث بقيادة هتلر حين أحرقوا اليهود، وجماعة (…) حين نكّلوا بجماعة السفارة كما سمّوهم أو جماعة الأمر كما سمّوا أنفسهم، وجماعة المسيحيين حين سحلوا الفيلسوفة هيباتيا في شوارع الإسكندرية، وجماعة المسلمين حين حكموا على سليمان رشدي بالقتل.
سيبقى الضمير فرداً يخاطبه الوعاظ الذين يسلبون الجماعات ضميرها، وتلك مفارقة عجيبة، كيف يستفردونهم فيخاطبون ضميرهم حين يكون الذنب يتعلق بالله، وكيف يجمعونهم جماعات بلا ضمير حين يتعلق الذنب بالإنسان.
الضمير خارج الجماعة ”إن ضمير الفرد لا يمنع أن ترتكب الجماعة أعظم الذنوب، ما دامت ترتكب باسم الجماعة، والضمير وحده هو الذي يصرف الناس عن الشر، والجماعات لا ضمير لها”[4]
كأن التاريخ سلسلة من لحظات انعدام الضمير، وهي اللحظات التي تتيح للجماعات أن تشن الحروب وتتباهى بالقتل وتغتصب بالقوة. الله ليس مع الجماعة، الله مع الفرد في قلبه وإحساسه، تجد الله في لحظات الخطف الصوفي، أما لحظات الاهتياج الجماعية، فلن تجد غير الغضب والكره والجنون يُعلّق الله وأنبياءه في لافتات وشعارات تعبر عن النفس الأمّارة بالقتل لا القلب الأمّار بالحب.
الجماعة تخلق القوة والقوة عمياء لا ضمير لها. ومتى فكّر فرد أن يخرج من إجماع الجماعة ليذكرها بالضمير أو العقل، فلن يجد غير القوة تلجمه تحت سنابك خيلها. لحظتها حتى علماء الجماعة لا يمكنهم أن يراجعوا مواقفهم أو يتراجعوا، كما هو الأمر مع العالم (قيافا) الحكيم العادل الطيب الذي تولى شؤون بني إسرائيل وظل ضميره معذباً في ذلك اليوم، يوم موت الضمير، وموت الرأي الفردي.
لقد ظل (قيافا) ليلة اتخاذ قرار صلب المسيح، يقلّب ضميره ورأيه وعقله في حيرة واضطراب، توصل إلى معادلة يمكنها أن تفسر لنا منطق موت الضمير الجماعي ”إن أكبر الجرائم إذا وزعت على عدد من الناس أصبح من المستحيل أن يعاقب الله أحدا من مرتكبيها… وإذا كان الذي يعلم الجريمة لا يصنع أداتها، والذي يصنع أداتها لا يعلم عنها شيئا فإنها تتم بسهولة. إن هذا التوزيع يجعل الناس في حيرة، أين يقع عذاب الله. هكذا ترتكب أكبر الجرائم دون عقاب، ألا ترى الله والناس لا يعاقبون أحدا على ما يرتكب في الحروب من فظائع… لأنها ترتكب باسم الجماعة”[5]
لقد طورت الجماعات أشكال تنظيمها فصرنا نتحدث عن جرائم النظام أو السلطة أو الدولة بدل الحديث عن جرائم الجماعة أو الطائفة أو المذهب، لكنها لم تطور من ضميرها، بل صارت السلطة نظاماً بلا ضمير، يقتل ويعذب وينفي باسم الأمن القومي والوطني والديني والمصلحة العامة.
إذا أردت أن تبقي ضميرك حياً حسّاسا، فكن خارج الجماعة، لتشعر بصغائر الذنوب وكبائرها، مهما كان نصيبك منها.
هوامش
[1]، [2]، [3]، [4]، [5] محمد حسين كامل، قرية ظالمة، دار الشروق، ط,2009 ,3 ص,60 ص,76 ص,8 ص,28 ص26
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12787
كتب في قسم: مقالات | لا توجد تعليقات » |
Print This Post
بواسطة: علي احمد الديري | تاريخ النشر:الأربعاء, فبراير, 2010 |
سقاية الحجيج، كانت المهمة المقدسة التي يتنافس على تقديمها أشراف مكة، من يحظى بشرف هذه المهمة يصبح علماً يشار إليه. هناك في وسط مكة حيث الجدب يهدد حياة الناس، تصبح السقاية ضمان حياة، لكن حين يكون لديك النيل وثقافته الضاربة حضارتها في التاريخ، لن تحتاج أن تسقي أحداً ماء، لكن ستحتاج أن تسقي جيلا ثقافة في وسط كل ما فيه يهدد العقول بالتحجر والقلوب بالغلظة والنفوس بالكراهية. هذه هي مهمة ساقية الصاوي، مركز ثقافي يقدم سقايته ليست السنوية ولا الأسبوعية، بل اليومية لآلاف من الشباب والشابات بالدرجة الأولى والأطفال والكبار.
ليس مكاناً لصناعة الوجاهة، بل هو مكان لصناعة الوجوه المقبلة على الحياة بتعدد في الألوان والأفكار والفنون والاتجاهات. تقرأ في ملصقات المكان ما يشير إلى أنه في الساقية ليس أحد أفضل من أحد أو مقدم على أحد أو لديه واسطة لأحد، من أكبر مسؤول إلى أصغر عامل، هناك فقط، خلايا تعمل، وفق إيقاع حركة الساقية، من غير تراتبيات.
أنشأ الساقية محمد الصاوي نجل الأديب المصري عبد المنعم الصاوي في العام 2005 واستقى الاسم من خماسية الساقية التي تعتبر العمل الأشهر لوالده. تمّ اختيار المكان تحت كوبري 15 مايو بشارع 26 يوليو أمام سنترال الزمالك. تعتبر أول المراكز الثقافية الخاصة في مصر وأوسعها انتشارا وتطمح في مئوية الصاوي في 2018 أن يكون لها مائة فرع، وتعد نموذجاً للكيانات الثقافية في عصر ما بعد الثقافة الحكومية، أو يمكن القول بعد ثقافة «ما لا يُعول عليه».[1]
حين دخلت الأسبوع الماضي لأول مرة المكان، كنت أتلفت بحثاً عن آثار ساقية قديمة قد تكون الساقية قد أقيمت عليها، عرفت لاحقاً أن المكان كان خربةً وكاد أن يصبح مزبلة قمامة، قبل أن يهتدي المعماري المهندس محمد الصاوي إلى فكرة استثماره في مشروع ثقافي يخلّد فيه اسم أبيه الذي تولى وزارة الإعلام والثقافة في السبعينات، وكان مؤسس أول وكالة أنباء عربية وهي وكالة أنباء مصر.
ترتبط الساقية في الذهن بالزراعة والحقل والأرض والفلاحة، والثقافة في معانيها اللغوية والانثروبولوجية ترتبط بالزراعة والحرث والتشذيب والتقليب والتقويم والاستثمار في الأرض. لم يبتعد مدير الساقية وقلبها النابض بحركتها المهندس محمد الصاوي عن حقل الزراعة في مشروعه ساقية الصاوي، لكنه هذه المرة، سخّر أدوات الحقل للاستثمار في الإنسان، زراعة الإنسان وتقويمه وإثراء تربته بأقصى ما تسمح إمكاناته. الماء يرمز دوماً للحياة، يسقي كل ما هو حي، والساقية قرينة الماء، لذلك صارت الساقية تبعث الحياة في جيل متعطش لماء جديد.
وتكريماً لسقايتها للثقافة فقد حصلت الساقية على وسام الاستحقاق الألماني جائزة يمنحها الرئيس الألماني للأشخاص الذين يساهمون في توصيل الثقافة الألمانية للشعوب، كما حصلت على جائزة مؤسسة الفكر العربي في حقل الإبداع.
ثقافتها تسقي الحواس كلها، هناك الحفلات الموسيقية والغنائية والمعارض التشكيلية والورش الثقافية والمحاضرات والندوات والمسرح والسينما والحملات والمهرجانات. كل ذلك يقدم من خلال ثلاث قاعات، قاعة الحكمة وقاعة الكلمة والقاعة النهرية المفتوحة على طراوة النيل. ستسمع في هذه القاعات، إيقاعات أبرز نجوم فرق موسيقى الجاز والموسيقى الغجرية والراب وأخرى تعرض ثقافات مختلفة من أنحاء العالم. وستجد في كتيب برامجهم الشهري الأنيق إعلانات لموسيقى نصير شمة وعمر خيرت وعلي الحجار.
الرؤية التي تعمل من خلالها الساقية، الثقافة صناعة حياة، ليست الثقافة ترفاً فكرياً أو نظرية نتباهى بها بل هي ممارسة حياة، صناعة نغير من خلاها واقعنا ونمط حياتنا، وهذا ما يتبدى في صرامة السلوك الحضاري الذي تفرضه الساقية على روادها: لا تدخين، لا تأخير في مواعيد الفعاليات، وستقابلك لافتة حمراء شديدة التحذير من سلوكيات الإزعاج أو مضايقات الآخرين أو الإساءة إلى البيئة. تمارس الثقافة في الساقية ولا أقول تقدم الثقافة، لأنها معنية بأدق التفاصيل المتعلقة بالطريقة التي تقدم بها برامجها، لا يمكنك أن تكون عضوا فيها أو مرتاداً لفاعليتها دون أن تكيف سلوكك مع طريقتها التي تفرض عليك ذوق احترام كل الأشياء.
يقول الصاوي مهندس ماء ثقافتها، إنه مع حركة دوران الساقية تطور مفهوم الثقافة في مركز الساقية، فأصبحت الثقافة هي النور؛ لأن دور الثقافة لا يخرج عن إزالة الغموض، وتوضيح الطرق المختلفة للإنسان كي يختار منها من واقع ضميره ووعيه لما يناسبه، لذلك فشعار الساقية لعام 2010 هو عام النور. بعد أن كان العام الماضي عام الكرامة. الشعارات السنوية لا تضعها الساقية للاستهلاك الإعلامي، بل تتحول إلى مشاريع عمل جدية، وتجد محاولات تطبيقاتها في ثقافة الشارع المصري.
شعار النور يستعيد في الذاكرة مشروع التنوير في الثقافة المصرية الذي لم يتمكن من أن يحافظ على وهجه فانطفأ في الربع الأخير من القرن العشرين، في حين أن التنوير الذي كان الشرارة الأولى لنهضة أوروبا، قد أنجز مهماته الأساسية التي حددها الفيلسوف ايمانويل كانط في 1784 في تعريفه للأنوار بـ«أنها خروج الإنسان من قصوره الذي هو نفسه مسؤول عنه. قصور عجزه عن استعمال عقله دون إشراف الغير، قصور هو نفسه مسؤول عنه، لأن سببه يكمن ليس في عيب في العقل، بل في الافتقار إلى القرار والشجاعة في استعمال عقلك أنت: ذلك هو شعار الأنوار».
تبقى هناك إشكالية تتعلق بطبيعة الثقافة العربية والمصرية خصوصا، وهي التوفيقية، وهي إشكالية مازالت تستقي منها ثقافتنا ما يطمئنها ويهدئ من خوفها على ثوابتها، حتى لو أدى الأمر إلى أن تمسك بتناقضاتها بيدٍ واحدة، وتلك إشكالية تحتاج إلى سقاية أخرى.
سألت صديقي الأربعيني أسامة صلاح الدين أحد أعضائها عن الساقية، فقال: أبرمج شهري وفق فعاليات الساقية، وأضبط إيقاع عملي وفق أجندتها، صارت جزءا من حياتي ورافداً من روافد غذائي الروحي. أحيانا آتي في صباحات الصيف، حيث شرفتها المطلة على النيل (طراوة) كي أستقي منها ما ينعش كلي.http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12739
كتب في قسم: مقالات | تعليق واحد » |
Print This Post