“مهاجر في زمن الجدري”: لماذا يهاجر البحراني؟

“توارث أهل الحلة [سماهيج] عن أجدادهم أن الله يفرش للمهاجر في البحر طريقًا يَبَساً”.

 

حين وصلتني رواية الصديق دكتور عمار الخزنة (مهاجر في زمن الجدري) كنت منهمكًا في قراءة رواية (الموريكسي) للروائي حسن أوريدي، تحكي الرواية قصة الموريسكيين. وهذا تعبير قدحي يشير إلى المسلمين من العرب والأمازيغ وغيرهم من الذين طردوا من الأندلس بعد سقوطها والفشل في جعلهم مسيحيين مؤمنين، تعرضوا لمحنة إنسانية أيام محاكم التفتيش، اضطروا فيها لإخفاء إسلامهم ولغتهم.

تعرض الرواية سيرة عائلة مسلمة مكوّنة من الأب (قاسم: دييغو) الذي يضطر لإخفاء إسلامه واسمه وإسلام زوجته (فاطمة) وإسلام أبنائه (أحمد: بيدرو وزهرة: إيناس). يُخفي الأب الفقيه هويته في شكل فلاح مسيحي بسيط، لكنه في الخفاء يحرص في غرفة صغيرة ملاصقة لحظيرة الحيوانات على تعليمهم اللغة العربية والإسلام، ويطلب منهم أن يتكتموا على العالم السري الذي يعيشونه في البيت، كي يحافظوا على الحياة التي هي أعظم ما وهبه الله لنا.

لقد أوقفت قراءة رواية (الموريسكي) وشرعت في رواية (المهاجر) أنهيتها خلال 24 ساعة، ما شعرت أني غادرت الحكاية، فالمشاعر التي تملكتني وأنا أتابع قصة عائلة قاسم هي نفسها المشاعر التي تملكتني وأنا أتابع قصة علي بن غانم وأبنائه عيسى ومحمد وخزنة ونرجس، عاشوا في قرية سماهيج في القرن التاسع عشر، حيث البساتين والنخيل وعيون الماء والبحر وحظور صيد السمك المعروفة وسفن الغوص وعالم اللؤلؤ والنواخذة والغاصة والطواشين.

يصطدم الأب بن غانم ذو الأنفة والعزة والكرامة بفداوية الشيوخ (أولاد إبليس) فيضطر لاتخاذ البحر طريقًا للهجرة إلى البصرة ويبقى هناك حتى موته. وبعدها بعقود من السنوات يعيد ابنه عيسى الذي يحمل طباع أبيه القصة نفسها بعد أن يعمد الفداوية إلى سرقة (حظرته) فيدافع عن كرامته ويقتل اثنين منهم في سر (حظرة الهاشمية) بالحربة التي كان يحملها عادة البحار معه حين يباري مصائده، فيلحق بطريق أبيه حيث يتخذ البحر مهربًا. إنها القصة نفسها التي تعرضت لها العوائل الموريسكية المسلمة فقد سلّط عليهم القشتاليون المرتزقة الذين يستخلصون أجورهم من النهب والسلب.

والحظرة طريقة تقليدية شائعة لصيد السمك القريب من السواحل [انظر الفيديو المرفق] تتكون من شباك مثبتة بأعمدة بشكل شبه مثلث وبها مدود وسر، يجتمع معظم السمك في سر الحظرة وقت الجزر. ولكل حظرة اسم ووثيقة ملكية.

لماذا هاجر بن غانم؟

لأنه لا يريد أن يكون غريبًا داخل وطنه، فضل الغربة عن وطنه، الغربة بالنسبة له أن يفقد كرامته، ويُهدد برجال الشيوخ الإقطاعيين “إنك تتكلم على أسيادك وتحرض الناس على العصيان”. أن يكون هناك فداوي مرتزق نهّاب يحرق حضار (سور) بستانه (مسعّد) ويعبث بحق ملكيته وإرادة تصرفه وحرية قدرته ويحولون بينه وبين بستانه، ما عاد قادرًا على أن يرفع رأسه في مستوى نخيله، صار يشعر بالغربة بين رأسه ورأس نخلته، وما عاد ابنه عيسى قادرًا على أن يحفظ سر حظرته (الجوجبية والهاشمية) مصونًا عن النهّابة المحميين من قبل الشيوخ.

عاش بن غانم على أطراف ميناء البصرة وظلت عيونه لأكثر من أربعين عامًا على البحر، يحلم بالعودة إلى ديرته الحلة (سماهيج)، ينشد معبرًا عن شوقه لبستانه وحظرته وأهله:

يا ناس أنا بي علة

من واحد (بالحلة)

يا ريتني (طير) له

وأسامره طول الليل…

هاجر رجال العائلة، وماتت نرجس من وباء الجدري، وبقيت (خزنة) تحفظ البيت والعائلة والحقل والحظرة، كانت تجهّز زوادة الطريق للمهاجرين من عائلتها وتولّد نساء القرية وتزرع الأمل بالعودة. تركت لنا وثيقة تاريخية مهمة تثبت ملكية الحظرة لأبيها بن غانم. في ذاكرة (خزنة) سر تهجير أبيها، وسر قصته، وسر كرامته، وخزانة حكاية الحلة (سماهيج). لاحقًا صار بيت بن غانم يعرف ببيت أولاد خزنة، وصارت القابلة خزنة واهبة الحياة والكرامة مانحة ألقاب، فأصبح أحفادها يُلقبون باسمها ويُعرفون بعائلة (الخزنة).

رواية"مهاجر في زمن الجدري" للدكتور عمار الخزنة

رواية”مهاجر في زمن الجدري” للدكتور عمار الخزنة

كل مولود لابن غانم يأتي على رأس حلم يشي بسيرهم ومصائرهم في الحياة، حلم تجري أحداثه في (سر حظرته) فيكتسب المولود طبائع شخصيته من طبيعة الحلم الذي يجري في (السر). أودع بن غانم فيهم خير السرّ وبركاته وعلّمهم أن كرامتهم دونه، عليهم أن يحفظوه ليصونوا وطن كرامتهم.

الدرس الذي يتذكره أبناء بن غانم ويروونه لبعضهم بعضًا كان في سر حظرة الهاشمية، قال لهم: السمك كباره وصغاره يموت بصمت إلا سمكة (الزمرور: القرضي) الصغيرة فإنه يُعلّم قاتله إنه لن يموت بصمت، يعكر مزاج قاتله بصوته، لذلك لا تسمحوا لأحد أن يقتلكم بصمت.

حفظ أبناء خزنة هذا الدرس (لا تسمح لأحد أن يقتلك بصمت)، هذه الرواية (مهاجر في زمن الجدري) هي صوت عيسى بن غانم وأبيه وعائلته من أبناء خزنة وأحفادها، ظلوا يروونها جيًلا بعد جيل من خزانة القلب حتى صارت رواية في خزانة الورق.

*كاتب بحريني مهاجر، مقيم في كندا.

رسالة إلى صديقي سجين الرأي محمد النهام

الأستاذ محمد حسن النهام (مواليد1971) مدرس أول علوم في المعهد الجعفري، صديق صباي في قرية الدير، اعتقل في 2017 ضمن ما سُمي بـ(مجموعة الدير) وحكم عليه بالسجن 15عامًا.

إلى صديقي سجن الرأي محمد حسن النهام

أكتب إليك لأنه لم يعد هناك وطن يصلني بك، لم يعد هناك وطن يجمعنا، غادرنا صديقنا الشهيد زكريا العشيري مبكرا في 2011، وأنت لم يتسع لك البحر الذي عشقته وخبرته منذ كنت طفلًا تبحر مع أبيك، ضاق بك فصرت سجينًا، وأنا لم يتسع لي ذلك الذي تأملت أن يكون وطنًا، فصرت مهاجرًا أو منفيًا أو مطرودًا. وُضعنا جميعنا في قوائم الإرهاب، لا أعرف أرهبنا من؟ لكني أعرف فقط قلوب أمهاتنا المرتعشة حزنًا وكمدًا وهضيمة. حكايتنا واحدة في تجليات ثلاث: الشهادة والسجن والهجرة، كلها تعبر عن جوهر واحد، فقدان وطن يلملم بأجنحته أبناءه، ويعطف عليهم بظلاله.

كل منا دفع ثمن صدق ما آمن به، ما كان لنا أن نحافظ على إنسانيتنا وسط هذا التوحش اللاإنساني، وما كان لتربيتنا أن تُعطي إلا ما فيها من أمثولات وأحلام بالعدالة والحرية والحق.

أسترجع الآن الأديب المناضل (برتولد بريخت) في كتابه (حوارات المنفيين) كان يكتب باستمرار لمواطنيه، ويبعث فيه الأمل، ويوقد إرادتهم، ويشجعهم على مقاومة الفاشية والدكتاتورية، لذلك كانت كتبه تحظر وتحرق في ألمانيا الهتلرية، أسترجعه الآن لأنه يُلهمني للكتابة إليك، ولأن هذه الرسالة  محظورة أن تصل إليك، وكتبي كذلك محظورة ومصادرة، أشعر أن (بريخت) أحد الآباء الرمزيين لأمثالنا من المنفيين في أوطانهم أو خارج أوطانهم.

أحتفظ بصورة جميلة لك، من صور الصبا، الفتى ذو الابتسامة الدائمة والضحكة الحاضرة في المواقف والمقالب والحكايا، صاحب الذاكرة النقية القوية الذي يستطيع استرجاع المعلومات وأبيات الشعر والأحداث بشكل مدهش، الفتى الذكي حاضر البديهة القادر على جمع معطيات تفصيلية كثيرة، والقادر على سردها بشكل منتظم وواضح، مادة الأحياء بتفاصيل كائناتها وأجهزتها وأسمائها ما كنا قادرين على تحملها، وكنت أنت متفرد بها، حتى صرت مدرسها الأول قبل اعتقالك.

حاضر بقوة اسم والدتك في مخيلتي (مريم سلطان) تردده أمي بمحبة ووفاء، لصداقة وعشرة دامت بينهم، ما كنت أقول لها إنني في بيت محمد النهام، بل كنت أنسبك لأمك: أنا في بيت محمد ولد مريم سلطان. أسأل أمي عنها، فتقول لي: علاقتنا بجارتنا أم كريم، فتحتنا على مريم سلطان، وصارت واحدة من أهل (الدريشة، دريشة أم كريم) تتبادل معنا الأطباق والمحبة والنغصة، كانت أم محمد “ما تاكل عنا حارة ولا باردة”. 

عل

فضاء عباس: أي حزن، يبعث ثلج الغربة يا عمة؟

بقلم/فضاء عباس فضل

لا ترى نفسك أمام المرآة، بل ترى صورة بداخلك، الموت يُخرج صورًا لم تكن تراها في مرآتك، أي صور من طفولتي ومكبوتاتي بعث موتك يا عمة؟!
مساحة الصمت الناطق بيني وبينها أكبر من الكلام، خاصة بعد هجرتي القسرية عنها، لغة الإشارة التي تجمعنا لا تحتاج حروف، هي تفهم ما يجول في خاطري دون حاجة لبيان. حين رحل أبي في يونيو 2009م صرت أختار زوايا البيت البعيدة عن عينها، لأنها قادرة على قراءة صمتي وسيماء وجهي المفضوح في قلبها، وهذا هو السبب الذي جعلني أتهرب من الاتصال بها. ما أن أسمع صوتها في لحظات الغربة والضعف، تغرورق عيوني وينحب صوتي، وينقطع الكلام. أعرف أن ذلك يجرح خاطرها، فألوذ بالهروب والانقطاع، كان مخرجي الذي أفقدني إياها كثيراً، كنت أحلم أني سأنهي هذه الحالة بالعودة القريبة لها، لكن القرب استحال بعدًا لا علاج له.
ينتهي غداء يوم الخميس، نرجع فرحين مستبشرين باستقبال عطلة نهاية الأسبوع، رائحة السمك الصافي والرز المشخول والسفرة الطويلة العامرة تنتظر الجميع. لا أطيق الانتظار الطويل، أجلس قرب عمتي (زهرة) ألح عليها أن تبدأ دورة النجاب (سكب الوجبة لي) بذكائها العفوي تحيل لنا بعض المهمات، لتلهينا حتى يكتمل عددنا تقول: قطعي الجح، أحضري الخضار من المطبخ. ينتهي الغداء ولا تنتهي المهمات، هناك دورة غسيل الصحون والمواعين وإعادة كل شيء إلى مكانه.
نتسطح أمام شاشة التلفاز، عمي عيسى ينتظر الساعة الثالثة ظهراً ليزور أباه وأمه في مقبرة الحورة، يستعجل عمتي خديجة في غرفتها، تكون مشغولة بقراءة دعاء القدح على مجموعة من قناني الماء، كلما توفي فرد من العائلة زادت قناني عمتى، حتى إننا كنا نمازحها بعد وفاة خالي (عبدالله زبر) الملقب بالشكر لحلاوة طبعه وحب أمه له، كنا نقول لها إن خالي سيرجع من مقبرة الحورة سباحة للبيت، لكنها لا تكترث لسخريتنا. كانت تقرب شفتيها نحو القناني وكأنها تسر لها بكلمات وفاء خاصة لأحبائها الراحلين، وتقرأ من دعاء القدح”إن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى”.
بحكم العوائل الممتدة والأدوار المتداخل، أنيط بعمتي خديجة القيام برعايتي، فأخذتني بأحضانها طفلة تتفتح الأمومة في كيانها بملامس حواسها، مطبوعة حواسي على أمومة حضن عمتي، لم تغادرني، على الرغم من أنها اضطرت لمغادرتي لدراسة اللغة العربية في جامعة عين شمس بالقاهرة، حينها تسلمتني عمتي رازقية بأحضانها، على أن أرجع سريعاً لعمتي خديجة فترات تواجدها بالبحرين. اشتراك الأمومة بينهما جعلني موضع نزاع، لم يحسم حتى الساعة. صرت ألتزم الصمت بينهما، لأحتفظ بمزيد من جرعات الدلال أكثر. ذلك الدلال جعل عمتي خديجة تفرط في التعويض، صارت تحمل معها الهدايا الكثيرة من مصر، صرت أنتظر قدومها كل عام بمفجآت، مرة تأتي بالجلابيات المصرية الجميلة، ومرة تأتي بحذاء بوت بني محاط بشريط فراء بيج، ومرة تأتي (جِمال) مصنوعة من الخوص.
(السنع) هو كلمة السر في تربية عمتي، ما هو السنع في تربيتها؟ أن تتحمل تكالب المسؤوليات وتقوم بمهماتها ولا تتركها، أن تعطي ولا تعرف حد للعطاء، أن ترتدي السواد عاماً كاملاً، لأن جارتهم أم فلان توفت، أن تحرم نفسها من السفر لأن هناك مسؤوليات عائلية لا تستطيع التخلي عنها، أن يكون كل ما لديك منذورًا للآخرين، ألا تقدم نفسك على بنات أخيك وأبنائه، أن تنذر عمرك كله لتربيتهم، ألا ترى لحجي عباس خلفًا يليق بقامته العالية.
(السنع) كما أفهمه الآن في تربية عمتي خديجة، هو صوتها المحمل بنبرة الاعتذار دون خطأ. هو صوتها اللحوح اليومي المفتوح، في كل صلاة وتسبيحة وزيارة، على السماء بالدعاء “يارب يارب …” لي ولزوجي ولباسل ولأماسيل بالعودة للوطن.
منذ رحيلك يا عمة، تزدادين توهجًا وحضورًا في لحظاتي، حين أخلد للنوم تغيبين قليلاً في البداية ثم تعودي بقوة في مناماتي، أستعيد فيها طفولتي معك، وسنواتنا في بيتنا بالمنامة حين كنا نجتمع في عاشوراء الحسين في حوطة بيت المديفع الملاصقة لبيتنا. أراك تتكلمين، أستيقظ لأرد عليك، لكني لا أجدك، ولا أتذكر التفاصيل لكن أتذكر كيف تستعدي مع خالتي خاتون بعد الانتهاء من الطباخ لغسل أواني الطبخ كلها: عشرة قدور تزيد أو تنقص، مشاخيل، صحون، سطامات، ملاليس. كنت تلبسين قفازك الأصفرغالباً، لتحمي يدك الحساسة من الصابون، ورثت عنك هذه الحساسية منذ كنت أتلمس أمومتك براحة يدي.
تعلمت منك إعادة الأشياء إلى مكانها، كنت أراك كيف تحرصين على إعادة كل شيء لمكانه بعد عملية الطبخ الضخمة. (التكفيض) كما نسميه في لهجتنا التي أحب كلمتها، سأطلب من أماسيل تسجلها في ورقتها التي تجمع فيها مفردات لغتنا اليومية، تمنحها هذه الكلمات قدرة على التواصل مع حفيداتك الكثيرات من بنات خالاتها وخيلانها.
دقيقة عمتي، حتى مع دفاتر طالباتها، تحضرهم معها إلى البيت، وتدقق في تصحيحها، وتمعن في قراءة سطور طلابها، حين تعثر علي جملة مبدعة، ترفع صوتها وتقرأ لنا بفخر إبداعات بناتها. تحبهن كثيرا وتعد لهن الهدايا في نهاية كل فصل. كنا نلومها لكثرة عطائها، لكنها لا تكترث، كنا نقيس أفعالها بمعيار الواجب، وهي تقيس أفعالها بمعيار الحب.
عمو لا شيء يشبهك، ولا كلمات تختصرك، هل كان ذلك (الجمل) هديتك رمزاً أتعلم منه الصبر من دونك؟ وهل كان حذاء البوت ذاكرة أتدفأ بها في هذه الغربة التي حرمتني حتى من وداعك؟

*مقالة رثائية لروح الفقيدة العمة المربية المعلمة خديجة منصور فضل، توفيت في 28 نوفمبر 2019.

في رثاء العمة خديجة

“عندما يقول أحد إن فلانًا خلف لحجي عباس، أقول لا، لا أحد يخلفه، لا أحد يُشبهه، لا أحد يمكنه أن يحل مقامه أو يحصل على مكانه في قلوبنا. نعم لديه خلف (أبناء) نحبهم، لكن لا أحد يخلفه” خديجة
بالأمس، كان رحيلًا صادمًا مفاجئًا آخر في بيت حجي عباس فضل، تمامًا، كما رحل الحاج عباس بدون مقدمات تهيّئ قلوب أحبته العاشقة لفراقه، رحلت أمس شقيقته الصغرى الأستاذة المربية الفاضلة خديجة منصور فضل (1952-2019) رحلت في شوق إليه، وهي التي تربت على مناقبيته العالية، وأعطت لأبنائه ما أعطاه لها، من حب وتفانٍ من أجل الآخرين، وإنكار للذات يصل إلى حد ظلمها.
تقول منى عباس التي تربت تحت رعاية عمتها خديجة “العمة خديجة هي الحب المعجون بالعطاء والكفاح، من آلة الحياكة إلى مقاعد الجامعة، ومن إعادة السنة الدراسية منازل إلى بعثة المتفوقين، ومن بيت معلمة القرآن (مدينة) إلى الصف الرابع الابتدائي، بتحد شجاع يقف خلفه أخوها الاستثنائي والدي الحاج عباس. عمتي خديجة هي مربيتي الحنونة وقد قادت يدي معها إلى محراب التعليم المقدس في بيتنا”
خديجة واحدة من ثلاث أخوات فضليات للحاج عباس، شكلّن دعامة عاطفية له ولعائلته الصغيرة الكثيرة العدد، ما كان لحجي عباس أن ينذر حياته لخدمة الحسين لولا هذا السند العاطفي من أخواته الثلاث: رازقية، زهرة، خديجة. وهبه الحسين حب الأخوة والتضحية حد الفناء، فتمثلها في علاقته بأخواته الثلاث، وتمثلنها هنّ في علاقتهن به.
ترى شهقة الأخوة تبرق في عيونهم، وتنطق بحب في ألسنتهم، وتستحيل سلوكًا راقيا في أفعالهم. حين كانت خديجة تقول بفم مليان: لا أحد يخلف أخي حجي عباس، إنما كانت تنطق بقلب المجرب المعاين الذي لحظ الأخوة في أدق تفاصيلها وأصعب محنها وأجلى قيمها.
تعلمت الأخوات من أخيهم درس الأم المعطاءة، فاطمة بنت زبر (ت 1973). وجدوا في دمعة أخيهم الحارقة التي لم تتوقف على أمهم سرًا عظيمًا، ما الذي أدركه أخونا الأكبر من أمنا وجعله على هذا القدر من رقاقة القلب وهمل الدمع، كلما سمع قصيدة أو نشيدة أو موالا أو أغنية ورد فيها كلمة الأم؟ كانت بنت زبر، خادمة من خدام الحسين في حسينية العابد المقابلة لبيتهم، ولها زاويتها المعروفة فيها.
تقول فضاء عن عمتها “رحم الله عمتي في جنة الأبدية البيضاء، كل ما فيها أبيض، أُنعش قلبي في رمضان (الغربة) الطويل نهاره، بتذكر (المحلبية) البيضاء التي كانت تعدها لنا في ظهيرة رمضان، لا يشوبها شيء غير خيط الزعفران المبلل بماء الورد، تفترش الصالة بسماط طويل، تصف (الطوس= جمع طاسة) في انتظام جميل، يزيد من جماله القماشة البيضاء الخفيفة وهي تغطيها حتى تبرد قبل أن تدخلها الثلاجة، لتكون رفيقة فطورنا وسحورنا، نحن العائلة الكبيرة التي يزيد عددها على الثلاثين نفرًا. ولحساب شقوة الطفولة تزيد عمتي من عدد (الطوس)، لأنها تعرف أن هناك من سيمارس هوايته في التسريب والسرقة من هنا وهناك”.

غمرت خديجة أبناء وبنات أخيها بعطائها غير المحدود، وحين كبر الأبناء، كبر فائض الحب والعطاء الذي بين جنباتها، فمنحته للأحفاد، بعد أن صاروا جيشًا يملأ بيت الجد بالفرح والحركة والضجيج.
يكسر حفيدها باسل صمت الفقد الذي يسيطر على العائلة باسترجاع شيء من شقاوته معها، يقول “عمتي خديجة، كانت أمنا جميعًا، نحن أحفاد أخيها حجي عباس، ظللت أحتفظ بالأظرف المميزة التي تهدينا فيها الدنانير في مناسباتنا التي لا تنتهي، ما زالت موجودة في خزائن غرفتي بالبحرين، كنت أشم فيها محبتها وعاطفتها، والآن صارت ذاكرة لا يمكن التفريط فيها.
في الصف الثاني الإعدادي، وهي تشرح لي بعض دروس اللغة العربية، أكتب لها جملًا ذات طابع سياسي: قتل الشرطي الولد، فتأخذها عاطفة الخوف علي: جوز عن السياسة.لكني لا أجوز، لكأني وجدت في مشاغبة خوفها علي وحبها لي لذة ينبغي استثارتها، حتى صرت في 2011 أيام السلام الوطنية، أسألها: هل لديك كتب عن تاريخ البحرين؟ فترد علي بغضب المحب: عندي ولن أعطيك شيئا منها، فأضحك لشعوري أني وجدت المدخل الذي يُقلقها علي”.

رحم الله المربية العمة خديجة منصور فضل، وأنار سيرتها في قلوب أحفادها، أحفاد أخيها حجي عباس فضل.

في رثاء الدكتور عبد ربه

الدكتور عبدربه عبداللطيف

رحم الله أستاذنا، الدكتور عبد ربه عبد اللطيف عبد ربه، أستاذ اللغة والنحو والصرف بجامعة البحرين (1985-2012). كان بالنسبة لي القنطرة التي عبرت منها من عالم الطبيعة والفيزياء إلى عالم اللغة، على أعتاب درسه كسرت غرور تخصصي في الرياضيات والفيزياء، وجدت في ذكائه وألمعيته ومعرفته العميقة مجالًا آخر لا يقل تميزًا عن المجال الذي جئت منه في المرحلة الثانوية حيث معادلات الضوء والحركة والميكانيكا والجبر واللوغرتمات.
في درس الدكتور عبدربه وجدت ما كان يتحداني في دروس العلوم، أستاذ فذ قادر على أن يريك عمق النظام الذي يحكم تركيب الكلمات، شعرت أنه يُعيدني إلى الفيزياء التي كنت أستمتع بقوانينها المفسرة لانتظام الأشياء وحركتها في الكون.بدأت أقترب من درس اللغة وأتقبل أني طالب في كلية الآداب، فهناك مجال يتحدى عقلي، وهناك قواعد دقيقة تحتاج ألعابًا ذهنية، وهناك أستاذ يشبه معلم الرياضيات حين يقف على حافة السبورة ويتحدانا بكتابة مسألة رياضية معقدة الحل.
كنت أقرأ في عيون أستاذنا عبد ربه هذا البريق الذكي الذي يحمل لمعة خفية من الغرور المحبب، أقرأ ذلك في عيونه حين يطرح مسألة تطلب تحديًا، أحببته أكثر في هذه اللحظات، وجدت في استفزازه ما يُشبع ظمئي وشوقي لخفايا مسائل الطبيعة.
كان يُمعن في إثارة إعجابي بوقوفه مجردًا من أي كتاب، ما اعتاد أن يدخل قاعة الدرس بكتاب، لا يشرح عن نص ولا يتلو عن حاشية. في مقرر النحو (313) الشهير الذي لا يتخطاه الطلبة بسهولة، أردت أن أتحدى طريقته، بتحويل درسه الشفاهي إلى درس مكتوب، لأبطل هذا التميز الذي يجعلنا جميعًا مشدودين لكل كلمة يقولها ولا نجدها في كتاب واحد مجموع، رحت أكتب درسه حتى صار مذكرة جامعية يتداولها الطلبة، أردت أن أجرده من إحدى أدوات تميزه، وما فطنت إلى أنه يريد أن يربي فينا القدرة على أن نكون على نموذجه، نملك القدرة على أن نتجرد من صفحات الكتب ونقف وقفة العالم.
لقد أشبع درس الدكتور عبد ربه عندي الشغف باكتشاف إمكانات النظام النحوي والصرفي في تشكيل الكلمات، أخذني إلى أقاصي النحو، أراني أن إمكانات تفاعل عناصر الطبيعة يُشبه إمكانات تفاعل عناصر الكلام في اللغة، وكلا التفاعلين بحاجة إلى عقل حاذق، أزال بذلك غربتي القاتلة التي عانيت منها في دراسة اللغة، وكسر عندي هذا الغرور الغبي الذي غذته المدرسة حتى صرنا نسلم أن دراسة العلوم أرقى من دراسة الآداب.
بقيت في هذا البرزخ الانتقالي مع دروس الدكتور عبد ربه من مقررات مرحلة البكالوريوس حتى بحث التخرج سجلته معه، وفي مرحلة الماجستير أفضت من معارفه النحوية المدهشة، كان قادرًا أن يجعل من درس (الواو) و(أو) ساحة تحدٍ تكسر غرور أي منا بادعاء امتلاك المعرفة الكاملة بقواعد اللغة ومعرفة أسرار معانيها.
(المتبقي) من درس أستاذي عبد ربه، أخذته معي في رحلتي مع نصوص الأب ونظريات النقد ومفاهيم علوم الإنسان ومدارس علم الاجتماع. (المتبقي) هو أجمل ما يبقى معك من روح ما تعلمته ودرسته وقرأته بعد أن تنسى كل شيء، يبقى في داخلك يشاغب كل شيء ويربط كل شيء يعرض عليك.
على هذا النحو كان درس نحوك يا أستاذنا الكبير، وعلى هذا النحو الفذ سنظل نتذكرك دومًا. لقد تشرفت بالتتلمذ على يديك، رحمك الله وأبقانا في خير علمك.