رحلة أوتاوا.. صداقة المعرفة

إلى الصديق يحيى الذي حرضني لكتابة الرحلة..

فيما يشبه التقليد، قررنا أنا وباسل نختم كل عام برحلة تجمع المعرفة والمتعة، هذا العام قررنا الرحلة لأوتاوا.

بدت لي تجربة السفر في الثلج والطقس البارد مخيفة، قلت لباسل “اطلب من أمك تأخذ لنا خيرة” قال الرحلة مقررة من أشهر وأنت خارج  الطائفة من سنوات وما سمعتك مرة تطلب خيرة “فلا تعمل فيها شيعي الآن”. صار لا مفر من المغامرة. أفق الانتظار مملوء بالرغبة الملحة في التعرف والمعرفة، التعرف على (أوتاوا) حيث الجامعة التي سيلتحق بها، والمعرفة من حوارات الأب التي لا تتوقف.

بدأت الرحلة على الطريق السريع (ماكدونالد كارتير) المشهوربـ (401) بعد توتر النقاش حول قرار المضي في الرحلة، بدأ  مزاج الطريق يفتح أفق المزاج. يمتد طريقنا على مسافة 828.0 كيلومترا (514.5 ميل) من وندسور في الغرب إلى حدود أونتاريو-كيبيك في الشرق.

الطريق الواسع والأفق الممتد تتداخل فيه ألوان الكون، زرقة السماء وبياض غيومها وثلجها وبقايا خضرة الأشجار، يفتح باسل سيرة المدرسة بما ليس مدرسياً فيها: تعجبني طريقة التدريس الكندية في تعليم اللغة، تفتح فيك التحدي، لقد استعرت الأسبوع الماضي رواية مكونة من خمسمائة صفحة، لقلت لأمينة المكتبة إنني مللت قصص المستوى الذي أنا فيه، أريد شيئا يتحداني ويستفزني، كان مدرسنا والطلاب يسألوني كيف ستنتهي منها وتكتب حولها تقريرا في المدة القصيرة المحددة؟ لماذا لم تختر قصة صفحاتها محدودة؟ قلت لهم أنا أريد أن أتحدى نفسي ونظام التعليم يسمح لي بذلك. هناك لعبة الاقتباسات الجميلة، تأتي لك المعلمة باقتباس لأحد الكتاب، وتطلب منك تنشئ فقرة خاصة تعبر فيها عن قراءتك الإبداعية لهذا الاقتباس. لقد أصبحت اتقن هذه اللعبة ويأتني الطلبة من الصفوف المتقدمة علي لمساعدتهم، الأسبوع الماضي جاءني طالب يطلب مني المساعدة، قرأ علي الاقتباس، فقلت له أبعد تلفونك وتأمل كيف أصفن بذهني لدقائق واكتب ما سأقوله لك.

سألني باسل: كيف تكتب؟ قلت له بالبحث أولا عن الزاوية أو الشق الذي أريد أن أدخل على الموضوع من خلاله، وقد يفتح لي اقتباس شقا للكتابة، على سبيل المثال، قبل يومين كنت أفكر في كتابة مقدمة لدليل عن أرشيف الشيخ الجمري، لم أفكر في العناوين العريضة والكبيرة، أخذت شطرا من قصيدة لها حضور جماهيري في التسعينيات تعبر عن حضور الشيخ القريب في نفوس الناس وشارعهم، ومنها رحت أعمق فكرة الحضور الذي جعل من الشيخ أباً لجيل من النضال السياسي. لقد فتحنا المثال على مرحلة التسعينيات التي لم يشهدها جيل باسل، تحدثنا باستفاضة أحداثها وصول إلى مقولة هندرسون لجماعة المبادرة “لقد هززتم الكأس فلا تكسروها” وبينت له أنها جملة مفتاحية لشق كتابة استفدت منها في جريدة الوقت لكتابة بروفايل موسع قبل عشر سنوات.

توقفنا بعد ساعة ونصف عند (onroute) وهو الاسم التجاري لاستراحات السفر على الطريق السريع، وهي تتكون من مطاعم  الأكلات السريعة وسوبرماركت ومقهى Tim Hortin وحمامات نظيفة ومحطات تزويد البانزين.

لقد تعبنا من الكلام، ولم نتبع من الطريق، طلب مني باسل أن أعرفه بصوت لا يعرفه، قلت له اكتب في (soundcloud) اسم أحمد الجميري، بدأت أغنية (ما معاكم خبر زين):

بسألك عن البحرين كيف أهل المنامة

عادهم يذكروني.

ساد صمت رهيب على أجواء الطريق، في الحقيقة، لم أكن أعرف هذه الأغنية من قبل وما كنت أتوقع أن تكون هذه الكلمات هي التي تنتظرنا، إنها توتر جرحنا اليومي المفتوح على الوطن دوماً. ما كنا قادرين على التعليق، لاذ كل منا بحواره الداخلي لمدة من الزمن، حتى امتلأنا بالكلام، فرحنا في حديث مركب حول الهوية، قال باسل: أنا أشفق على من يولدون هنا، ولم يمتلئوا بذكريات وطنهم، ولم يتمكنوا من لغته، فلا هم  من هناك ولا هم من هنا. كم أنا محظوظ بهذا الامتلاء، لا أريد لهذه الذاكرة أن تضعف بل أريدها أن تُغنى بالمزيد، أنا أقاوم أن أتحول إلى شيء يعبئ بلغة لا تاريخ لها يمتد في أصله أو يعبئ بثقافة لا ظلال لها في شجرة جماعته الكبرى. أريدهم أن يذكروني وأريد أن أذكرهم هؤلاء الذين تتحدث عنهم الأغنية. مع ذلك سأعترف لك أنني أعي أني صرت مثلك، لا يمكنني أن أعيش في مكان واحد أو مع جماعة واحد حتى لو كان المكان هو وطني الأم والجماعة عائلتي الكبيرة، لكني أريدهم في ذاكرتي وأريد أن ألتقيهم في عبوري بين الشرق والغرب، لقد صار قدراً علي أن أتعايش معه.

بتنا ليلة في مدينة تورنتو العاصمة الاقتصادية لكندا، أرهقتنا جسورها الطويلة وتفريعاتها المتعددة، وبناياتها الكبيرة، لم نجد فيها ما يشبهنا، ليس فيها الهدوء الذي تحتاجه أمزجتنا القارئة، وليس فيها الحميمية التي تحتاجه قلوبنا المهاجرة، مع أنها مدينة المهاجرين، لكننا لسنا من صنف المهاجرين الباحثين عن لقمة العيش، فلم تكن هذه مشكلتنا، غادرناه مسرعين نحو أوتاوا العاصمة السياسية لكندا.

يبدأ طريق 401 السريع بعد تورنتو يأخذ مسارين بدل المسارات الثلاثة والأربعة، وبدأت الأشجار أكثر كثافة وجمالا ببقيا الثلج فوق أغصانها، إنها أشجار عيد الميلاد كما تعرفها مخيلتنا، بدا الطريق أكثر حميمية ويبشر أننا متجهين لقلب مدينة أليفة.

حان وقت أبوأصيل أبوبكر سالم، لقد تعمقت علاقتنا الثنائية به منذ رحيله قبل ثلاثة أسابيع، أدرنا أغنية (سر حبي) التي يتغنى فيها بمدينة (المكلا) عاصمة إقليم حضرموت:

سر حبي فيك غامض سر حبي ما انكشف

إيش خلاني أعشق فيك والعشقه تلــــــــف

إنت تحفة صاغها الرحمن مــــن أحلى التحــف

إنت في الدنيا قضيه مـــــا تحملها ملــــــــــــــف

وانت احلى اسم في قلبي ربـــــــــــــــاعي الحـــــــــــروف.

لا يمكن أن تكون المعشوقة أنثى، وأمزجتنا معلولة، راح الحديث يقلب هوية أبو بكر اليمنية وحياته السعودية، كيف صار سعوديا حتى في قبره، وهو يحمل كلمات رفيقه اليمني السيد حسين المحضار، وروح الأغنية اليمنية، ويتغنى بتحفة بلاده اليمن ومدنه. كان ظاهر الحديث عن (تحفة) أبو بكر وفي باطنه عن تحفتنا التي صاغها الرحمن لؤلؤة من مائين وبحرين.

بدت لنا (أوتاوا) تحفة تجمع هدوء مدينتنا (ويندزر) وتحضّر مدينة تورنتو، شوارعها الصغيرة راقت لنا كثيرا، مبانيها التاريخية أعطتها أصالة وجمالا، خصوصا مبنى البرلمان الكندي وما يحيط به، كان الثلج كثيفا والطقس باردا، لكن باسل كان متحمسا للوصول لساحة البرلمان، سألته هل تعتبر اختيارك ممثلا في البرلمان الطلابي على مستوى ولاية أونتاريو في فبراير 2018 الخطوة الأولى لمسيرة برلمان أوتاوا؟ سكت على عادته في كتمان خططه. عبرنا إلى ولاية الكيبيك الفرنسية عبر جسر (ألكسندرا) افتتح في 1901 وسمي باسم أم الملك جورج الخامس (ألكسندرا) خلال زيارته لكندا. مازالت الملكة البريطانية ملكة كندا وهناك حاكم عام يمثلها. إننا على خط التماس بين الصراع الفرنسي والبريطاني القديم حول كندا، وما بقي منه يتجلى اليوم في نزعة إقليم الكيبيك نحو الاستقلال عن كندا، وتعزيز اللغة الفرنسية التي تعتبر اللغة الأولى إلى جنب الانجليزية بسبب مطالب هذا الإقليم.

استحضرنا روح (ناصر الرس) في أوتاوا كثيرا، وأخذ باسل يكرر علي بتأنيب ضمير: ليتك سمعت نصيحة ناصر وأحضرتنا للعيش هنا منذ البداية، انظر إلى الحياة في هذه المدينة، هناك 29 متحفاً تغطي مجالات الفن والحرب والتاريخ والطبيعة والمعرفة. وهناك الفعاليات والمهرجانات الثقافية التي لا تتوقف، وكان هنا ناصر وشبكة علاقاته مع المنظمات الحقوقية والنشطاء، هنا مدينة الثقافة والسياسة والجمال.

 الوجود والكراهية وكلب الحراسة

في طريق عودتنا من (أوتاوا) سلكنا طريق(417) بدا لنا أكثر جمالا بأشجاره وثلجه وتنوّع طبيعته، كان الحديث عن وجودية (جان بول سارتر) ومفهومه للمثقف الزائف و(كلب الحراسة) وجورج أورويل وروايته (مزرعة الحيوان).

هناك الوجود وهناك الماهية أو الجوهر، قال سارتر إن الوجود يسبق الماهية، بمعنى أننا أولاً نقرر كيف سنكون ونختار شكل وجودنا ونحدد طريقة حياتنا وماذا  نريد أن نفعل في الحياة ثم ثانياً نضع في الاعتبار ماهيتنا وجوهرنا أنثى أو ذكر على سبيل المثال. قلت لباسل إنك كنت وجوديا على طريقة سارتر حين قررت أننا نريد لهذه الرحلة أن تكون ولم تلتفت إلى تبريراتي المتعلقة بماهية الطقس والثلج، فثرت على فكرة الخيرة التي أردت أنا أن أستخدمها لثنيك عن الرحلة، يمكنك أن تقيس ذلك على أوضاع المجتمع وما يحدث فيه من حراك اجتماعي وثقافي وسياسي، وهذا يفتحنا على مفهوم (كلب الحراسة).

في كتابه (دفاع عن المثقفين) هاجم سارتر المثقف الزائف ووصفه بـ (كلب الحراسة) لأنه بدل أن يقود التغيير ويدافع عن أشكال الحياة الجديدة والتغيير السياسي، يمارس دور المحافظة على المؤسسات القائمة ويبرر للطبقة السياسية الحاكمة ويحرس مصالحها كما يحرس الكلب مصالح مالكه، ويعتبرها معبرة عن ماهية المجتمع وحقيقته، إن المثقف حين يمارس مهمات (كلب الحراسة) فإنه يقدم الماهية على الوجود.

بحكم كمية الثلج المتساقط واضطرارنا للمشي في شوارع غارقة في الثلج، دخلنا مجمع تسوق كبير(‬Bayshore Shopping Centre) نبحث عن أحذية مقاومة للماء، استأذنني باسل للحاق بمكتبة خارج المجمع تبيع كتبا مستخدمة ستغلق بعد ساعة، ما كنت راغباً في الخروج من دفء المكان، فافترقنا على أن نلتقي بعد ساعة.

حصد كمية لا بأس بها من الكتب المستخدمة، كان لافتاً لي بينها رواية جورج أورويل (مزرعة الحيوان) كنت قد حدثته في طريقنا لأوتاوا عن تجربتي في تدريس هذه الرواية لطلاب الثانوية كنشاط قرائي خارج المنهج المدرسي.

فتحنا الكتاب كضربة (خيرة) فكانت صفحة المبادئ السبعة التي صاغها قادة الثورة، وفي مقدمتها: “كل ما يدب على قدمين فهو عدو الحيوانات. كل ما يدب على أربعة أقدام أو يطير فهو صديق”. قلت له: هكذا تصنع قيادات السلطة الكراهية بخلق عدو بجمل بسيطة وساذجة، ويمكن تطبيقها عمليا، وهذا ما فعلته حكومتنا في البحرين، فصرنا خارج الحضيرة، وهذا ما يفسر لك لماذا نحن هنا نبحث عن حذاء يحمينا من برودة الثلج ورطوبته، كان الخطاب السائد في أيام السلامة الوطنية 2011 وما تلاها حتى اليوم:كل من ذهب دوار اللؤلؤة فهو خائن، كل من شارك في مسيرة فهو عدو، كل من وجهه  دائرة فهو مشبوه، كل من أيد مطالب 14 فبراير فهو عميل. هكذا كانت سيوف الكراهية تعمل في مجتمع البحرين.

في طريقنا إلى متحف الفن الوطني في كندا (National Gallery of Canada) الذي لم يعتبر السكان الأصليين أعداء ولم يستخدم ضدهم عبارات الكراهية ولا الاستنقاص، بل جعلهم جزءا أصيلا من المتحف وشكلوا بوجوههم الهندية وثقافتهم المغايرة مساحات كبيرة من ساحات المتحف، في هذا الطريق مررنا على كثير من السفارات العربية، أقولها بحسرة وألم وجدت في الحروف العربية المكتوب بها أسماء الدول العربية التي تمثلها معاني الطرد والنبذ، تذكرت وأنا أمر بسفارة مصر منعي من دخول مصر واحتجازي في مطارها في 2012، وتذكرت عند السفارة السعودية دخول قوات درع الجزيرة وخروجي من البحرين في 2011، أما السفارة الكويتية فذكرتني بإسقاط جنسيتني وإلغاء جواز سفري الذي كنت أوشك أزور به دولة الكويت لتقديم ورشة في آليات الكتابة في فبراير2015.

حين وصلنا متحف آغا خان للفنون الإسلامية في (تورنتو) قلت لباسل: انظر لهذه التحفة الجمالية الرائعة المعمار، إنها من صناعة الطائفة الإسماعيلية، تم افتتاحه في 2014، الإسماعليون هم الفاطميون الذين بنوا الأزهر وأسسوا مدينة القاهرة، إنهم العدو الذي صنعه السلاجقة في زمن الدولة العباسية في القرن الحادي عشر الميلادي، سموهم الجماعات الباطنية، كفروهم وأباحوا دمهم ولاحقوهم واعتبروهم أشد خطرا على الإسلام من الصليبيين الذين كانوا يحتلون القدس في ذلك الوقت.

كان ختام الرحلة مطعم استكانة العراقي بأجوائه الشرقية الجميلة، الطريق إليه من متحف الآغا خان، تطلب ساعة مررنا فيها ما لا يحصى من الجسور المتوحشة الطويلة والرفيعة التي  طبقنا عليها عبارات الكراهية: كل ما هو طويل ورفيع كريه. خففت أجواء المطعم توحش الطريق، كان في استقبالنا صوت أبو بكر سالم وهو يصدح:

سيبوه يلعب بالمواجع

كما الطفل المدلل

ما يحس بالوقت و أيامه العسيرة

خلوه في دنياه ضايع

ما بقي من الطريق إلى ويندزر، تركناه لأم كلثوم وليلنا الطويل الجميل طوال أربع ساعات..

مثقفون يناقشون كتب الباحث البحريني علي الديري في بيروت

الميادين: نظم مركز أوال للدّراسات والتوثيق حفل توقيع لكتب الباحث والمؤلف البحريني د. علي الديري :”من هو البحريني؟” و”إله التوحش” الصادرين عن المركز، و”بلا هوية” الصادر عن مرآة البحرين، في مكتبة أنطوان في أسواق بيروت بحضور عدد من المثقفين والإعلاميين والنشطاء.

الحفل قدمته الزميلة وفاء العم التي أشارت إلى أنّه “انطلاقًا من الأسئلة التي طرحتها أماسيل، ابنته التي لم تتجاوز الاثني عشر ربيعًا (عند كتابة “بلا هوية”)، استطاع الديري أن يحول مسألة إسقاط الجنسية إلى معالجة لقضية الهوية، من يصنعها ومن يهدمها”. ولفتت إلى أن “أماسيل أخرجت الديري من حالة المفكر إلى الأب ونقلت أسئلتها من فلسفة الكلمات ودلالاتها إلى الأب الذي يبحث عن إجابات يقدمها لابنته ولأبناء المنفيين”.

DSC_4243

وأضافت العم أن “المعضلة الأساسية التي تشهدها البحرين” تكمن في “أن تجد نفسك فجأة بلا هوية، خارج الجماعة، وخارج الوطن”، مضيفة “أن تكون بلا هوية أو أن تُنتَزَع هويتك قسرًا هي بذاتها عملية توحش، سواء كانت تصب في التوحش العقائدي أو في التوحش السّياسي اللّذين نشهدهما، والهدف دائًما هو السّلطة”.

ولفتت العم إلى أن كتب الديري شاهد على مرحلة تحول في مسيرته، من الكتابة الفكرية الجامدة إلى الكتابة الحركية، حيث يمكننا أن نلحظ تغيرًا بين ما قبل انتفاضة العام 2011 وما بعدها، وما قبل المنفى في كندا، وما بعده.

بعدها، تتالت شهادات الحضور، مع الإعلامية نور بكري التي أشارت إلى حادثة لفتتها فقالت “استخدمت مصطلح “بحراني”، باعتبارها النسبة اللغوية إلى البحرين، ولكن الدكتور الديري اعترض، وطلب تعديلها إلى “بحريني”، نظراً إلى الحساسيات التي باتت الكلمة تفرضها”.

DSC_4259

وأضافت أنّه نجد في كتاب “من هو البحريني؟”، “توضيحًا للفرق بين المصطلحين، وكيفية تغيّر دلالات كلمة “بحراني”، لتحمل مضامين سياسية وطائفية وتثير الحساسيات، بعدما كانت تشير إلى السكان الأصليين للبحرين”،  وقالت إنّ “سؤال “من هو البحريني؟”، الذي يجيب عليه الكتاب الأخير للكاتب الذي يقدم إجابات على سؤال يطرح نفسه بقوة هذه الأيام: لماذا يبدو سهلاً إسقاط الجنسية في البحرين؟”

بعدها كانت شهادة رئيس منتدى البحرين لحقوق الإنسان باقر درويش، الذي رأى أن “كتاب “من هو البحريني؟” هو الوسيلة التي استطاع بها الكاتب أن يصفع قرار إسقاط جنسيته”.

DSC_4269

وخلال الجلسة، وجهت الزميلة راميا ابراهيم سؤالها للكاتب د. علي الديري عن الجمهور الذي يوجه إليه هذه الكتب، وعما إذا كان متورطًا في قضية صراع سلطة؟، شارحة أن هذا السؤال بديهي ويطرح نفسه في الأزمة البحرينية بين المعارضة والسّلطة حاليًا.

DSC_4272

وأجاب الدكتور الديري بأن “هدفه الأساسي في كتبه كمن في دراسة النّصوص التي أسّست لما يمثل هذا الكل أو الأنا، أي هذا القتل وهذا التّكفير وهذا الهدر لإنسانية الإنسان وحقه في الوجود”، مضيفًا أنها “قضايا تخص الوطن، ولست أستطيع تحديد ما إذا كنت متورطًا في ذلك، غير أني أتحصن بأدوات علوم الإنسان الحديثة من السّقوط في أي فخ طائفي أو معرفي أو عرقي”، موكلًا المهمة إلى التاريخ بالقول: “وكفى بالتاريخ شاهدًا”.

من جانبه رأى الدكتور حسين رحال أنّ “المثقف الملتزم هو الذي يدافع عن قضايا شعبه، وأن صراع المعارضة البحرينية والمثقفين البحرينيين حاليًا هو من أجل البقاء على قيد الحياة والمشاركة الرمزية ضد العنف الرّمزي الذي يُمارس ضدهم، والمتمثل في النفي وإسقاط الجنسية، بعد أن مورس ضدهم العنف المادي”، لافتًا إلى أن “تجربة الديري تبرز أنه على المثقف الملتزم أن يدفع ثمن أي من التزاماته”.

DSC_4238

وأشارت الإعلامية تغريد الزناتي إلى أن هذه الكتب، لا سيما كتاب “من هو البحريني؟” دفعتها إلى التّساءل بشأن مفهوم المواطنة الفكري، لافتة إلى أن “هوية المواطن تقع بين مفهومين: مفهوم المواطنة (أين وُلدنا؟ أين نعيش؟ أين أرضنا؟ أين أهلنا؟) وبين السجلات الرسمية النائمة في أدراج مكاتب الوزارات والحكومات”. وأضافت أنّ “مفهوم المواطنة تحول في البحرين إلى سَند يمتلكه الإنسان بحسب الأفضلية، وبحسب التقلبات السياسية أو المصالح الإقتصادية. هنا مواطنون فقدوا “ورقة الهُوية” لأسبابٍ سياسية، لاختلافات في الآراء والقناعات، وبسبب ممارساتِهم الفكرية. هنا أيضاً من نال “ورقة الهُوية” نفسها لنيل حقوقٍ لم يقُم أصحابُها بواجباتهم أصلاً لاستحقاقها. وكانت الهوية هدية لهم..”

DSC_4290

وقالت نحن “نحمل مسؤولية الإضاءة على أوضاع عامة الشعب، بعيداً عن مالك القوة صاحب الجلالة، بعيداً عن القصة التي يرويها الملك بما يخدم مصالحه وسياسة بطشه”، واستشهدت بقول للكاتب في مقابلة له على قناة الميادين “التعريف القانوني ليس مكتوباً على ورق، بل هو مكتوب بالدم” لتختم “هذا هو البحريني، شخصٌ ينشد الحرية، ويوسّع مجالَها العام بسلميتِه، ويغذي أرضَها بدماء شهدائِه، ويظلُ يحلمُ بوطنٍ حرٍ ومواطنة تحفظُ كرامته”.

وأعربت الدكتورة خولة مطر عن سعادتها “للقدرة البحثية العميقة التي نجدها في كتب الدكتور علي الديري والجهد الذي يسد الفراغات الناقصة في المكتبة البحرينية”،  مضيفة أنّه “حوّل الظّروف الصعبة إلى فرصة، وهو ما نحتاجه سواء في البحرين أو في المنطقة العربية ككل”. وشدّدت على “ضرورة أن يقرأ الجميع هذا الكتاب لأنه يشكل مرحلة مهمة من تاريخ البحرين غير معروفة حتى للبحرينيين أنفسهم”، وختمت بالقول إن “مثل هذه المشاركات ستصنع رجال ونساء المستقبل الذين سيصنعون التراث الحقيقي للبحرين”.

DSC_4317

من ناحيته، لفت محمد العصفور إلى أنّ انشداده إلى الكتاب انبعث من “معالجته لهذا التزاحم على حق الوجود الذي همّش البحراني حتى أنتج سؤالاً من هو البحريني، البحريني الذي كان مكان السخرة ومكان العسف من قبل الحاكم ومن قبل محازبيه، وجعل السخرة مظهرا مِن مظاهر طبقنة المجتمع وجعل السكان الأصليين في الدرجة الأخيرة في الوطن”.

DSC_4307

واستحضر العصفور في مداخلته كتاب القبيلة والدولة في البحرين، فقال إنّ “كتاب من هو البحريني يشبه ولا يماثل كتاب القبيلة والدولة، لفؤاد إسحاق الخوري، لكن كتاب خوري كتاب اجتماعي محض، كانت أدوات صاحبه أكاديمية اجتماعية صرفة وليست أدوات متطورة كالتي نملكها اليوم. أما كتاب الدكتور الديري فينطوي على سعة في المعرفة وتنوع في الأدوات، ويقوم على قراءة علمية وثيقة لوثائق الأرشيف البريطاني”.

رابط المقالة على قناة الميادين نت

«نسيج العمامة» أم نسيج وحده؟

4 

نسيج العمامة
حسين المحروس
المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2018

هو نسيج وحده، لا عمامة تشبه عمامته، هادئ تماماً من فرط الاطمئنان، لا تزلزله غير الكتابة، أخلص لها وحدها، اعتبرها أنثاه الوحيدة والأخيرة. النساء في حياته متعددات وهو لهن بقدر ما يهبنه خلوة الكتابة، الدرس الأول الذي يجب أن تتعلمه المرأة الجديدة في عالم السيد هو كيف تدخل عليه وقت الكتابة، أو بالأدق كيف تتركه في خلوة الكتابة، شعاره «الكتابة أحلى عندي من فتاة بكر في ليلة زفافها، أظل أكتب فلا أتوقف حتى يضطرب القلم في يدي. هذه علامة الوقت عندي».

فقد أمه وهو ابن سنتين وستة أشهر، فظل «يحن إليها حنين الشيء إلى نفسه» راح يبحث عنها في مياه ينابيع ماء البحرين الغزيرة، أخذ يلاحق صورتها المتخيلة في الماء المتدفق من عين قصّاري الشهيرة حيث النساء يجلسن على حواف جداول العين يمارسن طقوس الحياة بأشكالها المتعددة، لا بد من أن أمه جليلة بنت علوي القاروني القادمة من نهر الفرات وجدت في هذه الجلسات ما يأنسها ولا بد أنها باحت لماء البحرين بشوقها لماء الفرات، فأخذ سرها معه.

فقد أباه وهو ابن تسع سنين، عاش اليتم مبكراً من الجهتين، ورث نسيج عمامة أبيه، لكنه خرج عليه، هو وحيد أمه وأبيه، ولا بد أن يكون وحيد نسيجه، فقد أعطاه اليتم المبكر حرية أوسع، وأعطته التجربة زمناً أرحب.
ذهب الهند بتوصية من مستشار حكومة البحرين بلجريف، ليعود قاضيا مكان أبيه الذي تولى ثلاث مهمات دفعة واحدة: إدارة أموال القاصرين والأوقاف الجعفرية والقضاء.

فُتن السيد بمباهج الحياة وألوانها منذ طفولته، حين كان يتسلل من أبيه ليذهب مع ابن شعبان فوق حمارته إلى مدنية المنامة القريبة من بيتهم في بلاد القديم. هناك تعرّف أول مرة على الألوان والحياة بحركتها الدائمة في السوق، كسرت يده في إحدى المرات بعدما سقط الحمار أرضاً وسقط ابن شعبان فوق جسد الصغير، فافتضح أمره عند أبيه، فحظر عليه المنامة وحمارها لكن لم تُكسر رغبته، ظلت تشتعل حتى وجد امتداد سوق المنامة هناك في الهند في «لاكناو» حين وصلها في 1937 طالبا لعلوم آل محمد في حوزتها في مدرسة الواعظين. تعلم من خارج المدرسة الحياة من غير منهج، وتعلم من شيخه شيخ مدرسة الواعظين علي تقي بن أبي الحسن النقوي المنهج من غير حياة. فجمع في عقله وقلبه الحياة والمنهج. عاد البحرين مغموماً بعد سنتين بسبب الحرب العالمية الثانية حاملاً إجازة من شيخه «وإنه لشغفه بالعلم والبحث سيكون من علمائنا المحققين ورجال الدين المصلحين».

عاد مغموماً لأن ما تعلم هناك خارج المنهج لن يجده هنا، لقد تعلم كيف يوثق اللحظة في صورة، اكتشف سحر الضوء ولعبته، فراح يتعلم التصوير والتحميض، وعلى الطريقة الحوزوية راح يُدرّس ما تعلمه ويتعلم ما لا يعرفه، حتى إنه طلب من خادمه هناك أن يعلمه اللغة الانكليزية.

تعلم هناك خارج تقاليد المشايخ البحارنة في الحوزات الشيعية، كيف يركب دراجته النارية ويحرق بها نسيج برستيج رجل الدين، ويوم ضغت عليه الحكومة ليتسلم منصب أبيه في القضاء، وجد منجاته في دراجته، طار بها وسط ساحة المحكمة وأخذ يزمجر حارقاً هذه المرة هيبة رجل القضاء حتى اقتنع الجميع بمساعدة أستاذه الشيخ عبد الحسين الحلي أنه لا يمكن أن يكون قاضياً، فصار يجول بالدراجة نفسها قرى البحرين ومناطقها خطيباً للمنبر الحسيني رادفاً معه صانعه الذي يسقط به مرة ويخالف به قوانين المرور مرة أخرى مسجلاً لقب السيد أبو المخالفات المرورية.

لقد منح هذا السيد بما تعلمه سيرته حواساً، التقطها ناسج السير حسين المحروس، فاقترب منه دون أن يزعج خلوته الكتابية، قال له أريد أن أكتب سيرتك، فرد عليه السيد خذ هذا الكتيب الصغير فيه كل شيء من ترجمتي. قال له المحروس «لا يا سيد أنا أريد أن أكتب سيرتك،السيرة أكثر اتساعاً، في السيرة حركتك في المكان وحركة الزمان فيك».

لقد أبدع المحروس في كتابة حركة السيد في كل مكان مسّته حركته، مكان طفولته فقد جعل من عين قصّاري ماء سيرة، تروي تاريخ السيد وتاريخ بلاد القديم والمنامة والناس الذين عاشوا على ضفاف حركة مائها. وأبدع في كتابة حركة السيد في مكان دراسته في «لانكاو» حيث تفتح على مباهج الحياة، وفي مكان مكتبته حيث عالمه الرحب وعرشه المكين، وفي مكان محبرته حيث طاولته القريبة من الأرض إلى حد جلسته، وفي مكانه في بيت الياسمين حيث الحب فوّاح يدخل من كل مكان كرائحة الياسمين، لقد تتبع حتى حركة السيد في تسمية الأمكنة التي فيها أنفاسه: دار النسيم، دار الأرواح، دار الانشراح، دار المقام، دار السلام، دار البديع.

لقد اقترب كاتب السيرة من السيد كأنه راويتها، فإضافة إلى جلسات الساعة الثامنة التي كانت تجمع كاتب السيرة وصاحبها طوال سنوات، فقد لاحق المحروس حركة السيد في كل مكان وزمان، راح يبحث عن سيرته عند كلّ مصدر: زوجاته، أولاده، أحفاده، أقربائه، تلاميذه الصنّاع، مؤلفاته، دواوين شعره، دفاترها الصغيرة، خطبه المسجلة في أشرطة الكاسيت، مخطوطاته، ألبومات صوره الفوتوغرافية، ملحوظاته بخط يده خلف وأسفل هذه الصور، أصحاب الدكاكين والمحلات التي يعتمد عليها في تمويل منازله الأربعة وحاجياته اليومية كبائع الأغذية، الحلاق، وبائع الخضروات، بائع الأقمشة، وبائع الأحذية.

لقد أعيت هذه السيرة كاتبها طوال عقدين من الزمان، لم يزده تفرده المبدع بالسرد والتصوير إلا دهشة أكثر تجاه هذه السيرة «كلما تمادى [السيد] في السرد أخذني إلى ملامح سيرة رجل في أفق غير أفق الذين تصوروه. هذا الشخص المصنوع من هذا السرد أبعد بكثير مما في بالي من نسيج أية صورة».

رابط الموضوع على جريدة الأخبار

لماذا على كل بحريني أن يقرأ هذا الكتاب؟

HDR_5076

*حصة بنت خميس

لماذا على كل بحريني أن يقرأ كتاب (من هو البحريني؟ بناء الدولة وصراع الجماعات السياسية 1904-1929)، للكاتب البحريني المسقطة جنسيته علي أحمد الديري؟

لأن “ما مضى هو في المقدمة”، كما يقول شكسبير في مسرحيته “العاصفة”.

إذا كنت تسأل عن سبب عاصفة الحاضر، فابحث عن سرّ “ما مضى”. سرُّ العاصفة المدوّية التي لا تهدأ حتى تقوم كل عقد من الزمان. لا يمكن العبور إلى الحاضر ولا فهمه أو التعامل معه دون معرفة “ما مضى”.  فكيف إذا بقي الماضي من دون مواجهة تاريخية بين أطراف النزاع، وكيف إذا ظلّ عالقاً من دون اعتراف ومصالحة. وكيف إذا هو “لم يمضِ” إلاّ زمنياً فقط، وكيف إذا بقي الحاضر يكرر الماضي بأشكال مختلفة. كل ذلك يجعله في مقدمة الحاضر، لا خلف التاريخ. فهو أول ما يُرى، وأول ما تُعرف به العاصفة وتُقرأ، وهو ما يفسّر كل ما يحدث في الحاضر.

“من هو البحريني؟” كتاب يُقدم التاريخ الذي نجهله في الفترة بين عامي 1904 و1929، يقوله لا على لسان ذاكرة شفاهية متناقلة معرّضة للنسيان أو التضخيم، ولا وفق روايات نشكك أن خيالاً جمعياً مشحوناً صاغها بتحامل، بل عبر أرشيف ضخم للوثائق البريطانية، الأرشيف الذي وثّق كل ذلك التاريخ بتفاصيله الدقيقة، فيما الإمبراطوية الكبرى آنذاك، تعمل بحزم على إصلاح الأوضاع الداخلية لمستعمرتها الصغيرة، المشتعلة بالاضطرابات، حماية لمصالحها (بريطانيا)، وضماناً لأمن تجارتها، وشعارها “تجارتنا وسلامتكم”، تجارة بريطانيا ومصالحها وسلامة حكام المشايخ الخليجية.

إنه يضعنا في سياق السلطة السياسية الإقطاعية الحاكمة في ذلك الوقت (عهد عيسى بن علي)، وصعوبات إصلاحها، والتحول من مرحلة ما أسمته الوثائق بـ”اللاحكم”، إلى تأسيس إدارات الدولة من القضاء والبلديات، وإصلاح الميناء، وإعادة تنظيم قسم الجمارك، وإصلاح أمن السوق، وإنشاء قوة شرطة نظامية بدل الفادوية، وتعيين مستشار مالي للحاكم، والعمل على وضع موازنة الدولة وترشيد الإنفاق، وإصلاح المحاكم، والإصلاحات المتعلقة بصيد اللؤلؤ، ومسح الأراضي، والأشغال العامة، والتعليم.

إنها مرحلة الصراع من أجل تمكين الدولة من تكوين شخصيتها القانونية، ومحاولة فصل شخصية الدولة الاعتبارية عن شخصية الحاكم، وفصل جيب الدولة عن جيب الحاكم، وسلطة الدولة عن سلطة الحاكم. كيف فُرضت الإصلاحات السياسية في عام 1923 بالقوة وبموجب ما عبّرت عنه الوثائق البريطانية بـ”الإذعان” والامتثال للقرارات البريطانية، وليس برغبة الحاكم لمدة نصف قرن، عيسى بن علي، في الإصلاح.

يضعنا الكتاب في سياق ممانعات الإصلاح ومقاومتها، أسمتها الوثائق بـ”المكائد السياسية” التي مارستها المجموعات الممانعة للإصلاحات، وسعيها المستميت لإفشالها. تلك المجموعات التي وجدت في الإصلاحات إضراراً بنفوذها وسلطتها، وضياعاً لامتيازاتها التجارية والاقتصادية التي كانت تنعم بها دون مساءلة أو عقاب.

يأخذنا الكتاب إلى سؤال يبدو بدهياً تماماً: “من هو البحريني؟”، لكنّ ولادته لم تكن كذلك، بل محاطة بصراعات سياسية مريرة وطويلة. كيف ولدت شخصية البحريني القانونية؟ كيف أصبح له جواز سفر في عام 1929؟ يأخذنا الكتاب إلى الصراعات التي خاضتها القوى السياسية ليولد هذا البحريني، ليكون هناك قانون يسمّيه ويعطيه هوية ويحميه، إلى العرائض التي واجهت المظالم لتنشأ عدالة قانونية، ويتم الاعتراف بأبناء الوطن بشراً متساوين يخضعون لقانون واحد، ومحكمة واحدة وحكومة واحدة وشخصية اعتبارية واحدة. الإصلاحات التي لم يكن بدّ منها بعد أن وجدت بريطانيا أن الأمر وصل إلى حد ما أسمته بـ”الفضيحة”، فكان ذلك ملزماً لها بالمضي في إصلاحات تعطي (البحريني) حقاً وتمنع عنه ظلماً.

إننا أمام تفاصيل متأنية تروي كل هذه “المقدّمة”، لا بتناول تاريخي جاف، بل بطريقة روائية سلسة، تشعر معها وكأنك أمام مشاهد حيّة لفيلم متحرّك أكثر إثارة من سيناريو متخيّل، وأحداث أكثر إدهاشاً في كثير من الأحيان.

“ما مضى هو في المقدمة”، لقد نُقشت هذه المقولة على أحد مجسمات متحف الأرشيف الوطني الأميركي. فأرشيف كل دولة هو مقدّمة لحاضرها، وهو سرّ تقدّمها أيضاً. ومقدّمة الكتاب تقول أهم ما فيه، بل كل ما فيه. لقد صارت “مقدمة” ابن خلدون كتاباً لوحدها، وصارت أشهر من مؤلّفه الضخم الذي كتبها تقديماً له.

يمكن القول تجاوزاً، أن كتاب “من هو البحريني” بمثابة “مقدمة” مكثّفة، غنية، لأجزاء الأرشيف البريطاني الستة الضخمة المترجمة والصادرة مؤخراً عن مركز أوال للدراسات والبحوث. أقول تجاوزاً، لأن الكتاب يحفر عميقاً في قراءته لهذه الوثائق، وفي تناول إرهاصات الإصلاح وبناء الدولة خلال تلك الفترة، وفي الوقوف عند صراعات الجماعات السياسية ومواقفها تجاه تلك الإصلاحات. إنه الكتاب التي يحتاجه كل بحريني لمعرفة تاريخه الغائب، وهو مقدمته لفهم واقعه الحاضر. باختصار: ما مضى، تجدونه في هذه المقدمة.

الميادين: رابط الموضوع

علي الديري يطرح سؤال بريطانيا الكبير العام 1923: من هو البحريني؟

صالح شهاب*

رغم كون علي الديري أحد من نالهم انتقام إسقاط الجنسية من السلطات الحاكمة، فإنّه لم يدر فرضيّة كتابه الجديد «من هو البحريني» حول الهويات والأصول، ولا السكّان الأصليين، رغم سهولة تقديم طرح كهذا، ورغم وجود بيئة خصبة لتلقيه وليثير فيها جدلاً لم يهدأ يوماً.

يقوم كتاب «من هو البحريني؟» على فهم الأساس التاريخي الذي ولد منه «البحريني» المعترف به من «الدولة» والقوى الكبرى في العالم، ومعرفة سياقاته امتداداته ومآلاته. سيكون مخاض

هذه الولادة، وتجاوزها لعقدة «الاعتراف»، والتوافق التاريخي عليها بين الجماعات السياسية برعاية السلطة البريطانية، المدخل التلقائي لقراءة تاريخ تأسيس الدولة في البحرين؛ الدولة التي شكّلت في وجهها الحديث بعد عزل البريطانيين حاكم البحرين عيسى بن علي في العام 1923، الإطارَ الجامع الذي أمكن أن يولد هذا البحريني تحت قبّته.

سؤال الهوية والوجود

من أنت؟ وماذا لك في هذا البلد؟ وما صفة وجودك فيها؟ ومن يحكمه؟ وإلى أي عدالة يجب أن تخضع؟ حتى العام 1923، وفي ظل ما سمّاه المقيم السياسي البريطاني «نظام اللا حكم»، لم يكن لهذه الأسئلة أي إجابات، فطرحت بريطانيا سؤالها الأساسي الكبير: من هو البحريني؟ قد يكون سؤال مثل هذا غريباً جداً على أي أمّة، حتى لو كانت تحت نير الاستعمار الذي ربما لم يكن يحاول إلا تنظيم أموره ومصالحه فيها، لكنّه، في البحرين، كان واقعاً وحقيقة اعترف بها الكلّ. جماعات كثيرة ومنقسمة، هويّات متعدّدة، طبقات من الشيوخ والأتباع والمسخّرين، والأهم حكم غير منظّم لا يعترف إلا بأتباع الشيخ، ونار تحت الرماد. جعلت هذه الفوضى سؤال «من هو البحريني؟» شائكاً ومعقّداً ومركّباً على سلطة استعمارية مثل بريطانيا.
لماذا شكّلت مهمّة تعريف البحريني أوّل أساسات الدولة الحديثة وأسئلتها؟ وكيف كان شكل الدولة ومستقبلها بحسب ما رسمه البريطانيون؟ إلى أين انتهى هذا التعريف حينئذ؟ وماذا تمخّض عنه من تحوّل تاريخي كبير؟ ولماذا تملي علينا اللحظة التي نعيشها اليوم، وهي لحظة يوشك فيها مفهوم البحريني أن يفقد معناه الوجودي والتاريخي، أن نعرف كلّ ذلك؟
لماذا كانت تلك الدولة قبل مائة عام أكثر حداثةً وتقدّماً من شكل الدولة اليوم؟ و«لماذا بات يسهل اليوم كسر المواطَنة البحرينية؟»، أين تلك الدولة التي أسّس لها البريطانيون بالقوّة والهيمنة؟ وأين ذهبت وعودها والخط التاريخي المرسوم لها في وثائقهم كنموذج للخليج؟ كيف نظّر البريطانيون لأطروحة المملكة الدستورية منذ نهاية العشرينيات؟ وكيف تم القضاء على هذه الأحلام حين كانت «رغبة المُلك أكبر من رغبة المملكة»؟ كما يقول الكاتب.

قراءة في التاريخ البحرينيّ

تقوم فرضيّة الكتاب على أن مشكلة البحرين التاريخية التي بلغت حد عدم «الاعتراف» بالبحريني، هي أن الدولة لم «تستقلّ» بشخصيتها عن شخص الحاكم، و«ظلَّ هذا الحاكم يقاوم استقلال الدولة، ورفض جميع محاولات إصلاح الدولة من 1904 حتى تمّ عزله في 1923، وأراد أن يكون شخصه الطرف المهيمن في كل شيء». يقدّم الديري قراءة روائية لأحداث الربع الأول من القرن العشرين، ويعيد سردها بشكل ممتع، معتمداً في الأساس على روايات تاريخية تخرج إلى النور للمرة الأولى عن أرشيف الوثائق البريطانية. كان البريطانيون يسجّلون كل شيء، بما فيه حركة عصا الشيخ وفداويته.
فضلاً عن الأرشيف، يعضد الكتاب روايته المتماسكة بكتابين لمؤرّخين عاصرا تلك المرحلة، وكان لأحدهما دور فيها، وهما: ناصر الخيري، صاحب كتاب «قلائد النحرين في تاريخ البحرين»، ومحمد علي التاجر صاحب كتاب «عقد اللآل في تاريخ أوال».
إنَّ الخوض في مواضيع الكتاب لن يكفّ عن إذهال القارئ الذي سيظل يتساءل عن العلاقة بين كل هذه المواضيع وسؤال الكتاب، وهو ما يفكّك الصورة الغريبة التي انعطف بها تاريخ البحرين الحديث في العام 1923، فكيف انبثق كل ما بُني في العشرينات من هذا السؤال تحديداً؟ وكيف تحوّل هذا السؤال إلى سؤال السياسة والجغرافيا والحكم؟
«لم يكن مطروحاً على هؤلاء الذين يعيشون على أرض البحرين فعلاً سؤال «من هو البحريني؟»… في تلك الفترة، لم يكن هناك قانون، ولو كان شكلياً… كان هناك نظام سخرة، تمايزات بين من ينتمي إلى قبيلة وبين من لا ينتمي إلى قبيلة، تمايزات بين من ينتمي إلى جنسية أجنبية وبين المحلي».
مستغلّةً تململ السلطات البريطانية من طريقة إدارة حاكم البلاد، ومحاولاتها السيطرة على الأوضاع والحفاظ على مصالحها، بعد حوادث العام 1904، «خاضت القوى الاجتماعية صراعات ليكون هناك قانون، ولتنشأ عدالة، ولكي يتم الاعتراف بأبناء الوطن بشراً متساوين».
لم يكن هناك حراك واحد تمخّضت عنه نتيجة واحدة. كانت أحداث مركّبة جداً امتدت لأكثر من 30 عاماً وتقاطعت فيها العديد من الظروف. خلال ذلك الوقت، تحرك البريطانيون على أكثر من صعيد، بل وأصدر التاج البريطاني بنفسه مرسوماً مفصلاً خاصاً بالبحرين: مرسوم البحرين الملكي 1913.
حاول البريطانيون عمل الكثير لتنظيم الفوضى في البلاد وضمان الاستمرار من الاستفادة من موقعها ومواردها، بما فيها القوى العاملة فيها، لكنهم اصطدموا بعناد وتصلّف لا يُحتمل من عيسى بن علي. «عارض الحاكم مشروع إنشاء البلدية، وتأسيس المحاكم المدنية، ورفض العرائض الشعبية ومشاريع الإصلاح السياسي. وجدها خلعاً لعظمة شخصه، وتنصيباً لعظمة شخصية اعتبارية (مجلس، مؤسسة، شعب، دولة)». انتهى الأمر بعزل الحاكم عيسى بن علي، وانتهت مهمّة تعريف البحريني إلى صيغ قانونية ومجالس بلدية ومجالس عرفية وإدارات بيروقراطية، شكّلت أول أساسات الدولة الحديثة، وكان ذلك بخطة واضحة قرأ تفاصيلها المقيم السياسي البريطاني بنفسه في خطاب العزل.
هكذا، يقول الكتاب، وُلد تعريف البحريني، ماراً بتأسيس بلديات ومجالس وإدارات، وسنّ قوانين، وتغييرات في هرم السلطة من رأسها إلى عقبها، فضلاً عن إعادة تأسيس النظام القضائي وسلطات الأمن، وما وازى ذلك من إصلاح للنظام الاقتصادي، على رأسه مسح الأراضي، والسيطرة على السوق والميناء والجمارك، وتنظيم بيت الحكم السياسي.

الوثائق البريطانية: مصدر الرواية

يتزامن صدور كتاب «من هو البحريني؟» مع صدور المجلدات الستّ الأولى من الترجمة العربية لسجلّ البحرين في أرشيف الوثائق البريطانية التي كانت مصدر الكتاب وروايته، بحكم اطّلاع المؤلّف عليها قبل صدورها. «لقد جرى تغييب هذا الأرشيف من التاريخ الوطني، وما زالت هذه الوثائق محظورة، وهي عرضة للاجتزاء والتوظيف المغلوط والتزوير، وما كان لهذه الدراسة أن تكون لولا أن توافر لها لأول مرة ترجمة كاملة لهذه الوثائق عبر مشروع مركز أوال للدراسات والتوثيق».
لقد جعل الأرشيف، بوثائقه التي أمكن الاطلاع عليها مترجمةً للمرة الأولى، من رواية الكتاب فتحاً جديداً في أغوار تاريخ هذه البلاد. هنا، ستُسرد معلومات للمرة الأولى، وستكتمل صورة أحداث وقصص تاريخية معينة كانت حلقاتها مفقودة، وسنسمع رواية التاريخ مقروءة على لسان أُصيب به.

(اسم الكتاب: من هو البحريني؟ بناء الدولة وصراع الجماعات السياسية 1904-1929/ الناشر: مركز أوال للدراسات والتوثيق، لبنان، الطبعة الأولى، 2017/ عدد الصفحات: 372 صفحة)
* باحث وكاتب بحريني.

رابط المقال في جريدة الأخبار

العدد ٣٣٥٨ الخميس ٢٨ كانون الأول ٢٠١٧