اقتحام ابن عفيصان الدراز

اقتحام الدراز

في معمعة أحداث العشرينيات في البحرين، التي أسّست لشكل الدولة الحديث في 1923 بعد حراك سياسي، زار أمين الريحاني البحرين، ونقل لنا في كتابه، خطاب القائد الوهابي الذي استولى على البحرين بعدما استنجد به آل خليفة ليخلصهم من «الاحتلال العماني»: «أبشروا يا عتوب! هذا إبراهيم بن عفيصان أحد قواد ابن سعود الأباسل جاء بجيوشه يسترجع ملككم ــ يسترجعه يا بني عتبة ليضمه إلى ملك أهل التوحيد وابن سعود…وكان الكلام لابن عفيصان: البحارنة مشركون ولا يُصلح المشركين إلا أهل التوحيد».

ما حدث أمس من اقتحام لبيت أعلى مرجعية دينية في البحرين، هو جزء مما يحدث منذ اقتحام القوات السعودية البحرين في 2011. إنه خطاب ابن عفيصان يُدوّي في الفضاء العام، في الصحافة والتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي ومنابر الجمعة والنيابة العامة والقضاء وكل منبر ينطق بلسان الحكومة وموالاتها.

عشرات من خطب الجمعة، وتصريحات الناطق الرسمي باسم الجيش والمقالات الصحافية، ظلت تردد جملة ابن عفيصان: «البحارنة مشركون ولا يُصلح المشركين إلا أهل التوحيد»، من غير رادع أخلاقي ولا قانوني ولا قضائي. خطاب كراهية وتكفير مكتمل العناصر والأركان، يتوسع ويأكل الأخضر واليابس من لحمة المجتمع البحريني.

إذا أردنا أمثلة، يكفي أن نسمع نموذجاً من خطاب ابن عفيصان على لسان النيابة العامة في مرافعتها التي قدّمتها في 27 شباط/فبراير 2017 ضد آية الله الشيخ عيسى قاسم. تقول المرافعة (المسجوعة): «وما أن توقع في يده الأموال حتى ينشب أظافره فيها فلا يعرف أحداً لها مال، فلا يثبتها في أوراق أو يظهرها كمصروفات، بل يخفيها ويغير من طبيعتها أو يجري عليها عمليات تغسلها فتجعلها تشبه الأموال النظيفة، رغم أن مصدرها حرام ومالها حرام وعنوانها الإجرام… ونسي الدعي ما كان بالأمس يدعو إليه، وعظهم ولكنه نسي نفسه فأبى أن ينال حظه من عظاته».

إنها ليست لغة دولة حديثة، ولا لغة نيابة عامة، ولا لغة قضاء عادل، إنها لغة «داعش» وحواضنها، وآبائها المؤسسين من نماذج ابن عفيصان. لم تجد في خطاب الشيخ ما يمكن أن يُجرم عليه أو يكفر به، فراحت للمربع الأول الذي انطلق منه قائد «ملك التوحيد»، مربع التكفير والاتهام بالشرك. راحت النيابة تتحدث بالنيابة عن «أهل التوحيد» والحكم مُجرِّمةً رأس الطائفة: ما تقوم به من جمع للأموال باسم الخمس ليس من الدين وما يُقره فقهك وعلماؤك لا نعترف به، لأننا لا نعترف بمذهبك ونعده شركاً، إنما هو غسل أموال، مصدرها حرام ومالها حرام وعنوانها الإجرام.

هكذا، يُخرّج القانون وتركب التهم ويُحكم بالقضاء وفق مقاس «لا يُصلح المشركين إلا أهل التوحيد» فلا حرمة لطائفة يراها «أهل التوحيد» كافرة، ولا اعتراف بأبنائها، ولا احترام لرموزها. كل شيء منتهك فيها، لكم أن تقتحموا البيت وإن كان فيه رأس الطائفة وشخصيته الاعتبارية.

جريدة الأخبار

حوار جريدة (بين نهرين الثقافية) مع الباحث البحريني علي الديري: “إله التوحش”.. مضاد للحداثة والتنوع الخلاق

مقابلة ملحق بين نهرين الثقافي حول كتاب إله التوحش

جدل وحوار جريدة (بين نهرين الثقافية): يوسف محسن 

في كتابه (نصوص متوحشة من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية) فكك الباحث البحريني علي الديري، النصوص التكفيرية والتأويلات التي منحت العنف والكراهية شرعية ثقافية في مجتمعات العالم الإسلامي، نصوص فقهاء جعلت من التوحش عقيدة دينية، لا تعترف بالآخر، أما كتابه (إله التوحش: التكفير والسياسة الوهابية) الصادر حديثاً، فيدرس فيه الديري نصوص التكفير الوهابية التي تشكل جذر (داعش) الثقافي.

علي الديري ناقد وباحث من البحرين، متخصص في تحليل الخطاب، اشتغل في حقل الفلسفة واللغة والمجاز، أسقطت الجنسية عنه بمرسوم ملكي في كانون الثاني 2015، لأسباب تتعلق بآرائه السياسية، جريدة “بين نهرين الثقافية” حاورته بشأن الظاهرة السلفية الجهادية بوصفها ظاهرة ثقافية وبالذات الأكثر تجلياتها وحشية (داعش).

لتنزيل حوار جريدة “بين نهرين الثقافية” حول كتاب إله التوحش pdf

بين نهرين: هل يمكننا القول إن السلفيات الجهادية وأقصد أحد التجليات الأكثر بروزا (داعش) تمتلك لغة خاصة داخل  الظاهرة الثقافية التي تنتجها؟ أم هي جزء من المنظومة الثقافية في السياقات العربية؟

الديري: ما يجمع السلفيات هو أنها ترجع إلى نص يسبقها، يسبق زمنها الذي تعيش فيه ولا تعيشه، ويسبق عقل الحضارة المعاصرة التي فرضت أدواتها على الجميع بما فيهم السلفيات. في كتابي (نصوص متوحشة) ذهبت إلى  النص الذي يشكل لها الأب المؤسس، لغة السلفيات الجهادية هي نفسها لغة هذه النصوص: تكرار ممل، إعادة بائسة للأقوال نفسها، استخدام الحجج والأدلة نفسها، معجم المصطلحات نفسه، العمى نفسه يورثه السابق إلى اللاحق.

خذ مثلا: ابن تيمية، وابن القيم الجوزي، ومحمد بن عبدالوهاب، وأبومحمد المقدسي، كأنهم يبيضون مسودة واحدة، تدور حول فكرة مغلقة واحدة هي فكرة التوحيد السلفي ولوازمه من البراءة والولاء، البراءة  من الطواغيت والآلهة التي تعبد من دون الله عز وجل والكفر بها، فهذه لا تُؤخر ولا تؤجل، بل ينبغي أن تظهر وتعلن منذ أول الطريق، والبراءة من الأقوام المشركين هم أنفسهم إن أصروا على باطلهم.

لا تخرج لغة الجماعات السلفية بكل تلاوينها عن معجم لغة البراءة، ربما تتنوع تطبيقات البراءة فتأتي في صور:مفخخات أو أحزمة ناسفة، تفجير مساجد أو مراقص، انتحاريون أو انغماسيون.

منهج البراءة هو لغة السلفية الجهادية، وهو ما تجده مشروحاً في كتاب المقدسي “ملة إبراهيم” فطريقة تحطيم أصنام المشركين، هي المنهج الذي يجب أن نتبعه، وهي اللغة التي يجب أن نتحدث بها معهم، وعلى هذا تصبح ملة إبراهيم في مفهومهم تعني القوة، والعنف، والذبح، وتمثيل الموت في أقسى حالته بشاعة ورعباً.

بين نهرين: شل الحرية التأويلية لجماعة دينية أو سياسية ما، تعد النقطة الحاسمة والتي تحمل داخلها جذور التوحش (امتلاك الحقيقة المطلقة ) ما هو رأيك بهذه الفرضية؟

الديري: إله التوحش يقول لك اعبد النص من غير تأويل ولا تكييف ولا تمثيل، أي عطّل طاقتك العقلية والخيالية والإبداعية في سؤال الكيف، ومجاز التشبيه، هذا ما ينتجه مفهوم التوحيد السلفي، إله من كلمات صماء، أصنام في شكل كلمات، ممنوع عليك أن تأولها أو تفهمها بطاقتك الإنسانية. ممنوع أن تسأل كيف هي صفات الله؟ ولا تشبهها بشيء.  صفات الإله غير قابلة للتأويل عند الجماعات السلفية، ومعاركهم الكبرى يشعلونها حول صفات الاستواء والجلوس.

عليك أن تُسلّم فقط، تسلم بهذه الصفات، وتسلم لولي الأمر أيضا بالطاعة العمياء، لتسلم روحك. لا تسأل كيف استوى الإله على العرش؟ ولا كيف استولى ولي الأمر على العرش؟

السلفية الجهادية، تبحث عن القوة المادية السياسية التي تمكنها أن تحظر وتمنع وتقطع، وتحد من التأويل. من يذهبون إلى التأويل تطبق عليهم السلفية الجهادية حد التبري، فيصبحون في دائرة من دمهم مستحل.

“ما نزل من القرآن آية إلا لها ظهر وبطن، ولكل حرف حدّ ولكل حد مطلع” الحد عندهم هو القطع هو امتناع التأويل، والمطلع هو العقوبة على تجاوز الحد. في مقابل هذا المعنى المغلق، يقدم الشريف الرضي تأويلا آخر، يرى في الحد ليس نهاية، بل وصول إلى مطلع تشرف من خلاله على معنى جديد.

إغلاق التأويل هو نهاية أي أمة، لأنه يعني الوصول إلى حائط مسدود، في حين التأويل يعني أنك يجب أن ترتقي بحركتك الروحية والعقلية لتصل إلى الحدود القصوى من المعرفة التي تطل من خلالها على العالم، لتفهمه وتستوعبه وتعيش تنوعاته كلها. الحد ليس سيفاً ولا حزاما ناسفا ولا مفخخة، بل الحد شرفة رؤية. الذين يحدون أسماء الله وصفاته ويمنعون السؤال، يحولون الله إلى صنم غير قابل للمعنى، ومتى فقد الإنسان المعنى اغترب وتوحش.

من يردد اليوم كلام الشريف الرضي في التأويل؟ من يقول لك إن التأويل يفتح معنى الألوهية على الحياة؟ من يحثّك على أن تصعد إلى أعالي التلال، لتطل من خلالها على معنى الله، ومعنى كتاب الله، ومعنى خلق الله وآيات الله. من يستحث في داخلك القدرة على أن تبذل ما في وسعك من أجل أن تطلّ على المعنى من غير سلطة الأقوال والمرجعيات الصنمية. من يردّد اليوم كلمات الشريف الرضي؟ الجواب: لا أحد.

في مقابل ذلك، من يردّد لغة السلفيات الجهادية؟ الجواب: كل أحد. حتى الذين لم ينخرطوا في أعمالها العنفية. إنهم يترددون في كل ما يُطلعك منهم (التأويل). لا يريدونك أن تدرك الله ورسالته بقلبك، بل يريدونك أن تدركه بلسانك، وتقرّ لهم بهذا الإدراك، وإن زلّ لسانك أَرسلوك إلى مقصلة الحدّ الذي يفهمونه عقوبة، ويفهمه الشريف الرضي مطلعاً للمعنى.  

لقد تحوّل الإيمان إلى حدٍّ تدخل فيه بكلمات وتخرج منه بكلمات، لا علاقة لها بالقلب ولا بالروح، وهذه هي إحدى نتائج تعطيل التأويل. وقد ناقشت ذلك مفصّلاً في الفصل الرابع من كتابي “إله التوحّش” عند الحديث عن كتاب “الإيمان” عند ابن تيمية.

مقابلة ملحق بين نهرين الثقافي حول كتاب إله التوحش2

بين نهرين: السلفيات الجهادية (داعش)، تسعى إلى تهديد وفناء الحداثة الغربية، عبر خطاب وسلوك معاد للعقلانية والمرح، وهذا الأمر نفذ في  باريس من خلال مهاجمة مسرح باتاكلان الذي كان يحيي حفلاً لرواد موسيقى الروك، التي تعد بمثابة شيفرة ثقافية تعكس حالة التنوع والتعايش الخلاق بين الأمزجة والأعراق والأديان والفنون، أو عبر الهجوم على مجموعة لمطاعم (لاكازا نوسترا) الذي يقدم وجبة البيتزا التي باتت بمثابة وجبة عابرة للجنسيات والثقافات، كيف تكون داعش إنتاج الحداثة والعولمة وفي نفس الوقت حركة مضادة للحداثة؟

الديري: الحداثة تتعلق بزمن العقل والروح والسلفيات الجهادية لا يتحرك عندها هذا الزمن، لو تحرك هذا الزمن في عقلها تفقد صفة السلفية، وتسقط من عوالمها المتوهمة، هي تستخدم أدوات التحديث والعولمة لتحصّن قلاعها وتعيد انتشارها في هذا الفضاء المعولم، هي تريد أن يبتلع الزمن السالف الزمن المعاصر، فيحدث هذا الصدام.

المخلوق (فرانكنشتاين) هو صناعة حديثة، لكنه يعاني من نقص في تركيبه الروحي والعاطفي، وهذا ما جعل منه مشوهاً، لقد كان صنيعة التحديث الصلب، كما الجهاديات السلفية صنيعة التحديث الصلب الذي أتاحه لها الانترنت والصناعة وأدوات التواصل الحديث، لكنها حركة مضادة للتحديث السائل المتعلق بالإنسان وحقوقه وروحه وأشكال وجوده المتعددة.

بين نهرين هناك جهود انثروبولوجين، مثل أوليفي روي في كتابه “الجهل المقدس: زمن دين بلا ثقافة”، وسكوت أتران مؤلف كتاب “الحديث إلى العدو، الدين والأخوة وصناعة الإرهابيين وتفكيكهم” والفرنسي إيمانويل تود في كتابه الإشكالي “ما هي شارلي؟ سوسيولوجيا أزمة دينية”، من وجهة نظركم هل يعد الخطاب السلفي الجهادي الداعشي خطاب خلاصي ام خطاب ترتسم فيه أزمة؟

الديري: كل خطاب خلاصي، يحمل في داخله نزعة تخلصية، يعني يدعو إلى التخلص من نماذج معينة وأعراق وأفكار وأديان. يعتقد أن خلاص البشرية يكمن في التخلص مما هو عالق فيها من الخارج، التوحيد هو مركز الخطاب الخلاصي عند الجماعات السلفية، يعادون الناس عليه ويقتلونهم عليه ويتبرأون منهم عليه، أي أنهم يتخلصون من الناس بحجة أنهم يريدون أن يخلصوا  العالم بالتوحيد.

مفهوم الخلاص، موجود في الديانات، فهي تبشر بالجنة وخلاص البشر من الشرور والخطايا، يتحول الخلاص في الحركات الدينية إلى تخلص من الناس الذين يختلفون معها، كما فعلت حركة الصهيونية، فالخلاص يتحقق بعد بناء الهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى، وللوصول إلى هذا الهدف، يمكنك أن تقتل الناس وتهجّرهم وتتخلص من كل الذين لا يؤمنون بمعتقدك اليهودي في محيط القدس.

كذلك، جاء محمد بن عبدالوهاب بدعوة تخليص الجزيرة من الشرك، فتحالف مع قوة سياسية لديها تطلعات للتخلص من خصومها السياسيين، فأعمل هذا الحلف السيف والقتل والصرم والتكفير في الجزيرة باسم تخليصها من شرور الشرك، وهذا هو منطق الحركات السلفية الجهادية.

صور كتاب إله التوحش، تصوير نتاليا

بين نهرين: إله التوحش، نقيض الإله الإنسانوي، أتساءل ما هي الشروط الثقافية والاجتماعية والسياسية التي أنتجت هذا الإله الوحشي؟

الديري: إله التوحش ليس في السماء، هو في الأرض، في قصور الخلفاء والسلاطين ومدارسهم الدينية التي تخلقه على مقاس حاجاتهم السياسية، بحثت عنه فوجدته في نصوص الغزالي يأمر بالقتل والسفك وانتهاك العرض ضد خصوم الخليفة العباسي والسلطان السلجوقي، خصومهم من المسلمين وليس الكفار والمشركين. ووجدته في نصوص مؤسس دولة الموحدين (ابن تومرت) وهو يُكفر ويُقتل ويستبيح خصومه المرابطين وهم من المسلمين من أهل السنة والجماعة، ما كان للخليفة عبد المؤمن بن علي أن يجلس على كرسي الحكم قبل أن ينزل إله التوحش ونصوصه إلى الأرض، ليستبيح بها الخلفاء المرابطين.

ووجدت هذا الإله متربعاً في نصوص ابن تيمية، يبحث عن إله في الأرض يتحالف معه، ليُمعن في القتل باسم التوحيد، فتُبسط له الأرض فيحكم باسم الله، ووجدت محمد بن عبدالوهاب، واسطة العقد بين إله ابن تيمية المتوحش وسيف محمد بن سعود، لقد صاغا عقد اتفاق الدرعية على قاعدة “الدم بالدم والهدم بالهدم” وبذلك فهي اتفاق على أن نص التوحيد ضمان لدم الدولة وضمان لدم الدعوة، وهدم أحدهما هدم للآخر. هي ضمان للتوحيد السياسي للدولة الخاضعة بالقوة لعقيدة إيمان مُوحدة ومُعَمّمة وغير قابلة لأي تأويل أو اختلاف، كما أنها ضمان لبقاء الدعوة ظاهرة وقوية ومهابة وناطقة في مراسيم الحكم وألسن الناس.

باختصار، يجد إله التوحش مكانته المقدسة في الأرض، حين تُعطي السياسة شرعية دينية للفتك المتوحش بالخصوم السياسيين. والنصوص المقدسة لهذا الإله في ثقافتنا، هي النصوص التي تصادر حق الإنسان في السؤال عن الله وصفاته وتصادر تأويله لها، وتستبيح دماء الآخرين باسم هذه الصفات.

بين نهرين: من المعروف أن ثقافة الخطابات السلفية الجهادية  تتغذي على منطق الانغلاق والعزلة على الذات، من جهة، والإحساس بالتعالي الذي يعتبر عاملاً مغذيًا لمنطق الغطرسة والغزو والإيمان الأرثوذوكسي بالأنموذج الواحد. أتساءل كيف تظهر تلك الثقافات وتعد قوة هائلة في التاريخ؟

الديري: (الإيمان الأرثوذكسي بالأنموذج الواحد) هو نفسه (السلفية) أو (أهل السنة والجماعة) أو (أهل الحق) هذا تعبير لا يشير إلى جماعة أو مذهب أو طائفة فقط، بل هو يشير إلى الطريق المستقيم الصحيح الّذي يفرضه إجماع السلطة كطريق للتدين.

هذه التركيبة من العقيدة والسلطة والقوة تحوّل الدين إلى ممارسة عنف وإكراه وتوحش، وهذا ما حاولت أن أدرسه وجعلته عنوانا فرعيا في كتابي (نصوص متوحشة من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية) لقد مارس السلاجقة توحشهم عبر سلفيتهم التي كانت عقيدة أشعرية مفروضة كطريق وحيد للإسلام المفروض بالسلطة السلجوقية، وكذلك فعلت الوهابية، فرضت التوحيد من منظورها السلفي كعقيدة بسيف سلطة آل سعود. داعش اليوم تريد أن تمارس ما فعلته الوهابية في تاريخ الدولة السعودية الأولى، باعتباره تاريخ صدر الإسلام الصحيح.

بين نهرين: نرى أنّ المواجهة العسكرية لداعش ليست كفيلة باستئصالها، بل إنّ المواجهة الثقافية والفكرية هي أجدر وأنجع. أتساءل  كيف ذلك؟

الديري: المعركة على كل الجبهات، والمثقف الذي يظن أنه سيهزم داعش بكتبه فقط، ستحرقه داعش بكتبه.وكذلك المثقف الذي يكتب من الحضن الذي فرّخ داعش، سيغلق عليه هذا الحضن يوماً ويجد نفسه بلا نفس ولا حرية ولا كرامة.

سَعُّود بنت حجي عبدالرضا

6952ea4e94b29000

بعد صراع مع المرض الذي أقعدها خمس سنوات في فراشها، توفيت يوم 18/1/2017صديقة جدتي سلامة سلوم، عرفناها باسمها المدلل (سَعُّود) وهي (الحاجة سعدة عبدالرضا أحمد يوسف الديري) والدها الملا الحاج عبدالرضا، من أعلام قرية الدير مؤسس حملة (الديري) للحج والزيارات.

أحفظ أسماء صديقات جدتي وتورايخ وفياتهن، فهن جزءاً ليس من ذاكرتي فقط بل من سيرتي، كنت صديقهم بقدر ما كانوا صديقات جدتي، كُنّ يسألن عنها ويتفقدنها، ولأني جزءا من سيرتها وعالمها، فكان السؤال والتفقد والحب يشملني، تحضرني الآن من الأسماء وأكتبها على النحو الذي كنا ننطقها نطق تدليع: زهيرة، مريوم، شروف، صفوي، عصوم، سَعُّود، نصرة، فضة.

كانت أم علي (سَعّود) صديقة جدتي صديقات طفولة من دون أن تكون بينهم جيرة أو قرابة نسبية، بينهما حب فائض، تنادي كل واحدة منهما الأخرى (خيوه). لا أحد يعرف كيف نسجوا هذه العلاقة، أمي صباح ترجح أن العلاقة بدأت من (المعلم) عند الحاجة شريفة بنت يوسف، مع هذا الترجيح يبقى هناك سرّ أظنه ذهب مع رحيلهم، فهذا الحب العميق من أسرار الأرواح التي تأتلف بقدرة ربانية يصعب تفسيرها. لا تمل جدتي من الحكي عن متانة هذه العلاقة، وتظل تحكي قصة الخلاف الذي وقع فيه أهل الدير في الستينيات وانقسم فيه أهلها قسمين متشاحنين، على رأس هذا الخلاف تقع عائلة سلامة جدتي من جهة وعائلة سعّود من جهة أخرى، وصل التهديد لكلتيهما أن يقطعا العلاقة، فكان أول امتحان قاس لصداقتهما، ولأن الحب يتغدى بالمنع والحظر، فراحت كل واحدة منهما تحتال على قوانين الحظر، فتبتكر لها طريقة للتواصل مع الأخرى، غالبا ما كانتا تتخفيان تحت جنح الظلام، ليلتقيا تحت جناح نور المحبة التي جمعتهما.

فيما بعد نسي الناس خلافاتهم، لكنهما لم تنسيا قصة المقاومة من أجل الحب والصداقة، وظلت كل واحدة ترويها للأخرى وللآخرين حتى صارت جزءا من تاريخ هذه العلاقة.

تروي أختي الصغرى (زينب) الحفاوة التي تعطيها كل واحدة منهما للأخرى حتى آخر نفس فيهما: كنت في الثامنة من عمري رسولة (سلامة) ومرافقتها إليها، بل كنت أنتزع هذه المهمة انتزاعا، لا أسمح لأي أحد أن يتولاها، فهناك ينتظرني كيس مشحون بالحلويات وآيسكريم الأميرة والكاكو والمينو وتشكيلة مما لذّ وطاب، والويل لمن يقترب منه.

في كل المناسبات لا تنسى (سلامة) صديقة روحها، مع هلال محرم تجهز لها كسوة السواد من الثياب، من بضاعة متجرها الذي كان هو نفسه مجلسها النسائي بالبيت، وخلال أيام عاشوراء ترسل لها بين يوم ويوم قدرها المخصص لها، هي تعرف أن مأتم عائلة صديقتها النسائي يطبخ كل يوم لكن مكانة (سَعّود) في قلبها توجب عليها أن تخصها بشيء من بركة مأتمها.

حين تشتد بسلامة آلام الظهر وتجد صعوبة في حركة القيام والجلوس، كانت تطلب أن تأخذها السيارة إلى حيث بيت رفيقة عمرها، فتخرج (سعّود) لها وتحضنها وهي جالسة في السيارة، تتزودان من بعضهما ما هو فائض فيهما، فتمنح كل واحدة منهما الأخرى طاقة حب تعينها على تحمل آلام المرض وقسوة الزمن وتناقص الصديقات.

تحرص كل واحدة منهما على ترسيخ تقاليد محبة خاصة بها، ف(سعّود) ظلت ترسل عيديتها (10 دنانير) وكأنها تناغي إحدى حفيداتها، بإدخال الفرحة عليها في يوم العيد.

لقد قلت إن شيئا من سيرتي يتعلق بصديقات جدتي، ليس السيرة فقط، بل حتى وجودي البيولوجي يتعلق بهم، فقد عانت والدتي من مشكلة إجهاض الحمل عدة مرات، فكانت تبوح جدتي لصديقتها (سعّود) بمشكلة ابنتها، فأرشدتها ل(مريم جان) الحاجة المحاطة بالأوراد والأدعية والأضحيات والبخور والطقوس، خضعت والدتي، لوصفة من وصفاتها، فجاءت ولادتي عليها، وظلت الوصفة نفسها تُتُبع بحذافيرها مع 13 ابناً، كنت أنا أولهم، جئت محاطاً بالنذور والقراطيس والأسرار والأحراز، وكانت جدتي المشرفة على تطبيق تفاصيل الوصفة ومتطلباتها فيما تتولى (مريم جان) قراءة الأوراد على الأضحية، ولعل أصعبها كان البحث عن تيس (طمطم) أسود، ظلت جدتي تكلف الضرير السيد عيسى أخ السيد حميد جارنا للبحث عن هذا الطمطم مع كل حمل لوالدتي، يظل معها بالبيت طوال فترة حملها وتتولى هي بيدها إطعامه، ويذبح مع الولادة، ويكفن ويوضع معه كيلو دهن أخضر وست بيضات وكيلو سكر، ويدفن في مقبرة الدير، كل ذلك إرضاءً لما كانت تسميه أمي وجدتي و(سّعود) ومريم جان (التابعة).

أضحيتي تنام هناك في مقبرة الدير، وجدتي تنام هناك أيضا وصديقاتها يجاورنها واليوم تتبعهم (سّعود). لكني في هذه اللحظة من لحظات احتضار كل شيء في وطني لا أعرف إن كنت سأتبعها حين تأتي ساعة اليقين.

من هي هذه (التابعة) وكيف تحضر في المنام لوالدتي وماذا تطلب منها وكيف تتدخل في حملها وتهددها بقتلي إن حاولت أن تقوم بأي عملية (ربط) عن الإنجاب، تلك قصة تطول.

رحم الله (أم علي) وأسكنها مع جدتي فسيح جناته

لقد فعلوها جعلوا الحكاية كلها هم

photo_2017-01-18_12-34-23

لا نعرف حكاية الساعات الأخيرة من حكاية عباس السميع ورفيقيه سامي مشيمع وعلي السنكيس، ف”المحكوم بالإعدام لا حكاية له” كما يخبرنا الأديب الروسي دوستويفسكي (1821- 1881) الذي حُكم عليه بالإعدام بسبب أفكاره السياسية، لكن في اللحظات الأخيرة من تنفيذ الحكم، تم تحويلها إلى عقوبة أخف، فعاد ليحكي لنا حكاية المحكوم بالإعدام في روايته (الأبله) يقول “أما في حالة الإعدام فهم يحرمونك تماما من تلك البقية الباقية من الأمل التي تخفف وقع الموت على نفسك عشرات المرات فاليقين عن أنك لن تفلت من حكم الإعدام هو ذاته العذاب الذي ليس بعده عذاب”.

لم يتوفر الملك الذي صادق على قرار إعدام عباس وسامي وعلي، على مناقبية، لتحيي فيهم شيئا من أمل العفو أو التخفيف أو الإيقاف، كان أدنى من ذلك، وكانوا أعلى فصعدوا بحكايتهم.

(حكاية الإعدام) تلك هي المهمة التي يريدنا عباس ورفيقاه أن ننجزها، أن نحكي القصة، أن نروي ما كان يعتمل في أرواحهم ومخيلتهم، أن نُنُزل إلى الأرض القصة التي صعدوا بها إلى السماء، أن نتخيل كيف أخذوهم؟ وكيف أوقفوهم؟ وكيف وجهوا أسلحة الموت إلى وجوههم؟ وماذا أذاقوهم من ذل الانتقام؟ وكيف تلقت قلوبهم الرهيفة رصاصات الحقد؟ كيف نطقوا آخر كلماتهم؟ كيف وجهوا نظرهم إلى القاضي الذي حضر قتلهم؟ كيف أدار رجل الدين خجله وهو يعظهم؟  وكيف حضرت صور أمهاتهم في مخيلتهم الأخيرة؟ وهل كانوا مطمئنين إلى أننا مؤتمنون على رسالة دمهم؟

لقد تركوا لنا من سيرهم وقصصهم ورسائلهم ما يساعدنا لبناء الحكاية التي لم تصلنا، لنكمل فراغات حكايتهم الأسطورية، هكذا يُلهم البطل حكاية إعدامه، وكأنه يُنزلها من السماء في قلوب من يؤمنون برسالته. وتلك إحدى مفارقات الشهيد، هو قادر أن يُوحي بحكايته حتى لو لم تُتح له فرصة السرد، ذلك لأنه يُوهب حياة ولا يُعدم حياة حتى لو قضى بالإعدام.

لقد منحتهم هذه الشهادة حياة أخرى وحكاية استثنائية، ولكأن (الإعدام) السياسي في سياق الحراك البحريني كرامة تُدخر لحظتها لأصحاب قادرين على أن يجعلوا منها تاريخا وطنيا لا يُنسى، لقد تأخرت هذه اللحظة عشرين عاما، وعلى الرغم من قسوة الأحداث منذ 14 فبراير2011، فإنها لم تأت، وبقيت مدخرة ومضنوناً بها، حتى نزلت وكأنها هبة ربانية على ثلاثة شبان، صنعوا من خلالها أسطورة ينقصها شيء من الواقع لا شيء من الخيال، لكأنها طقس فداء، والمفدى وطن.

لسان حال كل شهيد للقناص الذي كان يطلق باسم الملك:”سأصير يوما فكرة لا سيف يحملها”(محمود درويش). لقد صاروا فكرة وحكاية وأمثولة، بقوة قضيتهم وبخطابات أمهاتهم التي أجادت تمثيل شهادة الأبناء والنطق باسم هذه الشهادة بقوة خارقة.

لقد غدوا حكاية لا يمكن لكل أجهزة إعلام السلطة أن تزوّرها، بكل هذه الحشود الشعبية التي اصطفت في طوابير لا نهاية لها وهي تقدم العزاء لأهالي الشهداء، لقد فهموا الفكرة، وعرفوا أنهم يقفون ليثبّتوا الحكاية في التاريخ، إنهم بوقوفهم يثبتون ما تريد السلطة أن تدمره، ويكسرون ما تريد السلطة أن تفرضه.

لقد فعلوها، جعلوا الحكاية كلها هم، أولئك المحكومون بالحياة الأبدية.

#عباس_السميع #علي_السنكيس #سامي_مشيمع

رابط الموضوع

وهم الحدود ويقين الموت

وهم الحدود

يضعنا مراسل الحرب محمد محسن في كتابه (وهم الحدود معركة القصير، دار الآداب 2017) على تخوم الموت الخاطف الذي لا يعرف الوهم بقدر ما يعرف اليقين، يروي لحظاته المتوترة مرة وهو يراوغ  رصاصة من عيار 33 ملم، ومرة وهو يخوض لحظة جنون لم يجد غير رفيقه حمزة الحاج حسن يشاركه فيه، ومرة وهو يحتمي تحت دشمة ويمد رجله بسرعة، ليركل حمزة أيضا، فيسقطه على الأرض، ليؤجل موته الوشيك.

على تخوم الهرمل والقصير ليس هناك حدود، هناك حياة مشتركة ومختلطة، وتكاد تكون الجنسية والأوراق الرسمية لا تعني شيئا، هناك (اقتصاد الظل) غير المحكوم بقوانين الدولة وضرائب التجارة وموازنات الخطط ، وهناك الجغرافيا تخضع لمنطق ظل الله “فالجغرافيا ظل الله على الأرض” والتاريخ يخضع لمنطق ظل حزب الله “فالتاريخ ظل الإنسان على الطبيعة”. الحدود وهم وفق هذين المنطقين إذا ما أردنا أن نأول عنوان الكتاب.

في الحوار والجدل حين نختلف نذهب إلى الحدود(التعريفات)، لنعيد تعريف الكلمات والمفاهيم، وفي الحرب وهي نهاية الاختلاف وبداية الخلاف ونهاية الخصام وبداية العداوة، نذهب أيضا إلى الحدود، حدود جغرافيا الاشتباك، لنفهم منطق الحرب.

حين لا نفهم منطق الجغرافيا والتاريخ، نضل فهم الحدود، ونتوه في الوهم، كثيرون تاهوا في الوهم لأنهم، لم يعرفوا منطق الحدود التي بين سوريا ولبنان.

لقد واجه (ابن الجنوب) يقين الموت، ليكسر وهم الحدود الذي ثبّته إعلام يجهل أو يتجاهل الحقائق التاريخية والجغرافية والديموغرافية، لا ينسى وهو يحدثنا عن الموت الذي كان يُحدِّق به من كل جهة على الحدود، أن يقدم في كل لحظة موت وشيك شهادة عن حمزة الحاج حسن رفيق دربه وحلمه الجامعي والإعلامي “ابتليت بحزني الأكبر عندما استشهد رفيق عمري حمزة”، ولا ينسى وهو يحدثنا عن حزنه النبيل على هذا الفقد، أن يحكي عن لحظاتهم المفعمة بالضحك والسخرية وسط الموت، وتبادلهما زوايا بث الرسائل المباشرة التي هي زوايا موت يوشك دوماً أن يقع.

يكتب عن ذروة الموت، عن الحدود القصوى التي تقترب فيها الحياة من النهاية لحظاته، يكتب وقائع الحرب بصوته وقلمه وقلبه “لا أحب التاريخ الذي يكتبه المنتصر أي منتصر، أكتب هنا ما رأيته وما عرفته..” لا يريد أن يكتب هذا التاريخ أي منتصر، بقدر ما يريد أن يرويه هو، وتلك معركة كبرى في معركة أكبر. المرة التي لم يستطع فيها أن يكون شاهدا على صفحات كتاب هذه الحرب، هي يوم انطلاق تحرير مدينة القصير 19أيار/مايو2013 والسبب في ذلك يعود إلى سفر إخوته وعدم قدرة أمه على تحمل فراغ البيت من ثلاثة أبناء مسافرين، أحدهم ذاهب نحو موت محتمل.

الموت حاضر أيضا في إهداء الكتاب، حاضر بشكل مكثف في جملة واحدة “إلى حمزة حاج حسن” هي علي المستوى النحوي جملة واحد فعلا، لكنها على المستوى البلاغي، حكاية مشحونة بالمعنى، فحمزة واحد من الذين أرادوا أن يكتبوا التاريخ من الميدان لا من الديوان. الكتاب بهذا الإهداء شهادة وفاء وتقدير لما أراد حمزة أن يبقيه من رسالة، ويكتبه من تاريخ، ويشهد به من حقيقة، ويحطمه من أوهام إعلام يفجر في الخصومة، ويفحش في العداوة.

في يوم ما كنت على تخوم هذه الحدود، تجولت في ريف القصير، وأكلت من مشمش بساتينها، وتبضّعت في سوق المسيحيين بربلة، وصليت في مسجد المسلمين (المجتبى) واستمعت إلى رواية عائلة لبنانية تسكن هناك، وسقطت سيارتي في ترعة من فروع نهر العاصي بحوش سيد علي. لقد منحتني هذه التجربة فهما حياً ومباشراً لفكرة الحدود، وكنت أصرخ “من لا تسقط سيارته هنا ويمشي على قدميه بين هذه الحدود لن يفهم نطاق الحرب ومنطق الحزب هنا”.

بعد أن قرأت هذا الكتاب، ازداد يقيني وتوسع فهمي، وصرت أدرك أن الحد ليس نهاية دولة بل بداية دولة، إن سقطت الأخيرة انتهت الأولى.