الدكتور علي الديري: أتمنى أن يُحرّض "طواش الدير" الناس ليكتبوا سير أجدادهم وقراهم وينشروا وثائقهم التاريخية

 

طواش الدير الحاج عبدالله بن عيسى (1888-1961)

طواش الدير الحاج عبدالله بن عيسى (1888-1961)

لتنزيل الملف بصيغة pdf

حوار مع الدكتور علي الديري حول كتاب طواش الدير الحاج عبدالله بن عيسى (1888-1961)

مع دخول العقد الثاني من الألفية الثالثة، جرت مياه كثيرة، صار التاريخ موضوعًا عامًّا، يجد الناس فيه ميدانًا للبحث عن هويتهم ووجوههم ووجودهم وذاتهم الآنية المهددة بالموت والمحو والنسيان، بدت فكرة الكتابة عن تاريخ الشخصيات والمجتمع ومعلمات القرآن ورجال القرية والعادات والظواهر الاجتماعية ملحة ومطلوبة. في هذا الحوار مع مجلة (أرشيفو) الصادرة عن مركز أوال للدراسات والتوثيق يحدثنا الدكتور علي الديري عن تجربته في توثيق تاريخ بيت طواش الدير، الحاج عبد الله بن عيسى عبر ثلاثة أجيال: الأب والابنة والحفيد، في سيرة الجد عالم الغوص واللؤلؤ، وفي سيرة الابنة صفحات القرآن وتعليم ألف لا شيلة، وفي سيرة الحفيد التعليم الحديث ودخول عالم شركات النفط والإنشاء والمقاولات لبناء البحرين الحديثة.

أرشيفو:كيف كان شعورك بعد أن رأيت كتاب طواش الدير مطبوعًا؟

الديري: بدأت فكرة الكتاب بحوار مع أبي في 2007م، كنت حينها بسبب تشخيص مرضه أخشى فقده وفقد ذاكرة العائلة التي هي جزء من ذاكرة قرية الدير ببحرها وزرعها. بعد طباعة الكتاب، شعرت أنني احتفظت بأبي، وثبّت جنسيتي، وحققت وصلا بقريتي، وأقررت عين أمي، وأنقذت ذاكرة توشك أن تُنسى. لقد سردت ذاكرة عزيزة على قلبي والسرد أداة وصل بين الأب والابن والجد.

كتاب طواش الدير

أرشيفو:من هو الطواش حجي عبدالله بن عيسى؟

الديري: هو جد والدي، كان طواشًا معروفًا، فقد سفنه في سنة الطبعة 1925م، إحدى بناته المشهورات هي معلمة القرآن الملاية تقية (ت 2018) التي تتلمذ على يديها جيل كامل من قرية الدير وقد كتبت سيرتها في (ألف لا شيلة)، وأحد أبنائه المعمرين هو الحاج عيسى الشيرازي، توفي في 2006 عن عمر 105 سنوات، وهو من كان يمسك دفاتر أبيه ويكتب حسابات اللؤلؤ.

أرشيفو: هل استعنت بدفاتر طواش الدير في كتابة سيرته؟

الديري: مع الأسف، لم يصلنا شيء منها، أمر قبل وفاته بحرقها والتخلص منها، كي لا يطالب من بعده أحد أحدًا قد يكون معوزًا، كان معروفًا أن عطاءه يكبر ويكثر في الخفاء، لذلك احتفظت بها قلوب كبار السن، ووثقتها في ذاكرتها.

أرشيفو: كيف دخلت على سيرة طواش الدير وقد توفي في 1961 وأنت لم تعاصره؟

الديري: أجريت حوارين مطولين مع أبي قبل وفاته في 2009، لفتني حديثه المستفيض عن جده الطواش، وعن البيت الكبير. وأنا صغير كنت مدهوشًا ببيتنا باتساعه وجماله وألوانه وغرفه وزراعته وزريبة البقر فيه، عرفت من أبي أن هذا البيت الذي قضيت طفولتي فيه هو جزء من بيت أكبر لحجي عبدالله بن عيسى، كان بيت وجاهة وضيافة ويقصده العلماء، ازداد تعلقي بسيرة هذا البيت، فرحت أتقصى سيرته في قلوب الناس وما تبقى من ذاكرتهم.

جواز الطواش الحاج عبد الله بن عيسى، صادر في العام 1956م، تحت رقم 006550، وفيه إشارة إلى مهنته طواش وسنة ولادته في العام 1888م

جواز الطواش الحاج عبد الله بن عيسى، صادر في العام 1956م، تحت رقم 006550، وفيه إشارة إلى مهنته طواش وسنة ولادته في العام 1888م

أرشيفو: هل كنت تكتب تاريخ عائلتك أو تاريخ قريتك؟

الديري: على هذه الجزيرة الصغيرة “البحر هو التاريخ” تاريخ الغواص والبحار والنوخذة والطواش واللؤلؤ، وسيرة حجي عبد الله بن عيسى هي سيرة تاريخ بحر الدير. وذاكرة القرية في جانب منها هي سيرة الأشخاص والعوائل، الوثائق التي نشرتها في هذا الكتاب، هي وثائق ذاكرة قرية الدير، أتمنى أن يُحرّض هذا الكتاب الناس ليكتبوا سير أجدادهم وجداتهم وعوائلهم، ويعملوا على نشر الوثائق التي يتوفرون عليها، هكذا سنكون كتبنا تاريخ القرية الاجتماعي والشفاهي. لقد قررنا نحن عائلة الحاج عبدالله بن عيسى، أن نوقف مبيعات هذا الكتاب لتأسيس صندوق لدعم مشاريع تخدم الذاكرة الاجتماعية والشفاهية تحت (صندوق طواش الدير الحاج عبدالله بن عيسى لدعم مشاريع توثيق الذاكرة الشفاهية).

أرشيفو: هل حصلت على وثائق ذات قيمة تاريخية؟

الديري: كنت أتفاجأ من ازدياد الوثائق التي أعثر عليها كلما تقدم العمل في الكتاب، هناك وثائق لم أتخيل أبدا أن تقع بين يدي، على سبيل المثال، وجدت ختم الطواش حجي عبدالله بن عيسى في وثيقة تعود للثلاثينيات، ووجدت جواز سفره حين كان الجواز ورقة، واكتشفت بين كتب حفيده وابن أخته الحاج سلمان آل عباس رسالة موجهة له من النجف تعود إلى عام 1931، والبحث عن وثائق الغوص قادني للعثور على وثيقة نادرة تعود إلى 1922 وهي دفتر سجل غواصين يخص النوخذة الحاج مكي بن الحاج علي (1885-1950) والد أبو منير، الدكتور عيسى مكي.

صفحة من دفتر حسابات الغواصين والسيوب العاملين مع النوخذة الحاج مكي الحاج علي من قرية الدير، يبدو بحسب التاريخ الهجري المدون أن هذا الدفتر استخدم في الفترة بين 1341هـ - 1445هـ / 1922م-1926م. تخص هذه الصفحة حساب الغيص حبيب الجزيري بن حبيب، تتكون بنود حساب كل غيص من هذه العناوين: الباقي في حسابه، تسقام بيده، سلف البيت، خرجية بيده. يبدو من تاريخ حسابات دفتر الحاج مكي، أن بعض النواخذة ألزموا أنفسهم بتسجيل حسابات الغواصين قبل فرض نظام الدفاتر مع إصلاحات مهنة الغوص التي فرضتها الإصلاحات البريطانية في العام 1923م (انظر: علي أحمد الديري، من هو البحريني؟، ص276)

صفحة من دفتر حسابات الغواصين والسيوب العاملين مع النوخذة الحاج مكي الحاج علي من قرية الدير، يبدو بحسب التاريخ الهجري المدون أن هذا الدفتر استخدم في الفترة بين 1341هـ – 1445هـ / 1922م-1926م. تخص هذه الصفحة حساب الغيص حبيب الجزيري بن حبيب، تتكون بنود حساب كل غيص من هذه العناوين: الباقي في حسابه، تسقام بيده، سلف البيت، خرجية بيده. يبدو من تاريخ حسابات دفتر الحاج مكي، أن بعض النواخذة ألزموا أنفسهم بتسجيل حسابات الغواصين قبل فرض نظام الدفاتر مع إصلاحات مهنة الغوص التي فرضتها الإصلاحات البريطانية في العام 1923م (انظر: علي أحمد الديري، من هو البحريني؟، ص276)

أرشيفو: هل كنت ستكتب سيرة طواش الدير، لو لم يكن جد أبيك؟

الديري: هناك محرض شخصي للكتابة، لا بد أن يتوافر ليكون دافعًا لك للإنجاز، لكن ذلك لا يعني أنك تكتب للمفاخرة والمباهاة. لقد كتبت سيرة أم السادة وأنا لا أعرفها، كان هناك دافع شخصي يتعلق بكونها تمثل الثقافة والبيئة الاجتماعية التي أحن إليها وأحبها وأشعر أنها جزء من هويتي، كذلك سيرة مكية بنت منصور العكري وسيرة جدتي سلامة سلوم، وحاليا أنا أكتب سيرة مخطوطات المآتم النسائية والنساخ الذين كتبوها والملايات اللاتي  يقتنينها ويقرأنها. بطبيعة الحال جدتي سلامة ونساء مجلسها ومأتمها وتربيتي وسط هذه الطقوس، محرضات شخصية جعلتني متحمسًا للذهاب لهذا المشروع، لذلك أؤكد أهمية المحرض الشخصي في التوثيق والكتابة.

أرشيفو: هل تعتقد أن هناك وثائق موجودة تتعلق بكتاب طواش، ولم تصل إليها؟

الديري: لدي هذا الاعتقاد بعد أن عاينت بنفسي كيف تتكاثر الوثائق وتقود بعضها لبعض، كذلك لدينا الشهادات الشفاهية، وهي تشكل جرءًا مهما من ذاكرتنا، على سبيل المثال بعد أن دفعت بالكتاب للمطبعة، نشرت (قناة الدير للميديا) مقابلة مع المرحوم حسن خليفة، كان يتحدث باستفاضة عن حجي عبدالله بن عيسى، والمثال الآخر الذي يمكن أن أستشهد به، هو سيرة أخت الحاج عبدالله بن عيسى، وهي الحاجية زينب بنت عيسى صاحبة أول مأتم بالقرية، المعروف بمأتم الحاجية وصار يعرف لاحقًا بابنها مأتم حجي سلمان وحاليا باسم حفيدها مأتم حجي عباس. كنت أبحث عن سيرتها كونها معلمة قرآن وملاية وصاحبة مأتم وشخصية لها مكانتها، لم أتوصل مع الأسف حتى لعام وفاتها، لكني بعد طباعة الكتاب، وأثناء العمل على (مخطوطات المآتم النسائية) أجرى فريق العمل مقابلة مع الملاية المعروفة في القرية فطام بنت الزين، فأفادتنا بمعلومات قيمة عنها وأخبرتنا أنها أحاطتها برعايتها وحنانها وأوصت ابنة أختها معلمة القرآن والملاية آمنة بالاهتمام ببنت الزين، فاحتفظت التلميذة بهذا الجميل في ذاكرتها.

وثيقة تبين أن الحاج أحمد أقرض (جمعية التوفيق الحسينية) مبلغ ألفي دينار لشراء أرض لبناء مأتم (الإمام المنتظر) في 15 مارس 1980م، وفيها يشير إلى تنازله عن قسط ثلاثمائة دينار من القرض مساهمة منه للمأتم، وقد شهد على هذه الوثيقة الحاج عيسى عبد الله الفن، والحاج علي حسين المؤمن «نحن الموقعين أدناه: السيد علي السيد حسن ( بصفتي رئيس هيئة التوفيق الحسينية) والحاج رضي حسين المؤمن (بصفتي نائب رئيس هيئة التوفيق الحسينية): نفيد بأننا نيابة عن أعضاء هيئة التوفيق الحسينية قد استلمنا مبلغ ألفي دينار بحريني فقط من الرجل أحمد علي عبد الله مطر القاطن في قرية الدير-المحرق وذلك لأجل تسديد قيمة قطعة أرض مشتراة إلى هيئة التوفيق الحسينية وذلك لغرض استعمالها مأتمًا في قرية الدير».

وثيقة تبين أن الحاج أحمد أقرض (جمعية التوفيق الحسينية) مبلغ ألفي دينار لشراء أرض لبناء مأتم (الإمام المنتظر) في 15 مارس 1980م، وفيها يشير إلى تنازله عن قسط ثلاثمائة دينار من القرض مساهمة منه للمأتم، وقد شهد على هذه الوثيقة الحاج عيسى عبد الله الفن، والحاج علي حسين المؤمن «نحن الموقعين أدناه: السيد علي السيد حسن ( بصفتي رئيس هيئة التوفيق الحسينية) والحاج رضي حسين المؤمن (بصفتي نائب رئيس هيئة التوفيق الحسينية): نفيد بأننا نيابة عن أعضاء هيئة التوفيق الحسينية قد استلمنا مبلغ ألفي دينار بحريني فقط من الرجل أحمد علي عبد الله مطر القاطن في قرية الدير-المحرق وذلك لأجل تسديد قيمة قطعة أرض مشتراة إلى هيئة التوفيق الحسينية وذلك لغرض استعمالها مأتمًا في قرية الدير».

أرشيفو: هل لديك ما تود أن تقوله؟

الديري: أتمنى أن يكون هذا الكتاب محفزًا لأهالي قرية الدير، لنعمل على إنتاج سلسلة تاريخية تخص تاريخ القرية، وسيكون جميلًا لو تمكنا سنويًا من طباعة كتاب واحد، لدينا مهتمون بالتاريخ الاجتماعي ومدونون وباحثون، رحم الله الدكتور علي هلال، وأبقى الله لنا أصدقاءه وزملاءه وتلامذته: الدكتور أبو منير، عيسى مكي، الأستاذ أبو صادق، إبراهيم حسن إبراهيم، الأستاذ حسن الوردي، الشاعر سيد سلمان سيد محمد الموسوي، الأستاذة رملة عبدالحميد، وغيرهم.

رواد مجلس حجي رضي المؤمن

رواد مجلس حجي رضي المؤمن

“مهاجر في زمن الجدري”: لماذا يهاجر البحراني؟

“توارث أهل الحلة [سماهيج] عن أجدادهم أن الله يفرش للمهاجر في البحر طريقًا يَبَساً”.

 

حين وصلتني رواية الصديق دكتور عمار الخزنة (مهاجر في زمن الجدري) كنت منهمكًا في قراءة رواية (الموريكسي) للروائي حسن أوريدي، تحكي الرواية قصة الموريسكيين. وهذا تعبير قدحي يشير إلى المسلمين من العرب والأمازيغ وغيرهم من الذين طردوا من الأندلس بعد سقوطها والفشل في جعلهم مسيحيين مؤمنين، تعرضوا لمحنة إنسانية أيام محاكم التفتيش، اضطروا فيها لإخفاء إسلامهم ولغتهم.

تعرض الرواية سيرة عائلة مسلمة مكوّنة من الأب (قاسم: دييغو) الذي يضطر لإخفاء إسلامه واسمه وإسلام زوجته (فاطمة) وإسلام أبنائه (أحمد: بيدرو وزهرة: إيناس). يُخفي الأب الفقيه هويته في شكل فلاح مسيحي بسيط، لكنه في الخفاء يحرص في غرفة صغيرة ملاصقة لحظيرة الحيوانات على تعليمهم اللغة العربية والإسلام، ويطلب منهم أن يتكتموا على العالم السري الذي يعيشونه في البيت، كي يحافظوا على الحياة التي هي أعظم ما وهبه الله لنا.

لقد أوقفت قراءة رواية (الموريسكي) وشرعت في رواية (المهاجر) أنهيتها خلال 24 ساعة، ما شعرت أني غادرت الحكاية، فالمشاعر التي تملكتني وأنا أتابع قصة عائلة قاسم هي نفسها المشاعر التي تملكتني وأنا أتابع قصة علي بن غانم وأبنائه عيسى ومحمد وخزنة ونرجس، عاشوا في قرية سماهيج في القرن التاسع عشر، حيث البساتين والنخيل وعيون الماء والبحر وحظور صيد السمك المعروفة وسفن الغوص وعالم اللؤلؤ والنواخذة والغاصة والطواشين.

يصطدم الأب بن غانم ذو الأنفة والعزة والكرامة بفداوية الشيوخ (أولاد إبليس) فيضطر لاتخاذ البحر طريقًا للهجرة إلى البصرة ويبقى هناك حتى موته. وبعدها بعقود من السنوات يعيد ابنه عيسى الذي يحمل طباع أبيه القصة نفسها بعد أن يعمد الفداوية إلى سرقة (حظرته) فيدافع عن كرامته ويقتل اثنين منهم في سر (حظرة الهاشمية) بالحربة التي كان يحملها عادة البحار معه حين يباري مصائده، فيلحق بطريق أبيه حيث يتخذ البحر مهربًا. إنها القصة نفسها التي تعرضت لها العوائل الموريسكية المسلمة فقد سلّط عليهم القشتاليون المرتزقة الذين يستخلصون أجورهم من النهب والسلب.

والحظرة طريقة تقليدية شائعة لصيد السمك القريب من السواحل [انظر الفيديو المرفق] تتكون من شباك مثبتة بأعمدة بشكل شبه مثلث وبها مدود وسر، يجتمع معظم السمك في سر الحظرة وقت الجزر. ولكل حظرة اسم ووثيقة ملكية.

لماذا هاجر بن غانم؟

لأنه لا يريد أن يكون غريبًا داخل وطنه، فضل الغربة عن وطنه، الغربة بالنسبة له أن يفقد كرامته، ويُهدد برجال الشيوخ الإقطاعيين “إنك تتكلم على أسيادك وتحرض الناس على العصيان”. أن يكون هناك فداوي مرتزق نهّاب يحرق حضار (سور) بستانه (مسعّد) ويعبث بحق ملكيته وإرادة تصرفه وحرية قدرته ويحولون بينه وبين بستانه، ما عاد قادرًا على أن يرفع رأسه في مستوى نخيله، صار يشعر بالغربة بين رأسه ورأس نخلته، وما عاد ابنه عيسى قادرًا على أن يحفظ سر حظرته (الجوجبية والهاشمية) مصونًا عن النهّابة المحميين من قبل الشيوخ.

عاش بن غانم على أطراف ميناء البصرة وظلت عيونه لأكثر من أربعين عامًا على البحر، يحلم بالعودة إلى ديرته الحلة (سماهيج)، ينشد معبرًا عن شوقه لبستانه وحظرته وأهله:

يا ناس أنا بي علة

من واحد (بالحلة)

يا ريتني (طير) له

وأسامره طول الليل…

هاجر رجال العائلة، وماتت نرجس من وباء الجدري، وبقيت (خزنة) تحفظ البيت والعائلة والحقل والحظرة، كانت تجهّز زوادة الطريق للمهاجرين من عائلتها وتولّد نساء القرية وتزرع الأمل بالعودة. تركت لنا وثيقة تاريخية مهمة تثبت ملكية الحظرة لأبيها بن غانم. في ذاكرة (خزنة) سر تهجير أبيها، وسر قصته، وسر كرامته، وخزانة حكاية الحلة (سماهيج). لاحقًا صار بيت بن غانم يعرف ببيت أولاد خزنة، وصارت القابلة خزنة واهبة الحياة والكرامة مانحة ألقاب، فأصبح أحفادها يُلقبون باسمها ويُعرفون بعائلة (الخزنة).

رواية"مهاجر في زمن الجدري" للدكتور عمار الخزنة

رواية”مهاجر في زمن الجدري” للدكتور عمار الخزنة

كل مولود لابن غانم يأتي على رأس حلم يشي بسيرهم ومصائرهم في الحياة، حلم تجري أحداثه في (سر حظرته) فيكتسب المولود طبائع شخصيته من طبيعة الحلم الذي يجري في (السر). أودع بن غانم فيهم خير السرّ وبركاته وعلّمهم أن كرامتهم دونه، عليهم أن يحفظوه ليصونوا وطن كرامتهم.

الدرس الذي يتذكره أبناء بن غانم ويروونه لبعضهم بعضًا كان في سر حظرة الهاشمية، قال لهم: السمك كباره وصغاره يموت بصمت إلا سمكة (الزمرور: القرضي) الصغيرة فإنه يُعلّم قاتله إنه لن يموت بصمت، يعكر مزاج قاتله بصوته، لذلك لا تسمحوا لأحد أن يقتلكم بصمت.

حفظ أبناء خزنة هذا الدرس (لا تسمح لأحد أن يقتلك بصمت)، هذه الرواية (مهاجر في زمن الجدري) هي صوت عيسى بن غانم وأبيه وعائلته من أبناء خزنة وأحفادها، ظلوا يروونها جيًلا بعد جيل من خزانة القلب حتى صارت رواية في خزانة الورق.

*كاتب بحريني مهاجر، مقيم في كندا.

رسالة إلى صديقي سجين الرأي محمد النهام

الأستاذ محمد حسن النهام (مواليد1971) مدرس أول علوم في المعهد الجعفري، صديق صباي في قرية الدير، اعتقل في 2017 ضمن ما سُمي بـ(مجموعة الدير) وحكم عليه بالسجن 15عامًا.

إلى صديقي سجن الرأي محمد حسن النهام

أكتب إليك لأنه لم يعد هناك وطن يصلني بك، لم يعد هناك وطن يجمعنا، غادرنا صديقنا الشهيد زكريا العشيري مبكرا في 2011، وأنت لم يتسع لك البحر الذي عشقته وخبرته منذ كنت طفلًا تبحر مع أبيك، ضاق بك فصرت سجينًا، وأنا لم يتسع لي ذلك الذي تأملت أن يكون وطنًا، فصرت مهاجرًا أو منفيًا أو مطرودًا. وُضعنا جميعنا في قوائم الإرهاب، لا أعرف أرهبنا من؟ لكني أعرف فقط قلوب أمهاتنا المرتعشة حزنًا وكمدًا وهضيمة. حكايتنا واحدة في تجليات ثلاث: الشهادة والسجن والهجرة، كلها تعبر عن جوهر واحد، فقدان وطن يلملم بأجنحته أبناءه، ويعطف عليهم بظلاله.

كل منا دفع ثمن صدق ما آمن به، ما كان لنا أن نحافظ على إنسانيتنا وسط هذا التوحش اللاإنساني، وما كان لتربيتنا أن تُعطي إلا ما فيها من أمثولات وأحلام بالعدالة والحرية والحق.

أسترجع الآن الأديب المناضل (برتولد بريخت) في كتابه (حوارات المنفيين) كان يكتب باستمرار لمواطنيه، ويبعث فيه الأمل، ويوقد إرادتهم، ويشجعهم على مقاومة الفاشية والدكتاتورية، لذلك كانت كتبه تحظر وتحرق في ألمانيا الهتلرية، أسترجعه الآن لأنه يُلهمني للكتابة إليك، ولأن هذه الرسالة  محظورة أن تصل إليك، وكتبي كذلك محظورة ومصادرة، أشعر أن (بريخت) أحد الآباء الرمزيين لأمثالنا من المنفيين في أوطانهم أو خارج أوطانهم.

أحتفظ بصورة جميلة لك، من صور الصبا، الفتى ذو الابتسامة الدائمة والضحكة الحاضرة في المواقف والمقالب والحكايا، صاحب الذاكرة النقية القوية الذي يستطيع استرجاع المعلومات وأبيات الشعر والأحداث بشكل مدهش، الفتى الذكي حاضر البديهة القادر على جمع معطيات تفصيلية كثيرة، والقادر على سردها بشكل منتظم وواضح، مادة الأحياء بتفاصيل كائناتها وأجهزتها وأسمائها ما كنا قادرين على تحملها، وكنت أنت متفرد بها، حتى صرت مدرسها الأول قبل اعتقالك.

حاضر بقوة اسم والدتك في مخيلتي (مريم سلطان) تردده أمي بمحبة ووفاء، لصداقة وعشرة دامت بينهم، ما كنت أقول لها إنني في بيت محمد النهام، بل كنت أنسبك لأمك: أنا في بيت محمد ولد مريم سلطان. أسأل أمي عنها، فتقول لي: علاقتنا بجارتنا أم كريم، فتحتنا على مريم سلطان، وصارت واحدة من أهل (الدريشة، دريشة أم كريم) تتبادل معنا الأطباق والمحبة والنغصة، كانت أم محمد “ما تاكل عنا حارة ولا باردة”. 

عل

فضاء عباس: أي حزن، يبعث ثلج الغربة يا عمة؟

بقلم/فضاء عباس فضل

لا ترى نفسك أمام المرآة، بل ترى صورة بداخلك، الموت يُخرج صورًا لم تكن تراها في مرآتك، أي صور من طفولتي ومكبوتاتي بعث موتك يا عمة؟!
مساحة الصمت الناطق بيني وبينها أكبر من الكلام، خاصة بعد هجرتي القسرية عنها، لغة الإشارة التي تجمعنا لا تحتاج حروف، هي تفهم ما يجول في خاطري دون حاجة لبيان. حين رحل أبي في يونيو 2009م صرت أختار زوايا البيت البعيدة عن عينها، لأنها قادرة على قراءة صمتي وسيماء وجهي المفضوح في قلبها، وهذا هو السبب الذي جعلني أتهرب من الاتصال بها. ما أن أسمع صوتها في لحظات الغربة والضعف، تغرورق عيوني وينحب صوتي، وينقطع الكلام. أعرف أن ذلك يجرح خاطرها، فألوذ بالهروب والانقطاع، كان مخرجي الذي أفقدني إياها كثيراً، كنت أحلم أني سأنهي هذه الحالة بالعودة القريبة لها، لكن القرب استحال بعدًا لا علاج له.
ينتهي غداء يوم الخميس، نرجع فرحين مستبشرين باستقبال عطلة نهاية الأسبوع، رائحة السمك الصافي والرز المشخول والسفرة الطويلة العامرة تنتظر الجميع. لا أطيق الانتظار الطويل، أجلس قرب عمتي (زهرة) ألح عليها أن تبدأ دورة النجاب (سكب الوجبة لي) بذكائها العفوي تحيل لنا بعض المهمات، لتلهينا حتى يكتمل عددنا تقول: قطعي الجح، أحضري الخضار من المطبخ. ينتهي الغداء ولا تنتهي المهمات، هناك دورة غسيل الصحون والمواعين وإعادة كل شيء إلى مكانه.
نتسطح أمام شاشة التلفاز، عمي عيسى ينتظر الساعة الثالثة ظهراً ليزور أباه وأمه في مقبرة الحورة، يستعجل عمتي خديجة في غرفتها، تكون مشغولة بقراءة دعاء القدح على مجموعة من قناني الماء، كلما توفي فرد من العائلة زادت قناني عمتى، حتى إننا كنا نمازحها بعد وفاة خالي (عبدالله زبر) الملقب بالشكر لحلاوة طبعه وحب أمه له، كنا نقول لها إن خالي سيرجع من مقبرة الحورة سباحة للبيت، لكنها لا تكترث لسخريتنا. كانت تقرب شفتيها نحو القناني وكأنها تسر لها بكلمات وفاء خاصة لأحبائها الراحلين، وتقرأ من دعاء القدح”إن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى”.
بحكم العوائل الممتدة والأدوار المتداخل، أنيط بعمتي خديجة القيام برعايتي، فأخذتني بأحضانها طفلة تتفتح الأمومة في كيانها بملامس حواسها، مطبوعة حواسي على أمومة حضن عمتي، لم تغادرني، على الرغم من أنها اضطرت لمغادرتي لدراسة اللغة العربية في جامعة عين شمس بالقاهرة، حينها تسلمتني عمتي رازقية بأحضانها، على أن أرجع سريعاً لعمتي خديجة فترات تواجدها بالبحرين. اشتراك الأمومة بينهما جعلني موضع نزاع، لم يحسم حتى الساعة. صرت ألتزم الصمت بينهما، لأحتفظ بمزيد من جرعات الدلال أكثر. ذلك الدلال جعل عمتي خديجة تفرط في التعويض، صارت تحمل معها الهدايا الكثيرة من مصر، صرت أنتظر قدومها كل عام بمفجآت، مرة تأتي بالجلابيات المصرية الجميلة، ومرة تأتي بحذاء بوت بني محاط بشريط فراء بيج، ومرة تأتي (جِمال) مصنوعة من الخوص.
(السنع) هو كلمة السر في تربية عمتي، ما هو السنع في تربيتها؟ أن تتحمل تكالب المسؤوليات وتقوم بمهماتها ولا تتركها، أن تعطي ولا تعرف حد للعطاء، أن ترتدي السواد عاماً كاملاً، لأن جارتهم أم فلان توفت، أن تحرم نفسها من السفر لأن هناك مسؤوليات عائلية لا تستطيع التخلي عنها، أن يكون كل ما لديك منذورًا للآخرين، ألا تقدم نفسك على بنات أخيك وأبنائه، أن تنذر عمرك كله لتربيتهم، ألا ترى لحجي عباس خلفًا يليق بقامته العالية.
(السنع) كما أفهمه الآن في تربية عمتي خديجة، هو صوتها المحمل بنبرة الاعتذار دون خطأ. هو صوتها اللحوح اليومي المفتوح، في كل صلاة وتسبيحة وزيارة، على السماء بالدعاء “يارب يارب …” لي ولزوجي ولباسل ولأماسيل بالعودة للوطن.
منذ رحيلك يا عمة، تزدادين توهجًا وحضورًا في لحظاتي، حين أخلد للنوم تغيبين قليلاً في البداية ثم تعودي بقوة في مناماتي، أستعيد فيها طفولتي معك، وسنواتنا في بيتنا بالمنامة حين كنا نجتمع في عاشوراء الحسين في حوطة بيت المديفع الملاصقة لبيتنا. أراك تتكلمين، أستيقظ لأرد عليك، لكني لا أجدك، ولا أتذكر التفاصيل لكن أتذكر كيف تستعدي مع خالتي خاتون بعد الانتهاء من الطباخ لغسل أواني الطبخ كلها: عشرة قدور تزيد أو تنقص، مشاخيل، صحون، سطامات، ملاليس. كنت تلبسين قفازك الأصفرغالباً، لتحمي يدك الحساسة من الصابون، ورثت عنك هذه الحساسية منذ كنت أتلمس أمومتك براحة يدي.
تعلمت منك إعادة الأشياء إلى مكانها، كنت أراك كيف تحرصين على إعادة كل شيء لمكانه بعد عملية الطبخ الضخمة. (التكفيض) كما نسميه في لهجتنا التي أحب كلمتها، سأطلب من أماسيل تسجلها في ورقتها التي تجمع فيها مفردات لغتنا اليومية، تمنحها هذه الكلمات قدرة على التواصل مع حفيداتك الكثيرات من بنات خالاتها وخيلانها.
دقيقة عمتي، حتى مع دفاتر طالباتها، تحضرهم معها إلى البيت، وتدقق في تصحيحها، وتمعن في قراءة سطور طلابها، حين تعثر علي جملة مبدعة، ترفع صوتها وتقرأ لنا بفخر إبداعات بناتها. تحبهن كثيرا وتعد لهن الهدايا في نهاية كل فصل. كنا نلومها لكثرة عطائها، لكنها لا تكترث، كنا نقيس أفعالها بمعيار الواجب، وهي تقيس أفعالها بمعيار الحب.
عمو لا شيء يشبهك، ولا كلمات تختصرك، هل كان ذلك (الجمل) هديتك رمزاً أتعلم منه الصبر من دونك؟ وهل كان حذاء البوت ذاكرة أتدفأ بها في هذه الغربة التي حرمتني حتى من وداعك؟

*مقالة رثائية لروح الفقيدة العمة المربية المعلمة خديجة منصور فضل، توفيت في 28 نوفمبر 2019.

في رثاء العمة خديجة

“عندما يقول أحد إن فلانًا خلف لحجي عباس، أقول لا، لا أحد يخلفه، لا أحد يُشبهه، لا أحد يمكنه أن يحل مقامه أو يحصل على مكانه في قلوبنا. نعم لديه خلف (أبناء) نحبهم، لكن لا أحد يخلفه” خديجة
بالأمس، كان رحيلًا صادمًا مفاجئًا آخر في بيت حجي عباس فضل، تمامًا، كما رحل الحاج عباس بدون مقدمات تهيّئ قلوب أحبته العاشقة لفراقه، رحلت أمس شقيقته الصغرى الأستاذة المربية الفاضلة خديجة منصور فضل (1952-2019) رحلت في شوق إليه، وهي التي تربت على مناقبيته العالية، وأعطت لأبنائه ما أعطاه لها، من حب وتفانٍ من أجل الآخرين، وإنكار للذات يصل إلى حد ظلمها.
تقول منى عباس التي تربت تحت رعاية عمتها خديجة “العمة خديجة هي الحب المعجون بالعطاء والكفاح، من آلة الحياكة إلى مقاعد الجامعة، ومن إعادة السنة الدراسية منازل إلى بعثة المتفوقين، ومن بيت معلمة القرآن (مدينة) إلى الصف الرابع الابتدائي، بتحد شجاع يقف خلفه أخوها الاستثنائي والدي الحاج عباس. عمتي خديجة هي مربيتي الحنونة وقد قادت يدي معها إلى محراب التعليم المقدس في بيتنا”
خديجة واحدة من ثلاث أخوات فضليات للحاج عباس، شكلّن دعامة عاطفية له ولعائلته الصغيرة الكثيرة العدد، ما كان لحجي عباس أن ينذر حياته لخدمة الحسين لولا هذا السند العاطفي من أخواته الثلاث: رازقية، زهرة، خديجة. وهبه الحسين حب الأخوة والتضحية حد الفناء، فتمثلها في علاقته بأخواته الثلاث، وتمثلنها هنّ في علاقتهن به.
ترى شهقة الأخوة تبرق في عيونهم، وتنطق بحب في ألسنتهم، وتستحيل سلوكًا راقيا في أفعالهم. حين كانت خديجة تقول بفم مليان: لا أحد يخلف أخي حجي عباس، إنما كانت تنطق بقلب المجرب المعاين الذي لحظ الأخوة في أدق تفاصيلها وأصعب محنها وأجلى قيمها.
تعلمت الأخوات من أخيهم درس الأم المعطاءة، فاطمة بنت زبر (ت 1973). وجدوا في دمعة أخيهم الحارقة التي لم تتوقف على أمهم سرًا عظيمًا، ما الذي أدركه أخونا الأكبر من أمنا وجعله على هذا القدر من رقاقة القلب وهمل الدمع، كلما سمع قصيدة أو نشيدة أو موالا أو أغنية ورد فيها كلمة الأم؟ كانت بنت زبر، خادمة من خدام الحسين في حسينية العابد المقابلة لبيتهم، ولها زاويتها المعروفة فيها.
تقول فضاء عن عمتها “رحم الله عمتي في جنة الأبدية البيضاء، كل ما فيها أبيض، أُنعش قلبي في رمضان (الغربة) الطويل نهاره، بتذكر (المحلبية) البيضاء التي كانت تعدها لنا في ظهيرة رمضان، لا يشوبها شيء غير خيط الزعفران المبلل بماء الورد، تفترش الصالة بسماط طويل، تصف (الطوس= جمع طاسة) في انتظام جميل، يزيد من جماله القماشة البيضاء الخفيفة وهي تغطيها حتى تبرد قبل أن تدخلها الثلاجة، لتكون رفيقة فطورنا وسحورنا، نحن العائلة الكبيرة التي يزيد عددها على الثلاثين نفرًا. ولحساب شقوة الطفولة تزيد عمتي من عدد (الطوس)، لأنها تعرف أن هناك من سيمارس هوايته في التسريب والسرقة من هنا وهناك”.

غمرت خديجة أبناء وبنات أخيها بعطائها غير المحدود، وحين كبر الأبناء، كبر فائض الحب والعطاء الذي بين جنباتها، فمنحته للأحفاد، بعد أن صاروا جيشًا يملأ بيت الجد بالفرح والحركة والضجيج.
يكسر حفيدها باسل صمت الفقد الذي يسيطر على العائلة باسترجاع شيء من شقاوته معها، يقول “عمتي خديجة، كانت أمنا جميعًا، نحن أحفاد أخيها حجي عباس، ظللت أحتفظ بالأظرف المميزة التي تهدينا فيها الدنانير في مناسباتنا التي لا تنتهي، ما زالت موجودة في خزائن غرفتي بالبحرين، كنت أشم فيها محبتها وعاطفتها، والآن صارت ذاكرة لا يمكن التفريط فيها.
في الصف الثاني الإعدادي، وهي تشرح لي بعض دروس اللغة العربية، أكتب لها جملًا ذات طابع سياسي: قتل الشرطي الولد، فتأخذها عاطفة الخوف علي: جوز عن السياسة.لكني لا أجوز، لكأني وجدت في مشاغبة خوفها علي وحبها لي لذة ينبغي استثارتها، حتى صرت في 2011 أيام السلام الوطنية، أسألها: هل لديك كتب عن تاريخ البحرين؟ فترد علي بغضب المحب: عندي ولن أعطيك شيئا منها، فأضحك لشعوري أني وجدت المدخل الذي يُقلقها علي”.

رحم الله المربية العمة خديجة منصور فضل، وأنار سيرتها في قلوب أحفادها، أحفاد أخيها حجي عباس فضل.