Nosus-Motawahesha-1

حوار مع البحريني علي الديري: “داعش” تجلٍّ للنصوص المتوحشة للإسلام السلجوقي

 

Nosus-Motawahesha-1

“نصوص متوحشة.. التكفير من سنة السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية” كتاب الناقد والكاتب البحريني الدكتور علي أحمد الديري. يُتوقع له أن يثير جدلاً واسعاً، وذلك لسخونة الأحداث التاريخية الذي يبحث فيها.

يقتحم الديري بمشرط نقده منطقة تاريخية ملتهبة، وفترة زمنية متأججة بالصراعات العقائدية والحروب السياسية. المنطقة هي مصر والشام والعراق، في الفترة بين القرنين الخامس والسابع الهجري تحديداً، ومن هناك يبحث في نصوص الفقهاء التي جعلت من التوحش عقيدة دينية، وشرعنت التكفير والقتل، بل جعلته فرضاً جهادياً واجباً، كما يدخل في تناول السياقات التاريخية والسياسية التي صنعت هذه النصوص ووجهتها.

ما علاقة كل هذا بوقتنا الحاضر؟ ولماذا العودة إلى هذه النصوص؟ ولماذا هذه الفترة وهذه البقعة الجغرافية بالذات؟ وما الذي يريد الديري الوصول إليه؟ هذا ما سيتبدى لنا من خلال الحوار التالي.

  1. سؤال: التوحش صفة في الغالب ترتبط بالحيوان فتصنفه ضمن دائرة الحيوانات المتوحشة. في حديثك عن النصوص المتوحشة، ما هو مفهومك للتوحش؟ وماذا تقصد بالنص المتوحش؟

يحيل موضوع التوحش إلى عالم الحيوان، حيث لا مكان لعقل يتحكم بغريزة. وتوحش الإنسان يتحقق بفقدانه لعقله فيغدو مسيَّراً بالغريزة. وبالعادة الغرائز تضيق بالآخر وتتسع للأنا، فيها الأنانية والعنف. ما أقصده بالتوحش، هو حالة فقدان الإنسانية التي من أهم سماتها العقلانية لصالح سيطرة الحالة الغريزية المحكومة بالغضب والاستحواذ.

يلفتنا الفيلسوف سلوترداك في كتابه (بنك الغضب) إلى أن طاقة الغضب التي في الإنسان وما يرتبط بها من دوافع أولية مثل الفخر والاعتزاز والانتقام والحسد والغيرة والتنافس، هي عرضة للاستثمار، عبر الخطابات التي تفجرها.

والنصوص المتوحشة، هي النصوص التي لا تعترف بالآخر، فلا تكتفي بتكفيره بل توجب قتله. فهي النصوص التكفيرية التقتيلية.

الظروف التي تمر بها المنطقة العربية والإسلامية، وظواهر التطرف والتكفير، أحالتني إلى مراجعة نصوص التراث الإسلامي، للبحث عن الأسباب المغذية لهذه النصوص التي تنضح بالكراهية فحسب، بل  بإعطاء المبررات الدينية للقتل، إنها تخلع شرعية دينية على فعل القتل.

  1. سؤال: هل نفهم أنّ أحكام التكفير تستدعي القتل بشكل حتمي؟

يلفتنا الباحث الانثروبولوجي المرحوم فؤاد الخوري، أنّه ما من دين أو طائفة أو ملّة أو فرقة إلّا وتعتقد أنّ الله عزّ وجلّ قد خصّها برسالة مميزة أو ميثاق مميّز، وأنّه في سبيل ذلك فهو يقف إلى جانبها يشدّ أزرها ويعمل على انتصارها بطريقة أو بأخرى. كلّ الأديان “شعوب مختارة”، وإلّا لما بقي المؤمنون على إيمانهم.

علينا أن نميز بين التكفير والقتل، فالحكم بكفر الآخر يأتي من باب تحديده وفقاً لمنظور عقائدي معيّن، فالكافر هو الذي لا يؤمن بمعتقدات دينية لجماعة معينة، ونعته بالكافر تأتي من باب تحديد أنه خارج الإطار الديني الذي يجمع أفرادها. وقريب من هذا ما أسماه الشيخ أكرم بركاته في أطروحته للدكتوراه عن التكفير، بالإيمان المذهبي والإيمان الإسلامي، لكن هذا المصطلح قد لا يتوقف عند تحديد النظرة الدينية للآخر، بل قد يوجب قتله، وهنا يتحول النص الديني من مجرد نص تكفيري إلى نص متوحش، وهذا ما أهتم بمتابعته.

  1. وضع نص الغزالي في قائمة نصوص التوحش صادمة، فنصوصه المعروفة تحتفي بالتصوف والحكمة؟

أنا أتحدث عن الغزالي حين كان في بلاط السلاجقة قبل أن يدخل تجربته الروحية،  أبي حامد الغزالي صنف الآخرين من غير أهل السنة بين: ضال وكافر ومرتد، حتى وضع الإسماعيليين والفاطميين في خانة الفئة الأخيرة، وهي خانة تستوجب على الخليفة قتل المرتد وقتل زوجته وقتل ابنه إن لم يقبل الإيمان على منهج الخليفة.

لكن الغزالي وتحديداً في كتابه “فضائح الباطنية” لم يعمد إلى رسم هذه الحدود وفق معيار ديني خالص، فموقفه من الإسماعيليين والفاطميين كان مبنياً على خلفية موقفهم من الخلافة العباسية، وبتعبير أدق جاءت هذه التصنيفات نظراً لعداوة هاتين الفئتين مع السلاجقة، الذين كانت بيدهم الشوكة، حسب تعبير الغزالي، وحكموا باسم المدافيعن عن الأرثوذكسية السنية، أي الطريق المستقيم الوحيد لفهم الإسلام وسنة النبي.

في كتابه (فضائح الباطنية) يقول الغزالي “…وَإِنَّمَا الْوَاجِب قَتلهمْ وتطهير وَجه الأَرْض مِنْهُم هَذَا حكم الَّذين يحكم بكفرهم من الباطنية وَلَيْسَ يخْتَص جَوَاز قَتلهمْ وَلَا وُجُوبه بِحَالَة قِتَالهمْ بل نغتالهم ونسفك دِمَاءَهُمْ فَإِنَّهُم مهما اشتغلوا بِالْقِتَالِ  جَازَ قَتلهمْ”

إنه نص مرعب، وحين تقرأ تفصيله لهذه الأحكام، يصاب بدنك بالارتعاش، لكم العنف والتوحش الذي فيها.

  1. أعلنت أنك “خارج الطائفة” يوما.. وها أنت “خارج الوطن”. ألم تكن متهيئا لذلك وعدّتك الفكر ومناقشة التراث؟

لم تكفرني طائفتي حين كتبت كتابي، ولم تهدر دمي، ولم أعزل اجتماعياً، أقصى ما حدث كان صراعات كلامية، لكني حين صرت (خارج السلطة) أصبحت في دائرة الاستهداف وأسقطت جنسيتي.

المحنة تلاحق المثقف حين يكون (خارج السلطة أو السلطنة) ومنذ الخلافة الإسلامية، تمّ تحديد الكافر بأنه الخارج عن سلطة الخليفة، وخطاب التكفير مصاغ في تراثنا على هذا المقاس، وما زال حتى اليوم مقاساً فاعلاً، وأستطيع القول من جانب ما، إن التكفير في عصر الخلافة بمثابة إسقاط الجنسية في عصر الدولة الوطنية، وكلاهما يستخدمان أداة ضد المعارضين لسياسة الخليفة أو سياسة الحاكم.

(الغزالي) مثلا كتب نصوص التكفير بإملاء الوزير السلجوقي الداهية، نظام الملك، وقد صاغ خطاباً فقهياً اعتبر فيه معارضي السلاجقة والخلافة العباسية مرتدين، يجب قتلهم وسبيهم، هكذا بجرة فتوى صارت الدولة الفاطمية بعظمتها خارج الإسلام، ومن يؤمن بخلافتها كافر مرتد.

  1. كيف يمكن أن نكوّن مقاربة بين الكتب التراثية والحداثة، أو سمات العصر الحديث؟

عليك أن تخرج منها أولاً، ثم تجعلها موضوعاً للاشتغال النقدي، أو أنك ستتسمم بها وتموت وتميت الآخرين معك. المثال الأكثر وضوحاً هنا هو بعض الجامعات السعودية المتخصصة في الدراسات الإسلامية، تستميت في في تحقيق كتب ابن تيمية وفتاويه وتعممها وتعد حولها مئات الدراسات، لكن ليس بهدف فهمها كجزء من التراث والماضي، بل بغرض بعثها والعيش عليها والتعلم منها وإنتاج نسخة من الإسلام مطابقة لها، تحت عنوان الإسلام السلفي أو الإسلام الحنبلي أو إسلام العصر الذهبي: إسلام النبي والصحابة والتابعين وتابعي التابعين.

الموت الذي نعيشه اليوم هو نتيجة للموت الذي بعثناه من نصوص ابن تيمية، والقنابل التي تفجر اليوم في أجساد المصلين، شفراتها منصوص عليها في حروف ابن تيمية المتوحشة. يقول محقق كتاب ابن تيمية (اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم) “أما بعد فهذا الكتاب قنبلة من أقوى ما ألقى شيخ الإسلام على حزب الشيطان من قنابل الحق والهدى”

  1. ماذا تعني بعنوان الكتاب الفرعي (التكفير من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية)؟

أظن أن التكفير صار سياسة ممنهجة ضمن إدارة الدولة ومصالحها، في القرن الخامس الهجري، حين وصل السلاجقة إلى بغداد 447 هـ/ 1055م وصارت الخلافة العباسية تحت سلطتهم.

هذا لا يعني أن السلاجقة اخترعوا التكفير، أو المعنى الأحادي لمفهوم سنة النبي، فقبل أن يدخلوا إلى بغداد كان هناك المعتقد القادري الذي هو النموذج الرسمي المقنن للمعتقد الصحيح لسنة النبي، وهو مرسوم أصدره الخليفة العباسي القادر بالله، وفيه يحدد مفهوم الألوهية والصفات والأسماء المثبتة لله، ومفهوم الإيمان والكفر، والاعتقاد الواجب تجاه الله وتجاه الصحابة.

وجد السلاجقة مهمتهم في الدفاع عن الإسلام والسنة، تتمثل في تبني هذا الاعتقاد والدفاع عنه، كان هذا المعتقد يُخرج ويقرأ على الناس في المشاهد والمجامع العامة، وفي المساجد والجوامع، وعند حدوث الاضطرابات والنزاعات العقدية بين الفرق والمذاهب، اعتبر هذا اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فقد فسق وكفر.

  1. ماذا تعني بالسنة أو الأرثوذكسية السلجوقية؟

يعتبر المفكر الجزائري محمد أركون، أول من أستخدم  مصطلح تفكيك “الأرثوذكسية” في قراءته للتراث الإسلامي و”الأرثوذكسية” في معناها الحرفي تشير إلى الطريق المستقيم؛ بما يتقاطع مع مفهوم الفرقة الناجية والسلفية، والطريق المستقيم هو بمثابة السنّة الصحيحة المعتمدة من قبل السلطة السياسية.

احتاج السلاجقة إلى جيش من الفقهاء والقضاة والعلماء والخطباء والمحدثين، لتثبيت مهمتهم الدينية المتمثلة في الدفاع عن السنة الرسمية وتثبيت (الأرثوذكسية السنية السلجوقية) وهذه المهمة تعطي لوجودهم شرعية وتعطي لحروبهم ضد أعداء الخلافة العباسية شرعية مضاعفة.

السلاجقة المعروفون بأنهم جماعات قتالية، أخذتهم شهوة الجهاد، وأعطوا لـ(السنة) مفهوما أحاديا وقطيعا لا يقبل التعدد والاختلاف، صارت (السنة) أيديولوجيا جهادية، مشبعة بشهوة القتل وغريزة التوحش.

  1. هل يمكن اعتبار الجماعات المتشددة الحالية امتدادا للسلاجقة؟

أنا أعتبرها كذلك في جانب من جوانبها، فالسلاجقة جماعات مقاتلة لم تكن تجيد حتى العربية، ليس لديها خلفيات ثقافية، وجدت لذتها في الجهاد والقتال. جيوش السلاجقة وجدت في (تثبيت الأرثوذكسية السنية) فرصة لتثبيت شرعيتها في العالم الإسلامي السني، فالسلاجقة كمحاربين أتراك أشداء كانوا يفتقدون إلى العمق الحضاري أو الثقافي الذي يعطي لوجودهم معنى، إضافة إلى أنّهم بحاجة إلى شرعية تجعل من سلطتهم مبررة تحت مظلة الخليفة العباسي.

وقبل أن يجدوا في الصليبيين العدو الذي يهدد الإسلام والخلافة الشرعية، وجدوا ذلك في الباطنية، وحين بدأت الحروب الصليبية تمّ توسيع دائرة العدو، فألحق الباطنية بالصليبيين، وتم تعميم صورة أكثر تشويهاً للفاطميين، فاعتبروا خونة وحلفاء مع الصليبيين وسببا في هزيمة المسلمين واحتلال بيت المقدس.

لقد خلعت (الأرثوذكسية السنية السلجوقية) مدعومة بالسلطة السياسية (السلاجقة، الزنكيون، الأيوبيون) كل المعاني التأثيمية على كلمة (باطني)، وصار معنى السنة يتوضح بمعارضته لمدلول (الباطنية) التي صارت تدل على معاني متعددة وربما متضاربة من نحو: كافر، مرتد، منافق، إسماعيلي، فاطمي، رافضي، شيعي، يضمر الشر للإسلام، معادي للسنة، يكفر الصحابة، عدو، خائن، متهتك، ضال، مبتدع.

صار الجهاد هو القيمة الأكثر حضوراً فترة الحكم السلجوقي وما انبثق عنه من حكم الزنكيين والأيوبيين، وصارت الأرثوذكسية السنية كما تبناها هؤلاء هي الأيديلوجيا المعبرة عن فكرة الجهاد، فصار قتال الصليبين والباطنيية مهمة جهادية أولى.

شهوة الجهاد عند المقاتلين الأتراك أعطت لـ(السنة الصحيحة) مفهوما قاطعا كحد السيف، لا يقبل التعدد والاختلاف. فراحوا يوحدون الجغرافيا والأفكار والعقائد. هكذا تداخلت العملية العسكرية مع العملية الدينية عبر تجيير جيش من العلماء والقضاة والمحدثين والفقهاء وكتاب التاريخ، ليكتبوا بأقلامهم حدود العداوة والتكفير التي رسمها سيف الجهاديين الذين كانوا حماة الخلافة الإسلامية وشوكتها كما عبر الغزالي.

رابط الموضوع

جو

رواية من سجن (جو) المركزي بالبحرين

“أنا شاب بحريني، أحببت وطني كما أحب أمي، وكنت أظنهما شيئاً واحداً، فالوطن هو حيث يكون المرء في خير كما يقال، وأنا أكون بخير طالما أنا في حضن أمي” جهاد

ماذا يريد السجين السيجواسي؟
يريد كسر إرادة إذلاله، هذا ما أراده (جهاد) معتقل سجن (جو) المركزي في البحرين، لقد كتب روايته عن أحداث 10مارس/آذار 2016، بقصد كسر الإذلال الذي تفنن في تجريعهم إياه الدرك الأردني وقوات الشغب والأمن والمخابرات من البلوش والباكستانية واليمنيين والبحرينيين.
أراد أن يداوي جرح كرامته وكرامة 1004 من سجناء (جو) بهذه الرواية. كتب (جهاد) من السجن ذاته الذي ما زال فيه، أول كلمة في هذه الرواية في 10/فبراير/شباط/2016م، وكتب آخر كلمة منها في اليوم العالمي لحرية الصحافة والإعلام في 3/مايو/أيار/2016م.
وسط حالة الترقب والترصد والبحث عن مكان موارب وسط ضجيج السجناء واكتظاظهم، ظل (جهاد) طوال 84 يوماً يكتب روايته، ويهربها أوراقًا متناثرة، استهلك 10 أقلام حصل عليها بشكل متقطع، وبصعوبة شديدة، وأما الأوراق والدفاتر فكانت نادرة الوجود، ولا تتوافر في دكانة السجن دائماً، الأمر الذي يتطلب الانتظار. في المحصلة احتاج إلى 5 دفاتر، ليكتب هذه الرواية التي صدرت هذا الأسبوع عن مركز أوال للدراسات والتوثيق في 350 صفحة.
في رواية اليوم الأول من أحداث 10مارس الشهيرة، يروي لنا أحد مشاهد الإمعان في الإذلال، ففي منتصف الليل، يتقدم الوكيل يوسف إلى منتصف ساحة السجن الخارجية، قائلاً: الآن أريد أن أسمع منكم صوتاً يهزُّ المكان بترديد شعار “عاش عاش بو سلمان[ملك البحرين]” عاش عاش من؟! ردَّ بعض الذين كانوا قربه بصوت منخفض: بو سلمان. صرخ الوكيل: ما هذا الصوت! أريد أن أسمع الجميع يُردِّد، وإلَّا سألقنه درساً لن ينساه.
ضجَّ الناس خوفاً من إرهابه بترديد الشعار، وهو يصرخ فيهم: أعلى أعلى! هم أرادوا من ترديد الشعار كسر عزيمة المعتقلين السياسيين وإذلالهم لمعارضتهم النظام والملك، ولكن الشعار تحول إلى مناسبة للسخرية والضحك، فبعض السجناء كانوا يقولون بصوت منخفض جداً: مات.. مات. وثم يرفعون صوتهم بقول: بو سلمان. والبعض الآخر كان يقول: عاش عاش علي سلمان. قاصدين بذلك زعيم المعارضة وأمين عام جمعية الوفاق.كانت هذه الأصوات لا تُسمع مختلفة عن الآخرى بسبب الصوت العالي والمساحة الكبيرة والصدى، وقد تعمَّد السجناء فعل ذلك، لأنَّه لابُدَّ أن تردّد شيئاً أو تحرك شفتيك.
كان هذا أحد أشكال المقاومة ومحاولة كسر إرادة الإذلال، لكن موجة العنف كانت أبشع من أن تتمكن أجساد السجناء من تحمله، خفتت أصواتهم مع تعاقب نوبات التعذيب عليهم طوال ثلاثة شهور ليلَ نهارَ، وظلت أرواحهم تغالب الانكسار وتشد بعضها بعضا.
في نهاية الأسبوع الثاني من أحداث 10 مارس، أوقف الوكيل الأردني السجناء في برد الليل القارص عراة إلا من سراويلهم، يرافقهم وكيل أردني آخر، يحمل خرطوم ماء أخضر نزعه من أحد الحمامات، وراح يلوح به في الهواء: الكل يشلح أواعيه.
كان أفراد من الدرك الأردني واقفين عند حنفية ماء الشرب البارد، يملأ أحدهم دلواً من الماء. لحظات وصرخ على سجين نصف عار: على بطنك على الإسفلت البارد، ثم قام بسكب دلو ماء بارد على جسد السجين العاري، فانتفض وارتجف مثل سمكة تحتضر أُخرجت للتوّ من الماء! بعد ذلك أمره بالتدحرج على الإسفلت والوحل مسافة 10 أمتار تقريباً إلى زاوية الخيمة، ثم أمره بسكب الماء على زملائه السجناء، جاعلاً أحد أفراد الدرك الأردني حرساً على رأسه، هكذا استمرت الحفلة.
كان (جهاد) في هذه اللحظات يسأل نفسه مقهوراً: لماذا نستجيب له؟ لماذا لا نعصي أوامره؟ فباغته الوكيل بخرطومه الأخضر على جسده العاري، صار يتلقاه بصمت، فالبرد أفقده الإحساس بالألم وبالماء البارد.
يخبرنا (برتران بديع) في كتابه الصادر حديثا (زمن المذلولين..باثولوجيا العلاقات الدولية) أن الإذلال يقوض العلاقات بين الدول وبين الدولة ومواطنيها، وهو يعبر عن حالة تحتاج تشخيص مرضي (باثولوجيا).
طاقم المعذبين الذين يستعينون بشعارت الطاغية لذل المواطنين، يعبرون عن سلطة مريضة نفسيًا، تعاني من حالة باثولوجية، فتُنَفس عن مرضها بإذلال مواطنيها، ويتحولون إلى ضحايا، منهم من تذلهم بالتمييز ومنهم من تذلهم بما تمن به عليهم من مكرمات ومنهم من تذلهم بالاستجداء، ومنهم من تذلهم بتحويلهم إلى موالاة عمياء، ومنهم من تُفقدهم الحياة الكريمة، فيموتون أحياء.
جهاد ليس في خير، فوطنه ليس في خير، وأمه ما زالت تنتظر أن يأتي الخير في صورة وطن يجمعها على ابنها، لتلملم جروحه الكثيرة.

خولة مطر

خولة مطر رسولة الحرب والسلام

خولة مطر

“أعشق الرومي كما ابن عربي.. كنت في دمشق ليوم ونصف!! كل أيام دمشق تعيشني بالقرب منه ومن طوق ياسمينه.. كأنني أعيش ذلك الزمن” خولة مطر، سوق الجنة (شذرات من السيرة).

ما الفرق بين الزيارة التي قامت بها البحرينية خولة مطر لسوريا، واستحقت عليها جائزة أمين عام الأمم المتحدة الشجاعة، والزيارة التي قام بها 4 نواب بحرينيين لسوريا في 2012؟

لقد ذهبت خولة التي تشغل نائب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا لمعرفة أوضاع الناس المتضررة جراء الحرب القاصمة، التي تنهش أوصال سوريا منذ ستة أعوام، ونقل هذه الأوضاع إلى الأمم المتحدة لتقديم المساعدات اللازمة لهم، كما التقت بالفصائل المسلّحة لتبحث معهم عن حلّ يمكن أن يأتي بالسلام إلى سوريا، ذهبت رسولة حرب، لتبشر بالسلام بعد أن قضت سنوات من عمرها مراسلة حرب. لم يكن الأمر سهلاً، فقد دخلت خولة إلى مناطق محاصرة وخطرة لا تسيطر عليها الحكومة السورية، لهذا هي استحقت جائزة الشجاعة، ولم تكن هي المرة الأولى التي تغطي فيها خولة أوضاع مناطق خطرة تشهد حروباً وحصارات، فقد غطّت قبلها الحرب العراقية الإيرانية وحرب اليمن الجنوبي والحرب الأهلية في لبنان والحرب الإسرائيلية على لبنان في 2006 وحرب البوسنة.  

أما النواب الأربعة (عادل المعاودة وعبد الحليم مراد وحمد المهندي وفيصل الغرير)، فقد قاموا بزيارة سوريا في 2012 ضمن حملة “تجهيز غازي” التي أطلقتها جمعية “الأصالة” السلفية، وحدّدت لها وظيفةً واحدة هي تجهيز المقاتلين للمشاركة في المعارك بسوريا. وفي تغريداته التي نشرها عقب التقائهم بفصائل مسلّحة من جماعتي “صقور الشام” و”لواء أبو داوود” المتشددتين، عبّر عبد الحليم مراد حينها متفاخراً “تعمدنا الدخول بأنفسنا لتوصيل مساعدات أهل البحرين باليد لتجهيز المجاهدين من إخواننا بالجيش الحر”، كما نشر هؤلاء – بنشوة كبيرة- صورهم ومقاطع الفيديو مع (الغزاة) آنذاك.

وأعلن عضو “الأصالة” الشيخ فيصل الغرير إن “تعداد المقاتلين الذين تكفلت الحملة بتجهيزهم على مدى أربعة أشهر بلغ 1640 مقاتلاً”. كما تفاخر في تصريح آخر 28 أغسطس/ آب 2012 بأن “هذه الأموال حققت انتصارات عظيمة في أرض الشام، أسقطت الطائرات وأموراً كثيرة لا نستطيع أن نفصح عنها” .

لقد غامرت خولة بالذهاب إلى مناطق الخطر، كي تبحث عن طريق يمكن أن تفتح أفقاً للسلام، وينهي الحرب الدموية التي فتكت بالجميع، ويحمي سوريا من الهلاك والدمار الذي آلت إليه، والشعب من الضياع والزوال والتشرد الذي صار فيه، فيما ذهب النواب الأربعة ليؤججوا الحرب ويشعلوا الدمار والقتل والتدمير، وليزايدوا على الخراب والتوحش، ويوغلوا في حرق البلاد بالطائفية والكراهية والأحقاد التاريخية. لقد ذهبت خولة بقلب يحترق على الإنسان، وذهب أولئك ليحرقوا الإنسان، ذهبت خولة من أجل خلاص سوريا، وذهب هؤلاء النواب من أجل التضحية بسوريا، التضحية بها باسم “التوحيد الخالص”، وباسم “أهل السنة والجماعة”، وباسم “ثغر الإسلام”، وهو ما أوجزه النائب المعاودة في مخيم رمضاني راوياً تجربته مع الجيش الحر: “أقول لكل مسلم… من أجل الإسلام لا سوريا”، فسوريا ليست سوى ثغر، ومن أجل الثغر، فلتحترق كل سوريا.

ذهبت خولة بتربيتها التي لخصتها أمها  يوما ما في وصية مكثفة ” اذهبي وساعدي الآخرين” وذهب أولئك النواب بتربية نصوص التوحش الغارقة في الكراهية والتكفير والقتل والتحريض.

تقول خولة إنها كانت تقوم بواجبها في سوريا، وإنها لم تتوقع جائزة (الشجاعة) على واجب تقوم به. يفتخر كل البحرينيين اليوم بخولة، ويرفعون رأسهم عالياً بها، يفخرون بزيارتها لسوريا والتقائها بالسوريين وحتى الفصائل المسلّحة منها، ويضيفون ذلك إلى سجل إنجازاتها المشرفة، ويتمنون لو يقرأون تجربتها تلك كما قرأوا لها يوميات الحرب الإسرائيلية على لبنان في 2006 في صحيفة الوقت البحرينية.

لكن ماذا عن النواب الأربعة اليوم؟ إنهم لا يمتلكون (الشجاعة) ليتحدثوا عن واجبهم الذي كانوا يقومون به هناك، لأنه واجب ليس يمنحهم سوى جائزة العار، إنهم يغمغمون الحديث عن زيارتهم المخجلة تلك، وعن ما قاموا به هناك مع الفصائل المسلّحة المتشددة من “أمور لا يستطيعون أن يفصحوا عنها”، إنهم الآن، يخفون أمر تجهيزهم للغزاة وضخهم للأسلحة والأموال لحرق البلاد، إنه تاريخ أسود يضاف إلى سجلات إرهابهم وطائفيتهم، ويكفي أنه بعد أن فُضح إرهابهم، مسحوا كل تلك التغريدات والصور من حساباتهم، ولو استطاعوا لمحوها من ذاكرة التاريخ بالكامل، لكن التاريخ لا ينسى، ولا الناس.

نحن نفخر بخولة، ولهم أن يخجلوا من عارهم أبداً.

 

p07_20160927_pic1

ناهض حتّر المقتول على قصور العدالة

 

p07_20160927_pic1 
كانت عيني الكندية للتو تفتح على مشهد الشرق الأوسط بفارق سبع ساعات. كانت الرسالة الأولى من بلاد الاغتيالات والكتب: «شفت شو صار بناهض حتّر، بتعرف خيفانة عليك، معقول اسم الكتاب ينفهم غلط».

كان السؤال الذي انقدح في ذهني لحظتها، هل ينبغي أن أخاف من عنوان كتابي الجديد «إله التوحش… التكفير والسياسة الوهابية»؟

للحظة فكرت في أنها نهاية تليق بكاتب، بل هي ليست نهاية، فهي كتابة له لكن بحبر أحمر. لقد غدا ناهض حتّر أسطورة. لن يفكر أحد في مساحات الاختلاف معه، ولن يفكر أحد في الأطراف التي كان يقف ناهض على أقصى حدودها. سنخجل جميعاً من أن نتحدث عن صغائر الاختلاف معه، وسيصبح العنوان الكاتب المقتول، كما أصبح عنوان فيلسوف الإشراق السهروردي المقتول، أو حسب تعبير ابن تيمية «المقتول على الزندقة» أو المقتول في حلب.

الدم أبلغ من الحبر في اللحظات العدمية الكبرى، كاللحظة التي نعيشها، يكاد الحبر يفقد بلاغته في التعبير عن أزمتنا أو اقتراح مخارج لها أو توصيف حالتها أو تفكيك بنيتها. تصبح اللحظة أكثر إغراءً للكتابة بالأحمر، ليس رغبة في الشهادة ولا حتى رغبة في تقديم درس في التضحية أو خوض معركة تستحق أن نموت من أجلها، ليس من أجل ذلك كله ولا بعضه، بل من أجل أن نعيش على نحو استثنائي في ما يمكن أن نسميه المشهد الثقافي العام. أقولها بصراحة: هذا ما يدفعني لأن أظل متمسكاً بعنوان كتابي، وليذهب المستميتون في التوحش باسم الدفاع عن الذات الإلهية إلى جحيم الحور العين.

لقد قلت «الذات الإلهية» وفي ذهني هلوسات محمد بن عبد الوهاب وهو يردّد عشرات المرات عبارته الأثيرة «إن العبادة هي التوحيد، لأن الخصومة فيه». هو يعني توحيد الذات الإلهية وتنزيهها والدفاع عنها والنطق باسمها والحرب من أجلها والخصومة فيها، تلك هي العبادة. كان قاتل ناهض حتّر يمارس عبادته وهو يطلق رصاصته في منتهك الذات الإلهية.

ناهض حتّر هو أحد ضحايا هذه الخصومة، وأستطيع أن أقول من خلال تقليب مئات الصفحات من نصوص التوحش في تراثنا إن هذه الخصومة ظاهرها عقائدي وباطنها سياسي، وبطن السلطة أو الدولة أو الخلافة يزداد تكرّشاً وترهّلاً كلما استخدمت التوحيد أداة خصومة سياسية، كما فعلت تجربة الخلافة الإسلامية في تاريخنا، وكما فعلت الدولة السعودية الأولى (1744 ــ 1818) وما زالت تفعل، ولن تتوب عن أن تفعل.

التوحيد هو موضوع الخصومة وهو موضوع السياسة في الوقت نفسه. فالجماعات والفرق تختصم حين تختلف في السياسة، وحين تريد أن توجد مشروعية لخلافها السياسي تلجأ إلى العقيدة. وليس هناك أقوى من أن تضرب خصمك في عقيدته (التوحيد) فتخرجه من الإسلام، وذلك هو ما حصل طوال فترات الصراع السياسي في تاريخنا.

افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. هي نار السياسية وليست نار الآخرة. والافتراق هو الخصومة في التوحيد، فكل فرقة تدّعي أنها توحد الله وتعطي الإله ما تستحقه ذاته من صفات التنزيه، في حين أنها تنزه نظامها السياسي ضد شرك الاعتراض والاحتجاج والمطالبات.

من هي الفرقة الناجية اليوم؟ الفرقة الواحدة الناجية اليوم التي تجد نفسها خارج الاثنتين والسبعين ليست غير الوهابية. فهي التي تخاصم الجميع في توحيدهم خصاماً دونه التكفير والتقتيل والتفجير والشقاق والكراهيات المنفلتة من الإنسانية.

لقد وضعت الحكومة الأردنية نفسها في الموضع الذي وضع فيه محمد بن عبد الوهاب الدولة السعودية. فقد جعلها تختصم مع الناس في التوحيد الذي جاء هو به وفرضه شعاراً للدولة. كان ناهض حتّر ضحية هذه الخصومة، خصومة الدولة التي صارت فرقة تبحث عن نجاتها بقتل الفرق التي تختصم معها بدل أن تصير دولة توحد جميع الخصوم تحت مرجعيتها الجامعة والحافظة للمختصمين.

هكذا يعمل «إله التوحش»، يُوَهْبِن الدولة ويحوّلها إلى خصم عقائدي يسفك دماء المعارضين لها على أعتاب قصور عدالتها المزيفة.

الرابط الأصلي

lvl220120505053146

إنه قلب ناصر البحرين

  14390963_10155234231862542_4899534285382235265_n

 

لم يتوقف قلب ناصر، بل أوقفه على لهيب حب البحرين. اختطفت البحرين قلبه المتعب، تضخم بها أكثر مما يتسع له حجمه، تعذب بهذا الحب، فصار ينبض أسرع مما تحتمله طاقته البشرية.

هل كان المُعذِب، في سجون البحرين، يُدرك ذلك؟ كان يعرف بغريزته المتوحشة أن العذاب يتضاعف في قلب ناصر آلاف المرات، لكنه يصر على أن يُحول عذوبة حبه للبحرين عذابا، لعله ينتزع منه كراهية لهذه الجزيزة التي أبتلي بها حتى وقع في حب إحدى بناتها، وهو يعيش أحلام ثورتها في 2011.

حين التقيته للمرة الأولى في بيروت مارس/آذار 2012 لم يحدثني عن قلبه المجهد، حدثني عن قلبه العاشق، كان يتدفق بحيوية المحب المملوء باليقين، وجدت فيه نقاوة الحب وخلاصته وأنا في السنة الأولى من تجربة الهجرة التي لم أُسمها حينها هجرة. حدثني عن الأصدقاء الذين بيننا بإشارات تغني عن الشرح، كان في رحلته إلى كندا، ولست أدري إن كان يملك قلبه لحظتها هذه الطاقة الجبارة ليودع في مصيري حينها شيئٍا مِن القَدَر الكندي، لألحق به بعد أربع سنوات.

بعد سنتين يردني اتصال من الأمم المتحدة “صار ملفك في السفارة الكندية سيردك اتصال منها” هجست حينها أن ثمة شيئًا غريبا في هذا القدر الكندي، اليوم أستطيع تفسيره بلقاء القلب ذلك، قلب ناصر الذي أحببته منذ أول طلة، أرسلت لناصر مباشرة أسأله عن كندا، لم يكن يرد علي سريعا. بعدها تأتي رسالته محملة باعتذار حميم أعذرني، فالأدوية التي أتناولها تخدرني وتجعلني غائبا لفترة طويلة، كندا بلد جميل و(أتاوا) مدينة جميلة، وأنا أدرس فيها حقوق إنسان وقانون.

لست بحاجة إلى دراسة حقوق الإنسان يا ناصر، لقد أعطاك شعب البحرين شهادة عظيمة في جدارة استحقاقك لإجازة حقوق الإنسان، لقد امتحن قلبك ووجده يحفظ هذه الحقوق جيدا، ويُؤمِن بها، ويُؤمّن بحياته عليها، ويموت تعذيبا بها، ويستشهد دونها.

قلبك مختوم بالحق الإنساني، يا ناصر، ويبدو أنك لم تقبل من هذا الشعب  أن يوقع شهادته فيك إلا حيث قلبك.

قلبك العنيد، كيف نحفظ أرثه الصعب؟ لا يليق به مكانا غير قلب نصب دوار اللؤلؤة، هناك في أعلى النصب الذي عشقته ووقفت تتطلع فيه طويلا، وتحلم معنا حوله، ونحن نزفه للتاريخ العظيم حيث يليق به ويليق بك.

قلت لزوجته  قبل أربعين ساعة من الرحيل إلى الأبدية البيضاء، نحن عاجزون أن نفعل شيئا، قولي لنا أن نفعل شيئا يريحنا، قالت بصوت مخنوق: الطبيب أعطى موعد النهاية وناصر ماض إليها، ولا أريد منكم غير الدعاء.