أسرار البنت السابعة في ديوان بيت بفيء الياسمين

 

أسرار البنت السابعة في ديوان بيت بفيء الياسمين

“وأنا السابعة بين الذكور والإناث
أنا سر العائلة
وواجهة المعنى”

في ديوانها الجديد تصوغ الشاعرة البحرينية فضيلة الموسوي حكاية بيت عائلتها صياغة شعرية، تتخذ من الأب رجل الدين والمؤلف الغزير الإنتاج السيد محمد صالح الموسوي (1918- 2007) محوراً للديوان.

السيد شخصية متفردة ومعروفة، بالشغف بالمعرفة والتأليف والكتابة، في بيته المشهور بالياسمين هو رب أربع أسر لأربعة بيوت مستقلة، له من زوجاته الأربع 34 ولدا غالبيتهم عرفوا بالإبداع والتميز والتعدد في التوجهات الفكرية، وهم بالمناصفة 17 ولدا، 17 بنتا. في كل بيت مكتبة .. امتهن الخطابة المنبرية الحسينية وتأليف الكتب الدينية بالإضافة إلى الشعر.

هي الشاعرة فضيلة الموسوي، واجهة معنى بيت الموسوي، تسرد في هذا الديوان سر العائلة دون أن تكشفه، فاللغة الشعرية المكثفة في الديوان تشير إلى حكايا مفصلة يمكنك أن تسمعها في سردوات شفاهية مطولة، يجيد أبناء هذا البيت حكايتها بطاقة حب تجذب لها قلوب الأصدقاء، استحضرت كثير من هذه القصص وأنا أفك شفرات نص فضيلة الشعري، اضطررت بعض الأحيان لأطلب منها تفاصيل عن بعض الحكايات، كنت أستشعر الحكايات فأستعيدها من ذاكرتي على لسان فضيلة أو عصمت أو ابتسام وغالبا على لسان حسين المحروس المؤتمن على سيرة سيد بيت الياسمين، كانت لقاءات المحروس بالسيد مشحونة بالدهشة التي تدفعه لحكايتها قبل كتابتها أو أثناء كتابتها. الدخول إلى الديوان عبر هذه الذاكرة لها متعة الاكتشاف الخاص، بعض المقاطع كنت أقرأها على بعض الأصدقاء والصديقات وبنوع من التباهي كنت أسألهم المعنى والحكاية التي يشير إليها النص، وأشعر بالانتصار وأنا أسرد عليهم الحكايا التي تفسر إشارات النص.

السابعة بين الذكور والإناث، ليست الياسمينة الوحيدة في هذا البيت التي تجيد صياغة المعنى في شكل إبداعي، فأغلب من تربى في بيوتات الياسمين من عائلة السيد، لديه واجهة صياغة إبداعية، لتصدير حكاية هذا البيت، لكن تبقى الصياغة الشعرية الأكثر قدرة على كتمان السر، تشير إليه في لغة مكثفة ولا تكشفه، صياغة قادرة على أن تصغي إلى الياسمينة التي كانت علامة من علامات السيد في كل بيت يفتحه، وبلغ ولعه برائحته أنه كان يفتح شقاً من الياسمين ليدخل غرفته الخاصة، حتى صار جزءاً من الحكاية أو شاهداً عليها، وحضوره في عنوان الديوان يعني أن الديوان لا يمكنه أن يكون معبراً عن روح هذا البيت بدون حضور الياسمين في العتبة الأولى للديوان (العنوان). كما أن هذا الحضور معبر عن بياض قلب السيد ووجهه المقرونين بالشال الأخضر الذي يدل على علامة السيادة.

في العائلة من أسرار السبعة ما يجعل هذه السيدة السابعة جديرة أن تكون مؤتمنة على صياغة سر العائلة في لغة شعرية، ففي العائلة سبع بنات وسبعة أولاد، من أمها (باريس) التي طرحت سبع مرات، ومات لجدتها من أمها سبعة أطفال.وقد جاء الديوان مفتوناً بسر السبعة، فعلامات السيد فيه سبع، وإشارات السيد فيه سبع.

بحضور أسرار السبعة فيها وكأنها مدفوعة بمهمة غيبية، تخاطب أباها السيد محمد صالح الموسوي، قرين الكتب:

“سأكتبك كما كنت
مختالاً بمؤاخاة الكتاب”

إنها اللحظة الأكثر بهاء وإثارة وإدهاشاً في عين البنت السابعة، تجد في هذه المؤاخاة واجهة معنى أبيها وبيته ووجاهته، وتجد مهمتها في حفظ أمانة سر العائلة، تكمن في كثافة هذه اللحظة، التي تختصر تسميات السيد وإشاراته وعلاماته.

“كلٌ مآله الفناء إلا الأسماء”

حاضرة بقوة أسماء السيد في الديوان، بعض عناوين القصائد من تسمياته، لديه قدرة على تخليق الأسماء، يُنشئ من خلالها المعنى الذي يريد أن يسكن فيه، يمنح لزوجاته أسماء المدن العالمية (باريس، برلين، بنارس، وردة الحب) ويُعطي لغرف بيته سيماء الجنة (دار النعيم، دار النسيم، دار السلام…) ويزرع مع كل مولود نخلة يقرنها باسمه.

كما كان السيد حاضراً بقوة في بيت الياسمين، فإنه حاضر بقوة في ديوان فيء الياسمين، حتى خضرة الغلاف، تحيل إلى شاله الأخضر الذي يميز سيادته ويميز ياسمينه. قصيدة (علامات السيد) متدفقة بصور لباسه الخاص، القميص المزخرف بالحبر المتدفق مع امتداد المعنى، والجبة التي ليس في صورتها سواه، والعمامة التي تعيد ترتيب طياتها كلما تجدد مجد الأحزان (عاشوراء) وكوفيه تكمل وقار العمامة، وعباءة مشحونة بوجد الصوفي، ونعل طوى به مسافات الأسفار ومسارات الطرق.

يحضر السيد عبر أسمائه وعلاماته وكذلك عبر إشاراته، في قصيدة (إشارات السيد) تحضر محبرته (باركر) مضمخة بشهوة الكتابة وهي تدفع بالقلم ليدلق القصيدة على ثوبه، وتحضر نشافة الحبر والختم والثقالة والحقيبة السوداء والسكين التي يفصل بها أردية الكتب.

مأخوذة القصيدة بعمامة الأب، تلتف حول سيرته في الديوان كما تلتف طيات العمامة حول هامته “اثنا عشر ذراعا من قُماش الحضرة.. تلتف حول الهامة” لهيبتها وجلالها، يتسابق النسوة لالتقاط قطرات الماء منها حين تُغسل وتنشر في حديقة البيت، يسابقن الشمس لاقتناص الدواء والبركة منها:

“فيما مسيلها قطرات دواء
تلتقطها النساء سراعا
قبل مباغتة الشمس”

حتى (الكفن) منذور في السيرة والديوان لسر غيبي، سيعزز سر (الكفن) من المهمة الشعرية للبنت السابعة (أنا سر العائلة) سيمنحها شرف ختم السيرة، سيأتي المنام من طرفها، يطلب السيد من زوجها إحضار كفنه من مدينة مشهد المقدسة، سيلح في الطلب، وستعطي هي الإذن بإحضار الكفن، وستكون شاهدة على الحلم، وكاتبة لسره:

“كفن مكفول في مشهد
وصية رؤى المنام
يحمله بساط الريح
أمانة تصل فور إعلان الولادة”

الموت ولادة أخرى، وقد عرف فيها السيد سر نفسه على حقيقتها، كما يعرف كل ميت، فقدس الله سره بهذه المعرفة.
ما أعظم أن يقدس الله سرك يا فيء الياسمين، ببنتك السابعة حاملة واجهتك.

الرابط الأصلي

مرافعة

الشيخ النمر في مرافعة الكرامة، لا سمع ولا طاعة لمن يسلب حريتي

مرافعة

تقول لائحة الدعوى التي أعدتها وزارة الداخلية السعودية ضد الشيخ النمر”فقد ثبت لدينا إدانة المدعى عليه نمر بن باقر ال نمر بإعلانه عدم السمع والطاعة لولي أمر المسلمين في هذه البلاد”

لقد كسر خطاب الشيخ النمر فكرة طاعة ولي الأمر، منذ بدأ عصيانه المدني السلمي، وفي مرافعته واتته الفرصة ليكسر حجج الطاعة وتأصيلاتها الشرعية الهشة التي تخفي تحتها تسلطا وخضوعا وإذلالا لشخص الحاكم المستبد، منطق النمر”لا سمع ولا طاعة لمن يسلب حريتي ويسلب أمني” كما سجله المدعي، وكما سجلته مرافعته حين سئل عن طاعة ولي الأمر “جوابي بعدم التزامي وعدم طاعتي لأي شيء يخالف عقيدتي”. وعقيدته تقول “هيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله، وحجور طابت وأرحام طهرت أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام”.

الطاعة التي تسلبك كرامتك دونها مصرعك، هكذا وضع النمر معادلة الكرامة والطاعة، فكان مصرعه على مذبح كرامته.

لقد أطاع الشيخ (كرامته) وهي النص الذي سيرتفع في التاريخ، وعن صحيفة (مرآة البحرين) ومركز (كيتوس) الثقافي صدر في بيروت، قبل أيام نص كتاب مرافعة الشيخ النمر في أكثر من مائتين صفحة تحت عنوان (مرافعة كرامة). يتضمن الكتاب نص المرافعة التاريخية التي أراد الشيخ النمر أن يكتبها بنفسه، ليس أملاً في العفو أو رجاء في تخفيف العقوبة، بل ليكتب إقراراً ينجز به حدثاً تاريخيا، يليق بدمه، في حدود الساعات القليلة التي مُكن فيها من القلم والورقة كتب هذه المرافعة التي صارت اليوم كتاب شهادته ودستورها، ويشير القاضي في جلسة 23.12.2013 إلى عدد الساعات التي مُكن فيها من القلم والورقة: قد مكن من لقاء محاميه وفرّغ لكتابة جوابه ثلاث مرات وزود بقلم وأوراق كانت منها اثنتان في المحكمة وواحدة في السجن والتي كانت في المحكمة كانت الأولى منها أكثر من ثلاث ساعات والثانية قرابة الساعتين.

لقد كسر فكرة الطاعة بالكرامة، والادعاء على الشيخ النمر قائم في أساسه ومقتضاه على: طاعة ولي الأمر، والبيعة له، وتجريم الخروج عليه، ومرافعة النمر قائمة على تفكيك أركان خطاب هذه الدعوى. يذكر المدعي العام في دعواه على الشيخ “نقضه البيعة المنعقدة له في ذمته” فيرد النمر “هذه الدعوة سالبة بانتفاء موضوعها؛ لأنني لم أبايع من الأصل ولم تتحقق مني بيعة حتى يقال إنني نقضت البيعة”.

وبشموخ لم يخذله طوال مرافعته يقول الشيخ النمر، إمعاناً في كسر الطاعة وإعلاء الكرامة: لا أعتقد أن حاكم هذه البلاد ولي أمر المسلمين فيها وأنا لم أعلن ذلك على الملأ العام. نعم هو والٍ وليس ولي الأمر وليس له الولاية عليَ، وهناك فرق بين الوالي والولي.

الكرامة تعني الإنسان غاية في ذاته، وليس وسيلة لولي الأمر كما ثبّتت ذلك الوهابية حديثاً مستثمرة تراثها السلفي.

الوهابية لم تكن مذهبا أو دعوة مكتملة ثم تبنتها دولة بل هي تمّ تفصيلها على مقاس سلطة توسع آل سعود، واكتملت بهم، صحيح أن البذرة الأولى كانت خارج حقل سيف محمد بن سعود، لكن النبتة والشجرة كانت تحت ظلال سيفه، وفكرة الطاعة جرى تطبيعها بسيف الفتح الذي سلطه آل سعود على القبائل لتخضع إلى حكمهم وبالرسائل التي كان يوجهها محمد بن عبدالوهاب للقبائل وفقهائها وقضاتها ويدعوهم فيها للطاعة والامتثال والإسلام، من هنا فالوهابية ديانة حرب،  ضد كل من لا يتماثل معها أي ضد من لا يخضع لها  ويطيعها.

في الدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة الطاعة أولاً والكرامة مرهونة بالطاعة أو لنقل مسلوبة بالطاعة، وهذا ما كان يرمي إليه الشيخ النمر حين قال في مرافعته “الدولة ليست أهم من كرامتي” أي أن الدولة السعودية تجعل طاعة ولي الأمر سحقاً للكرامة، وأنا لن أقبل أن تسحق كرامتي فهي أهم من هذه الدولة التي لا تعترف بمواطنيها ولا بكرامتهم، هي دولة بلا مبدأ أخلاقي لأنها تتعامل مع الإنسان على أنه وسيلة لـ (ولي الأمر) وكرامته تحت اعتبار أوامر ولي الأمر، ليست لدى هذه الدولة فلسفة خارج الطاعة والكرامة في الفلسفة “مبدأ أخلاقيّ يُقرِّر أنّ الإنسان ينبغي أن يعامل على أنّه غاية في ذاته لا وسيلة، وكرامته من حيث هو إنسان فوق كلِّ اعتبار”.

لقد جعل الخطاب الوهابي الدولة في طاعة ولي الأمر، ليس هناك شعب ولا رعية، هناك مطيعون وهناك ولي أمر مفترض الطاعة، حتى صار ولي الأمر طاغوتاً، يُطيعه الدين وليس يطيع الدين وتخدم الفتاوى أمره، ويستخدم لقب (خادم الحرمين) ستاراً يخفي تحته حقيقة أنه المخدوم لا الخادم، لقد فقد الدين وظيفته في أن يكون رادعاً لجبروته، وفقدت الدولة هيبتها في أن تكون نظاماً يخضع له الحاكم، وفقد المواطنون كرامتهم لأنهم غدوا في طاعة ولي الأمر لا في طاعة الدولة.

يوظف الشيخ معرفته التاريخية بسيرة قيام الدولة السعودية الأولى في قلب فكرة الخروج على ولي الأمر، ويذكر هيئة القضاء والمدعي العام، إن الملك عبد العزيز لو لم يخرج على الدولة العثمانية لما تأسست الدولة السعودية هذه، وما كان لها وجود على الخارطة الجغرافية أو الخارطة السياسية. فهل كان خروج الملك عبد العزيز على الدولة العثمانية خروجاً مشروعاً؟

في مقابل احتفاء آل سعود بسيوفهم التي خرجوا بها على الخلافة العثمانية وتشييد المتاحف لها وتدبيج قصائد الفخر بها، يقول الشيخ: فإن هيئة التحقيق والادعاء العام لم تأتِ بقرينة واحدة ولو ركيكة فضلاً عن بينة أو دليل تفيد بأني حملت سلاحاً فضلاً عن الخروج المسلح.

**جميع الاستشهادات مقتبسة عن نص مرافعة الشيخ نمر النمر. انظر: الشيخ باقر نمر النمر، مرافعة الكرامة، صحيفة مرآة البحرين، كيتوس للثقافة والنشر، إبريل2016.

الرابط الأصلي

كتاب القبيلة والدولة… «فيه أشياء وأشياء»



image

“أحببت البحرين وناسها، وأردت أن أكتب كتاباً يعبّر عن مشاعري تجاه هذا البلد من دون المجازفة بمهنيتي”.

هل الحب يجازف بالمهنية؟ في تجربة فؤاد إسحاق الخوري، وجدت الحب سراً من أسرار نجاحه المهني، كعالم أنثربولوجيا وكأستاذ جامعي. يمكنني أن أدلل على ذلك بشاهدين من سيرته، الشاهد الأول يتعلق بتجربة عمله في البحرين، فبعد إنجازه كتابه “القبيلة والدولة” الذي صدرت طبعته الجديدة هذا الأسبوع عن مركز أوال للدراسات والتوثيق، عرض عليه وزير العمل في السبعينيات أن يكون مستشاره، وكلف مستشاره البريطاني بيل بيري أن يغريه بالعرض وقال له “الوزير يودّ أن تصبح أحد مستشاريه ولهذا أعدّ لك ولعائلتك مسكنًا مجهّزاً بالأثاث”.

قرر الخوري رفض العرض. كان تبريره الذي كتبه في سيرته “كنت أحب عملي في الجامعة ولم أكن مستعدّاً أو راغباً في استبداله بوظيفة في المجال السياسي”. والأكيد أنه أدرك أن العرض يحمل سماً معسولاً، فالخليج بمشايخه القبلية لديه قدرة على تسميم ذمم المثقفين والعلماء وتحويلهم إلى أدوات مهجنة. كان الحب عاصماً له للحفاظ على مهنيته العلمية، حبه للعلم والكتابة في العلم كما تقول زوجته رانيا جلبوط: “إذا كان هناك شيء يحبه (فؤاد) فهو الكتابة”.

الشاهد الثاني، يتعلق بتجربة تدريسه في الجامعة الأميركية، فقد بدأ تجربة التدريس بمقاييس مهنية تتطلب تحضير كمية من الأوراق وكتابة مجموعة كبيرة من المعلومات والملحوظات، أدرك مبكراً إنها مقاييس فاشلة، وعليه أن يتخلى عن كل ذلك وينصت إلى ذاته وقلبه ومزاجه، عرف أنه من أجل أن يحصل على اهتمام الطلاب… تعلّم أن يتحدث مع نفسه، بشكل يوحي أنه مأخوذ بأفكاره. وجد أن الأفكار التي كان يحبها ويشغف بها كان الطلاب يفهمونها ويتذكرونها، وبدلاً من مقاييس المهنية المجردة من الحب وجد أن مقياس نجاح محاضرة معينة هو مزاج الأستاذ بعد خروجه من الصف. عندما يخرج الأستاذ من الصف سعيداً، فهذا يعني أنه أدى عملاً جيّداً.

لقد أحب الخوري عمله في البحرين بشغف، واستغرق مساحة كبيرة من سيرته في كتابه “دعوة للضحك… عالم انثربولوجيا لبناني في العالم العربي”. لذلك أنجز مشروعاً مميزاً فكرياً (القبيلة والدولة بالبحرين… تطور نظام السلطة وممارستها) لم يتم تجاوزه حتى اليوم. لقد بلغ شغفه بالبحرين إلى حد أنه أهدى كتابه إلى دانة، لكن من هي دانة؟ لم نكن نعرفها إلا من خلال سيرته التي كتبها بعد صدور الكتاب بـ23 سنة.

دانة اسم مشهور عند الإناث في البحرين ويعني لؤلؤة بيضاء. هذه اللؤلؤة هي رمز شخصي لكل البحرينيين، أحبنا الخوري ووجد أفضل رمز لنا هو اللؤلؤة، لقد أهدانا بشكل رمزي لؤلؤة، ويبدو أننا بادلناه الحب دون أن ندري حين جعلنا من “اللؤلؤة” رمزاً لثورة 14 فبراير، واخترنا دوار اللؤلؤة مكاناً لانطلاقتها، وكأننا نقدم تطبيقاً لإشكالية كتابه المتعلقة بالسلطة والقبيلة والثورة. هكذا إذن أودع الخوري سره في “الدانة” وفي الحب تكمن الأسرار والإبداعات، وهكذا كان كتابه “لؤلؤة” في الدراسات الاجتماعية والإنسانية المتعلقة بالبحرين.

لقد أحب أن يكتب عن البحرين، وأحب فؤاده البحرين، وأحب كتابه عن البحرين، وهو يحدثنا بحماسة وشغف عن هواجسه وهو يترقب ردود فعلنا على كتابه، وكم فرح حين عرف بالجدل الذي أثاره وبالملاحقة التي بذلناها في تتبع منافذ بيع الكتاب في الكويت وبيروت ولندن، وحين عرف أن الكتاب منع تداول ترجمته في البحرين، رتّب لزيارة عبر الجامعة الأميركية، وراح يتصل بوزير شؤون الإعلام وشيوخ آل خليفه ولم يعطه أحد جواباً، سوى “فيه أشياء وأشياء”، ولم يجد لفصل سيرته التي تحدث فيها عن هذا الكتاب ومنعه غير عنوان “أسرار معلنة… للنقاش لا للنشر”.

في إعادة طبع هذا الكتاب من قبل مركز أوال للدراسات والتوثيق، شيء من الوفاء لسيرة هذا العالم الفذ وفيه شيء من التقدير لمتانة طرحه، وفيه تصديق على ما قاله المسؤولون الذين منعوا نشره في البحرين أن… “فيه أشياء وأشياء”.

الرابط الأصلي

القبيلة والدولة

ماذا قال المقيم السياسي لآل خليفة في 1923؟

القبيلة والدولة

عن مركز أوال للدراسات والتوثيق، صدرت هذا الأسبوع الطبعة الجديدة من الكتاب الإشكالي لعالم الانثربولوجيا اللبناني (فؤاد خوري)، الكتاب(القبيلة والدولة بالبحرين.. تطور نظام السلطة وممارستها) ممنوع دخوله للبحرين والخليج منذ أول طبعة له في الثمانينيات.

يعالج (الخوري) هذه الإشكالية “كيف أنّ القبيلة، على صِغَر مجتمعها، من الممكن أن تتصرّف كدولة بالمقابل، كيف أنّ الدولة من الممكن أن تتصرّف كقبيلة” هذا السؤال اختبره على قبيلة آل خليفة في البحرين، ووجد أن القبيلة تمكنت أن ترواغ حركات الإصلاح والتحول نحو نظام الدولة، وبقيت الدولة محكومة بأعراف قبيلة آل خليفة ومصالحها.

القبيلة شكل بسيط وقديم من أشكال التنظيم السياسي، والدولة تركيبة معقّدة معاصرة، كيف يمكن أن يتصرف هذا البسيط في نظام معقد؟ يعود بنا (فؤاد) إلى 1923 وهو العام المفصلي في تاريخ البحرين، العام الذي قررت فيها بريطانيا أن تتحول السلطة من الشكل البسيط (القبيلة) إلى الشكل المعقد (الدولة= البيروقراطية). فقامت بعزل عيسى بن علي آل خليفة الذي حكم كرجل إقطاع قبلي لأكثر من خمسين عاما، ونصبّت مكانه ابنه (حمد بن عيسى آل خليفة). كانت الخطة أن تتحول البحرين من النظام البسيط (القبيلة: عيسى بن علي) إلى النظام المعقد (الدولة: حمد بن عيسى) لقد عُزل عيسى بن علي، لكن نظامه بقي حتى اليوم.

كيف كانت تركيبة القوى الاجتماعية في ذلك الوقت؟ كانت تركيبة معقدة، وقد درسها (الخوري) دراسة معمقة من حيث وضعها الاجتماعي والسياسي والتاريخي والاعتقادي، ولعل أفضل طريقة لفهم هذه التركيبة، هو استعادة خطاب المستعمر البريطاني لحظة تنصيب النظام الجديد في مايو 1923.

تحتفظ  لنا الوثائق البريطانية بخطاب التنصيب الذي قدمه المقدّم إس. جي. نوكس (S.G. KNOX)، المقيم السياسي في الخليج، في المجلس الذي عُقد في البحرين في تاريخ 26 أيار/ مايو 1923.

لقد خاطب ثلاث قوى رئيسية، الأولى آل خليفة “السادة المحترمون من آل خليفة، أخشى أنني كلّما نظرت إلى الماضي، ينبغي عليّ تحذيركم من أنّ تحمّلكم للمشاكل الحاصلة لا يعني أنه لكم الحقّ في العيش على حساب باقي الجماعات… يصعب إيجاد مواقع لكم جميًعا، بعددكم الكبير، في الإدارة؛ وأنا أخشى أنّ الكثيرين غير كفوئين لذلك بسبب إهمالهم لأنفسهم”.

والقوة الثانية القبائل السنية “أيّها السادة أتباع المذهب السُنيّ، وخصوصًا رجال قبيلة الدواسر: ينبغي عليكم أن تدركوا أنّنا نقصد ترسيخ حُكم هذه الجُزر تحت حكم أحد شيوخ آل خليفة … كثيرًا ما واجهتم مثل هذه التهديدات في الماضي عبر تهديدٍ مضاد بمغادرة هذه الجُزُر في مجموعات والذهاب إلى ابن سعود أو غيره…. ولا منفعة لنا من أصحاب الأملاك الغائبين أو الأشخاص ذوي الولاءات المزدوجة. … ولا يمكن القبول بدولة داخل الدولة”.

والقوى الثالثة هم الشيعة “أيّها السادة أتباع المذهب الشيعي، وخصوصًا السكّان الأصليين في هذه الجُزر: اعترفنا بوجود بعض الانتهاكات، وأعلنّا عن نيّتنا مكافحتها. ولكن أودّ تذكيركم بأنّ هذه الدولة سُنيّة، وتحيط بها مجتمعات سنيّة قويّة على هذا الساحل من الخليج، وهي تراقب إجراءاتنا باهتمامٍ كبير ومن دون أدنى شكّ. لا ينبغي عليكم توقّع المساواة الملزمة، ولا يمكن إلغاء الامتيازات السُنيّة دُفعة واحدة إذا لم نقل على الإطلاق”

في العام 1974، بدأ (الخوري) يدرس هذه القوى، وكيف مارست القبيلة سلطتها في إدارة هذه القوى، وجد أن إصلاحات 1923 بدلت التحالفات القبلية وأعطت الحكم وسائل جديدة للتدخل السياسي، فاستحدثت نظاماً هرمياً للسلطة، الأمر الذي عزّز، ولم يضعف، قوة العائلة الحاكمة ونفوذها. وساهم النفظ في تغيير الأسس التقليدية للإنتاج والعمل، فحول القواعد الاجتماعية للسلطة وخلق من ثَمّ صيغاً سياسية جديدة. وهكذا بدأت تظهر، في الخمسينيات والستينيات من هذا القرن، قوى اجتماعية وسياسية جديدة قوامها الموظفون والمثقفون والعمال، تتحدى وبطرق مختلفة، شرعية الحكم وسلطته.

لقد بدأ (الخوري) بحثه بعد استقلال البحرين بثلاث سنوات، وعايش أجواء برلمانها الأول ونقل لنا أجواء النخب الثقافية “شعر الكثير من اﻷشخاص الذين أجريت معهم مقابلات بالبهجة إزاء تحقيق الاستقلال بيد أنّهم في الوقت نفسه كان ينتابهم قلق شديد من إدارة الدولة الجديدة الصغيرة”.

لقد تحقق الاستقلال بفضل النضال الوطني الذي قادته النخب الثقافية العابرة للطوائف والقبائل، لقد غادرت هذه النخب انتماءاتها التي خاطبها بها المقيم السياسي في 1923 لم يعودوا قبائل سنية وافدة وسكان أصليين شيعة، لقد صاغوا فضاء وطنيا مشتركاً وذهبوا فيه حتى تحقيق الاستقلال، وظلوا يحملون قلقاً وطنياً على إدارة الدولة، والسبب في ذلك هو أن آل خليفة وحدهم هم الذين لم يغادروا انتماءهم، بقوا قبيلة تريد الدولة كلها لها، لا ترغب أن تتحول عن قبليتها ولا ترغب أن يشاركها أحد في إدارة الدولة.

إذا ما أردنا أن نفهم ما جرى في 14 فبراير 2011، فعلينا أن نقرأ كتاب هذا (الخوري) فما زال كتابه راهناً وما زالت فرضيته تفسر حاضرنا، وما زالت القبيلة تحول دون فكرة الدول في البحرين وفي الخليج.

المصدر، موقع المنار

2922848172

ماذا تعلمت من جورج طرابيشي؟

2922848172

في فبراير 2011، كنت رشحت كتاب “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة” ليكون كتاب جلستنا الثقافية الشهرية في مقهى الصديق كريم المدحوب (بيستاشيو) في المنامة، كنت متحمساً كثيرا للكتاب، وأردت من خلاله أن أثير جدلاً  فكريا ودينيا حول التوظيف السياسي لمدونات الحديث، وكيف لعبت دوراً كبيرا في صناعة المذاهب الدينية، والاحترابات الطائفية، كان الكتاب ممنوعاً في بيروت وممنوعاً في الخليج، وحصلت على نسخة منه عبر الصديق محمد المبارك الذي تكفل بإحضاره لي من الخارج.

لقد سبقنا حدث 14 فبراير في البحرين، ودخلت قوات الجيش السعودي في 16 مارس 2011 فصرنا خارج الحلقة الثقافية، حدث ما يشبه الشلل الثقافي أو الموت الذي أوقف كل شيء، ولعل جملة جورج طرابيشي الذي ختم بها شهادته حول محطات تحوله الست معبرة تماما عن لحظتنا “يبقى أن أختم فأقول إن شللي عن الكتابة، أنا الذي لم أفعل شيئاً آخر في حياتي سوى أن أكتب، هو بمثابة موت. ولكنه يبقى على كل حال موتاً صغيراً على هامش ما قد يكونه الموت الكبير الذي هو موت الوطن”.

بالنسبة لي لم يكن رحيل (طرابيشي) موتاً صغيرا، فمساحة كبيرة من حياتي الفكرية مدينة له، تعلمت من كتبه ما فتح لي مغاليق الفلسفة ونصوص التراث وتاريخ المعرفة، كان مشروع (نقد نقد العقل العربي) بمثابة الفتح المعرفي، فبقدر ما كان خطاب الجابري آسراً فقد كاد أن يغلق باستنتاجاته إشكالات فهم تراثنا وحاضرنا، وشخصيا ما كان لي أن أذهب في أطروحتي للدكتوراه للمجاز الفلسفي والصوفي  (التفكير عبر المماثلة) عند إخوان الصفا وابن عربي لولا الثقة التي اكتسبتها من خطاب طرابيشي في نقده للجابري الذي وقف موقفا حاداً من كل معرفة غير مؤسسة على المنطق الأرسطي، واعتبارها عقل مستقيل أو تفكير خارج العقلانية، وعزو أسباب تخلفنا لها.

في مقابل هذا الموقف الحاد من المماثلة وممثليها عند الجابري، وقف (جورج طرابيشي) على الضد من ذلك، وأعاد للمماثلة اعتبارها المعرفي، واعتبر ممثليها في الثقافة العربية نموذجاً من نماذج الاستنارة التي أعطت لحضارتنا خصوبتها المعرفية.

أحد أبرز ممثليها طبعا هو ابن عربي من جانب ما، وإخوان الصفا، وهؤلاء  أيضا ما كنت أتجرأ لدراسة خطابهم الفلسفي باعتبار تفكيرهم الفلسفي عبر المجاز أحد أشكال الإبداع والاستنارة والمعرفة العقلانية، لولا طرابيشي، وكم كنت فرحاً بقراءة المحطة الخامسة المتعلقة بإخوان الصفا في شهادة طرابيشي على تجربته، فقد بدأ مشروع نقده للجابري من هامش صغير يحيل إليهم، فأخذ هذا الهامش يكبر ويكبر حتى صار مشروعا كبيرا اسمه (نقد نقد العقل العربي).

عبر (نقد النقد) هذا، أدركت الأبعاد المعرفية لمجاز إخوان الصفا (العالم إنسان كبير) ومجاز الفيض. كان الجابري يعتبر هذه المجازات دليلا على الغنوصية وغياب العقل وضياع الفلسفة بل الجابري هرمس، كل من استخدم المجازات التي تتمثل الكون كلاً واحدا متصلا متبادل التأثير، كما هو الأمر مع جابر بن حيان الذي قال: “إن في الأشياء كلها وجوداً للأشياء كلها”، وكما فعل مع صاحب كتاب الفلاحة النبطية الذي قال “الإنسان شجرة مقلوبة، والشجرة إنسان مقلوب” إضافة إلى ابن سيناء.

مع طرابيشي عرفت أن مجاز (العالم إنسان كبير) كانت مشاعاً عاماً في الفلسفة اليونانية والثقافة الهلنستية، كذلك كانت ملقاة في الطريق العام للثقافة العربية الإسلامية، من دون أن تكون علامة خاصة على التهرمس. وقد استعملها الكندي، وابن باجة، والجاحظ، والتوحيدي.وهي تعبر عن آلية من آليات التفكير الفلسفي والعقلاني.

ربما يكون الأهم من كل ذلك، هو أن مدين لطرابيشي بفهم مصطلح فلسفي صعب جدا ورد في نص أرسطو واستخدمه إخوان الصفا بغزارة كما استخدم في نصوص تراثنا الفلسفي والصوفي، وهو (العقل الفعّال) قدّم طرابيشي مراجعة نقدية لإشكالات مفهوم العقل الفعّال في نص أرسطو نفسه، ونصوص الشرّاح والفلاسفة بعده.وقد أفدت من هذه المراجعة إفادة كبيرة في فهم مجازات إخوان الصفاء المتعلقة بفيض العقل الفعّال.

إن لهذا الفهم أهمية كبيرة، في تقييم تراثنا، فقد وضع الجابري في مشروعه نصوص التصوف والفلاسفة المشرقيين كابن سيناء في خانة اللاعقل واعتبرها مسؤولة عن غياب العقلانية والتخلف وعدم قدرتنا على الوصول لعصر النهضة.

سيظل طرابيشي عالماً كبيراً، وستضرب شجرته بجذورها في فضاء ثقافتنا (الإنسان شجرة مقلوبة) وستثمر يوماً وتحيل هذا الموات نشأة مستأنفة أخرى.

المصدر: جريدة الأخبار