لؤلؤة الميدان… الشهيد علي المؤمن

http://www.annahar.com/page_content.php?type=mulhak_thakafi&table=mulhak_thakafi&day=Sun

لؤلؤة الميدان… الشهيد علي المؤمن

كادر
في الخامسة والنصف تقريباً خط علي أحمد المؤمن مشاركته الأخيرة في صفحة «الفيسبوك» وقال: «دمي فداء لوطني» وقد تحولت بعد ساعات قليلة إلى واقع وحقيقة صعقت أباه وأمه وأخوته الستة، حينما تلقوا خبر استشهاده.
علي يدرس في سنته الأخيرة هندسة بجامعة البحرين.
علي كان مع أحد أخوته في ميدان اللؤلؤ مسالماً نائماً وعاد سالماً بعد أن هجمت قوات الأمن على المتظاهرين وسجل في الخامسة والنصف مشاركته الأخيرة في «الفيسبوك» (دمي فداء لوطني) ليعود للميدان مجدداً مع أخيه حسين ويستقبل جسمه الطلقات المطاطية ورصاص الشوزن المحرم دوليا، ليموت متأثراً بجراحه وحاملا آماله معه
علم أبوه وإخوته بإصابته عن طريق إحدى القنوات الفضائية بيد أنهم لم يتعرفوا في بادئ الأمر عليه لتغير ملامحه جراء ما ألم به.

1

كان الخميس ١٧فبراير يومان لا يوم واحد، يوم ما قبل الثالثة صباحا ويوم ما بعد الثالثة، يفصل بينهما رصاص الجيش، لقد نجح الجيش في مهمته المستحيلة، جعل لنا يوماً آخر لا ينُسى في يوم كان يمكن أن يُنسى، ما أعظمك أيها الجيش خلّاق في مهماتك المستحيلة، جعلت نهارنا طويلاً طويلاً.
بفضلك أيها الجيش دخلتُ أنا - أنا الذي اعتدت رائحة الأوراق والكتب لا رائحة القتلى - في اليوم الثاني من اليوم نفسه مشرحة الموتى، إنها المرة الأولى التي أدخل فيها غرفة الموتى، دخلت كي أصدق أنك قمت فعلا بمهمتك المستحيلة، رأيت إنجازك العظيم مكتوباً على أجساد الشهداء، ورأيت أكثر مما رأته آلتك العمياء، رأيت كم أنك عارٍ من الوطن وعارٌ على الوطن.
في مساء اليوم الثاني من اليوم نفسه، أتحت لي أيها الجيش الثقيل أن أرى وجه الشهيد الشاب المهندس علي المؤمن (22سنة)معلقاً فوق جدار الشهادة الافتراضي حين فتحت صفحته على الفيسبوك. لم أره لحظة أن ذهبت ظهراً للمشرحة، فقد استعصت ندوبه على خيوط الجراحين، بقوا ينسجونها ويرقعونها حتى المساء ودماؤه تتأبّى على التوقف. ربما كان أكبر من أن أراه هناك في مشرحة الموتى.
2
فتحت جدار صفحته في الفيسبوك، لم أكن أعرفه، لكن ضوء صورته اخترق كل حواسي كما لم تفعل وجوه الأجساد في المشرحة، بقيت متسمراً أمام صورته، وجدت هناك في عمقها شيئا يناديني لأكتبه.
في محاولة عبثية طلبت منك يا علي إضافتي على صفحتك، وفي محاولة أكثر عبثاً رحت أنتظر أن تقبلني، وأعيد تنشيط الصفحة وأقول لعله فعلها، أو لعل شيئا خارقا يفعلها، كنت أريد أن أقول لك: أريد أن أكتب عن ضوئك الخاص الذي شدني إليك، امنحني شيئا من سيرتك لأفتح به كتابتي، لمّا تمنعت عن أن تجيبني، أرسلت لصديقك على هاشم الذي اكتشفت أنه في قائمتي أن يرسل لي ما يفتح حيرة تعلق مخيلتي بصورتك. فضولي لم يحتمل أن أنتظر، فرحت أبحث عنك في هذه الشبكة العنكبوتية التي صارت مقبرة لمن يظنون أنهم يمسكون كلّ الخيوط، ويظنون أنهم خالدون في أعشاش كراسيهم. وجدتك في (YOUTUBE) وجدتك حياً مفعماً بالحركة، تقدم ورشة لأناسك البسطاء الطيبين من أهل منطقتك بسترة. سمعت أسئلة ورشتك التي هي أسئلتي: كيف نختلف؟ كيف أختلف مع من يشاركني وطني، قريتي، عائلتي، ديني؟ تحسستُ أفق اختلافك الرحب الذي تؤمن به، ووجدت الآيات التي تتلوها لتأكيد قيم احترام الآخر، متسعة لوطن يحتفي بالمختلفين، ويكبر بشراكتهم، ويزهو بتعدد أشكالهم.
كنت في ورشتك، تصقل مهارة الإلقاء والتقديم ضمن برنامج (أنا أتطور) . هل كنت تعي كيف سيؤول تطورك؟
لم تكن تعرف أنك ستدخل في ورشة أكبر، ورشة بحجم الوطن، ستقودها بهؤلاء الناس البسطاء الذين يحلمون بكرامة المواطنة لا كرامة المكارم، بهؤلاء الناس الذين حملوا يوما ما زائرا كان يرسل إليهم من يحمل أبناءهم إلى الظلام، ويعدهم بالأيام التي لم يعيشوها بعد، كان يوم جنازتك منها.
3
في الموكب المهيب الذي حملتنا أنت إليه يوم عرس جنازتك، كان علم الوطن يلف جسدك الغض الطري، وكان الشبيبة المحيطين بتابوتك يُلوّحون بأعلام الوطن، يضمدون بها جروحك وجروح الآلف التي حملت أكفُها روحك، ما أجملهم وأبهاهم، حناجرهم الغاضبة من عناكب الوطن لم تفقد لحظة ثقتها في الوطن، كانوا يتلحفون به، ويلوّحون به، ويقودون به، ويفتحون الميادين به، ويموتون دونه.كانت موجعة تلك اللحظة التي توقّف فيها موكبك، ليلبي مطلب والدتك المفجوعة بزهرتك، كان مطلبها أن ننشد “يمة ذكريني من تمر زفة شباب.. من العرس محروم وحنتي دم المصاب شمعة شبابي من يطفوها..حنتي دمي والكفن دار التراب”
4
هل تعرف يا علي أننا هذا المساء في اليوم الثالث من زهرتك لم نكسر فاتحتك بل كسرنا طوق الميدان، وهناك في المكان الذي اغتالتك فيه جيوش الغدر، قرأنا لروحك الفاتحة، لتكون فاتحة عودتنا للميدان. بك يا علي وسّعنا ميدان اللؤلؤة، صار أكبر من ذلك المساء الذي وقفت فيه عارياً تحميه من غدر السلطة. لقد وسعناه بدمك الحر، صار غالياً وثمنه ليس دمك فقط بل حلمك أيضا، ألم تكن تحلم في ذلك الفجر الغادر أن شمسا جديدة ستشرق على هذا الميدان، ألم تكن تتطلع إلى أفق يأتي لنا بمستقبل جديد، لقد فاجأك رصاص العسكر، اغتالتك أرتالهم، لكن اطمئن لم يغتالوا حلمك بميدان الحرية، بقيت اللؤلؤة في قلوبنا، نحنو عليها من آلات العسكر، لقد زرعوا في قلبك رصاصة لكنها لم تصل للؤلؤة التي كنت تخبئها، ولم يكونوا يدركون أنك ستغدو بكلك لؤلؤة للميدان.
نحن في الليلة الأولى الآن من عودتنا للميدان الذي لم تغادره أنت، عدنا لك، وعدنا بك. عدنا لك لأنك صرت جوهرة الميدان، وعدنا بك لأنك تلاحقنا في أحلامنا، تدفعنا نحو الميدان، باؤك قوتنا الدافعة، في كل شاب وجدتك، لقد اشتقوا من اسمك أيها المؤمن إيمانهم بأنهم سيعودون. الكبار لم يكونوا يمؤمنون، لقد زرعت أنت ورفقاؤك فيهم هذا الإيمان، فأعدتهم إلى دين الحرية.

5
لم تهدِنا دمك وحده، بل أهديتنا جوهرة نفسك في صدفة وطنية(نفسي فدا وطني). تركتها على الفيسبوك، معلقة هناك كوصية على جدار، جدار صارت كل الثورات تكتب حريتها عليه، أمست وصيتك شعاراً نعلّق عليه مستقبلنا، كان ثوار التسعينيات يكتبون شعاراتهم على الجدارن العتيقة، ويأتي في الصباح من يمحوها كي لا تشعل ثورة. جدارك الافتراضي اليوم عصي على المحو، عصي على الحجب، عصي على الجغرافيا والتاريخ، إنه عابر لكل الأشياء، جدارك يا علي وطننا الذي فديته بحق.
صار شعارك أغنية الميدان، وقد رقصت أجساد الشباب العارية في اليوم التالي لرقصة جسدك، رقصوا أمام مدرعات الجيش وعلى مقربة من التراب الذي تقدّس بأنفاسك الأخيرة، رقصوا فداء وهم يقرأون نوتة الشهادة (نفسي فدا وطني) التي علّقتها على جدارك، صفّق لهم الرصاص الحي، صفّق في أجسادهم المنتشية طرباً، واختار الرصاص المواضع الأكثر فرحاً في أجسادهم، أحدهم اختار الرأس منه لأنه كان يهتف بالحرية، واختار القدم من أحدهم لأنه كان يشق طريقاً للؤلؤة، لؤلؤة الحرية البيضاء المعلقة في الميدان، وتحيّر في البقية، كيف يهزمها وهي تحمل شعارك وشعورك؟ فانهزم أمامها.
6
رحت أتعقبك في سيرة جنة أصدقائك، لعلي أعرف سرّ غرامي بك، في رواية أصدقائه استطعت أن أفسر شيئا من هذا الغرام الذي جعلني أدخل صورتك، وجدت في صورتك صورتي في أوائل التسعينيات، فتى مثالي يريد تغيير العالم، ومؤمن بألا مسافة بين ما يقرأ وما يعيش.
يقول صديقه حسين الحواج: علي شخصية استثنائية وإلهامية وشفافة، مفتوح على المختلفين وتشبكه علاقات تتعالى على الجروح والفروق مع الطوائف الأخرى، يقرأ بشغف كبير لعلي شريعتي ومرتضى مطهري، يجمع أطراف مختلفة الأمزجة من الأصداقاء يوحدهم في قلبه، ويمنحهم من دفئه.
صديقه علي البناء، رافقه في رحلة الميدان، كان يحدثه عن فقه الشهادة قبل أن يمنحه درساً تطبيقيا في اليوم التالي. يقول علي لقد فهمت درس الشهادة تماماً، فهمت كيف تكون مهيأ له وكيف تجعله قصة مشوقة، هذا ما فعله علي، لقد وصل إلى مستشفى السلمانية سالماً بعد أن تمكن من النجاة من المجزرة الأولى، لكن نداء الشهادة كان يشتغل في داخله ويدفعه نحو الميدان، عاد إلى الميدان في السابعة صباحاً، كانت حركته لافتة ومستبسلة للشهادة، وهذا ما أثار حنق القتلة، ليمعنوا في تشويه جسده الغض برصاص الشوزن والمطاط، لقد تهتك جسده، لكني أجزم أن قلبه لو عاد سيكون قادرا على أن يغفر لهاتيكه، فداء للوطن.
وجدت في صوت أخيك وصديقك حسين المؤمن براءة صوتك، قال لي إنه يصغرك بعامين، ويكبر أترابه بعامين، لقد أضفت له من عامَيك ما جعله أكبر، عاش في عمرك يقول، وحين سألته عن رواية شهادتك، قال لي: إيمان علي بالشهادة من أجل الحرية يفوق إيماني، تعلم من علي شريعتي أن الشهادة حياة الحرية، وحين كتب جملته (روحي فدا وطني) في الخامسة والنصف صباحاً، قال لي إن الأرض التي دنّستها آلات العسكر في هذا الفجر، لن يطهرها غير دمي العاري من من آلات الفتك.
لبس ما يليق بالحياة وخرجنا معاً، شكّلنا صفاً ملتحماً من الشباب، أخذنا نتقدم في وجه آلة الحرب، وحين هزمتنا الآلة كان علي قد انتصر عليها بدمه، وأمنيته التي رددتها معه في لحظاتنا الأخيرة (سر الانتصار تمني الشهادة). تشرّبت الأرض بكل دمه حتى آخر صبابة فيه، كان جرحه عميقاً، كما أراد لترتوي هذه الأرض بالطهارة. لم يتمكن الأطباء من شحن جسده بالدم، فجسده كان وفياً لإرادته، ظل ينزف كل قطرة تدخل فيه.

الديري: وجودنا في أي شكل من الأشكال هو قضية تستحق التفكير

حوار جريدة البلاد

أجرت الحوار هدير البقالي

http://www.albiladpress.com/

منذ العام 2002، اعتمدت اليونسكو الخميس الثالث من شهر نوفمبر كل عام، باعتباره يوماً عالمياً للفلسفة. في البحرين، بادر عدد من المثقفين من محبي الفلسفة وأصدقائها بالاحتفال بيوم الفلسفة العالمي هذا العام، وافق الثامن عشر من نوفمبر الماضي. حرص هؤلاء على تنظيم برنامج احتفاء فلسفي خاص، طلق في الفضاءات المفتوحة، كما اهتموا بتنويع الفعاليات التي تربط الفلسفة بكل من الأدب والسينما والرسم والموسيقى. شارك في الفعاليات جمع من محبي الفلسفة الذين أثروها بالنقاش والحوار.

وبمناسبة اليوم العالمي للفلسفة، تجري البلاد الحوار التالي مع الدكتور علي أحمد الديري، المهتم بالقضايا والموضوعات الفلسفية، وتفتح معه بعض الإشكالات المتعلقة بالفلسفة في واقعنا المعاصر.

حوار جريدة البلاد

 

هل المناهج الدراسية التي أخذت حقها في الفلسفة أم أنها مازالت حالها لم تتطور؟

في الثانوية العامة كنت في القسم العلمي شغوفا بالمواد العلمية لم أكن اجد التفكير خارج المعادلات الرياضية والتجارب المختبرية لم أتعرف حينها على مادة الفلسفة ولا المنطق. بدا لي العلم هو كل شيء، ومنطقة التحدي تكمن فيه.حين دخلت جامعة البحرين في تخصص اللغة العربية لأسباب دينية، واجهت أزمة كبيرة في التعاطي مع المواد الأدبية والتربوية، تعلقت بالنحو والصرف والعروض، فقواعدها مقننة وشبه مغلقة ويمكنني آن أثبت تفوقي من خلالها.حتى لحظة تخرجي لم أعرف في مناهجي الدراسية شيئا اسمه الفلسفة. لكني عرفت المنطق عبر محيطي في السياق الديني وعرفته باعتباره مجموعة قواعد مدرسية تعصم الفكر من الخطأ. وهنا يكمن المقتل، مقتل تربيتي خارج مناهج الفلسفة، فالمنطق والعلوم بقواعدها الصارمة، تقتل فيك إمكان تعدد الحقيقة وتنوع الآراء، وتريك كل ما هو خارجها هراء وكلاماً ملقى في الطريق. غياب روح الفلسفة عن مناهجي الدراسية التي هي مناهجنا العامة، هو مقتل تربيتنا، وتربيتي نموذج لذلك.

العلوم من غير فلسفة يقين يقتل العقل، لأنه يحرمه من الشك والظن والبحث عن إمكانات جديدة. لذلك لا يمكن التعويل على العلوم من غير الفلسفة. كذلك لن نتمكن من فهم علوم اللغة وعلوم الدين من غير درس الفلسفة.

ألم تجد شيئا في الجامعة قريبا من الفلسفة؟

أذكر بقوة مقرر أصول التربية في جامعة البحرين، في هذا المقرر تعرفت لأول مرة على أن هناك مدراس فلسفية ولكل فلسفة منها أصولها التربوية المختلفة، ووفق هذه الأصول تختلف تربية الإنسان العقلية. لكن هذا المقرر، كان من غير أصول فلسفية، وأذكر أنني في لحظة تذمر معرفية خرجت وسط إحدى محاضرات هذا المقرر بل وسط كلام المحاضر، فقد كنت أشاغب المحاضر بأسئلتي التي تعبر عن عدم فهمي وفي الوقت نفسه تحتج ضمنيا على عدم فهم المحاضر لما يقول لأنه أساسا بلا أصول فلسفية. خروجي كان يحمل دلالة ضمنية تقول إنكم لم تقدموا لنا الفلسفة وتربتنا لم تكن يوماً تتضمن شيئا عن هذه المادة الغريبة على تفكيرنا، فكيف تريدوننا أن نفهم علاقة المدارس الفلسفية بالتربية؟!!!

الطالب عموماً قد لا يستفيد من التطعيم بالفلسفة أثناء الدراسة لكثرة

التلقين المباشر عوضا عن التأمل بما تحمله الفلسفة من فكر، فماذا تقول؟

الفلسفة تطعيم ضد تعطل آلة الفكر الإنساني، حين أغلق الإمبراطور "جستنيان" مدارس أثينا الفلسفية سنة 529م معتبرا إياها معاهد للفكر الوثني، عطّل العصور الوسطى فصارات عصور تلقين لا عصور تأمل تنتج فكرا جديدا. لقد خرج طلاب المدارس الأثينية وطلاب مدراس الإسكندية هائمين على جوههم، لم تعد هناك أكاديمية أفلاطون التي وضعت شعارا على مدرستها "من لم يكن مهندسا فلا يدخل علينا" ولا مدرسة أرسطو (الليسيوم) ولا حلقة الفيلسوفة (هيباتيا) التي سُحلت وسُحلت معها مكتبة الإسكندية الفلسفية، فسحلت معهما آلة التفكير الفلسفي.

ولماذا بعض الدول العربية تحرم دراسة الفلسفة؟

لأنها تحرّم تداول السلطة والسلطة التي لا تتغير تستند إلى معنى ثابت لا يتغير، معنى للدين والإنسان والحكم والعالم والألوهية. الفلسفة مهمتها تغيير معنى هذه المفاهيم وإبداع مفاهيم جديدة لها. المشكلة لا تمكن في أنها لا تدرس الفلسفة فقط، بل تعرض لها في مناهجها عرضاً هامشيا يوحي بأنها شيء قديم قد انتهى أو كأنها علم جدلي فارغ لاعلاقة له بحاضر الإنسان وقضاياه المعاصرة.

الفلسفة تعتبر كثورة لبناء العقل الذهني و سبر لأغوار النفس البشرية

خاصة، فألا تعتبر أن الفيلسوف جاء نتيجة تراكمات مضطهدة له من المجتمع

والبيئة التي تخرج منها ؟

تبدأ الفلسفة من الذهن كثورة من الأسئلة المتجهة نحو الواقع. الواقع في الأرض أو الواقع في السماء. تحاول أن تهز الفهم الإنساني كي يدرك سماءه أو أرضه إدراكاً يمكنه من تغيير خارطة السماء أو الأرض. تتجاوز الثورة منطقة العقل فتكون ثورة في الأرض على المفاهيم وعلى الموسسات وعلى السلطة، فيشتبك الفيلسوف بأصحاب السلطة، وأصحاب النفوس في الأرض، الذين يريدون للأشياء أن تبقى مستقرة من غير ثورة. وهم يستعينون بالسماء لكي يثبتوا سلطتهم من ثورة أسئلة الفيلسوف. ولنأخذ على سبيل المثال سقراط، أسئلته الثائرة في عقله أرعشت سكان أثينا، فحكمت السلطة السياسية عليه بالقتل مسموماً، لأنه كان يرعش معتقدات الناس في آلهة أثينا. ولنأخذ هيباتيا، فقد كانت أسئلتها في مكتبة الاسكندرية ثورة لاستخدام العقل ضد الخضوع والاستسلام للإجابات التي كان الحاكم الروماني يتوافق فيها مع المعتقدات المسيحية الجديدة فحكمت على هيباتيا بالسحل لأن ثورة أسئلتها تحرك الواقع المستقر تحت سلطة السماء المتجسدة في شخصية الإمبراطور الروماني. تاريخ الفلسفة تاريخ ثورات، لذلك هو تاريخ اضطهاد أيضاً.

- برأيك ما دور الفلسفة في نقد  قضايا المجتمع؟

وجودنا في أي شكل من الأشكال هو قضية، وهو قضية إشكالية دوماً. وجودنا في شكل طوائف وقبائل وديانات، وجودنا في مجتمع متعدد الأعراق، وجودنا في شكل دولة غير منجزة، في شكل دولة غير دستورية، في شكل دولة مدنية، في شكل دولة دينية، في شكل مجتمع ذكوري، كل هذه الوجودات تشكل قضايا وتطرح أسئلة على معيشتنا. كيف يمكن أن نعيش في هذه الأشكال، وما الذي يواجهنا فيها وكيف نخرج من مآزقها، وما الذي يتحقق من انسانيتنا فيها، وما الذي يغيب. هذه أسئلة فلسفية. والإنسان لا يوجد إلا في شكل من هذه الأشكال، ومتى كفّ عن أن يثير أسئلته الإشكالية على هذه الأشكال، فقد قدرته على تطويعها وتطويرها وتغيير أنماطها.  تطور شكل الديمقراطية الحديث جاءبفضل أسئلة هوبز وروسو ومونتيسكوي وغيرهم من فلاسفة عصر النهضة الأوروبية الذين شغلهم شكل وجود الإنسان في مؤسسة السلطة أو الدولة التي يحكمها ملوك باسم الله.

هل يمكن تطبيق الفلسفة الغربية البعيدة المدى على  أرض الواقع العربي؟

أرض اللغات والثقافات والحضارات متعددة وهي تثري الأرض الكونية بالاختلافات، كل فيلسوف الحق يحفر في أرضه المفهومية عبر لغته وإشكالاتها الحضارية والثقافية في لحظة تاريخية ما، وكلنا لنا الحق في إثراء أرض واقعنا بهذه الحفريات.ربما من المفيد أن نستفيد من مفهوم طه عبدالرحمن للتأثيل في مشروعه فقه الفلسفة، مع توسيع أو تغيير حدود الرؤية التي ينطلق منها هو.

- برأيك هل الفلاسفة اتفقوا على مسلمة واحدة، أو قضية واحدة، وما مدى

تطورها في دراسة الفلسفة؟

الفلاسفة لا يقلقهم اختلافهم، بل يقلقهم اتفاقهم. ربما علماء الكلام واللاهوت يقلقهم اختلافهم حول صفات الألوهية، لأنه اختلاف يحدد الجنة لمن والنار لمن، والحرب ضد من والسلم مع من، والكفار من هم والمؤمنون من هم.اختلافات الفلسفة تكثّر معاني العالم واختلافات المتكلمين واللاهوتيين تصفي العالم.

- ألا تعتبر الفلسفة تحدي للقدسية الإلهية؟

هي تحدٍ لكل ما يشكل طاغية، والطاغية ليس شخصية سياسية بالضرورة، قد يكون مفهوماً، كالعقل مثلا، فتأليه العقل وتقديسه والثقة المطلقة فيه وفي قدرته على تحقيق الخير والسعادة والسلام للإنسانية حوّله إلى طاغية كما هو حاله في عصر الحداثة وانتهى بالبشرية إلى حربين مدمرتين، كذلك الألوهية حين تجسدت في خلفاء وملوك يحكمون باعتبارهم ظل الإله وخليفته ونوابه صارت طاغية تتحداه الفلسفة بأسئلتها التي تقاوم كل سلطة تحد من حرية الإنسان وقدرته على أن يشكل مجاله الحيوي في التفكير.

ليس هناك مفهوم واحد للألوهية، والمجامع المسكونية الكنسية (مجمع نيقية325م، مجمع إفسوس 431l مجمع خلقيدونية 451م ) التي عقدت في التاريخ كانت مهمتها حسم الصراعات التي تنشئ حول مفهوم الألوهية وهي صراعات سياسية أساسا ، وتستهدف في الأساس تثبيت السلطة السياسية للأمبراطوروتدور من خلال بحث ألوهية المسيح، وغالبا ما تتعارض هذه مع الفلسفة، لأن ليست من مهمة الفلسفة إضفاء المشروعية على السلطة السياسية، فهذه مهمة الدين غالبا والدين في هذا الاستخدام يتعارض مع الفلسفة. بل تصبح مهمة الفلسفة في هذه اللحظة كشف حقيقة هذا الاستخدام غير المشروع للسلطة وللحقيقة.

ما هي الألوهية، هي مجموعة من الصفات. والصراع بين علماء الكلام أو علماء اللاهوت وحتى الفلسفة هو صراع أو اختلاف حول هذه الصفات. والاتهامات بالهرطقة والكفر والبدعة كلها تتعلق بإثبات صفة ما أو إنكار صفة ما. بل المذاهب الكلامية واللاهوتية تتمايز بهذه الصفات وتعرف بها. على أن خلافات علماء الكلام واللاهوت تنتج مذاهب عقائدية متحاربة( المجسمة والمنزهة والمعطلة) ، واختلافات الفلاسفة تنتج تصورات مختلفة لمفهوم الواحد وواجب الوجود والمحرك الذي لا يتحرك.

لقد استفاد علماء الكلام الإسلامي وعلماء اللاهوت المسيحي من تصورات الفلاسفة لمفهوم الواحد، ومباحثهم في الميتافيزيقا والعلل في بلورة تصوراتهم لمفهوم اللالوهية والاستدلال عليها. كما أن الفلاسفة في المحيط الإسلامي والمسيحي وفقوا بين الفلسفة والدين ولو أخذنا إخوان الصفاء فسنجدهم يعرّفون الفلسفة بأنها التشبّه بالإله بقدر الطاقة الإنسانية، أي بقد طاقة الإنسان على التشبه بصفات الكمال الإلهي.

أغلبية الفلاسفة وصفوا بالملحدين، كذلك منهم من أقدم على الانتحار،

ومنهم من أعدم، ومنهم من مات يائسا، أيعتبر ذلك نوعا من الخلود لهم؟

التفكير في الخلود جاء من تأمل الأشياء الزائلة والفلسفة كانت تبحث عن الأشياء الخالدة وتجد فيها العلل الأولى التي تفسّر خلق العالم والإنسان، حتى صارت مهمتها معرفة هذه العلل، وصات هذه المعرفة طريقاً للخروج من جسد هذا العالم إلى حيث الآلهة الخالدة، الفلاسفة هم من يصعدون في هذا الطريق ولذتهم تتحقق بهذا الصعود إلى الأعلى، لذلك كان سقراط في محاورة فيدون أو محاورة الخلود، يرفض الهرب من السجن ويعبر عن سعادته بلحظة اقتراب صعوده، ويتمثل سلوك البجعة حين تعبر بالغناء عن فرحتها بلحظة اقتراب موتها "إنني أبدو آمامكم أقل قدرة على التنبؤ من البجع. وهي التي حينما تشعر بدنو أجلها تغني أطول وأجمل ما غنت أثناء حياتها السابقة، فرحة بأنها على وشك الرحيل إلى الإله الذي هي في خدمته. لكن البشر بسبب خشيتهم الموت، يتهمون البجع زوراً، ويقولون إنها تنتحب أمام الموت وتغني بسبب حزنها، وهم لا يدركون أن أي طائر لا يغني وهو على جوع أو وهو يشعر بالبرد أو وهو يشكو من أي مصدر آخر للألم… وأنني لست أقل منها شجاعة أمام مغادرة الحياة"

ألا تعتقد أن النظريات الفلسفية  تجعل من أدمغتنا مادة خصبة للتجرد من

الجسد والانفصام عن شخصيتنا للاتصال بالعالم الغير محسوس؟

الفيلسوف يفكر في الجزئيات والحالات والتجارب والأشخاص ويجرّد منها مفاهيما، لكي يفهم العالم والإنسان لكنه لا يتجرد من الحياة ولا تتجرد مفاهيمه من الحياة ولا من الحس. لدينا على سبيل المثال الفيلسوف ابن سيناء الذي يعد فيلسوفا لللنفس كما كان أرسطو قبله بثلاثة عشر قرنا فيلسوفا للعقل. كان ابن سيناء يجد لذته الحسية في الشرب والجنس مقترنة بلذته العقلية في الدرس والكتابة والتفلسف والتطبيب ومقترنة بلذته الروحية في الصلاة والحب. وكذلك كان الخيام.

بل إن الفلاسفة يتحولون بسلوكهم وحياتهم إلى مفاهيم فلسفية. نخطئ حين نعتقد أن ألفاظ الفلاسفة لا علاقة لها بالمعاني الحسية التي نستخدمها فيها، بل هي شديدة العلاقة، لكن يتميز الفيلسوف بأنه يجرد لفظه من أن يكون مرتبطا بشيء واحد أو حالة واحدة ويجعلها تشمل أكثر من شيء وأكثر من حالة فيجعلها تشمل معاني أشياء متعددة، فمفهوم الفيض في الفلسفة محكوم بمعنى الفيض الحسي المتعلق بفيض الماء في الكأس مثلا، ومفهوم النور الإلهي والنور العقلي لهما ارتباط بمفهوم النور كتجربة حسية نشاهدها، ومفهوم النظر له علاقة بنظرنا الحسي، وهكذا المفاهيم الفلسفية لا تقطع علاقتها بالحس ولا تتجرد مطلقا منه.وهذا هو موضوع أطروحتي في الدكتوراه.

- وما مدى ارتباط الوعي بماهية الإدراك الباطني للعقل الفلسفي؟

ما مهمة الفلسفة؟

مهمة الفلسفة تكمن في النقد. لكن تختلف من مرحلة إلى أخرى. طبيعة القضايا التي تنقدها، ولو استعدنا جيل دولوز سنقول أنها كانت تجد في كل مرحلة من مراحلها موضوعاً لنقدها فمرة تكون مهمتها نقد الأخطاء، ولعل المنطق الأرسطي، هي أعظم آلة جبارة وضعتها الفلسفة لنقد الأخطاء، وأن كانت هذه الالة قد أعاقت أيضاً الفكر البشري عن ابتكار حقائق صحيحة، كانت هذه الآلة تظنها خطأً، وهنا أشير إلى منطق فرانسيس بيكون الذي حرر المنطق من سطوة منطق أرسطو الصوري وجعله أكثر مرونة واستيعاباً للواقع. لذلك كان المنطق يعرف بأنه آلة تعصم الفكر من الخطأ. في مرحلة تالية صارت مهمة الفلسفة هي نقد الأوهام التي أوقعتنا فيها الإيدلوجيات الكبرى على أنواعها القومية والدينية والشوفينية وغيرها. فقضايا العرق الأفضل والأمة الأفضل والحضارة الأسمى، تولت الفلسفة نقد أوهامها، وفي مرحلة تالية صارت مهمة الفلسفة نقد ما يسميه جيل دولوز الترهات واللا معقول.

الصديق عادل مرزوق

يوم أمس فقط، تحصل الناقد البحريني علي الديري على درجة الدكتوراه، ولكن هل يجوز أن أفرد أو أخصص هذه المساحة لتهنئة صديق؟! الإجابة لا، فهذه السطور ليست تهنئة، لكنها أشبه ما تكون بمحاولة بسيطة للتبشير والتذكير بأكاديمي ومثقف بحريني بارز، لفت الأنظار خلال السنوات الماضية بما قدمه كباحث وناقد بحريني مميز، استطاع الخروج على متاريس الثقافات المحلية ليطلق لعقله وكتابته العنان، دون حدود.

لم يكن (الدكتور) علي الديري - وليسمح لي أن أكون أول من كتب لقبه الجديد أمام اسمه - محتاجاً يوم أمس للجنة مناقشة في القاهرة ليتحصل على لقب “دكتور”، فتفاصيل قصته كإنسان، ومجموع ما أنتجه من كتب ومحاضرات ومقالات أهلته منذ مدة ليكون أحد أبرز الأسماء في الساحة الثقافية البحرينية. وهو قبل هذا وذاك، مثال الإنسان بكل ما تحمله الإنسانية من معانٍ جميلة ورقيقة.

سأبشر البحرينيين بقامة جديدة تضاف لطاقم الأكاديميين البحرينيين الذين نفخر بهم، وسأدعو المعنيين ممن يمسكون بملف الثقافة في البحرين إلى الالتفات لهذا الشاب القادم بقوة، نحو المزيد من الإبداع والعطاء والتألق.

adel

http://www.albiladpress.com/column_inner.php?wid=40&colid=5587

حوار حول أطروحة الدكتوراه

أعول على حقلي الفلسفة والتصوف في استعادة هدوء العالم المستعر بتوترات الهويات الدينية

والقومية والعرقية والمذهبية

الديري في حوار حول أطروحة مجازات الجسد في الخطاب الصوفي والفلسفي

أجرى الحوار/ باسمة القصاب

مستل من حوار طويل سينشر قريبا

PHD

ما زال الفهم المجازي لمعنى للألوهية وعلاقتها بالإنسان يدير صراعات العالم.

العمل على خطابات تراثية تحمل داخلها رؤية كونية تتجاوز زمنها، هو في حقيقته عمل على لحظة معاصرة

*****

بعد كتابه الصادر في 2007 "مجازات بها نرى" الذي قدّم المجاز بوصفه أداة للرؤية والفهم والتفكير، لا يزال الناقد علي الديري يواصل تفكيكه لآليات التفكير عبر المجاز، هذه المرة من خلال أطروحته للدكتوراة، التي منحت له بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى، الخميس الماضي 30سبتمبر الماضي 2010 في معهد الدراسات والبحوث العربية بالقاهرة.

تدور فرضية الأطروحة حول مفهوم أطلق عليه الديري لفظ "الجسد المجتاز"، يبحث مجازات الجسد في الخطاب الصوفي والفلسفي، وقد جعل من خطابي إخوان وابن عربي مادتيه القرائيتين التي قدّم من خلالهما تصورهما الخاص للإلوهية والعالم. أما ما الذي يعنيه الديري بالجسد المجتاز؟ وما علاقة دراسته بالواقع الذي نعيشه الآن؟ وما الجديد الذي يقدمه هذا البحث في موضوع المجاز؟ ولماذا اختياره لخطابي أخوان الصفا وابن عربي بالذات؟ فتلك بعض محاور حوارنا معه..

ما فرضية أطروحتك؟

الفرضية تدور حول ما أسميته الجسد المجتاز. وأعني به أن خطاباتنا عن العالم والله والإنسان والمجتمع والسلطة والدولة تستخدم الجسد أو أحد أعضائه أو خبراته الحية الوجودية المباشرة وتجتاز بها إلى الفكرة التي يريدها الخطاب. لقد اجتاز ابن عربي بمجازات الجسد ليرينا أفكاره عن الله والعالم والإنسان وعلاقتهم. وكذلك فعل إخوان الصفاء. وكلا الخطابين اعتبرا الإنسان صورة للألوهية وللكون، فالإنسان (في مجازاتهم) كتاب الله وحجته ومرآته وكنز تجلي أسمائه وصورته، ومتى فهمنا صورة الإنسان وجسده، فهمنا الألوهية والعالم.

· الفرضية وعنف الواقع

تبدو كأنها فرضية أكاديمية نظرية لا علاقة لها بالواقع؟

بل هي فرضية تحاول أن تفهم العالم وعنفه واحتراباته حول المعنى واللاهوت، مازال العالم حتى اليوم يدير صراعاته حول معنى الألوهية وعلاقتها بالإنسان. أقول ذلك وفي ذهني مثلا كتاب يوسف زيدان حول اللاهوت العربي والعنف ومآلات نصر حامد أبو زيد وكتب محمد أركون. مدخل المجاز بمعناه الحديث يسهم في فهم أفضل لهذا الصراع بل ويقدم حلاً معرفياً لصراعاتنا حول التأويل واللاهوت، فخلافاتنا في معظمها اختلافات حول طرق اجتيازنا، اجتياز مجازات جسدنا للوصول إلى حقيقة الألوهية والمعاني التي نعيش على تقديسها. ومازلنا نحتاج فرضيات لنفهم كيف تتحول مجازات اللغة والخطاب والنصوص إلى معارك عنف وصراعات معنى على مستوى العالم. 

مثلا، الاعتراض على مسلسل (السيد المسيح) وتوقف عرضه في رمضان الفائت بلبنان خوفا من حدوث فتنة طائفية، استعاد اختلافاً لاهوتياً يتصل في عمقه بفهم معنى أن المسيح كلمة الله، وقد أوضح هذا الاعتراض مدير المركز الكاثوليكي للإعلام الأب عبدو أبو كسم، حين قال عن المسلسل"إذ ينكر ألوهية المسيح ويتضمن تحريفاً للأحداث الحقيقيّة". لو استرجعنا تاريخ الخلافات اللاهوتية حول ألوهية المسيح، سنجدها خلافات مجازية تتعلق بتأويل صور الكتب المقدسة المجازية لمعنى الكلمة والبنوة والأبوة والألوهية والتثليث. هذه الاختلاف المجازية تحكمه دوماً القوة السياسية ومصالحها، فتحوله لحقيقة غير قابلة للشك ولا للتعدد. وكانت روما في ذلك الوقت هي القوة التي تحدد عبر مجامعها المسكونية الكنسية الحقيقة (الأرثوذكسية) مع من؟

· المجاز ولوثة الضلال

ماذا يعني هذا المدخل بالنسبة لمفهومك للخطاب؟

الدخول على الخطاب من هذه الفرضية يعني أن الخطاب ليس مجموعة من الأفكار فقط أو المعاني  أو الحقائق أو الألفاظ أو الصور البلاغية. بل هو حقل ملتبس بكل هذا المكونات  من خلال تجربة الإنسان الحسية وغير الحسية. الخطاب حقل مجازات، ولا يختلف في ذلك الخطاب الفلسفي عن الأدبي عن الإعلامي عن الاجتماعي عن خطاب تواصلنا اليومي.

ما الذي يقدمه مدخل المجاز من فهم جديد للخطاب؟

إن الدخول على خطاب الفلسفة والتصوف من خلال المجاز، يتيح لنا فهم الخطاب لا باعتباره منظومة أفكار مطلقة لا جسدها لها. الخطاب تجربة في الكتابة لا تجربة في التفكير المجرد الفلسفي فقط أو الفناء الصوفي فقط، فهي كتابة، حقائقها محايثة لمادتها، وتتفتح حقائقها من خلال هذه المحايثة، فكتابة ابن عربي يتفتح مفهومها لـ(وحدة الوجود) بمجازات التخلّل والسريان والحلاوة والّلذة والحب والحركة والمكاشفة والفتح، فلا يمكن لخطابه أن يرفع حجب الألوهية من دون هذه الصور التي تتجلّى فيها. إن الدخول على خطاب ابن عربي من خلال أرضه المفهومية (مجازاته) ربما يحل كثيراً من المشكلات المتعلقة بقراءة خطابه التي وصلت إلى حدّ تكفيره واعتبار مجازاته ضلالات دينية.

وكتابة إخوان الصفاء تفتح مفهومها لـ(الفلسفة) بما هي معرفة بالعلل الأولى والوجود بمجازات التشبّه بالإله والطاقة والفيض والقبول والنور والدائرة والجسد. يكون التفكير في علل الكون ووجوده ممكناً عبر هذه المجازات، والإمكان يعني كتابة هذه المجازات لهذه المعرفة لتشكيل خطاب فلسفي.

· الجسد ذهناً كبيراً

ما علاقة الجسد بالتفكير؟

لا يمكن للإنسان أن ينشئ خطاباً من غير تجربة الجسد، فهو لا يمكنه أن يفكر من غير جسد، ولا أن يتصور أو يتخيل أو يتذكر أو يقرر أو يستنبط، عمليات التفكير جميعها تتم عبر الجسد، كما عبّرت عنها فلسفة (ميرلوبونتي) في كتابه فينومينولوجيا الإدراك "إن الوعي كائن يرتبط بالأشياء بواسطة الجسم" ويبلغ هذا الارتباط حداً تكون معه بنية الوعي مماثلة لبنية الجسد، كما تقول فلسفة (ميرلوبونتي) "جسدنا ذاته له بالفعل شخصيته ووجوده الذي يتفاعل ويتداخل مع العالم بحيث تصبح بنية العالم معتمدة على بنية الجسد". و(ميرلوبونتي)  يعتبر من فلاسفة كوجيتو الجسد، الذين أعطوا للجسد قدرة على التفكير، وصار الجسد معهم ذهناً كبيراً، كما يقول نيتشه. لقد أعطوا للخيال قدرة على التفكير، وقدرة على أن يرينا حقائق الأشياء بوجوه متعددة، بعد أن اعتبره ديكارت مصدرا للضلال والزيف.

· الكفر بالجسد

ما علاقة الجسد بالتكفير؟

الكفر بالجسد واعتباره مصدر للضلال والزيف، لم يكن كافياً لحماية العقل من الضلال. فالعقل راح يستخدم الجسد  ليهتدي إلى أفكاره التي وراء الجسد، فكرته عن الله وعن المطلق وعن الغيب. استخدامات الجسد المختلفة في التعبير عن الله والمطلق جعلت البعض يكفّر البعض، هي في حقيقتها تكفيرات مجازية.

لنأخذ الاختلاف حول نظرية الفيض الأفلاطونية emanation مثلا فالإسماعيليون يعتبرون القول بالفيض كفرا كما يقول الكرماني في كتابه راحة العقل "وذلك أن من شأن الفيض أن يكون من جنس ما منه يفيض ومشاركاً له ومناسباً". في حين أن إخوان الصفاء يتفلسفون عبر نظرية الفيض ويجدون في هذه الفلسفة طريقاً للتشبه بصفات الكمال الإلهي. إن الاختلاف حول مجاز الفيض يجعله منه طريقاً للتألّه والكفر. هذا ما جعل ابن عربي يمزج التشبيه والتنزيه في فهمه للوجود ورب الوجود وموجوداته.

إن طريقة تأويل الصيغ المجازية التي تصوغ من خلالها المذاهب الدينية والاتجاهات الفلسفية خطاباتها ومقولاتها اللاهوتية أو الفلسفية، لتعدّ دليلاً على أن هذه الخطابات والمقولات ما هي إلا صياغات مجازية للتعبير عن حقائق هذه المذاهب واتجاهاتها في رؤية العالم.

ربما يكون مفهوم (العقل الفعّال) المثال الأكثر حضوراً على أن المذاهب الفلسفية تتأسس على ما يقع بينها من اختلاف في تأويلات الصيغ المجازية، لقد خضعت صفة (الفعّال) لترجمات وتأويلات وتفسيرات متباينة ونتجت عنها مدارس فلسفية متعددة. ما يحدث في الخطاب الفلسفي من تعدد في تأويلات الصيغ المجازية يحدث في الخطاب الديني، غير أن الخطاب الديني يدير تأويله بقوة تمثيل الإله، فيقع القمع والتكفير، في حين أن الخطاب الفلسفي يدير تأويله بقوة تمثيل العقل، فيقع التعدد والتفكير.

· توتر الهويات المستعرة، وهوية الحب

لاثبات فرضيتك اشتغلت على خطابين ينتميان الى حقلين معرفيين مختلفين: الفلسفي ممثلاً في خطاب إخوان الصفا، والصوفي  ممثلا في ابن عربي. لماذا اختيارك لهذين الحقلين بالذات؟

أنا أعول على حقلي الفلسفة والتصوف في استعادة هدوء العالم المستعر بتوترات الهويات الدينية والقومية والعرقية والمذهبية. تتقاطع فلسفة إخوان الصفاء وصوفية ابن عربي في جعل الهوية محبة للاختلاف والتعدد والمشاركة، وفي مجازاتهما ما يجعلنا نرى الكون محاطاً بالحب.

الخطابين بينهما من التقاطع أكثر مما بينهما في الاختلاف، وما يجمع بينهما هو الحب، وما يجمعني بهما  هو كذلك الحب، والحب هو المعنى الذي كانت تُعرّف به الفلسفة  في عصرها اليونانية والعربي الإسلامي كذلك، وقد استعاد هذا التعريف في الثمانينيات جيل دولوز في تعريفه للفلسفة بأنها عشق المفاهيم. والعشق هو درجة من درجات الحب، حب الحكمة هو المحرك الأول للبحث عن معرفة تصلك بالوجود وعلته وكيفيته وطبيعته. يجعل الحب العالم متعاطفاً أو مشاركاً بعضه بعضاً. وقد جعل أفلوطين (القرن الثالث الميلادي) في تساعياته الفلسفية العالم متداخلا بعضه في بعض كجسد واحد يعطف بعضه على بعض ويشارك بعضه بعضاً، بهذا الحب تكون المعرفة ممكنة، وكان يقول "فمن المحال أن يعرف شيء لا يكون متصلاً بنا أو متعاطفاً معنا على نحو ما، لأنه لا سبيل إلى معرفة ما هو خارج عنا من كل الوجوه".

عبر مجاز الجسد المتعاطفة أعضاؤه على بعضها والمشاركة لبعضها والمحبة لبعضها، كانت الفلسفة في العصر الوسيط تفهم العالم والألوهية والإنسان. لقد ذهبت لإخوان الصفاء وابن عربي لأبحث عن هذه الحميمية المفتقدة في العالم اليوم، لم أذهب لهما لأنجز أطروحة أكاديمية باردة، ولا لأثبت أسبقية تراثنا للحاضر أو الماضي، فالفلسفة والتصوف استعادات لا تنتهي، استعادات لنصوص وأسئلة غير مستنفدة.

· الرؤية الكونية المتجاوزة للزمن

ولم آثرت الاستدلال على فرضيتك من خلال خطابات تراثية لا خطابات معاصرة مرتبطة بتواصلنا اليومي؟

لقد قاربت في كتابي (مجازات بها نرى) خطابات معاصرة مرتبطة بتواصلنا الإعلامي والاجتماعي والديني، وفضلت العمل في أطروحة الدكتوراه على خطابات فلسفية وصوفية، وفي ذلك تحد كبير، فالمسألة تتطلب قراءات معمقة لخطابات تراثية مكتوبة بلغة غير معاصرة ومليئة بالمصطلحات الفلسفية والصوفية وتحيل على تراث إنساني بعيد وممتد. والباحث يحتاج إلى العمل على خطابات تفتح له حقولا معرفية جديدة وتفتح فهمه على تصورات مختلفة للعالم. وأعتقد أن تخصصي في تحليل الخطاب قد أتاح ذلك، فتحليل الخطاب قائم على تقاطع التخصصات، فأنا مثلا في هذه الأطروحة أشتغل على خطاب فلسفي وخطاب صوفي وأنا لست متخصصا في الفلسفة ولا في التصوف، وكذلك حين اشتغلت في رسالة رسالة الماجستير على خطاب ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام وهو كتاب  في أصول الفقه، لم أكن متخصصا في أصول الفقه.

من جانب آخر العمل على خطابات تراثية تحمل داخلها رؤية كونية تتجاوز زمنها كخطاب ابن عربي وإخوان الصفاء، هو في حقيقته عمل على لحظة معاصرة، والمهم هو أن تكون رؤيتك تنتمي إلى لحظة معاصرة تستطيع أن تصل النص التراثي بالزمن الآني ، والزمن هو ما يعيشه الإنسان بأفقه وإنسانيته. وما أحوجنا اليوم إلى خطاب إنساني فلسفي وصوفي، يُؤَنْسِن الكون وعلاقاته، ويصل بعضه ببعض، ويرينا الإنسان قادراً على أن يصل السماء بالأرض من دون أن يخلَّ بمنجزات العلم الحديث. إن العقل العلمي البارد لا يمكنه أن يتيح وحده للإنسان أن يعيش متآلفاً مع الكون، هو بحاجة إلى خطاب قادرٍ على أن ينعش روح الإنسان ويجعله يرى في الكون امتداداته وصلاته وعلاقاته، وخطابي ابن عربي وإخوان الصفاء يمثلان هذا الخطاب بامتياز، وراهنيتهما للحظتنا تدفعنا إلى إعادة قراءتهما ووصلهما بحاضرنا.

PHD (1)

· لحظة أركونية

هل هناك لحظة فكرية شكّلت توجهك نحو هذا المدخل للدراسة؟

لا بدّ من القول إن اللحظة الأولى التي شكّلت منعطفي نحو موضوع أطروحة الدكتوراه هي لحظة أركونية بامتياز. وهي تعود إلى قراءتي لكتابه (تاريخية الفكر العربي الإسلامي) حين أشار إلى أن المجاز في الأدبيات الخاصة بالإعجاز قد درس كثيراً بصفته أداة أدبية لإغناء الأسلوب في القرآن وتجميله، ولكنه لم يُدرس أبدا في بعده الأبستمولوجي بصفته محلاً ووسيلة لكل التحويرات الشعرية والدينية والإيديولوجية التي تصيب الواقع. وفي كتابه (الفكر الأصولي واستحالة التأصيل) أشار إلى هذا النقص الذي نعاني منه في دراسة المجاز بهذا المنظور، وهو غير منظور الجرجاني والباقلاني وفخر الدين الرازي والسكاكي وكل تلك الأدبيات الهائلة التي كتبت عن الإعجاز.

ذهبت إلى مجازات إخوان الصفاء وابن عربي، بمنظور أركوني، وبروح صداقته مع التوحيدي، فصار ابن عربي صديقي الحميم الذي أحمل معه حيرته الإنسانية كلما فكّر في الكون والإله والإنسان. وصار إخوان الصفاء أصدقائي الذين أتأّله معهم كلما فكرّت في الفلسفة باعتبارها طاقة الإنسان في التشّبه بالمطلق.

ماذا وجدت بشأن استخدام الخطاب الفلسفي من خلال إخوان الصفاء للجسد؟ وكيف بنى تصوراته وأفهامه؟

يتشكل خطاب إخوان الصفاء الفلسفي بمجازات الجسد والطاقة والقبول والفيض والدائرة والنور ومقتضياتها. بهذه المجازات يتفلسفون بقدر الطاقة الإنسانية من أجل التشبّه بالإله، يبذلون طاقتهم في الاعتبار بهذه المجازات، وهذا البذل هو الذي يحقق لهم حدّ الفلسفة التي يُعرّفونها بأنها "التشبّه بقدر الطاقة الإنسانية بالإله".

يحضر الجسد في خطابهم بوصفه مكان إظهار، ومكان ترويض، ومكان اعتبار وتركيب. الجسد في خطابهم يُظهر ممكنات النفس، ويروّض العقل، ويتيح له تركيب معرفة اعتبارية.

جسد الإنسان مرآة العالم، ما يقبله هذا الجسد في مرآته من مثالات العالم، يغدو طريق معرفة أو وجهاً من وجوه معرفة العالم، والعالم يُعرف من خلال ما يقبله الجسد من مثالات. إن الجسد يتشكّل خطاباً وفق إمكانات قبوله، فيغدو عالماً صغيراً ومدينة ودكاناً وداراً وفلكاً ومجلساً وقصراً ودفترا للعالم وكتابا للعالم أو( حجة الله)، وهذا ما يجعل من الجسد مشكال رؤية، فهو يرينا العالم بإمكانات مختلفة الألوان والأشكال بحسب طاقتنا على الاعتبار الذي هو فعل تفكير فلسفي، فالاعتبار عمليه ربط ووصل بين جسد الإنسان، وجسد العالم وكائناته. أنت تعتبر بقدر ما تقيم مماثلة تصل أجزاء العالم بأجزاء جسدك وصلاً ينتج معرفة اعتبارية، وهذا ما يجعل الاعتبار عملية فكرية تقوم بها أنت وتشيّد من خلالها معرفة وفلسفة بقدر طاقتك على التخيّل والاعتبار والوصل.

وماذا عن حضور الجسد في خطاب التصوف من خلال ابن عربي؟

على مستوى خطاب ابن عربي، أتاح لنا مدخل المجاز، فهم وحدة الوجود فهماً أكثر اتساقاً وتعيّناً. فعلى سبيل المثال، يؤسس ابن عربي فهمه للعالم ووحدة الوجود من خلال مجاز (النكاح/ المحبة). ويشتغل هذا المجاز كأصل في خطابه تتخلق في رحمه بقية المجازات، لذلك تتداول في خطابه كلمات: تشتاق، تطلب، تمنح، تعطي، تسري، تتخلل، تشفق، ترغب، الهمّة، الولوج، الغَيرة، الحركة.

إن الحنين والشوق والحبّ والتوالج والنكاح والسريان هي المجازات التي يستخدمها ابن عربي لصياغة خطابه عن العالم الكبير، ومرجعيّة هذا المعجم تعود إلى العالم الصغير (المرأة والرجل). ليست المجازات الجنسية والعاطفية المعبّرة عن المشاركة بين الرجل والمرأة أو دلالاتها، عارضة في خطاب ابن عربي، بل هي مكوّن أصيل في خطابه، وهي تمثل جهاز رؤيته وتمثّله للكون وعلاقاته. هي مادة خطابه الميتافيزيقي عن الكون وعلاقة الإنسان فيه، وعن الإلوهية وعلاقتها بالخلق.

تولد الحقيقة من خلال عملية التوالج، هناك حقيقة واحدة تظهر في محال ممكنات كثيرة، تقبل أن تتفتّح صورها فيها، والقبول هنا هو إخراج ما في استعدادها. وتولد الحقيقة عن حركة الحب، والرغبة في التعرّف. ليس هناك حقيقة خارج التوالج. فالأشياء تكون في هذه الوحدة الوجودية من خلال تولدّها عن الحقّ وحركة حبّه "فثبت أن الحركة كانت للحب، فما ثَمّ حركة في الكون إلا وهي حبيّة" فصوص الحكم، ص204

هل تختلف طريقة صياغة المجاز لخطاب ابن عربي عن صياغته لخطاب إخوان الصفاء؟

لقد صاغ المجاز خطابي ابن عربي وإخوان الصفاء، إلا أن صياغته وتمثيله تختلف في الخطابين. هناك مجازات كلية عامة، كمجازات العالم الكبير والعالم الصغير، ومجازات المحبة والشوق، والإحاطة، والاحتواء، واعتبار العالم جسداً واحداً. تمثل هذه المجازات رؤية العصر الوسيط للعالم والإنسان والألوهية. لكن يختلف الخطابان في طريقة تمثّلهما لهذه المجازات. فخطاب ابن عربي يمتدُّ وينمو إلى حيث يعبر به المجاز، في حين يقف خطاب إخوان الصفاء بالمجاز عند الحدود التي انتهى إليها الخطاب الفلسفي السابق عليهم دون أن يتصرف فيه.

يقوم خطاب ابن عربي بتشغيل الطاقة المجازية القصوى للغة، ومدلولاتها الحسية، وسياقاتها التداولية، لصياغة مفاهيمه الصوفية والفلسفية والمعرفية، لذلك فخطابه يُمثِّل تركيبة شديدة التعقيد.

إن مجازات إخوان الصفاء كانت أقرب إلى أن تقوم بمهمة توضيح الأشياء، في حين أن مجازات ابن عربي كانت مهمتها تقليب وجوه الأشياء. مجازات خطاب ابن عربي تُعبُر مفاهيم الخطاب الفلسفي والصوفي المتداولة وتشتق لها طرقاً جديدة، وتصوغ مفاهيم مبتكرة وتنشئ عوالم عابرة.

في رحيل أركون

 

في رحيل أركون

الظاهرة الأركونيّة إشعار بلزوم قراءة التراث بكل الطرق والمنهجيّات المتاحة

http://www.alwasatnews.com/2939/news/read/475928/1.html

الوسط - محرر فضاءات

رحل أركون في حلكة من الوقت لملمت معه مجموعة من المفكرين من ربقته في الاشتغال على العقل والتجديد ولعل خصوصية أركون فيما بينهم هو إلحاحه الشديد في مجمل كتاباته على إعادة التفكير في النصوص المؤسسة وفك العقل من الارتهان لتاريخية التأويل، والإمعان في التحريض على الاشتغال في النصوص بآليات حديثة.

وفي هذا التحقيق توقفنا مع أربعة قارئين لاشتغالات أركون إذ رأى أستاذ النقد والدراسات بجامعة البحرين عبدالقادر فيدوح أن غياب أركون خسارة للفكر العربي، فيما خصص الناقد علي الديري مداخلته للكلام عن أركون بوصفه صديقاً، أما أستاذة النقد والدراسات بجامعة البحرين فحذرت المتلقي من الوقوع في سطوة الكارزما المتعالية حين قراءة أركون، في حين انتهز الباحث نادر المتروك لحظة رحيل أركون للإشارة إلى لزوم قراءة التراث بكلّ الطرق والمنهجيّات المتاحة.


فيدوح: غياب أركون خسارة للفكر العربي

في البداية تحدث أستاذ النقد والدراسات الأدبية بجامعة البحرين عبد القادر فيدوح حول مشروع أركون فأشار إلى أن المرحوم محمد أركون ـ العالم الفذ ـ أحدث بمشروعه الفكري صخبا مدويا، ناتجاً من أفكاره المستنيرة، بعد أن ترأس قاطرة الوعي العربي الحديث في شقه التنويري بدراساته التي أطلق على منهجيتها «الإسلاميات التطبيقية». وإذا كنا فقدنا المغفور له فإن لمريديه، وأنصار الفكر التنويري، مسئولية القبض على شِدة إرادته، والحرص على مطلوبه.

وأضاف فيدوح: أما بخصوص مكانة مشاريع أركون في ضوء مشاريع الآخرين، أعتقد أن جميع المشاريع التنويرية على مستوى الفكر العالمي حزينة لهذا الفقد، بغض النظر عن دواعي الائتلاف أو الاختلاف مع مشروعه الريادي الذي غلب عليه طابع التحليل الاستفزازي، المثمر، والمحرك للوعي العربي على وجه الخصوص.

فهو إلى جانب بقية المشاريع الأخرى يُعدُّ نقلة نوعية، ومدونة فكرية تستحق التقدير حتى في حال الاختلاف معه وفي كثير من تأويلاته المثيرة للجدل، والمفزعة في الآن نفسه لدى الكثير من الآراء المعارضة لمبادئه.

وحول أهم مقولات أركون الفكرية وإضافاته : أشار فيدوح إلى إن كل ما قاله أركون مثير للجدل، ولعل جميع آرائه تصب في مقولة «النقد والاجتهاد» وهي المدونة التي بنى عليها أفكاره في سياق معظم كتبه مثل: (تاريخيّة الفكر العربي الإسلاميّ أو نقد العقل الإسلاميّ)، (الفكر الإسلاميّ: نقد واجتهاد)، (من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلاميّ)، (قضايا في نقد العقل الدينيّ: كيف نفهم الإسلام اليوم؟) وسوف تظل آراؤه النيرة ومساعيه المضنية شاهدة عليه، ولا يمكن أن تحجب عنه وِسْعَ طاقته العظيمة، وريادته الهادفة إلى غاية تفعيل العقل.

أما بخصوص خصوم أركون فأجاب: «لا أدري إذا جاز لي أن أقول ـ في حدود معلوماتي البسيطة ـ أنه لا يوجد خصوم حقيقيون لأركون؛ لأن المنازلة بينه وبين غيره غير متكافئة، بمفهوم منازلة الفارس لنده، ولكن أستطيع أن أسوغ لنفسي القول إن هناك منازعين له فكرياً».

002


الديري: أمشي مع أركون بوصفه صديقاً

في بداية مداخلته أشار الناقد علي الديري أن الموت أعدل الأشياء بين البشر وأفدحها وأوقحها، لا ينتظر حتى اللحظة المناسبة، ولا يسمح لنا حتى باختيار اللحظة المناسبة لإيصال خبر وقعه. هذا ما خطر لي لحظة تلقي خبر رحيل الصديق المفكر محمد أركون، وأنا على أعتاب أيام من مناقشة أطروحتي للدكتوراه حول تشكيل المجازات للخطاب الفلسفي والصوفي.

لقد قلت الصديق أركون لا لأحيل إلى علاقتي الشخصية معه، بل لأشير إلى الصداقة بوصفها مفهوماً يجمع المشتغلين بحب الحقيقة والبحث عنها والتنقيب عن آثارها بين ركام التاريخ وأحداثه السياسية والاجتماعية والدينية. وقد كان أركون في مقدمة هؤلاء المنقبين والمحتفين بالصداقة من خلال إحالاته الأثيرة إلى الخطاب الفلسفي اليوناني الذي بلور هذا المفهوم واشتق منه مفهوم الفلسفة (الفيلياphilia)، ومن خلال إحالاته الحميمية إلى صديقه أبوحيان التوحيد الذي أنجز أطروحته للدكتوراه حوله وحول جيل الإنسان الذي جاء في سياقه. حين قدمته في زيارته الثانية للبحرين قلت: سألني بعضهم ما الفرق بين علاقتك بالفقيه سابقاً وعلاقتك بأركون حالياً؟ قلت: علاقتي بالفقيه كانت علاقة ولاء، وعلاقتي بأركون علاقة صداقة. أركون يمكنك أن تمشي معه، والفقيه لا يمكنك أن تمشي إلا خلفه.

أن تفقد صديقاً في لحظة حميمة تود أن يفرح فيها معك، ليس لأنك أنجزت شهادة أكاديمية، بل لأنك أنجزت بتأثيره تنقيباً في خطاب من خطابات تراثنا الغزير الملتبس علينا قبل غيرنا. أعرف صداقتي مع أركون لن يحققها التقائي به بل يحققها هذا التنقيب، فالصداقة في المجتمع الفلسفي تتحقق بالمشاركة في البحث عن المفهوم والحقيقة التي تتبدى في أشكال مفهومية لا حدّ لها.

الصداقة تقتضي الحميمة، وهذه تجعل الباحث عن الحقيقة ومفاهيمها في خطاب المجتمع، منخرط في الواقع وتشابكاته، بحرارة ومسئولية، بعيداً عن برودة الرطانة الأكاديمية، لذلك شغل أركون مقاعد الجامعات وأرصفة الشوارع.

وأضاف الديري: يمكنني أن أقول بدافع الوفاء لهذه الصداقة إن اللحظة الأولى التي شكّلت منعطفي نحو موضوع أطروحة الدكتوراه هي لحظة أركونية بامتياز. وهي تعود إلى قراءتي لكتابه (تاريخية الفكر العربي الإسلامي) حين أشار إلى أن المجاز في الأدبيات الخاصة بالإعجاز قد درس كثيراً بصفته أداة أدبية لإغناء الأسلوب في القرآن وتجميله، ولكنه لم يُدرس أبدا في بعده الأبستمولوجي بصفته محلاً ووسيلة لكل التحويرات الشعرية والدينية والإيديولوجية التي تصيب الواقع. وفي كتابه (الفكر الأصولي واستحالة التأصيل) أشار إلى هذا النقص الذي نعاني منه في دراسة المجاز بهذا المنظور، وهو غير منظور الجرجاني والباقلاني وفخر الدين الرازي والسكاكي وكل تلك الأدبيات الهائلة التي كتبت عن الإعجاز.

ذهبت إلى مجازات إخوان الصفاء وابن عربي، بمنظور أركوني، وبروح صداقته مع التوحيدي، فصار ابن عربي صديقي الحميم الذي أحمل معه حيرته الإنسانية كلما فكّر في الكون والإله والإنسان. وصار إخوان الصفاء أصدقائي الذين أتأّله معهم كلما فكرّت في الفلسفة باعتبارها طاقة الإنسان في التشّبه بالمطلق.


الكعبي: ينبغي أن يقرأ أركون بحذر حتى لايقع المتلقي في سطوة الخطاب المتعالي الكارزمي.

في بداية مداخلتها أشارت أستاذة النقد والدراسات بجامعة البحرين ضياء الكعبي إلى أن أركون المفكر الجزائري الفرنسي الجنسية يعد واحداً من أبرز المفكرين العرب الذين تصدوا لمهمة التنقيب والحفر في العقل الإسلامي ونقد العقل التشريعي بجرأة وشجاعة كبيرة أحسب أن مصدرها كون أركون يستند إلى المؤسسات الأكاديمية والدوائر الثقافية الغربية ويجد في ملاذها الحرية التي تحميه وتتيح له التعبير والبحث كما يريد ومن هنا كانت صولاته وجولاته في المحاضرات الكثيرة التي جاب فيها أقطار العالم الإسلامي من إندونيسيا إلى الخليج العربي للتبشير بمشروعه الفكري. وقد أخضع أركون نصوص الثقافة العربية الإسلامية للفحص النقدي والتفكيك المعرفي، مستعيناً بأدوات ومعطيات منهجية إنسانية حديثة كاللسانيات والإبستمولوجيا والسيميولوجيا والانتربولوجيا وعلم الأديان المقارن.

وأضافت الكعبي لقد شكل «كونه مع محمد عابد الجابري وحسن حنفي والطيب تيزيني عبدالله العروي وأومليل طائفة من الباحثين العرب الذين أرادوا تفكيك بنية العقل العربي والإسلامي وإن اختلفت مقارباتهم ومرجعياتهم المنهجية. ناهيك عن تأثره الكبير بالتراث العقلاني للمفكرين و للفلاسفة المسلمين كأبي حيان التوحيدي وابن رشد وطه حسين.

وحول نقدها لأركون أضافت الكعبي: ورغم اعتراضي الكبير على ما أسماه أركون بتاريخية الخطاب القرآني في مشروعه عن الإسلاميات التطبيقية حيث أراد تطبيق منهجيات العلوم الإنسانية على القرآن الكريم شأنه في ذلك شأن أي نص بشري دون النظر إلى مصدره الإلهي وإعجازه القرآني فإني أقدر له دعوته إلى إعمال العقل في النصوص التراثية وإعجابه الشديد بالمعتزلة أصحاب التراث العقلاني في الإسلام ودعوته إلى إعادة دراسة مأثوراتهم وإرثهم وتطبيقه بما في ذلك إعادة المجالس الثقافية التي مثل لها بمجلس أبي حيان التوحيدي مع أبي سليمان المنطقي في كتاب الإمتاع والمؤانسة بمقابساته الأدبية والعقلية. وأحسب أن أركون عمق خطابه بين طائفة من مريديه ولكن خطابه ينبغي أن يقرأ بحذر شديد حتى لايقع المتلقي في فخ سطوة الخطاب المتعالي الكارزمي. ولذا فإن هذا الخطاب يجب أن يدرس دراسة علمية نقدية وليس قراءة انطباعية انبهارية تقديسية فأركون نفسه كان يريد التحرر من سلطة المقدس الديني كما صرح بذلك في عدد من اللقاءات الفكرية.

وخلصت الكعبي إلى أنه لاشك أن مشروع أركون الطويل في دراسة العقل الإسلامي بمعطيات غير مألوفة لدى عدد من الباحثين العرب والمسلمين قد أثارت عليه ردود فعل عنيفة طالب بعضها بتكفيره واتهامه بالنزعة التغريبية وبالاستلاب الثقافي. وربما كان أركون نفسه بفرضه خطاباً من طرف واحد سبباً في هذه العدائية؛ فخطابه يحمل قدراً من التطرف الفكري في محاضراته التي لا تقبل الحوارية أصلا. والآن بعد وفاته ينبغي أن يدرس خطابه كما ذكرت سابقاً بقدر من العقلانية والحوار النقدي بعيدا عن التقديس أو الإقصاء. ولاشك أن الدوائر الأكاديمية العربية ينبغي أن تناقش مشروعه الآن بعد اكتماله بوفاة صاحبه.


المتروك: رحيل أركون إشعار بلزوم قراءة التراث بمختلف المنهجيّات المتاحة.

وفي مداخلته أكد الكاتب والباحث نادر المتروك أن محمد أركون استطاع أن يُعيد صياغة أسئلة العقلانيّة الإسلاميّة بما يتناسب مع معضلة المسلمين المعاصرين. هذا الجهد لم يستأثر به أركون، بل أسْهم فيه آخرون أيضاً، إلا أنّ ميزة الإسهام الأركوني قدرته الحيويّة، والمتدفّقة، على تشجيع التفكير النّقدي داخل أوساط التقليديّة الإسلاميّة، ونجاحه في تعميم ظواهر «الخروج» من العقل الجمعي الإسلامي، أو الحسّ المشترك، والتحفيز على إعادة قراءة الذّات الكبرى بين تلك الأجيال التي تربّت على فكر الصّحوة والتعليم الدّيني القديم.

وأضاف المتروك وعلى خلاف الكثيرين، فإنّ أركون - ومثله الرّاحل نصر حامد أبو زيد- كان أشبه بالظاهرة الحتمية في مثل تلك الظروف التي يخلو/يخبو فيها الإصلاح الدّيني. على هذا النّحو، ستكون الظاهرة الأركونيّة - وبعد رحيل شخص أركون - إشعاراً بلزوم قراءة التراث بكلّ الطرق والمنهجيّات المتاحة، وبما يؤدّي إلى تحقيق التاريخانيّة الوظيفيّة التي تمثّل جوهر المشروع الأركوني، حيث كان يسعى لإعادة التموْضع التّاريخي للنصوص المؤسِّسة، وبالتّالي تأكيد ملازمتها للحدود الثقافيّة التي نشأت فيها وانطلاقاً منها، من غير أن يُغْفِل المدخل الانتروبولوجي والاستفادة الميثولوجيّة وتعدّديّة المنهج القرائي، وهي الملامح التي وفّرت خصوصيّة فارقة في القراءة الأركونيّة للنصّ الإسلامي المؤسِّس، القرآن الكريم، وأتاحت له استحضار المعاني الروحيّة والأخلاقيّة في صُلب المساجلة العلمانيّة.

وحول نقد مشروع أركون أشار المتروك إلى أنه من اللافت أنّ أركون كان محاطاً بنقودٍ متعدِّدة الجهات، فإضافة إلى السّلفيين والمؤدلجين، فإن مستشرقين وملحدين ومفكّرين عرب وأجانب اشتبكوا مع أركون شخصاً وفكراً ومواقف، حتّى بدا أن الرّجل اضطرّ كلّ إطلالةٍ لتوضيح أفكاره والدّفاع عنها. الوظيفيّة المركّبة التي تُميّز «الإسلاميّات التطبيقيّة» وفّرت ضمان التأسيس النقدي على أرضية الاحترام الدّيني، وهي علامة حافظ عليها أركون في مختلف كتبه، بما فيها تلك التي ارتكزت على الوضوح في نزْع الاعتبار الشّعائري للنصّ الإسلامي المقدّس، وإحاطته بالمعنى الميثولوجي من جهة، وإثبات توّرطه، أو توريط الآخرين له في الاستعمالات الأيديولوجيّة من جهةٍ أخرى.

صحيفة الوسط البحرينية - العدد 2939 - الخميس 23 سبتمبر 2010م الموافق 14 شوال 1431هـ