مشروطية النائيني1

تحرير الأمة السوداء

tanbih2

يروي آية الله المحقق النائيني في كتابه (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) أنه رأى قبل عدة ليال في الرؤيا، المرحوم آية الله ميرزا حسن خليل الطهراني أحد المراجع البارزين الذين أيدوا الحركة الدستورية وكان قد توفي 1908م.

فسأله ” ماذا قال الإمام الحجة فيما يختص بمواقفكم إزاء المسألة الدستورية؟ فكان ملخص قول الإمام الحجة (عج) هو أن الدستورية اسم جديد لموضوع قديم، ثم أورد مثالاُ بهذا الخصوص لا تسعفني ذاكرتي باستحضاره، ثم قال المرحوم الميرزا الطهراني لقد قال الإمام (عليه السلام): إن مثل الدستورية مثل تلك الأمة السوداء التي تلوثت يدها فأجبروها على غسلها” [1]

ويفسرّ النائيني مجاز الإمام الحجة على النحو التالي: “ولا شك أن المثال الذي أورده الإمام (عج) مطابق للواقع تمامًا، فهو سهل وممتنع في آن واحد، ولم يكن ليخطر ببال أحد، وهناك قرائن عديدة يمكن القطع من خلالها بصحة هذه الرؤيا وصدقها، منها سواد الجارية حيث تدل دلالة واضحة على مغصوبية أصل التصدي، وأما تلوث اليد ففيه إشارة إلى الغصب المضاعف، وحيث كانت الدستورية مزيلة له، لذا شبهها الإمام المنتظر (عج) بأنها عملية غسل وتنظيف ليد المتصدي الغاصب من القذارة التي عرضت عليها”[2]

يورد توفيق السيف في هامش ترجمته لرسالة النائيني التعليق التالي “هذا ما يؤخذ على المصنف نور الله ضريحه، فلم يكن مناسباً للمقام الاستدلال بالأحلام أو التعويل على ما لم يثبت بالدليل القاطع والبرهان الساطع، لا سيما في مثل هذا الموضع من مواضع الاختلاف، كيف وهو من هو في قوة الحجة وعمق الفكرة وصفاء الرؤية”[3]ص287

لا شك أن هامش تعليق توفيق سيف له وجاهته، لكن لاستدلال النائيني وجاهته أيضاً ودلالته، فرؤية الإمام المهدي في الأحلام مألوفة في الثقافة الشيعية ولها وظائفها الإقناعية ومفاعيلها الاطمئنانية، ومهما كانت الحجج الأصولية التي برع النائيني في صياغتها لصالح الانتصار لفكرة المشروطية (الدستورية) لا يمكنها أن تؤدي في الجمهور المنقسم في ذلك الوقت، ما تؤديه هذه الرؤية ومجازها.

من جانب آخر يبدو أن هامش توفيق السيف وهو في مقام الاحتفاء باللغة الأصولية، لم يلتفت إلى الرؤية التي تحملها هذه الرؤيا (الحلم) فلبّ الحلم كان يكمن في المجاز الذي استخدمه الإمام الحجة (إن مثل الدستورية مثل تلك الأمة السوداء التي تلوثت يدها فأجبروها على غسلها)، فهذا المجاز يستطيع أن يرينا بوضوح وبساطة وكثافة ما لا تستطيع أن ترينا إياه حجج النائيني الأصولية والعقلية.

ويكاد يكون استخدام المجاز على نجو أثير من أجل الرؤية، وليس من أجل الزخرف اللفظي، سمة من سمات الثقافة الإيرانية، والنائيني كتب كتابه باللغة الفارسية وطبعه ونشره وأحرقه في النجف، إن استخدام المجاز في الثقافة الإيرانية تجده يتجلى في الخطابات السياسية وخطابات الوعاظ والمفكرين وعلماء الدين والفلاسفة والمثقفين، تجده في خطابات علي شريعتي وعبدالكريم سروش ومرتضى مطهري وعبدالحسين دستغيب ومحمد صادق الحسيني. لا يكاد يخلو خطاب في هذه الثقافة من مجاز رؤية، وربما تكون السجادة الإيرانية بجمالها وتركيبها المعقد من أكثر المصادر قدرة على توليد المجازات.

الأمر الآخر الذي فات هامش توفيق السيف، هو أن موضع الاختلاف الذي كان أحد ثماره هذا الكتاب، متصل أشد الاتصال بالإمام المهدي، فالذين عارضوا انتصار النائيني لفكرة الحكومة الدستورية (المشروطة) كانت حجتهم الإمام المهدي، فلا يجوز للفقيه أن يُشرّع لأي سلطة أو أن يقيمها أو أن يمارسها أو يتعاطى معها في غيبة الإمام المهدي، وكل سلطة في هذه الغيبة تعتبر في نظرهم اغتصاباً لذلك فهي غير شرعية. الشرعي هو أن تمارس انتظارك.

ومادامت حجة الخصم تستند إلى الإمام المهدي فلا بد للخصم المقابل من أن يستنطق الإمام المهدي، ليمنحه الشرعية أو ما يدل عليها أو ما يعزز من حجته الأصولية.وقراءة خطاب النائيني في ضوء ما يرينا إياه هذا المجاز، ستكشف لنا أن النائيني قد استند إلى هذه الرؤية/المجاز، في صياغة حججه العقلية الأصولية في كتابه (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) فهو تنبيه للأمة لهذه الرؤية التي يحملها مفهوم المشروطية والمعبر عنه في مجاز النائيني بغسل يد الأمة السوداء، وتنزيه للملة من تهمة الغصبية، أي من أن تكون الملة التي قالت بالحكومة المشروطية أو الدستورية قد اغتصبت حق الإمام الغائب.

كل سلطة لا يقيمها الإمام الغائب أَمَة سوداء حتى لو كان القائم عليها فقيها أو مجلس فقهاء، فليس للفقيه أن يتولى أمر السلطة أو الدولة دون الإمام، وهو إن فعل ذلك يكون قد اغتصب حق الإمام، وعليه فكل السلطات الحاكمة مغتصبة وغير شرعية، لكن ذلك لا يعني محاربتها، لكن يعني عدم التعاطي معها أو إعطائها الشرعية، وهذا ما يؤكده الشريف المرتضى في كتابه (الشافي في الإمامة) يقول “ليس علينا إقامة الأمراء إذا كان الإمام مغلوباً كما لا يجب علينا إقامة الإمام في الأصل…ليس إقامة الإمام واختياره من فروضنا فيلزمنا إقامته. ولا نحن المخاطبون بإقامة الحدود فيلزمنا الذم بتضييعها لأنه إن ادعى ذلك كان مدعيا نفس المسألة”[4]

ظل مفهوم إقامة الإمامة يعني إقامة السلطة والدولة، وهذا ما شغل المرجعية وحدد مسار عملها. إن تحديث هذا المفهوم سيغير وظيفة المرجعية وسيغير مفهومها للدولة والسلطة، وقد كان جهد النائيني استثنائياً في هذا المجال، لقد حرر يدّ الأمة السوداء وأعطى لهذا التحرير مشروعية تعادل تقريبا مشروعية تحرير العبيد التي أعطاه العصر الحديث لحقوق الإنسان.فما الذي فعله النائيني؟ وكيف حرر يد السلطة السياسية(الأمة) من لوثة الغصبية؟ وهل يمكن أن نحرر جسد الأمة السوداء تحريرا كاملاً؟ وما تأثير هذا التحرير على مفهومنا للدولة والإمامة؟ هذا ما سأحاول الإجابة عليه في الحلقات القادمة..

الهوامش

[1]، [2] تنبيه الأمة وتنزيه المللة،المحقق النائيني، تعريب عبدالحسين آل نجف، ص136

في ترجمة توفيق السيف: “المشروطة مثل أمة سوداء مملوكة يدها قذرة، فتطهر بغسل يدها”

[3] ضد الاستبداد: قراءة في رسالة “تنبيه الأمة وتنزيه المللة” لشيخ الإسلام الميرزا محمد حسين الغروي النائيني، توفيق السيف.ص287.

[4] الشافي في الإمامة، الشريف المرتضى، ص112،114. وانظر توفيق السيف،ص28.