ليلة حفلة بشار زرقان: حلاج الوقت

11162211_10205297075200590_4842061719451558954_n.jpg

 

هو الوقت ما شغل الصوفية ويشغل بشار. كيف أجعل هذا التراث الصوفي حاضرا في الوقت. تلك مهمة إبداعية تحتاج تطويع الوتر والدف والصوت واللحن والأذن.

ليلتها لم نذهب للتاريخ وزواياه. كان حاضرا على الوقت فوق منصة بابل. كان بشار يدلل آذننا كل الوقت. كل أحداث الوقت كانت حاضرة لحظتها.

ما في الجبة أحد. ليست جبة الصوفي بقدر ما هي جبة الوقت. لا أحد في زماننا العربي خارج الموت. كلنا في جبته،  كل عربي مكتظ به، يواجهه منفردا. كان بشار يغني علينا أكثر مما كان يغني لنا.

الواحد وصفاته الله وتجلياته في الوقت والمكان هي قضايا المتصوفة والمتكلمين، وهي مدار الصراعات الكلامية معطوفة على السياسة في حضارتنا. ما بقي منها نشهده في ساحات الموت الممتدة من المحيط للخليج. وما رشح من جمالياتها كان فوق مسرح بشار.

كنت شخصيا مأزوما وأنا أشتغل على كتابي الغارق في نصوص التوحش التي أكلت في حضارتنا لحوم البشر وجلود الكتب. كنت بحاجة لتلويحات نصوص الحب والعشق التي أكلتها نصوص التوحش.

يبقى لوّابا في الجبة، هو شيطان التكفير. يلوب ككبش أملح على كل جميل، يطوّح برأسه ويغتصب عفته.

الذين حاربوا هذه النصوص الجميلة في تراثنا هم آباء سلالة حاملو حراب الرؤوس المجزة. هم أبناء وقتهم، كما نحن أبناء وقت الحلاج. هم مكتظون بنصوص التوحش ونحن مكتظون بنصوص التأّله، نصوص الإله المتجلي في كتير من الصور الدنيوية، ظللت ليلتها أسمع هذه التجليات تخرج لي من كمنجات الحلاج ودف ابن عربي وناي ابن الفارض وقانون ابن سبعين وحنجرة بشار وأصوات الكورال.

استعدت ليلتها ابن سبعين وهو يكتب (بُدّ العارف) وعسعس فقهاء الولاة تلاحقه من سبته إلى غرناطة إلى وهران إلى مكة. استعدت نصوص أخوان الصفا، وهي تتحدث بحماس عن التأَلُّه والتفلسف وفق نسب العود الشريفة (انظر رسالة العود في موسوعة أخوان الصفا) كيف تحاول قدر طاقتها أن تتشبه بكمال الإله وجماله عبر آلة العود وموسيقاها.
ليلتها تخيلت كل هؤلاء المتصوفة والفلاسفة يعزفون نوتاتهم الموسيقية فوق مسرح بابل وبشار يغني نصوصهم الجميلة المكتظة بالإنسانية.