الحاج عيسى بن عبدالله مطر

جردية الوقت

الحاج عيسى مطر هو عم والدي وأخو جدي، وكان لفرط حبنا لروحه المشرقة دوماً بحب الناس، ندعوه جدنا. حين تقول والدتي صباح عبدالحسين طرار أن جدك حجي عيسى يسأل عنك، أعرف حينها أن عتب المحب ينتظرني، توفي صباح الاثنين18سبتمبر2006. حين أخبرني الوالد بوفاته، عرفت حينها أن جملة أمي لم تكن تريدني فقط أن أحقق وصلاً بجدي، لكنها كانت تريدني أيضاً أن أحقق وصلاً بتاريخه المديد، كانت تريدني أن أكون شاهداً على حياته، كي أرويها.

الحاج عيسى مطر

كان حتى الأول من أمس يدخن (نارجيلته) التي احتفلت قبل بضع سنوات بيوبيلها الذهبي، فيما كان يحتفل هو بعيده المائة، ظل وفياً لها ولم تخنه أبداً على الرغم من وشاية الأطباء بها.

في وثيقة سفره الحمراء، هو من مواليد 1905، وفي ذاكرته الندية الطراوة والشديدة التوهج والحضور حتى مساء الأمس هو من مواليد 1320هـ. وما بين الوثيقة والذاكرة روايات عدة، بعضها يقول 1901، وبعضها تقول أكثر 10 سنوات من أخته تقية التي ما زالت حية ترزق بذاكرة أضعف 10سنوات من أخيها، ما زالت تقية تروي تاريخ قرية الدير لكنها لم تعد تدرس القرآن لأهل القرية الذين يدينون لها رجالاً ونساء بتعلم القرآن وحفظ المنتخب الطريحي.

غير أن الحاج عيسى مطر لم يكن قد تعلم القرآن في قرية الدير، فقد أرسله النوخذة أبوه الحاج عبدالله بن عيسى (توفي 1963) أحد وجهاء القرية إلى المحرق حيث فريق الحياك، كان ينتظره هناك في بيت منصور بن نايم رفيقه جاسم بن منصور بن نايم، هناك كان الملا محمد الإحسائي يدرس القرآن والخط العربي. ستتطور هذه الرفقة إلى صداقة تفضي بهما إلى امتهان الطواشة (شراء وبيع اللؤلؤ). ومن كرسي القرآن ينتقلان معاً إلى كرسي قهوة بن حمدان في المحرق المكان الذي اشتهر بتجمع تجار اللؤلؤ فيه.

ما زال حفيده حسين مطر يتذكر رواية والدته التي لا تكف عن سرد صورة بشت أبيها الذي يتأبطه صباحاً وهو يهم بالخروج إلى عمله من قرية الدير إلى المحرق.كان ذلك قبل أن يكسد سوق اللؤلؤ الذي أفضى بالحاج عيسى إلى أن يشتغل في تجارة المواد الغذائية إلى جانب بيع الأدوية والمستلزمات الصحية، وقد وطد هذا الاشتغال علاقاته بتجار (القراشية) بالمحرق.

ظل مديناً إلى الملا أحمد الإحسائي بخطه الجميل الذي كان يسجل به الديون المستحقة لوالده، كما أنه كان فيما يقول ابن أخيه الحاج أحمد محتفظاً بقيد واضح الخط، كان يسجل فيه مديونيات تجارته وحساباتها وأرباحها.

في منتصف الستينيات يفقد الحاج عيسى بصره تدريجياً حتى لم يعد يرى شيئاً، تلقى علاجاً تحت إشراف الدكتور سنو(snow)البريطاني المشهور في مستشفى النعيم، وذهب في رحلة علاج إلى الهند وإلى شيراز، غير أن رحلة بصره نحو الظلام كانت أسرع مرات من رحلته نحو النور. فقد بصره كلية، فصارت بصيرته أشد توهجاً، يعرف بها الأصوات والأشخاص ويروي بها تاريخه الطويل وتاريخ المكان الأكثر طولاً.

يحفظ جيداً تاريخ سنة الطبعة 1925ويحفظ أحداثها ولا يمل يعيد سردها، كأنها الحدث الأكثر عنفاً في تاريخه الطويل، يومها لم يكن في البحر، لكنه كان يستقبل فاجعة البر، ويبدو أنه يصدر في سرده من أصداء هذه الفاجعة، والحدث الثاني الشديد الحضور في سرده، هو ما يُعرف شعبياً بسنة المجاعة، وهي تقع ضمن سنوات الحرب العالمية الثانية، كانت له أياد كريمة على فقراء أهل قريته في هذه السنة، وقد تولى رعاية مأتم محمد علي (المأتم الشمالي) في هذه السنوات، وأحضر من البصرة الخطيب سيد محمد السويحي.

يروي بشيء من العتب والحسرة، العرض الذي رفضه أبوه الحاج عبدالله بن عيسى، كانت علاقته جيدة بشيوخ آل خليفة الذين كانوا يصيفون على أطراف قرية الدير، وقد عرضوا عليه تملك بعضا من الأراضي في القرية، إلا أنه ظل متردداً أو رافضاً أو مهملاً، ليس في سرد الحاج عيسى ما يوضح هذا الأمر.

يقول حفيد ابن أخيه كنت أغيب عنه الأشهر، لكن لم تكن ذبذبات صوتي تغيب عن ذاكرته الطرية، بمجرد أن أبادله التحية يبادلني التعريف بي، وكأنه يقول لي ما زالت ذاكرتي قادرة على العتب، فلا تغب كثيراً فأأعتب أكثر. كانت تحرجني ذاكرته لأنها تتذكر جيداً تاريخ غيابي الطويل عنه، وتتذكر جيداً الأشخاص الذين تحملهم السؤال والسلام والرجاء، كان يرجو زيارتي لكني كنت أرجئ عيادته، اليوم أنا أكثر رجاء منه، أكثر رجاء أن يغفر لي هذا الغياب.

منذ فقد الحاج عيسى بصره، وهو دائم السؤال عن الوقت، دائم السؤال عن الساعة، كأنه كان ينتظر شيئاً يأتي، فهل كان قد جاء أمس جواب الوقت؟!!