الديري في جديده «طوق الخطاب»

 

مَنْ يفتح نص الحب يفتح كلّ النصوص

الوسط: عادل الجمري

العدد 1854   الخميس 4 اكتوبر 2007 الموافق  22 رمضان 1428 هــ


http://www.alwasatnews.com/newspager_pages/ViewDetails.aspx?news_id=80326&news_type=FDT&writer_code=

صدر للكاتب البحرين علي الديري إصدار جديد بعنوان «طوق الخطاب – دراسة في ظاهرية ابن حزم»، ويأتي الإصدار ضمن برنامج النشر المشترك بين مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة والمؤسسة العربية للدراسات والنشر.

123

وفي تقديم الديري لإصداره الجديد، يقول: «فيما نحن نتداول ترجمة قريبة من عنوان هذا الكتاب، سألتني الصديقة المترجمة العراقية خالدة حامد: هل الطوق هنا بمعنى القيد أم القدرة؟

حرّك فيّ السؤال معنى يتعلق بشيء يشبه التناقض في شخصية ابن حزم، وجدت في السؤال فرصة لتقديم جواب يريح حدّة هذا التناقض، أو يجعل منها أقرب للمفارقة؛ أي أنْ تكون حدّة ما كان يعتمل في داخلي حول شخصية ابن حزم، حدّة مفارقة لا حدّة تناقض. وربما يكون في اختياري لكلمة طوق هنا ما يشي بهذه المفارقة التي تستدعي كتاب ابن حزم الأشهر (طوق الحمامة).

فهناك الطوق علامة جمالية، ولديها القدرة على التعبير عن جمال الإنسان حين يُطوِّق بقيد الحب، وفيها يبدو ابن حزم فاتحاً أبواب الحب على أوسع طاقاته الإنسانية. أمّا (طوق الخطاب) فيبدو هنا مجموعة من القوانين المقيّدة لطاقات معنى النص وقدرته على إعطاء معنى متعدد.

كيف يكون إذاً صاحب طوق الحمامة هو نفسه صاحب طوق الخطاب؟ مَنْ يفتح نص الحب يفتح كلّ النصوص، فكيف فتح طوق الحمامة نص الحب؟ وكيف قيّد طوق الخطاب نص الفقه؟

الجواب يحتاج منّا أنْ نفهم الطوق على جهة أنه قيد وقدرة، وحدّ وطاقة، وضيق وسعة، والمعطيات المعجمية، تعزز من معاني هذه الجهة، «الطَّوْقُ ما استدار بالشيء… ودِدْت أَنِّي طُوِّقْتُ ذلك أي ليته جُعِل داخلاً في طاقَتي وقدرتي، والطَّوْقُ: الطَّاقةُ. وقد طاقَه طَوْقاً وأَطاقَه إِطاقةً وأَطاقَ عليه، والاسم الطَّاقةُ… وهو في طَوْقي أَي في وَسْعي»

الطوق بقدر ما يُحكم المعنى المتعدد، فإنه يُظهر معنى واحداً، فهو طوق معنى ما. وهذا المعنى يظهر بقدر طاقة قارئ ما، وكل قارئ يذهب إلى النص بطوقه أو طاقته، وكانت الفلسفة تعني عند أخوان الصفاء «التشبه بالإله بقدر الطاقة»، وفلسفتهم كانت طوق طاقتهم التي يظهرون من خلالها معاني الله في نفوسهم.

لقد كان غرض هذا البحث دراسة ظاهرية ابن حزم بما هي طوق، أي بما هي مجموعة قوانين تُطوّق الخطاب بقوتها لإظهار معنى ما، وكما الإطار يُظهر معنى الصورة ويحدّه ويُحكمه، كذلك طوق الخطاب، يحدّ الخطاب بإحكام كي لا يتسرب إليه معنى من الخارج لا يعطيه الخطاب أو لا يظهره الخطاب. وقد كان العنوان الأولي لهذه الدراسة مترجِّحاً بين العناوين التالية: قوانين تفسير الخطاب، أو أصول تفسير الخطاب، أو قوانين بيان الخطاب، أو قوانين الظهور أو قوانين الإجمال والتفصيل والخصوص والعموم والاستثناء والتعارض والنسخ والنقل ودليل الخطاب والاقتضاء.

بهذه الأصول أو القوانين كان ابن حزم يُطوّق الخطاب أو معنى الخطاب بإحكام، وهذا المعنى حاضر في عنوان كتابه (الإحكام في أصول الأحكام). بهذه الأصول التي تُطوِّق الخطاب بإحكام قوتها، يشبه الخطاب المُطَوَّق الحمامة المُطَوَّقةُ وهي التي في عنقها طَوْقٌ. تلك الطوق يكسبها جمالاً وذلك الطوق يُكسبه معنى.

ما استدار بالخطاب (الطوق) من قوانين وأصول، تحول دون تسرب المعنى الخارجي الذي لا يعطيه النص، يحدد وسع النص وطاقته على القول والعطاء، ويحدد نطاقه ونطقه، وظاهرية ابن حزم تنص على أن «النص لا يعطيك إلا ما فيه».

ومفهوم النطق عند ابن حزم يدل على التصرف في العلوم والصناعة وفق قواعد منطقية ولغوية. وطاقة (طوق) الخطاب على العطاء والقول وما يتسع له من معنى، يتحدد بطوق الخطاب، والطوق صناعة أو علم (تصرف) يصنعه القارئ لإظهار معنى النص أو عطاء النص. وبهذا المعنى فأصول الفقه التي يعد كتاب ابن حزم (الإحكام في أصول الأحكام) من أمهاتها، هو علم قراءة الخطاب، وهو كي يتمكن من قراءته، فإنه يُطوِّقه بقدر مقاسه، فيكون معنى النص بقدر طاقته وقدرته. بهذا يكون ابن حزم قد قدّم لنا بقدر طاقته طوقاً ينجينا من الفوضى الدلالية ومن استغلاق المعنى، طوقاً يسعفنا لقراءة النص قراءة صحيحة وفق منهجيته الظاهرية. بهذا يكون ابن حزم قارئاً فذاً بقدرته على تطويق علامات الحب، وبطاقته على تطويق معنى الخطاب، وإنْ كان في الطوق الأول أكثر بسطاً في تأويلها، وفي الثاني أكثر قبضاً لمعناها».