الكاتب وسام السبع في جريدة الوسط: مآسي الهوس الديني… ونصوص التوحش

     

    يطرح الأكاديمي والناقد البحريني المغترب علي الديري في كتابه الجديد «نصوص متوحشة: التكفير من أرثوذكسية السلاجقة…»، (2015) نقاشاً جدياً للنزعة التكفيرية التي هيمنت على خطاب المؤسسة الدينية، مستعيناً بدرس التاريخ وتقصي مراحله المفصلية الملتهبة والمثقلة بالصراعات العقائدية. جديدٌ في 217 صفحة من القطع المتوسط يطل علينا من بيروت «دوحة الأزر وسط مستنقع الكفر» والذي أهدى عمله إليها وهي التي «لا يمضي هواها» كما في نص إهدائه الشاعري.

    كانت قراءتي للكتاب متزامنةً مع قراءة كتاب آخر للبريطاني ماثيو كارك «الدين والدم… إبادة شعب الأندلس»، وفيه يسرد المآسي التي تصورها قصة الأندلس أو ايبيريا الإسلامية، ووجدت أن التوحش واحد، ودوافعه ونصوصه متشابهة، فإذا كان كتاب «الدين والدم» يبحث بطريقة رصينة ومحايدة وشاملة قصة المورسكيين ومصيرهم المأساوي بداية من سقوط غرناطة العام 1492 حتى طردهم النهائي من أسبانيا العام 1614، في ظل الممالك المسيحية؛ فإن «نصوص التوحش» يبحث المآسي التي أنتجتها سرديات التكفير في الفضاء الإسلامي الخالص والذي سيغذي شهوة القتل في جوّ مليء بالتنافس والأطماع السياسية.

    في كل مرة يطل علينا الديري في عمل جديد يتحفنا بأطروحة جديدة يعالجها باقتدار وتمكن وصبر، والصبر في كتب من ذلك النوع الذي يكتبه الديري شرط يوازي الاتقان، وقيمة أي كتاب تكمن في قدرته على استعراض أطروحة رئيسية جديدة تتسم بالراهنية وتتمتع بالعمق، وفي أسلوبه وكلماته تاليًّا؛ وفي الحالين فإن الديري أثبت غير مرة في أعمال فكرية سابقة (له 6 كتب منشورة بينها «خارج الطائفة» 2011، وكيف يفكر الفلاسفة؟ 2013)، قدرة استثنائية على خوض ملفات فكرية شائكة مستعيناً بخبرة ثقافية واسعة واستعداد ذاتي عالي يمكنانه من الدخول لمناطق بكر في تراثنا الثقافي يتهيب وربما يعجز كثيرون عن ارتيادها ومقاربتها.

    في مقاربته لنصوص التوحش، يجتهد الديري في قراءة النص المتوحش في سياق اقترانه بالسلطة أو سياق سعيه لامتلاك السلطة. يقول: «أسعى في هذا المجال إلى قراءة نصوص ليس كاجتهادات فقهية أو عقائدية بل كمشاريع سياسية أو مرتبطة بالسياسة، كما هو الأمر مع كتاب الغزالي (فضائح الباطنية) الذي كتبه برسم السياسة السلجوقية في حربها ضد الفاطميين».

    يتشكل الكتاب من تمهيد ومدخل وثلاثة فصول خصّ في كل منها دراسة معمقة لتراث واحد من رموز فقهاء التوحش ومنتجي سرديات التكفير، الأول أبو حامد الغزالي (ت 1111م/ 505هـ) في كتابه «فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية» في المرحلة السلجوقية، والثاني محمد ابن تومرت (ت 1130م/ 524 هـ) في المرحلة الموحدية، والثالث ابن تيمية (ت 1328م/ 728 هـ) في المرحلة المملوكية.

    توقف الديري إذاً عند فكر الغزالي، ودرس كتابه (فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية)، وانطلق من هذا الكتاب في إيضاح المقصود من نصوص التوحش، لافتاً القارئ إلى الفصل الثامن من الكتاب الذي تناول فيه الغزالي قضية تكفير الباطنية التي يقصد بها الإسماعيليين ووجوب سفك دمهم. والتفسير الذي يمكن سوقه هنا لاستهداف الغزالي للإسماعيليين، هو بسبب الصراع السياسي الدائر بين الفاطميين (الإسماعيليين) مع الخلافة العباسية التي كانت تحت حكم السلاجقة، وكان الوجود الإسماعيلي المتعاظم يشكل تهديداً جدّياً حتى لنظام الخلافة وقتئذٍ.

    وجد السلاجقة في الصليبيين العدو الذي يهدّد الإسلام والخلافة الشرعية، لكنهم قبل ذلك وجدوها في الإسماعيلية، وحين بدأت الحروب الصليبية تم توسيع دائرة العدو فألحق الإسماعيلية بالصليبيين، وتم تعميم صورة أكثر تشويهاً للفاطميين، فاعتبروا خونة وحلفاء مع الصليبيين وسبباً في هزيمة المسلمين واحتلال بيت المقدس.

    ينتهي الديري إلى أن الخطاب الذي بلوره الغزالي فتح أصلاً مؤسساً لفكرة التكفير، وهو خطيرٌ لأنه مبني على قواعد شرعية وعقديّة وخطاب عالم قريب من السلطة، بل هو جزء منها، ولهذه الجهة بالذات تمثل نصوص الغزالي أخطر من الخوارج الذين لم ينتجوا نصوصاً رغم عظم الدور الذي مارسوه في مراحل متقدمة من التاريخ وحياة المجتمع الإسلامي.

    «نص التكفير يبقى ويستخدم ويولّد نصوصاً أخرى، ويجعل الاختلافات السياسية حالة عداء لا تنتهي، في حين أن الخلاف السياسي قد ينتهي».

    وإلى المغرب العربي والأندلس، حيث الفقيه المغربي ابن تومرت رجل دولة الموحدين الأول، والذي عاش في الفترة التي حكم فيها السلاجقة بغداد. وهو أحد خريجي المدارس النظامية، وقد التقى بالغزالي وتأثر به أثناء رحلته المشرقية في التحصيل. عاش ابن تومرت في بيئة أضعفها التفكّك وأنهكها التهديد الصليبي للوجود الإسلامي في الأندلس والمغرب. وقد جاء وهو يفكر في مشروع إنقاذي يستعيد للمسلمين بعضاً من هيبتهم المفقودة وعزهم المسلوب. وهنا انهمك في صياغة عقيدة متشدّدة فيما يخص التعالي الرباني والتوحيد الإلهي، وسيبلور مفهوماً احتكارياً للتوحيد على جماعته «الموحدون»، باعتبارها الجماعة التي تعتنق التوحيد الصحيح، وستكون العقيدة «المرشدة» نشيد دولة الموحدين.

    في الفصل الثالث والأخير استعرض فيه المؤلف نصوص الحقبة المملوكية التي تقاطعت فيها نصوص التشدّد مع نص السياسة والسلطة والقوة، ولعب هذا التقاطع دوراً كبيراً في صناعة نصوص توحش وواقع متوحش أيضاً، حيث لعبت الفتاوى دوراً كبيراً في إحداث مجازر دينية مستمرة حتى اليوم. وكان أشهرها الفتوى التاريخية التي أرسلت لسلطان المماليك الناصر بن قلاوون وأعطت المشروعية الدينية لتنفيذ مذبحة كسروان التي قام بها 50 ألف جندي من المماليك فيما عرف بـ «فتوح كسروان»، وهي تسمية مشتقة من تهنئة الفتح التي وردت في نص الفتوى.

    إن الفرضية التي انطلق منها الديري في دراساته صاغها في هذه الجملة المختصرة: «الوحش يكمن في (الأرثوذكسية السلجوقية) هذا هو الوحش الذي يسرق وجوهنا». فقد أصبحت نصوص التكفير والتوحش عابرة للتاريخ والجغرافيا ولوائح اتهام سياسي جاهزة للاستخدام والتوظيف ضد الخصوم السياسيين والعقائديين. وقد وُفّق المؤلف في إضاءة جانب من الدوافع السياسية التي دعت إلى إنتاج هذه النصوص المرعبة.

    يقول الجابري: «أزمة الثقافة العربية كانت باستمرار سياسية في دوافعها» وإن ارتدت غلالة الدين أو تسربلت بشعارات المذاهب… والقول ما قاله الجابري.

    صحيفة الوسط البحرينية – العدد 4721 – الثلثاء 11 أغسطس 2015م الموافق 26 شوال 1436هـ

    رابط الموضوع