دردشة حول طوق الخطاب

منقول عن مدونة اللامنتمي

http://lamontami.com/?p=38#more-38 

 

طازج من المطبعة: “طوق الخطاب: دراسة في ظاهرية ابن حزم” – كتاب لا ينصح مؤلفه بقراءته..

(الطوق يقبض معاني و يغرق معاني أخرى…)

الطوق مجموعة الأدوات والمفاهيم التي نطوق بها معنى النص..

DSCN9365

ذهبنا الليلة قبل البارحة للسحور مع الصديق علي الديري، فجاءنا حاملاً خبزاً طازجاً في يد ونسخاً من كتابه الطازج من المطبعة “طوق الخطاب: دراسة في ظاهرية ابن حزم” في اليد الأخرى، فكانت لمدونتنا معه هذه الدردشة عن الكتاب بعد السحور.

هل تعطينا فكرة موجزة عن الكتاب؟

الكتاب يتناول قوانين تفسير الخطاب في علم الأصول و يتخذ ابن حزم نموذجاً من خلال كتابه “الإحكام في أصول الأحكام”. يحاول الكتاب أن يقف على الأدوات والمفاهيم والآليات التي يُطوّق من خلالها ابن حزم النص الديني. لذلك عنونت الكتاب بطوق الخطاب، لكل مدرسة تفسيرية أو تأويلية أو فقهية طوق خطاب، ترى فيه تميزها وجمالها، لكنها لا ترى فيه أيضا انغلاقها وموتها.

يبدو أن “الطوق” مستوحى من كلمة “الإحكام” في عنوان كتاب ابن حزم، لكن أليس تفسير النص هو في فتحه لا في تطويقه؟

عادة ما يستل العنوان من موضوع الدراسة نفسها، و كلمة “الإحكام” التي استخدمها ابن حزم في عنوان كتابه تنسجم تماماً مع عنوان البحث إذ إن الطوق يمارس إحكاماً على معنى النص و لا يتيح للمعاني أن تتكاثر و هو يحكمها لصالح معنى واحد، بينما التأويل يذهب نحو فتح النص على معانٍ كثيرة متعددة. ابن حزم هنا هو ضد التأويل والطوق هنا مهمته أن يحد من امكانية التأويل. طوق ابن حزم هنا يريد أن يحيط بمعاني النص فيجعل له تفسيراً وحيداً. الطوق يحمل معاني متناقضة، فهو يمكن أن يكون علامة جمال حين نراه في الحمامة ويمكن أن يكون علامة قبح حين نراه في معلقاً في رقبة حيوان يقاد عنوة. لذلك فالطوق يمكننا من نقبض على معاني وهذا هو سر جماله، لكنه يقيد هذه المعاني ويحبسها وهذا هو سر قبحه. من هنا لا أستطيع أن أقول إن طوق ابن حزم لخطاب القرآن والسنة يدل على انغلاقه وتشدده ورفضه للتأويل، وثم أحكم عليه على أنه يمثل الجانب المظلم من تراثنا، ذلك لأني أرى في طوق خطاب ابن حزم استنارة عقلية منفتحة على المنطق والعلوم والفلسفة وهي عقلانية معتدة بقدرتها على سبر معاني النصوص من غير أن تلزم نفسها بتقليد السلف ولا تقديسه.

DSCN9367

  1. هل تفيد قراءة الكتاب في فهم الطرق التي يؤول بها الفقهاء النص، على أساس أن قوانين تفسير الخطاب عند ابن حزم تعد تمثيلاً لقوانين أصول الفقه؟

من حيث الفائدة، أنا لا أنصح بقراءة الكتاب لمن لا يستطيع تحمل مشقة القراءة، لأن قراءته ستكون متعبة و هو كتاب غير مسل.

الكتاب هو لمن يبحث عن الطريقة التي يفهم من خلالها علماء الأصول – الذين هم الفقهاء أنفسهم – أحكام النصوص القرآنية و السنة النبوية والآليات التي يستخدمونها لاستخراج الأحكام الفقهية. هو لمن يريد أن يفهم آلية التعامل مع النصوص، فهؤلاء كانوا يبذلون ما في وسعهم من أجل فهم النصوص الدينية واستخراج أحكامها الفقهية، وقد اكتسب عملهم قداسة من الموضوع الذي يشتغلون عليه، وهو النص الديني، وليس من الأدوات التي يشتغلون بها (الطوق). من يريد أن يرى الجانب الدنيوي من عملهم يمكنهم أن يستفيد من هذا الكتاب، هنا نجد ابن حزم يدافع عن طوقه (الذي اصطلح على تسميته بالمدرسة الظاهرية) وقدرته على أن ينجينا عبر الظفر بالمعنى الصحيح لحكم النص الديني. طوق ابن حزم ممكن أن نستخدمه في قراءة الخطابات غير الدينية، وأنا أنوي أن أعد كتاباً تطبيقياً أوضح فيه كيف يمكننا أن نحلل الخطابات غير الدينية باعتماد هذا الطوق، بما هو مجموعة أدوات قرائية.

هل تناول باحثون آخرون القضية التي شرحتها في كتابك و هي الربط عند ابن حزم بين فهم الخطاب و فهم القضية المنطقية على أساس الاشتراك في البناء المنطقي في منهما؟

طبعاً تناول باحثون آخرون هذه القضية، و ابن حزم هو من أهم العلماء الذين اهتموا بالمنطق الأرسطي، و أعاد كتابة منطق أرسطو باللغة العربية وبالأمثلة الفقهية وسمى كتابه «التقريب لحدّ المنطق» وكان يعتبر أن الفقيه الذي لا يعرف المنطق الأرسطي لا يمكن الثقة في فهمه للنص الديني.

DSCN937222

أين ترى إسهام هذا الكتاب إذاً؟

يتمثل إسهام الكتاب في ربط أصول الفقه بعلم تحليل الخطاب، اي اعتبار أن أصول الفقه تندرج تحت مايعرف اليوم بعلم تحليل الخطاب، و هو علم عابر للتخصصات، كما أن علم أصول الفقه كان علماً عابراً للتخصصات.

لقد اعتبرت علم (أصول الفقه) القارئ الأكبر للشريعة، وهو المستثمرَ الأكثر للعلوم فهي تصبُّ فيه ثمارها، فتنصهر في علم واحد مركَّب من مجموعة علوم.

كان ابن حزم يمثل نموذجاً للعالم الذي تتقاطع فيه المعرفة المنطقية والبلاغية واللغوية والأصولية والبلاغية واللاهوتية (علم الملل والنحل).

انتهت الدردشة

مع الشكر الجزيل للصديق علي الديري على السحور والدردشة و الإهداء الجميل على غلاف الكتاب الطازج:

العزيز محمد

الطوق يقبض معاني و يغرق معاني أخرى…

مع محبتي المطوقة..

علي الديري

20/9/2007م