12 تمثيلاً وأربعين نائباً

 ممثلون

§        جملة التمثيل

“يجب أن نقول كلمتنا نحن ممثلي الشعب في هذه القضية الحساسة” هذه هي جملة التمثيل، تتكون من شخص يحمل شعباً، هل هو حمل كاذب؟ يعتمد ذلك على قوته على الحمل، حمل رسالة الشعب, من يقوى على تمثيل هذا الحمل؟

تستمد التجربة البرلمانية قوتها من قوة هذه الجملة، وقوة ما تنجزه من معانيها، لذلك فهي فعل كلامي. وبقدر ما يحمل هذا الفعل من قوة وإرادة في خطاب الممثلين البرلمانيين يكون البرلمان سلطة تشريعية لها شخصيها الاعتبارية المستقلة القادرة على الفعل والإنجاز. ومتى خضعت هذه الجملة التمثيلية في خطاب النواب لإساءة التمثيل أو مفارقة الجهة التي تمثلها، فقدت فعلها وصارت كلاماً لا فعل له.

يُعرِّف جمال الدين الأفغاني الديمقراطية بأنها “الاشتراك الأهلي بالحكم الدستوري الصحيح. وأن أي مجلس نيابي يأمر بتشكيله ملك أو أمير أو قوة أجنبية هو قوة نيابية مزعومة“[8].

[8] شاكر النابلسي، الشارع العربي، دراسة تحليلية تاريخية

القوة النيابية المزعومة هي التي تفقد الجملة التمثيلية “يجب أن نقول كلمتنا نحن ممثلي الشعب في هذه القضية الحساسة” قوتها وإنجازها ومعناها. لا معنى لهذه الجملة إلا حين يكون الأمر فيها ممثلاً لإرادة الشعب وقوته. وحين تفقد هذه الجملة هذه القوة تستحيل في خطاب النائب البرلماني تمثيلاً بالمعنى الفني الذي نراه على خشبة المسرح أو شاشة السينما أو شاشة التلفزيون.

§        12تمثيلاً

تتكرر جملة التمثيل مرات كثيرة على لسان النواب، وفي سياقات مختلفة، وتكاد أن تكون هي الجملة التي يتأسس عليها خطاب كل نائب، لذلك لا يفتأ كل نائب من استخدامها، كما لا يفتأ خطاب مجلس النواب من استخدامها حين يخاطب الجهات الأخرى، لذلك من المهم أن نرصد وظائف هذه الجملة، وهي تتمثل في التالي:

1.    تأكيد شرعية القول.

2.    الظهور بمظهر من يتحمل المسؤولية.

3.    التذكير بالوظيفة التي يؤديها.

4.    إقناع بقية الممثلين بواجب القول.

5.    تبرير القول.

6.    التمثيل (بمعناه الفني)

7.    النطق باسم الشعب.

8.    تمثيل الشرعية، والمسؤولية

9.    العنف، فالخطاب يحقق هذه الوظائف بقدر من العنف الرمزي.

10.     الاعتراف، فعلى الآخرين أن يعترفوا بقولنا في هذه القضية الحساسة لأننا ممثلو الشعب، يجب الاعتراف بنا بقوة التمثيل الذي يتوفر عليه قولنا.

11.     الفصل بين السلطات، فإذا كان لكل سلطة أن تقول قولها في هذه القضية الحساسة، فإننا أصحاب سلطة تمثيلية مستقلة، ولنا قولنا الخاص المستقل.

12.     إبراز الشخصية الاعتبارية للممثلين.

تستخدم جملة التمثيل بمعانيها الاثني عشر في خطاب النواب، وفي كثير من الأحيان تتعرض هذه الجملة إلى إساءة تفقد فيها عملية التمثيل الثقة والأمانة، وتبلغ هذه الإساءة في تصور جون لوك (1632 – 1704) حداً، يمكن فيه أن تسحب الأمانة وتنتقل السلطة إلى أيدي اللذين أعطوها، والذين لهم حق وضعها مجددا في الموضع الذي يعتقدون انه الأفضل من أجل سلامتهم وأمنهم، وهذا يعني إبطال عملية التمثيل نفسها من قبل الشعب “وهكذا يحتفظ أبناء المجتمع دائما بالسلطة العليا في إنقاذ أنفسهم من نوايا أي شخص، وحتى المشرعين، عندما يكونون على قدر من الغباء والشر بحيث يحبكون المؤامرات ضد حريات وممتلكات الرعية”
ممثلون

§        12 تمثيلاً وأربعين نائباً

دعونا نرى كيف تشتغل هذه المعاني الاثنا عشر في خطابات النواب داخل مجلس النواب.

جاء في الرد على خطاب الملك الذي ألقاه  في حفل افتتاح دور الانعقاد العادي الأول من الفصل التشريعي الأول للمجلس الوطني “إننا – أعضاء مجلس النواب – نؤكد بصفتنا نوابا وممثلين للشعب، تم اختيارهم في ظل أجواء انتخابات حرة ونزيهة، أننا سنضع أيدينا في أيديكم الكريمة متعاونين ومتلاحمين من أجل مصلحة هذا الوطن … صاحب الجلالة.. إننا ونحن نتطلع للقيام بدورنا على أكمل وجه، كممثلين لهذا الشعب الوفي والذي ينتظر منا الكثير من الإنجازات التي ستبرهن على نجاح هذه التجربة الوليدة ولتعزز ثقة الشعب بجدوى هذا المشروع الإصلاحي الكبير، لنطالب بتفعيل مبدأ الشفافية في المجتمع لاسيما في الوزارات ومؤسسات المملكة”

تبرز جملة التمثيل ” نؤكد بصفتنا نوابا وممثلين للشعب ” في هذا الخطاب الشخصية الاعتبارية للنواب، فهم يخاطبون الملك بشخصيتهم الاعتبارية، ويقدمون ملامح هذه الشخصية التي ستمارس تمثيلها الشعبي ليس على أساس الاستقلالية والانفصال بل على أساس التعاون والتلاحم ووضع اليد في اليد من أجل تعزيز ثقة الشعب بالمشروع الإصلاحي. هكذا يمارس فعل التمثيل عبر الاستخدامات “الأداء” المختلفة لجملة التمثيل إساءة التمثيل أو لنقل بعبارة أكثر لطافة مفارقة ما تمثله، وتتمثل المفارقة هنا في أن الجملة التمثيلية في هذا السياق لا تبرز شخصية الممثل الاعتبارية بصفتها الندية، بل بصفتها التابعة التي تطلب يد السلطة الكريمة لتضعها في يدها، في حين أن التمثيل يقوم على فصل اليد عن اليد الأخرى، فصل يد التشريع عن يد التنفيذ، من أجل فصل أيدي السلطة. هكذا يكون التمثيل عرضة دوماً لمفارقة ما ينتدب لتمثيله. يفارق أيدي من يمثلهم، ويلتحم بأيدي من لا يمثلهم.

يرفع أحد النواب نبرته التمثيلية بحدة المحذر المنذر“سيدي الرئيس، المجلس الموقر وأيضا المشروع الإصلاحي لجلالة الملك يتعرض إلى هجمة من قبل وزير الإعلام، عملية توظيف مقص الرقيب علينا أي على مجلس النواب وعلى ما يدلي به النواب، هذا عمل غير جيد، سبق وأن نبهنا وزير الإعلام على هذا العمل إلا إنه ما زال مستمرا في تقطيع الجلسات، وهذا يسبب إرباكا كبيرا جدا للنواب وأيضا تشويه صورة النواب، هناك من النواب من يتهجم عليهم بسبب عدم الإدلاء بآرائهم فيما يتعلق بالقضايا أو بالشأن العام، لذلك إذا كان لوزير الإعلام أية رغبة في محاولته الرامية من أجل ضرب المشروع الإصلاحي فنحن نحذره من القيام بهذا، ونوظف كل أدواتنا البرلمانية من أجل أن يمتنع هذا الرجل عن ممارساته هذه”

ويستجيب نائب آخر للنبرة فيمثل تضامنه بالخطاب التالي: “سيدي الرئيس، أنا أؤيد ما تفضل به النائب الشيخ عبدالله العالي فذلك الأمر يعد إساءة بالغة وعميقة لهذا المجلس الكريم، ويعد أيضا تغييبا مقصودا لجهود وإنجازات ممثلي الشعب”

 

تمارس جملة التمثيل في هذا الخطاب عنفاً رمزيا، من أجل أن تدافع عن الشكل التمثيلي الذي تظهر به في الخطاب الإعلامي. وهي بهذا تحفظ  للمثلين قدرا من شخصيتهم الاعتبارية التي ما فتئوا يؤكدونها ويطالبون بمراعاتها في البرتوكولات الرسمية. ومن الطريف هنا أن هذا الخطاب يضع مشروع السلطة التنفيذية ذريعة للدفاع عن شرعيته التمثيلية، وهو بهذا ينتقص من دون أن يقصد أو يعي من قوته التمثيلية الشعبية، فالممثل النيابي يجب أن يستمد قوته التمثيلية من الشعب لا من سلطة أخرى. إن حاجته لذريعة غير شعبية يبرر بها مطالبه دليل على ضعف قوته التمثيلية.

في سياق الدفاع عن من يمثلهم يقول هذا النائب “… يجب أن نكون صريحين في هذا الموضوع، يجب أن نكون على بينة وعلى وضوح من جميع الأمور، ويجب أن نقول كلمتنا نحن ممثلي الشعب في هذه القضية الحساسة والهامة والتي نواجهها اليوم في مستهل برنامج عملنا في المجلس …  أريد أن أثمن الدور الذي قامت به قوات الأمن ، بدون شك كان دورا مسؤولاً لأنه لم يصب أي من أبنائنا في الأحداث وهذه تسجل لقوات الأمن للمرة الأولى – على الأقل – في أحداث بهذا الحجم ونرجو أن تستمر قوات الأمن في حفظ توازنها وأعصابها في أحداث بهذا الحجم. الخطاب الذي ألقاه سعادة الدكتور الشيخ عبدالعزيز أعتقد أنه يتناقض في بعض جوانبه مع ما صرح به سمو رئيس الوزراء في مجلسه يوم السبت. سمو مجلس الوزراء تحدث بكل وضوح وبكل لطف أن هؤلاء هم أبناؤنا ويجب الأخذ بأيديهم وتقويم إعوجاجات سلوكياتهم، وهذا هو المنطق وهذه هي الحكمة ونريد أن نؤكد عليها

تحاول جملة التمثيل “ويجب أن نقول كلمتنا نحن ممثلي الشعب في هذه القضية الحساسة والهامة” في هذا الخطاب، إقناع بقية الممثلين بواجب القول، وتذكيرهم بمسؤوليتهم النيابية لا الحكومية، فالخطاب الذي يمثل الحكومة اتخذ موقفاً أقرب للإدانة والاتهام القريب من خطاب أحداث التسعينيات ولم يظهر أي محاولة للتفهم أوالمعالجة. إلا أن قوة التمثيل في هذا الخطاب لم تجد لها مرة أخرى ذريعة غير السلطة التنفيذية، هكذا بدل من أن يستمد التمثيل قوته من مجلس الثلاثاء راح يستمدها من مجلس السبت. وهذا ما يجعل منه تابعاً ويجعل من شخصيته الاعتبارية تمثيلية بالمعنى الفني لا بالمعنى القانوني.

متى يذكر النواب بعضهم بوظيفتهم التمثيلية وشخصيتهم الاعتبارية المستقلة؟ الجواب يمكن أن نعثر عليه في هذه المداخلة الخدماتيةتفضل بعض الإخوة النواب بأمور، ففي رأيي ليس من أساسيات عمل مجلس النواب إيجاد المبررات للحكومة، أو لما يجري في بعض مؤسسات الحكومة، فليس من أساسيات مجلس النواب أن نبرر ما يحصل أو ما سوف يحصل، النائب ممثل للشعب، يرفع اقتراح برغبة أو اقتراح بقانون بما ينفع الشعب، أو إن كانت هناك أمور مضرة بالشعب وما يتعلق بدراسة الموضوع أو ما إلى ذلك فهذا أمر آخر. أقول يا إخوان: إن إلغاء الفوائد الربوية على قروض الإسكان وتحريم هذا الأمر من الأمور المعروفة من الدين بالضرورة، والمفاسد والمضار المترتبة على التعامل بالربا وخاصة في هذه المؤسسة الحكومية أو غيرها لهي مفاسد واضحة جلية لا تخفى على أحد ، وربما تكون – وأكاد أكون جازما بهذا- سبب العجوزات الموجودة الآن سواء عندنا أو في بعض الدول بسبب هذه المعاملات المحرمة، لماذا؟ لأن هذه المعاملة المحرمة تمحق البركة من المال وتبعد البركة عن المال

 

تؤكد جملة التمثيل “النائب ممثل للشعب” في هذا الخطاب، الفصل بين السلطات، من أجل تذكير النواب بوظيفتهم التمثيلية للشعب لا الحكومة، وهو تذكير يتكرر بشكل دائما في هذه التجربة البرلمانية وذلك لأسباب تتعلق بضعف القوة التمثيلية للمجلس والتي هي إحدى نتائج غلبة نواب مجلس يوم السبت. وما يؤكد هذا الضعف أن خطاب هذا النائب التذكيري يتعلق بقضية أقرب إلى الخدمية منها إلى التشريعية. التذكير بالمعنى التمثيلي ووظيفته لا يطرح في سياق القضايا الكبرى التي تشكل تحدياً وامتحاناً للقوة التمثيلية وشخصيتها كما هو الأمر مع ملف التأمينات وقانون الإرهاب والتجمعات والميزانية.

وإذا ما حدث وتذكر نائب واجبه بتذكير بقية أخوانه النواب بوظيفتهم التمثيلية في القضايا الكبرى، فإن ذلك يحدث وكأنه لا يحدث، كما هو الأمر في هذا التذكير الخجولإننا وبصفتنا ممثلين للشعب في هذا المجلس كان لزاما علينا أن نبحث عن أسباب هذا الإفلاس وعن مواقع الخطأ والتجاوزات ، لأن هذا العمل هو دور نواب المجلس وهذا ما أقسموا عليه في هذا المجلس الموقر

ولعل هذا الذي كأنه لا يحدث، هو ما دفع بأحد النواب إلى أن يستصرخ النواب علّه يحرك ضميرهم التمثيلي الصامت “صحيح هناك آلية سؤال ولكن نحن نستفهم ونستوضح، فليس من المعقول أن يكون ممثلو الشعب في صمت، هذا المجلس الأصل فيه هو المناقشة والتساؤل وإثارة الأسئلة وليس الصمت، وأنتم تعلمون من هو الصامت الآن… نحن نناقش ونتساءل لنبين الحقائق للرأي العام، ولا نقبل أن تكون أموال الشعب عــرضـة للتجــاوز، نحــن لا نقــبل أبــدا هــذا التلاعــب بأمــوال الـناس ولا نقــــبل أن تكـون
Take One and get One free هذه التأمينات خذوها والتقاعد مجانا ، لا نقبل ذلك”

        تبقى جمل “إننا وبصفتنا ممثلين للشعب”،” نحن ممثلو الشعب” ، ” كممثلين للشعب ونحن الممثلون الشرعيون والرسميون لللشعب، ” النائب ممثل للشعب “، “بصفتنا نوابا وممثلين للشعب”، ” نحن ممثلي الشعب” مشكوكاً فيها مادامت القوة التي تمثل ليست هي قوة الشعب، إنها قوة أخرى، وقوة لا تأتي من الشعب دكتاتورية فردية أخرى.