الشيخ النمر في مرافعة الكرامة، لا سمع ولا طاعة لمن يسلب حريتي

مرافعة

تقول لائحة الدعوى التي أعدتها وزارة الداخلية السعودية ضد الشيخ النمر”فقد ثبت لدينا إدانة المدعى عليه نمر بن باقر ال نمر بإعلانه عدم السمع والطاعة لولي أمر المسلمين في هذه البلاد”

لقد كسر خطاب الشيخ النمر فكرة طاعة ولي الأمر، منذ بدأ عصيانه المدني السلمي، وفي مرافعته واتته الفرصة ليكسر حجج الطاعة وتأصيلاتها الشرعية الهشة التي تخفي تحتها تسلطا وخضوعا وإذلالا لشخص الحاكم المستبد، منطق النمر”لا سمع ولا طاعة لمن يسلب حريتي ويسلب أمني” كما سجله المدعي، وكما سجلته مرافعته حين سئل عن طاعة ولي الأمر “جوابي بعدم التزامي وعدم طاعتي لأي شيء يخالف عقيدتي”. وعقيدته تقول “هيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله، وحجور طابت وأرحام طهرت أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام”.

الطاعة التي تسلبك كرامتك دونها مصرعك، هكذا وضع النمر معادلة الكرامة والطاعة، فكان مصرعه على مذبح كرامته.

لقد أطاع الشيخ (كرامته) وهي النص الذي سيرتفع في التاريخ، وعن صحيفة (مرآة البحرين) ومركز (كيتوس) الثقافي صدر في بيروت، قبل أيام نص كتاب مرافعة الشيخ النمر في أكثر من مائتين صفحة تحت عنوان (مرافعة كرامة). يتضمن الكتاب نص المرافعة التاريخية التي أراد الشيخ النمر أن يكتبها بنفسه، ليس أملاً في العفو أو رجاء في تخفيف العقوبة، بل ليكتب إقراراً ينجز به حدثاً تاريخيا، يليق بدمه، في حدود الساعات القليلة التي مُكن فيها من القلم والورقة كتب هذه المرافعة التي صارت اليوم كتاب شهادته ودستورها، ويشير القاضي في جلسة 23.12.2013 إلى عدد الساعات التي مُكن فيها من القلم والورقة: قد مكن من لقاء محاميه وفرّغ لكتابة جوابه ثلاث مرات وزود بقلم وأوراق كانت منها اثنتان في المحكمة وواحدة في السجن والتي كانت في المحكمة كانت الأولى منها أكثر من ثلاث ساعات والثانية قرابة الساعتين.

لقد كسر فكرة الطاعة بالكرامة، والادعاء على الشيخ النمر قائم في أساسه ومقتضاه على: طاعة ولي الأمر، والبيعة له، وتجريم الخروج عليه، ومرافعة النمر قائمة على تفكيك أركان خطاب هذه الدعوى. يذكر المدعي العام في دعواه على الشيخ “نقضه البيعة المنعقدة له في ذمته” فيرد النمر “هذه الدعوة سالبة بانتفاء موضوعها؛ لأنني لم أبايع من الأصل ولم تتحقق مني بيعة حتى يقال إنني نقضت البيعة”.

وبشموخ لم يخذله طوال مرافعته يقول الشيخ النمر، إمعاناً في كسر الطاعة وإعلاء الكرامة: لا أعتقد أن حاكم هذه البلاد ولي أمر المسلمين فيها وأنا لم أعلن ذلك على الملأ العام. نعم هو والٍ وليس ولي الأمر وليس له الولاية عليَ، وهناك فرق بين الوالي والولي.

الكرامة تعني الإنسان غاية في ذاته، وليس وسيلة لولي الأمر كما ثبّتت ذلك الوهابية حديثاً مستثمرة تراثها السلفي.

الوهابية لم تكن مذهبا أو دعوة مكتملة ثم تبنتها دولة بل هي تمّ تفصيلها على مقاس سلطة توسع آل سعود، واكتملت بهم، صحيح أن البذرة الأولى كانت خارج حقل سيف محمد بن سعود، لكن النبتة والشجرة كانت تحت ظلال سيفه، وفكرة الطاعة جرى تطبيعها بسيف الفتح الذي سلطه آل سعود على القبائل لتخضع إلى حكمهم وبالرسائل التي كان يوجهها محمد بن عبدالوهاب للقبائل وفقهائها وقضاتها ويدعوهم فيها للطاعة والامتثال والإسلام، من هنا فالوهابية ديانة حرب،  ضد كل من لا يتماثل معها أي ضد من لا يخضع لها  ويطيعها.

في الدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة الطاعة أولاً والكرامة مرهونة بالطاعة أو لنقل مسلوبة بالطاعة، وهذا ما كان يرمي إليه الشيخ النمر حين قال في مرافعته “الدولة ليست أهم من كرامتي” أي أن الدولة السعودية تجعل طاعة ولي الأمر سحقاً للكرامة، وأنا لن أقبل أن تسحق كرامتي فهي أهم من هذه الدولة التي لا تعترف بمواطنيها ولا بكرامتهم، هي دولة بلا مبدأ أخلاقي لأنها تتعامل مع الإنسان على أنه وسيلة لـ (ولي الأمر) وكرامته تحت اعتبار أوامر ولي الأمر، ليست لدى هذه الدولة فلسفة خارج الطاعة والكرامة في الفلسفة “مبدأ أخلاقيّ يُقرِّر أنّ الإنسان ينبغي أن يعامل على أنّه غاية في ذاته لا وسيلة، وكرامته من حيث هو إنسان فوق كلِّ اعتبار”.

لقد جعل الخطاب الوهابي الدولة في طاعة ولي الأمر، ليس هناك شعب ولا رعية، هناك مطيعون وهناك ولي أمر مفترض الطاعة، حتى صار ولي الأمر طاغوتاً، يُطيعه الدين وليس يطيع الدين وتخدم الفتاوى أمره، ويستخدم لقب (خادم الحرمين) ستاراً يخفي تحته حقيقة أنه المخدوم لا الخادم، لقد فقد الدين وظيفته في أن يكون رادعاً لجبروته، وفقدت الدولة هيبتها في أن تكون نظاماً يخضع له الحاكم، وفقد المواطنون كرامتهم لأنهم غدوا في طاعة ولي الأمر لا في طاعة الدولة.

يوظف الشيخ معرفته التاريخية بسيرة قيام الدولة السعودية الأولى في قلب فكرة الخروج على ولي الأمر، ويذكر هيئة القضاء والمدعي العام، إن الملك عبد العزيز لو لم يخرج على الدولة العثمانية لما تأسست الدولة السعودية هذه، وما كان لها وجود على الخارطة الجغرافية أو الخارطة السياسية. فهل كان خروج الملك عبد العزيز على الدولة العثمانية خروجاً مشروعاً؟

في مقابل احتفاء آل سعود بسيوفهم التي خرجوا بها على الخلافة العثمانية وتشييد المتاحف لها وتدبيج قصائد الفخر بها، يقول الشيخ: فإن هيئة التحقيق والادعاء العام لم تأتِ بقرينة واحدة ولو ركيكة فضلاً عن بينة أو دليل تفيد بأني حملت سلاحاً فضلاً عن الخروج المسلح.

**جميع الاستشهادات مقتبسة عن نص مرافعة الشيخ نمر النمر. انظر: الشيخ باقر نمر النمر، مرافعة الكرامة، صحيفة مرآة البحرين، كيتوس للثقافة والنشر، إبريل2016.

الرابط الأصلي