إنه قلب ناصر البحرين

لم يتوقف قلب ناصر، بل أوقفه على لهيب حب البحرين. اختطفت البحرين قلبه المتعب، تضخم بها أكثر مما يتسع له حجمه، تعذب بهذا الحب، فصار ينبض أسرع مما تحتمله طاقته البشرية.

هل كان المُعذِب، في سجون البحرين، يُدرك ذلك؟ كان يعرف بغريزته المتوحشة أن العذاب يتضاعف في قلب ناصر آلاف المرات، لكنه يصر على أن يُحول عذوبة حبه للبحرين عذابا، لعله ينتزع منه كراهية لهذه الجزيزة التي أبتلي بها حتى وقع في حب إحدى بناتها، وهو يعيش أحلام ثورتها في 2011.

حين التقيته للمرة الأولى في بيروت مارس/آذار 2012 لم يحدثني عن قلبه المجهد، حدثني عن قلبه العاشق، كان يتدفق بحيوية المحب المملوء باليقين، وجدت فيه نقاوة الحب وخلاصته وأنا في السنة الأولى من تجربة الهجرة التي لم أُسمها حينها هجرة. حدثني عن الأصدقاء الذين بيننا بإشارات تغني عن الشرح، كان في رحلته إلى كندا، ولست أدري إن كان يملك قلبه لحظتها هذه الطاقة الجبارة ليودع في مصيري حينها شيئٍا مِن القَدَر الكندي، لألحق به بعد أربع سنوات.

بعد سنتين يردني اتصال من الأمم المتحدة “صار ملفك في السفارة الكندية سيردك اتصال منها” هجست حينها أن ثمة شيئًا غريبا في هذا القدر الكندي، اليوم أستطيع تفسيره بلقاء القلب ذلك، قلب ناصر الذي أحببته منذ أول طلة، أرسلت لناصر مباشرة أسأله عن كندا، لم يكن يرد علي سريعا. بعدها تأتي رسالته محملة باعتذار حميم أعذرني، فالأدوية التي أتناولها تخدرني وتجعلني غائبا لفترة طويلة، كندا بلد جميل و(أتاوا) مدينة جميلة، وأنا أدرس فيها حقوق إنسان وقانون.

لست بحاجة إلى دراسة حقوق الإنسان يا ناصر، لقد أعطاك شعب البحرين شهادة عظيمة في جدارة استحقاقك لإجازة حقوق الإنسان، لقد امتحن قلبك ووجده يحفظ هذه الحقوق جيدا، ويُؤمِن بها، ويُؤمّن بحياته عليها، ويموت تعذيبا بها، ويستشهد دونها.

قلبك مختوم بالحق الإنساني، يا ناصر، ويبدو أنك لم تقبل من هذا الشعب  أن يوقع شهادته فيك إلا حيث قلبك.

قلبك العنيد، كيف نحفظ أرثه الصعب؟ لا يليق به مكانا غير قلب نصب دوار اللؤلؤة، هناك في أعلى النصب الذي عشقته ووقفت تتطلع فيه طويلا، وتحلم معنا حوله، ونحن نزفه للتاريخ العظيم حيث يليق به ويليق بك.

قلت لزوجته  قبل أربعين ساعة من الرحيل إلى الأبدية البيضاء، نحن عاجزون أن نفعل شيئا، قولي لنا أن نفعل شيئا يريحنا، قالت بصوت مخنوق: الطبيب أعطى موعد النهاية وناصر ماض إليها، ولا أريد منكم غير الدعاء.