الشيخ حبيب الكاظمي… قلب الشارع (3-3)

يُنطق أسئلتَه في جمهوره

خطاب الكاظمي يطرح عرفان الأعمال العبادية الجماعية لا عرفان المسالك الصوفية الفردية

 

 

 ‘’ماذا أستطيع أن أعرف؟’’، ‘’ماذا يجب أن أفعل؟’’، ‘’ماذا يمكن أن آمل؟’’ و’’ما هو الإنسان؟’’.

أسئلة فلسفية تُفرش في الشوارع وتسأل الإنسان عن نفسه وقلبه وحياته فتصبح أقرب إليه مما تكونه في الكتب وأدمغة الفلاسفة، حيث الأبراج العاجية. ذلك هو مشروع “weltfrage”, أي ‘’أسئلة العالم’’ للألماني رولاند كرويزر. الأرصفة ليست وحدها ما يشكل شوارع المدن، فالأسئلة تشكل الشوارع وأرصفتها والناس الذين يمشون عليها. ماذا يجب أن أفعل في هذه الحياة؟

الخطاب الذي يملك إجابة تقنع أو تهدّئ قلقنا تجاه هذا السؤال الوجودي، يملك أن يشكل أرصفة المدينة، ويهندس شوارعها، ويحدد اتجاهاتها، ويعطي لوجودها معنى.

خطاب الكاظمي أصبح ظاهرة تملك قلب الشارع البحريني . فمحاضراته ودوراته وأشرطته وكتبه وموقعه تلقى رواجاً كبيراً وتحتل مساحة كبيرة في سوق المسموعات الدينية.

بوابة الكاظمي إلى البحرين كانت جمعية التوعية التي هي بمثابة وزارة إعلام دينية بالنسبة للتيار الشيعي. فهي عبر أجهزتها الدعائية والإعلامية والرقابية تصنع نمط التدين الذي تمثله مرجعيتها الثقافية الثمانينية،

إن خطاب الكاظمي يلتقي مع خطاب جمعية التوعية في الانشغال والاشتغال على موضوعات التوعية الروحية والأخلاقية، التي أطلقنا عليها اسم موضوعات ‘’الدرجة الأولى’’. لقد تحوّل موضوع التغيير من قلب الدولة إلى قلب المجتمع، إلى قلب الشارع.

وكان الشيخ الكاظمي قلب هذا الشارع.

استمارة تقييم الروح

هكذا يكون العبد متأدباً، مُتَخلِّقاً، متصلاً، روحانياً، وكي يصل العبد إلى الصورة المثالية في التخلق وفق روحانية ‘’البرنامج اليومي من القيام إلى المنام للعباد الصالحين’’، فقد خَصَّصَ موقع السراج برنامجاً تقييمياً شعاره ‘’حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتجهزوا للعرض الأكبر’’. وهو مكون من استمارة مصممة بخبرة من يشتغلون في برامج تطوير الأداء البشري وتنمية الموارد البشرية، ومن الملاحظ أن مصطلحات ‘’دورة’’ و’’برنامج’’ و’’مدة’’، أصبحت من مفردات الجهاز الإعلامي لخطاب الشيخ حبيب. فهناك دورة أسرار الصلاة ودورة العلاقات الزوجية ودورة أسرار الوضوء. وهي مصطلحات إدارية وتدريبية حديثة، واستخدامها يشي بأن الكاظمي يمارس عمله مدرباً، يعي حاجات متدربيه، ويحسن تصميم برنامجا تدريبيا يلبي احتياجاتهم، ويعرف كيف يجعل البرنامج طريقهم وسلوكهم ومنهجهم، ويجيد تقويم سلوكهم وفقه.

استمارة تقويم البرنامج تحوي مجموعة من الأسئلة التقويمة التي تتيح للمتدرب تقييم وتقويم سلوكه ومحاسبة النفس، أسئلة على هذا النحو:

‘’هل أفرغت ما في ذمتك من قضاء الصلوات الواجبة؟ هل أنت حريص على الاستيقاظ لصلاة الفجر؟ هل تحرص على الأمر بالصلاة لمن حولك من الأهل والأولاد؟ هل أنت ملتزم بتقليد المرجع الأعلم الحي؟ هل أفرغت ما في ذمتك من قضاء الصوم الواجب؟ هل تعيش حال البراءة من أعداء الله تعالى؟ هل أنت ملتزم بسنة خُمسية مع الالتزام بدفع ما عليك؟ هل جعلت إيداعك في البنوك واستقراضك منها شرعياً مطابقاً للقواعد الشرعية؟ هل تجتنب الغناء والموسيقى المحرمة بكل صورها؟ هل أرضيت والديك عنك؟ هل تراقب سلوك أولادك في البيت والمدرسة ومع الأصدقاء؟ هل جيرانك راضون عنك؟ هل تمتنع عن السياحة غير الهادفة أو التي هي في معرض الحرام؟ هل تجتنب الظهور بمظهر التشبه بأعداء الدين في المظهر والملبس؟ هل أنت قادر على الدفاع عن عقيدتك عند المناقشة والمناظرة؟ هل تتفاعل بشكل مقبول عند ذكر مصائب أهل البيت (ع)؟ هل تحس بنمو روحي مستمر إلى الأحسن يتجلـَّـى من خلال التفاعل في الدعاء والمناجاة؟’’.

هذا البرنامج ينجز معالم الشخصية الإسلامية غير القلقة من سؤال ‘’ما الذي يجب أن أفعله في الحياة؟’’، لكنه ينجز قلقاً آخر هو قلق الشعور بالتقصير والتأنيب والخوف من أن يكون أداء الواجب في الحياة دون مستوى متطلبات البرنامج، خصوصاً أن البرنامج مبني على أساس أنك مهما تفعل فأنت مقصر تجاه ربّ هذا البرنامج. الأمر الأكثر صعوبة يكمن في أن هذا البرنامج معد للخلاص لا للحياة، خلاص الحياة الفردية من الحياة العامة.

التراث الروحي

تستمد كلّ فاعلية من فاعليات برنامج الكاظمي (من المنام إلى القيام) مشروعيتها من التراث الروحي المعتمد عند أتباع مدرسة أهل البيت. والتراث الروحي هو مجموعة النصوص الروحية التي أنتجها أئمته وعلماؤه وزهاده وعباده وفلاسفته في صورة أحاديث أو قصص أو منامات أو لقاءات (المتشرفون بلقاء المهدي مثلا) وأصبحت روايات تستعاد كلما تحدثنا عن المعنى والعالم والله والإنسان والدعاء والقيمة.

هذه الروحانية مقدسة لأنها تقيم علاقتها بالمطلقات لا النسبيات، كما هو أمر الروحانية الدنيوية.

في خطاب الكاظمي تتردد عبارت من نوع: ‘’حالات روحية عبادية’’، ‘’درجات روحية’’، ‘’سقوط روحي من هذه الدرجات’’، ‘’جمال روحي’’، ‘’أمراض روحية’’ و’’فراغ روحي’’.

تجد جميع هذه الأصناف معناها في المرجعية الخاصة (التراث الروحي المعتمد) التي يشكل منها الكاظمي برنامجه (من المنامة إلى القيام).

الروحي في خطاب الكاظمي، ليس اتصالاً بالمخطط الكبير، بل اتصال بالله الذي يريد من الإنسان أن يظل منقاداً لعبادته وملتزماً بأوامره ومنتهياً عن نواهيه ومردداً ذكره ومتذكراً عقابه وراغباً في ثوابه، شاكراً فضله، الإنسان خلق من أجل عبادة الله.

خطاب الكاظمي لا يطرح العرفان بمعناه الصوفي الذي يشكل فيه السالك طريقه بتجربته الفردية، بل يطرح عرفان الأعمال العبادية. تكون عرفانياً وروحانياً بقدر ما تستحضر معاني الأعمال العبادية من أذكار وأدعية وصلوات وآيات، المعاني العبادية لهذه النصوص، وهي معاني تصلك بالله المعبود، لا بمخلوقاته وعالمه الكبير.

الروحي يتحقق بقدر ما تتحقق مصاديق هذا الاتصال، ‘’قلت للإخوان في أكثر من مناسبة، حديث (تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة) لا يعني أن يجلس الإنسان على شاطئ البحر وينظر في الأمواج ويفكر. لعل هذا التفكير لا يوصله إلى شيء، مجرد أجواء شاعرية وتنتهي، من أفضل مصاديق التفكر والتدبر، هذه المجالس في بيوت الله’’.

هنا في هذه المجالس يشتغل التراث الروحي الذي يشكل منه الكاظمي برنامجه من (من المنام إلى القيام) التفكر ليس خروجاً لدائرة المخطط الكبير، حيث الطبيعة دائرة تلتقي فيها روحانية البشر، قبل أن يشكلها دين خاص أو تراث خاص. التفكر يدور في دائرة المخطط الصغير، حيث المسجد مكان لروحانية جماعة خاصة وتراث خاص.

أسئلة الروح

‘’كيف أجد نفسي وكيف أعرفها بمفهوم أن من عرف نفسه فقد عرف ربه؟ كيف أحافظ عليها بعد أن أعرفها؟ كيف أوصلها لكمالها؟ هل لابد للسالك لله من أستاذ، وهل لابد من التماثل بين الأستاذ والتلميذ في الجنس؟

كيف أعرف أن الإمام المهدي عليه السلام راض عني؟ بدأت رحلتي في جهاد النفس وتربية الروح ونجحت في التخلي عن بعض الأمور المحببة إلى نفسي وترك بعض المعاصي التي لم أتخيل يوما أني قادر على تركها ومازال الدرب طويلا.. المشكلة التي تواجهني الآن هي أني مازلت أحب الاستمتاع وأحرص على الخروج والتنزه والسفر وأهتم كثيراً بالطعام والتنويع فيه واختيار أفضل المطاعم، هذه الأمور تؤثر سلبا على قدرتي على العبادة وتعلقي بالله وتشغل فكري بأمور الدنيا، بماذا تنصحونني حفظكم الله؟ ما هو الواجب على العلماء والمجتهدين للمّ الشمل الشيعي من واقع الاختلاف؟ ما هو دور العوام من الشيعة ليساعدوا على هذا الاتجاه؟ هل هناك بديل عن صلاة الليل ويترك الأثر الروحي نفسه؟ هل جميع الأحلام التي يظهر فيها الأئمة صحيحة، أم أن الشيطان يمسها في بعضها، وكيف التمييز؟ ما حكم حلق اللحية كاملة مع الإصرار على الحلق ومعرفة الحكم؟ وهل حلق اللحية في نهار رمضان من المفطرات؟ ما حكم السجود على ورقة الكنديل (كلينكس)؟ ماذا نصنع بورقة كُتب عليها اسم الله؟ ما رأيكم بالسير بالعرفان العملي بالنسبة إلى المرأة، خصوصا إذا كانت متزوجة، وما صعوبة ذلك من ناحية لزوم وجود مرشد أو أستاذ في هذا المجال؟ وهل من فائدة عملية على الصعيد الشخصي والعام من السير في هذه الطريق؟ هنالك مشكلة خطيرة لاحظتها في بعض الدول التي فيها جالية شيعية، وهي عدم التزام المكلفين بالتقليد وعدم اقتناعهم أصلا بالتقليد؟ فما حكمهم أولاً؟ وهل يسقط عنهم الذنب إذا ما التزموا بالتقليد بعد سنين كثيرة من سن التكليف؟ من المتعارف هذه الأيام وجود حال من الصداقة بعنوان الحب في الله تعالى، وذلك بين الجنسين، وهذه الظاهرة مع الأسف نلاحظها حتى في المنتديات الإسلامية، فما هو التعليق على هذه الحال، وهل انها صحية؟ الملحوظ في أوساطنا نحن – خصوصاً في الخليج – أنه على رغم اعتقادنا بالإمام المهدي (ع) إلا أننا لا نتفاعل معه كتفاعلنا مع مأساة الإمام الحسين (ع)، والحال أننا سنحشر تحت لواء الإمام الحجة (عج) يوم القيامة، فما هو السبب في ذلك؟ ما هي الطرق المثلى في التعامل مع هذه الشخصية (أي المستمع للغناء والتارك للصلاة)؟ وهو لا يتقبل، خصوصاً مني، حيث إنه يراني كمتعصب ديني أو متطرف’’ [1].

أسئلة تبحث عما يطمئنها، ويهدأ من قلقها، ويحدد لها ما يجب فعله، ويؤكد لها صحة تصرفها، ويقول لها ما ينتظرها، إنها أسئلة العباد المُعْوزِّين الذين يطلبون جواباً شاملاً لوجودهم. يريدون جواباً عن نفوسهم وتنزههم وسفرهم وطعامهم وعملهم وحدود فرحهم ومتعتهم وآخرهم المختلف معهم في العقيدة، وصلاتهم ومهديهم وأئمتهم ومذهبهم ومعتقدهم وجنسهم المخالف، ومنامهم وقيامهم، وقلوبهم المشرعة على الآخرة والمواربة عن الدنيا.

هي أسئلة الوجود والأخلاق والصيرورة، هي أسئلة المعضلات الملحة على كل كائن، من يسألون يطلبون جواباً يعيشونه وجودياً في هذه الحياة، وجواباً آخر يعيشون لحظة انتظاره في الحياة الأخرى، وما بينهما يطلبون جواباً ثالثاً يحدد علاقتهم الأخلاقية بالموجودات الأخرى.

هذه هي أسئلة روحهم، كما صاغها خطاب الكاظمي، وفق توقعات برنامجه (من القيام حتى المنام).

الإجابات متوقعة والأسئلة متوقعة، وهذا ما يجعل من إجابات الكاظمي، متضامنة مع هذه الأسئلة، وهي أسئلة كامنة في قلب خطابه، يوحي بها إلى جمهوره بما يُنطقه في نفوسهم. أسئلتهم تنطق بما ينطقه فيهم، لذلك يتيسر العثور على أجوبة جاهزة لأسئلتهم في خطاب الكاظمي، فالخطاب يُوحي بالأسئلة والأجوبة، من يسأل هو الكاظمي، ومن يجيب هو الكاظمي نفسه، فهناك حال تماهٍ بين السائل والمجيب.

إنهم يحملون أسئلتهم معهم أين ما ذهبوا، بل إن الأسئلة تزداد قلقلاً وإلحاحاً كلما اغتربت الروح جغرافياً، وكلما اتصلت ببيئة أو شخصية الأصل معها الانفصال، كما هو الأمر مع (البروفسور) المبتلى برطوبة الآخر لأنه يعيش في دولة غربية:

‘’البروفسور:

أنا عايش في دولة غربية للدراسة طبعا، وأسكن مع جنسيات مختلفة من دول شرق آسيا. وهذا البيت صاحبة مسيحي يسكن معنا أب ويعمل في شؤون البيت والشباب الذين معه من شرق آسيا يقومون بمساعدته في التنظيف وغيره (صحون. وأخواتها) [2]’’.

ويأتي جواب الشيخ حبيب:

‘’هناك تكليف فقهي يتمثل في اجتناب رطوباتهم وما يلمسونه برطوبة، بناء على نجاسة خصوص غير أهل الكتاب أو مطلق الكفار (حسب الخلاف الفقهي).

وأما الواجب الأخلاقي فيتمثل في: إيجاد عوازل معهم تحول دون انتقال خلائقهم إليه، فإن خلائق السفهاء تعدى (كما هو معروف) والكافر، بل مطلق الفاسق موجود محجوب عن مولاه، وحاجب لغيره.. ومن هنا لزم النظر إليه على أنه موجود مصاب بالمرض المعدي، وأي مرض أشد من المرض الذي وصفه القرآن الكريم (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا).

ومن آفات معاشرة المنحرفين عن المنهج الحق: أن المنكر يفقد منكريته مع تكرار المزاولة أمام العبد، خصوصاً مع عدم النهي، فإن المنكر منكر لأنه لا يستسيغه الطبع السليم، ولكن العيش في أجواء الفاسقين مما يمكن أن يزيل قبح المنكر من النفس، فيصير معروفا، وهي مرحلة خطيرة في هذا المجال.

‘’طبعا، هذا لا ينافي أن يسعى الإنسان – بقدر الإمكان مع احتمال التأثير في رش بذور الإيمان في النفوس المحيطة به، خصوصاً من خلال عرض محاسن كلمات كبرائنا (ع) فإن الناس لو اطلعوا على محاسن تلك الكلمات لاتبعوهم [3]’’.

الجواب لا يشكل موقف السائل ولا يعيد تشكيله بقدر ما يُثبّته. فموقف السائل، كما يتبدّى من طريقة صياغته للسؤال، هو موقف خطاب الكاظمي نفسه، كما تبدّى في الجواب، السائل يطلب جواباً يبرَّئ ذمته من رطوبة الآخر المبتلى بها، لا يطلب موقفاً يعرفه سلفاً.

الهوامش

[1] من موقع الشيخ الكاظمي (السراج) على شبكة الإنترنت.

[2] المصدر السابق.

[3] المصدر السابق.