الرابطــة غير المدنيـــة

قال لي الصديق حسن المدني ”أعرف تماماً أن تحكيم الصراع الأيديولوجي، لن يزيدنا إلا تخندقاً وتعصباً”. كان حديثنا على خلفية شعار الشيخ عيسى قاسم حول سقوط العلمانية، وشعار مجلة الرابطة الإسلامية ”العلمانية= الإلحاد”. 

يبدو أن الأخوة في الرابطة أرادوا أن يذكروا أخوانهم في تيار الوفاق، بأنهم قد سبقوهم إلى 1-3إعلان دعوة التسقيط أو ما يفوقها قبلهم، ولم يجدوا غير إعادة نشر كتابات الشهيد عبدالله المدني عن إلحاد العلمانية، وكلام من مجلس الشيخ سليمان المدني ”أنا لا أفهم الفصائل الوطنية، أنا عندي المواطن المسلم فقط، أما من ولد من مسلمين ثم لم يؤمن بالإسلام فحكمه في الشريعة باتفاق الفقهاء هو القتل، وإذا أعلن التوبة نعطيه فرصة لقضاء ما فاته من صلاة وصيام ثم يقتل أيضاً حدا”.

لقد قلت كلام مجلس الشيخ، ولم أقل فتوى الشيخ ولا كلام الشيخ، لأشير إلى مسألة لفت انتباهي لها الصديق حسن المدني، وهي أن نقل كلام مجلس الشيخ، عادة ما يكون مهدور السياق، السياق الخاص والسياق العام، وهذا يجعل من النقل عملية استخدام في مجال الصراع الاجتماعي والسياسي، أكثر منه أمانة.

لقد حضرت مجلس الشيخ أكثر من مرة، في مطلع التسعينات وشاهدت بإعجاب مهارات الشيخ الكلامية، وحركات يده الجسدية واستمتاعه الذهني بإيراد الاعتراضات عليه وولعه بتفنيدها. ولا أكتم أن صورة هذه المشاهدة ظلت تداعب مخيلتي بحلم أن أتمثلها في خطابي.

لو كان الشيخ لا يزال اليوم في مجلسه، لما ترددت لحظة في الذهاب إليه حاملا اعتراضاتي على كلام مجلسه، سأذهب معولاً على ولع الشيخ بالاعتراضات والحجاجات، لكني لن أذهب اليوم إلى الرابطة الإسلامية، لأنها لا تملك ما كان يملكه الشيخ، من فسحة الاستمتاع بالاعتراض، واعتباره لعبة ذهنية تستحق بذل الوقت والجهد.

كنت سأقول له، يا شيخ، جسد الدولة ليس مفصلا على مقاس المؤمنين الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، بل هو على مقاس المواطنين، ”فالجسم السياسي مجمل أعضاء الجماعة ولكن باعتبارهم مواطنين… لا يفكرون ولا يعملون إلا وفقا لمقتضيات المصلحة العامة”

ولأن الجسم السياسي يتغدى من الجسم الاجتماعي (الجثة الضخمة)، فهو قاعدته التي يستند إليها، ويعمل من أجلها ويبرر تصرفاته باسمها، فعلينا أن نوطّن هذا الجسم الاجتماعي، ليتسع لمقاس الدولة.

كنت سأقول له إن القتل أو الشنق وفق مقاس جسد الدولة، يستحقه المواطن متى أخل بنظام المواطنة ”لا بد أن يشعر الإنسان تجاه النظام أنه قريب من الشنق إذا كان يستحق ذلك. وإذا كان لا يثق بهذه الصورة، فإن كل شيء يصبح عرضة للانهيار”.

الجماعات الليبرالية والعلمانية على تنوعاتها شعرت أنها قريبة من الشنق، دون أن تستحق ذلك، وكان الجسم السياسي عرضة للانهيار، في حين أن جماعات تستحق أن تشعر أنها قريبة من الشنق، كانت تشعر أنها قريبة من الحياة أكثر، الحياة الأكثر فسادا ونفوذا وهيمنة.

كنت سأقول له:في الرابطة المدنية الشنق على الوطن، وفي الرابطة غير المدنية الشنق على المعتقد، والدولة حيث الرابطة المدنية. وأنت المدني.