علمانية الراهب..شــيء مـــــن ســــيرة الرهبنــــة والعلمــنــة

25758414-lg

الراهب هنا، ليس كنيسة، ولا أسقفاً ولا قديساً، إنه مسجدنا في قرية الدير، الراهب هو من أقدم مساجد قريتنا، وأرفعها شأناً وجغرافية، وربما لشيء من تسامحنا حافظنا على تسميته المسيحية، من دون تحرج، كما حافظنا على تسمية الفريق المحيط بالمسجد، باسمه المسيحي، مازال هذا الفريق يسمى بفريق الراهب أو فريق الكلية. وكان بالقرب منه، عين، تسمى عين الراهب، وكان موقعها في مدرسة الدير الابتدائية للبنات (القديمة) وقد طمرت.

والكلية كما يخبرنا الباحث الديري علي هلال هي بمعنى الدير أو بيت العبادة، والقلية كالصومعة واسمها عند النصارى القلاية، ولما كان الأهالي يقلبون القاف كافاً كما في ”قران = كران / وقديم = كديم / وقام = كام” وهي لهجة معروفة من لهجات العرب، فكذلك ” القلية = الكلية”. وأصبحت على لسانهم بدلا من القلية، إذاً القلية اسم آخر للدير ولكن انحصر إطلاقه على المكان الذي بني فيه المعبد فقط، أما اسم الدير فقد فاز بالشهرة على المنطقة كلها حتى أصبح اسما للقرية فيما بعد.

رهبنة العلمنة

شهد هذا المسجد بدايات الدروس الدينية في نهاية السبعينات، وأذكر أن أول درس ديني حضرته أنا، كان في هذا المسجد الصغير، كان ذلك في ,1982 كنت حينها في الصف السادس الابتدائي. الواجبات الركنية في الصلاة هو الموضوع الأول الذي شرحه لنا ببراعة الشيخ حمزة الديري، مازلت أذكر فيها تشبيهه لأركان الصلاة بركن المرمى، استقر هذا التشبيه في مخيلتي كهدف، علي تذكره في كل صلاة. ومازلت أذكر أننا كنا نستمتع وقت خروجنا من المسجد، بالنزول السريع من المنحدر أو التلة التي يقع وسطها هذا المسجد المعتق بالتاريخ.

لم يؤسس الشيخ حمزة، مع رفقائه وأساتذته مشروع الصحوة الجديد عبر الدروس الدينية فقط، بل ترافق ذلك مع تأسيس مكتبة المأتم الجنوبي في الدير، وهي المكتبة التي لم أشهدها، لكنها ظلت في مسموعاتي الأسطورية التي تستعاد دوما بفخر، إلى جانب هذه المكتبة، كانت هناك مكتبة مسجد الراهب، وهي المكتبة الأولى التي عرفتها في حياتي، إلى جانب مكتبة الوالد التي ذهبت إليها عبر بوابة مكتبة الراهب.

على رغم قلة كتب مكتبة الراهب، لكنها كانت مفهرسة ومنظمة، ولديها نظام للاستعارة، وأوقات لفتح المكتبة. معظم الكتب أو كلها فيما أذكر كانت دينية إلى جانب أن بعضها سياسية، ومن ضمنها أعداد من مجلة الشهيد. لا أذكر اليوم من هذه المكتبة سوى كتاب محمد مهدي شمس الدين عن العلمانية، تصفحته، وقرأت فيه كلمات من نوع الاستعمار والإسلام والكفر والتغريب. بدا لي الكتاب صعباً، لكن بالاستعانة بأمين المكتبة عرفت أن العلمانية ضد الإسلام وأنها (شي مو زين).

علمانية الراهب

هذا هو الدرس الأول فيما سأسميه بعلمانية الراهب. أي العلمانية التي تعرفت عليها في مسجد الراهب. لقد خلق هذا المسجد في نفسي ألفة مع الكتب، لكنه لم يفتحني على القراءة، سيبدأ مشروع القراءة في الصف الثاني الإعدادي، مع تأسيس مكتبتي الخاصة عبر مشروع (50 فلساً لبطنك و50 فلسا لعقلك).

هي لم تكن مكتبتي، لكنها نواة لما سيكون فيما بعد مكتبتي الخاصة. كان مشروع الخمسين فلساً، استجابة إلى النداء الداخلي الذي صاغته فينا الدروس الدينية في القرية، هناك في داخلك ما يحركك لتعي واقعك وعالمك ودينك، والكتب هي إحدى وسائل بناء الذات المؤمنة الرسالية الواعية، كنا مدفوعين بهذا النداء أنا وصديق الطفولة والمأتم والمدرسة، أحمد رمضان وعقيل عبدالرضا.

كونَّا صندوقاً تأسيساً للمكتبة، من دون جمعية عمومية طبعاً، كنا ندخر خمسين فلساً يومياً من مصروفنا الخاص للمكتبة، فيما تذهب الخمسين الباقية إلى بطوننا.كما توفرت المكتبة على مصدر دخل آخر، فقد تعلمنا صناعة المسابيح من التربة الحسينية من مصنع الترب في مسجد الخيف بالقرية، وفتحنا مشروع صناعة المسابيح الحسينية، وبحسنا الديني النقي، وجدنا أن المتاجرة بالتربة الحسينية لا ينبغي لها أن تكون دنيوية، وكانت الكتب فيما نراها تجارة للآخرة، لأنها تعدك لتكون مسؤولاً في الدنيا عن تحقيق رسالتك السماوية.

نداء الكتب

بعد مفاوضات يسيرة، اتفقنا أن نجعل مقر مكتبتنا أرفف مجلس بيتنا، كانت تأتينا الكتب من مشروع دار التوحيد بالكويت، والبقية نشتريها في الإجازات من مكتبة الماحوزي والإرشاد والبحرين والوطنية، والمكتبة الإسلامية، كان النقل العام وسيلتنا لبلوغ المنامة، وأحياناً يأخذنا أساتذتنا في المأتم.

القراءة وتكوين المكتبة مثّل لنا عملا دينيا تماما كما العبادة هي عمل ديني. لم يكن أحد من أساتذتنا في المأتم يحدد لنا ما نقرأه. لكن دروسهم كانت تقول لنا ذلك بشكل غير مباشر، ودرس علمانية الراهب، ظل أيضا يقول لنا ذلك بشكل غير مباشر.

الدرس الذي استقر في تكويننا، ظل يذكرنا دوماً بالحذر من الكتب غير الدينية، صارت حساسيتنا القرائية محكومة برسالة تقول: لا تقرأ كتاباً يهز يقينك الديني، إن لم تكن تملك حصانة تحميك من كتاب ما فلا تقرأه. ليس لأننا نمنعك من القراءة، وليس لأننا نخاف من المختلفين عنا، وليس لأننا لا نملك حجة في الرد، بل خوفا عليك، ولأنك لا تملك ما يُمكّنك من الرد. كنا مشبعين بيقن مفرط بالفكر الديني الذي نصدر عنه، لديه حل لكل شيء، ولديه رد على كل شيء، ولديه الأفضل في كل شيء، لم يساورنا الشك أبداً في أننا نملك الحقيقة كلها.

درس العلمنة الأول

في المرحلة الإعدادية، كانت مكتبة والد صديقي أحمد رمضان، قريبة من مجلسهم وهو مكاننا المفضل للاستعداXY5G9972د لامتحانات نهاية العام الدراسي، في هذا المكان شاهدت لأول مرة جهاز يسمى كمبيوتر، كما شاهدت لأول مرة كتبا لا تشبه أغلفتها أغلفة كتب مكتبة مسجد الراهب، وعناوينها لا تصدر عن إيقاع موسيقى كتب مكتب الراهب، وأسماء مؤلفيها لم تألفها حساسية ذاكرتي المأتمية.

يمكنني أن أقول إن درس العلمنة الأول تعلمته بشكل عرضي في هذه المكتبة، والدرس هو أن هناك عالما آخر من الكتب هو غير الكتب الدينية أو الكتب التي تصدر عن فكر ديني. كنت بفضول أقرأ عناوين هذه الكتب، وأتصفح أوراق الجريدة اليومية التي يحرص والد صديقي عيسى رمضان على قراءتها، شاهدت مرة كلمة العلمانية بخط كبير وإلى جانبها رجل أصلع  اسمه فرج فوده، قرأت شيئاً يسيرا من المكتوب وعرفت أنه يهاجم الإسلاميين، فكرهته حد البغض. لكني لاحقاً وجدت كتبه في مكت بة والد صديقي، فاستعرتها فضولاً وأتذكر أني لازمت قراءة كتابه (الحقيقة الغائبة) حتى وأنا أنتظر موعدا لي بالمستشفى، أعجبتني جرأته في قراءة تاريخ الخلفاء العباسيين ووجدت فيها ما يؤيد موقف دروسنا الدينية من الخلافة العباسية والأموية، لكني أخفيت هذا الإعجاب، فالرجل يبقى علمانياً وضد الإسلام.

 

الذهاب إلى جامع الدراز

في السنة الجامعية الأولى، من العام ,1990 بدا لنا أن الدرس الجامعي يقدم لنا ما يصدر عن غير ما كنا نصدر عنه، استشعرنا لأول مرة بخطر غزو الآخر، شعرنا أن طهارة معرفتنا ونقاءها، مهددة بهذا الدرس. أخذتنا الغيرة الدينية إلى الذهاب إلى جامع الدراز، صلينا الظهر خلف الشيخ عيسى قاسم، أنا وصديق قراءاتي جعفر إبراهيم الطعان، وطلبنا أن نتحدث مع الشيخ على انفراد، شرحنا له مخاوفنا، وأوضحنا له أننا لا نخشى على أنفسنا فلدينا من اليقين والمعرفة والقراءة ما يحصننا، لكننا نخشى على الآخرين من أن يتأثروا بأفكار لا تلتقي مع الفكر الإسلامي الأصيل، طلبنا من الشيخ ضرورة التحرك السريع لوضع حد لهذا الخطر. لا أتذكر الآن رد الشيخ، أتذكر فقط أنه شكر غيرتنا ووافقنا أو بدا أنه وافقنا الشعور بهذه الخطورة.شعرنا بارتياح لأننا قمنا بواجبنا الديني، ولأن الشيخ تفهم الخطر الذي شعرنا به، ولأن رسالتنا أوصلناها بشكل جيد.

مضينا في درسنا الجامعي، مشككين في أصالة المعرفة التي يقدمها، وكنت شخصياً أنتظر بفارغ الصبر إنهاء سنواتي الجامعية، لألتحق بدرس الحوزة، فهناك المعرفة الحقة الأصيلة التي يمكن الوثوق فيها. عرفت لاحقاً أن الشك في صدق المعرفة ومصدرها وقيمتها ومعياريتها، مسألة تقع في قلب العلمنة، عرفت ذلك من خلال الالتقاء بكتاب أركون (العلمنة والدين) وكتاب عادل ضاهر (الأسس الفلسفية للعلمانية).

وهذه المعرفة اللاحقة، هي المبرر الذي جعلني أبدأ سرد سيرة تمثلي لمفهوم العلمانية، من المعرفة الأولى حيث دروس مسجد الراهب ومكتبته، فطبيعة هذه المعرفة التي شكلتني، صاغت موقفي وفهمي للعلمانية، وهي بحاجة اليوم إلى مراجعة من أجل أن أفهم تحولاتي وأن أفهم كذلك مجتمعي من خلال هذه السيرة.

صدمة الهشاشة

لقد فتحتني الدروس الدينية على القراءة ونمت لدي إحساسا بالواجب تجاهها، لكنها صاغت فيّ يقيناً مفرطاً وغروراً بامتلاك الحقيقة الحقة الصحيحة، بهذا اليقين المفرط أو لأقل بهذا الغرور المعرفي المفرط، تلقيت كتاب عادل ضاهر (الأسس الفلسفية للعلمانية) في العام 1993م. كان صديقي جعفر الطعان هو من اكتشف الكتاب، وحمله إليّ بعد قراءة الفصول الأولى، قال لي هذا كتاب خطير ومهم، وبحاجة إلى أن يردّ عليه. كان يصدر عن حساسية اليقين الديني نفسه، قلت له لابد أن أحداً من مفكرينا الإسلاميين سيتولى هذا الأمر، وسيظهر ضعفه وتهافته كما فعل السيد محمد باقر الصدر في كتابه (فلسفتنا) و(اقتصادنا).لم نكن نشك أبدا أن لدينا الحقيقة الدامغة، هي فقط تحتاج إلى من يظهرها.

استمر جعفر في قراءته، وكان يطلعني على أوراق تلخيصه للكتاب. ويدفعني إلى قراءته، من أجل أن نعقد جلسات نقاش حوله، كما كنا نعقد جلستنا مع كتاب العدل الإلهي للشهيد مطهري، لكن مع فارق أننا كنا نريد تفنيد الكتاب، في حين كنا مع مطهري نريد تثبيت الكتاب، تثبيته في قلوبنا وعقولنا، لنزداد يقينا.

بدت لي لغة الكتاب صعبة وجافة، ووجدت أن معرفته المنطقية والفلسفية تفوق تكويني، لكني لم أعترف بهذا النقص، وكابرت، وعقدنا بعض الجلسات التي فتحت لي مغاليق هذه الأسس الفلسفية. ظلّ الكتاب معنا مدة طويلة، ولولا حماس جعفر وإصراره لكنت انصرفت عنه. إضافة إلى أن خوفي من الشعور بالهزيمة الداخلية تجاه المعرفة الرصينة التي يقدمها هذا الكتاب، كان سيصرفني عنه، وهو خوف بطبيعته نرجسي ونفسي وجماعي أيضا.

الدرس الأعمق الذي فضحني فيه هذا الكتاب، يتمثل في أنه كشف لي هشاشة تكويني المعرفي، لقد اكتشفت أنني لا أتقن شيئاً من درس الفلسفة، ولا أملك معرفة منطقية رصينة.لا أملك غير تكوين ديني أيديولوجي، فيه الإيمان أكثر من المعرفة، واليقين أكبر من الشك، والامتلاء لا يدع مجالا للعوز، والتبشير يفوق التنظير، والدفاع يسبق الفهم.

الأسس الفلسفية

لأول مرة عرفت أن العلمانية لها أسسها الفلسفية، وأن المعرفة الفلسفية لا تحتاج إلى شواهد من التاريخ ولا نصوص من الدين، أنت أمام حجاج عقلي، عليك أن تصوغ حجتك بالمنطق وتسوغها بالفلسفة. لن يسعفك الاحتجاج بدولة الرسول وممارساته السياسية، ولن تخدمك النصوص القرآنية ولا الأحداث التاريخية.

بدا لي تعريف العلمانية ”فصل الدين عن الدولة” قاصراً عن استيعاب مفهوم العلمانية، ربما هو أحد نتائجها، أو أحد سماتها التاريخية، أو غاية من غايتها، لكن لا يمكن الانطلاق منه لفهم العلمانية، صارت العلمانية مفهوماً مركباً ومعقداً، ولا يمكن اختصارها في جملة جامعة مانعة، كما كنا  نفعل في المدرسة.

غرض كتاب عادل ضاهر أن يبين عن طريق اللجوء إلى اعتبارات فلسفية خالصة (أبستمولوجية ومنطقية أو مفهومية) أن الموقف العلماني هو موقف لا مفر منه من منظور عقلاني وأن مفهوم الدولة الدينية مرفوض من حيث المبدأ.

بهرتني قدرة الكتاب على إدارة هذه الاعتبارات، ووجدت في قوة معالجته، فضحاً لهشاشة الكتابات الإسلامية التي تربيت عليها، بدت لي وكأنها كتب دعوة أكثر منها كتب فكر.استرجعت فكرة صديقي حول أهمية الرد على هذا الكتاب، ووجدتها مستحيلة، فالمعرفة التي ينطلق منها هذا الكتاب ليست من جنس المعرفة التي ينطلق منها الكتاب الإسلاميو ن الذين عرفXY5G9940تهم وقرأتهم، فهم ينطلقون من مسلمات أيديولوجية ودينية وخطابية، وهو ينطلق من أسس فلسفية صلبة. وربما تعزز عندي هذا الاعتقاد أكثر حين قرأت الفصل الثاني من الكتاب، وفيه يفرق بين طبيعة المعرفة الدينية والمعرفة العملية.

المعرفة الدينية هي أي معرفة تكون لدينا عن وجود الله أو صفاته أو أفعاله أو مقاصده وأية معرفة نشتقها منطقيا من السابقة.وهي تبدأ بمعرفتنا أن الله موجود بوصفه الخالق الواحد الأحد والأزلي لكل شيء وبوصفه كلي الحضور وكلي القدرة وكلي المعرفة وكلي الخير وكامل الحرية ومصدرا للإلزام الأخلاقي وواجب الوجود.

المعرفة الدينية

هذه المعرفة هي التي تربيت عليها، وذهبت إلى جامع الدراز أستصرخ الشيخ من أجل تمكينها من أن تكون هي درسنا الجامعي. هذه هي المعرفة التي وجدت في أسسها نهاية العالم ونهاية المعرفة ونهاية الإنسان، لا يمكنك أن تحرك لسانك ولا عقلك ولا جسدك ولا روحك إلا وفق هذه المعرفة، ولا يمكنك أن تشيّد معرفة لا تجد منتهاها في هذه المعرفة.

حتى ما تنشئه من تنظيمات حزبية وأيديولوجية وسياسية عليك أن تشقه من هذه المعرفة، كل ما لا يتخذ من هذه المعرفة مقدمة له أو قناعا له يفقد شرعيته، سواء أكان دولة أو رأياً أو فكرة أو نشاطاً أو سلوكاً أو معرفة.الموقف من هذه المعرفة وأولويتها هو ما يحدد وجودك الشرعي في الحياة، بل الحياة تفقد شرعيتها حين لا تكون هذه المعرفة أساسها.

هذه المعرفة يمثلها (النقل)، وبما هي نقل فهي تسبق الإنسان، تسبق وجوده وعقله، على الإنسان أن يُحكّم هذا السابق في وجوده اللاحق، أي أن يُحكّم النقل. والجملة الشهيرة المعبرة عن هذا التحكيم هي (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها).

التاريخي والمنطقي

تعلمت من هذا الكتاب أن أفرق بين ما هو ذو شأن تاريخي وبين ما هو ذو شأن منطقي، فالعلمانية لا يمكن أن أعرّفها بالأغراض التاريخية التي استهدفت تحقيقها الحركات العلمانية في الغرب. وهي أغراض كانت تهدف إلى التخلص من هيمنة الكنيسة على شؤون السياسة وتحرير السلطة السياسية من أي تأثير مباشر أو غير مباشر من قبل السلطة الدينية المتمثلة بسلطة الأكليروس.

كان مفهوم (النواة السيمانتية أي الدلالية) تجسيداً لهذا التفريق بين ما هو تاريخي وما هو شأن منطقي، وأذكر أني تولعت بهذا المفهوم تولعا غريبا، وربما أفسره اليوم، بأنه يعود إلى أن طبيعة المعرفة الأيديولوجية التي تقدمها الحركات الدينية أو غير الدينية حتى تقوم دوماً على الفوضى الدلالية والخلط الدلالي للمفاهيم، وعبر هذا الخلط تسمم المفاهيم التي لا تريدها فتتشوه في نظر أتباعها، وبهذا تضمن بقاء مؤيديها ضمن هيمنتها. لقد منحني هذا المفهوم مفتاحاً لكشف هذه الاستراتيجية والحذر من آلية عملها في تكويني، وربما كان مفهوم العلمانية هو الشاهد الأكثر دلالة على ذلك. وبدأت أفهمها بكشف أقنعة هذه اللعبة لعبة الخلط الدلالي.

النواة المفهومية

النواة السيمانتية الجوهرية للمفهوم أو السمات الضرورية للمفهوم، هي كما يقدمها كتاب عادل ضاهر، تلك السمات الأبسط للمفهوم ذات الأسبقية المنطقية على كل سماته الأخرى، إنها المكونات الأساسية للمفهوم، إنها ما نشتق منه كل سمات المفهوم الأخرى، سمات مفهوم الديمقراطية مثلا هي الحرية والمساواة بين أعضاء المجتمع بالنسبة للحق في الانتخابات.فهاتان السمتان تحققان غرض الديمقراطية وهو حكم الشعب لنفسه. وبهما السمتين يمكن للمحكومين أن يمنحوا الحاكمين موافقتهم الحرة ليتولوا شؤون الحكم.

من هذه النواة الدلالية المنطقية بدأت النظر إلى العلمانية من منظور كونها موقفا من الإنسان والقيم والدين وموقفا ابستمولوجيا من طبيعة المعرفة العملية ومن طبيعة علاقتها الدينية. وهي مشتقة ليست من العلم، بل من العالم، من دور الإنسان في العالم الدنيوي واكتشافه وعيشه معتمدا في هذا الاكتشاف وهذا العيش عقله مرجعا له. وهذا يعني إعطاء الأولوية للاعتبارات العقلية في كل ما له علاقة بالشؤون الدنيوية. وهذا يعني أيضا أن المعرفة العملية أي المعرفة المطلوبة لغرض تنظيم شؤوننا الدنيوية، لا تجد منتهاها في الدين.

وهذا ما يجعل من العلمانية هي تقديم العقل على النقل. وبهذا التعريف، صار عليّ أن أقلب سيرتي المعرفية التي بدأت بتقديم النقل على العقل.

المتبقي من العلمنة الضاهرية

بدت لي العلمانية من خلال كتاب ”الأسس الفلسفية للعلمانية” موقفاً عقلياً محضاً، لا روح فيه، ولا خيال، ولا خصوصية ثقافية تميزه. موقف متصلب من المعرفة، ومتجهم من الدين، يحتل العقل فيه ذروة السيادة. والمعرفة والأخلاق والقيم تجد منتهاها ومعياريتها في العقل وحده، والإنسان قادر على أن ينشئ عالمه بنفسه، وقادر على أن يدير كل شيء باستقلالية تامة، ومن دون أن يكون بحاجة إلى مرجعية تتجاوزه، والعلمانية الضاهرية – نسبة إلى عادل ضاهر – بدت لي حقبة معرفية يصلها الإنسان بتجاوز الدين، تماما كما هو الأمر عند الوضعية المنطقية كما تجلت عند أوغست كونت، يصلها الإنسان بتحكيم العلم ورفض الخرافة ثم رفض الدين.

لقد كانت الأدوات المنطقية والقدرة الفلسفية التي تميز بها خطاب عادل ضاهر، قادرة على أن تريني هشاشة خطاب الإسلاميين، وأن تشبع فيني استعلاء يريني مقولاتهم في صورة خطاب شعبوي، لا قدرة إقناعية له إلا على العامة من المتدينين البسطاء.

علمنة الروح

مع أركون بدت لي العلمنة موقفا للروح تجاه العالم، وهي إحدى مكتسبات الروح البشرية في بحثها عن الحرية، وهذا لا يعني أنها ليست موقفاً تجاه المعرفة، بل هي كذلك، والإنسان لا تتحرر روحه من غير المعرفة، موقف روحه من المعرفة يحدد شكل وجوده ونمط عيشه.

الروح في خطاب أركون تستحضر تركيبة الإنسان المعقدة، تستحضر عقله وقيمه وسلوكه وخياله ومنطقه وقلبه وحركته المتجلية في كل ما يدل على إنسانيته، لذلك لا غرابة أن يذهب أركون في بحثه عن تجربة العلمنة في السياقات الإسلامية إلى جيل مسكويه والتوحيدي، وهما يصوغان بانفتاح روحيهما حركة (الهوامل والشوامل).

لقد كان التوحيدي مهموماً بفهم الحركة، وتعريف الإنسان من خلالها، وقد اتخذت من فهمه عنواناً لحركة (مدونتي) على الإنترنت، كان هكذا يرى تجليات الحركة في الإنسان ”ثم إن الحركة بعد ذلك في العين طرف، وفي الحاجب اختلاج، وفي اللسان منطق، وفي النفس بحث، وفي القلب فكر، وفي الإنسان استحالة، وفي الروح تشوف، وفي العقل إضاءة واستضاءة”.

لقد فهمت العلمنة بهذا المعنى الروحي، تحرير حركة روح الإنسان بتجلياتها المتعددة من هيمنة الذروة أو السيادة العليا أو الحاكمية المطلقة، سواء جاءت في شكل علم وضعي صارم وأحادي في فهمه للحقيقة، أو جاءت في شكل دين مؤدلج بالسياسة والمصالح والانغلاق، أو جاء في شكل حزب سياسي حديدي إقصائي، أو جاءت في شكل ولاية مطلقة تُعطى لفقيه أو ولي أمر أو زعيم روحي، أو جاء في هيئة سوق رأسمالي مادي يجعل من الإنسان سلعة محوسلة.

العلمنة أن أنفك من هذه الحاكمية المطلقة في صورها المتعددة، وأمارس حريتي بانفتاح على الخيال والعقل والدين والعلم والسياسة والعالم والإنسان والتراث والآخر، العلمنة بهذا المعنى أن تعيش العالم في أوسع ما يمكن.

العلمنة بهذا المعنى نضال روحي قلق ومتوتر تجاه كل ما يحول بينك وبين المعرفة، معرفة نفسك والعالم والآخر، سواء كان ما يحول بينك وبين العالم أيديولوجيا مغلقة أو دين مغلق أو مذهب يقدم نفسه في صيغة طوق نجاة، بعزلك عن الانفتاح على العالم وتناقضاته.

العلمانية تجربة

بهذا أفهم العلمنة تجربة في الوجود في العالم، لا يمكن لأحد أن يحتكرها، ولا يمكن لصيغة من الصيغ أن تستنفد معناها، وهذا ما جعل أركون من أشد الناقدين لتجربة أتاتورك العلمانية، وتجربة اليساريين والاشتراكيين والقوميين، فتجربة أتاتورك مثلا تجربة علموية وليست علمانية، لأنها لم تأخذ في اعتبارها تجربة الإنسان الروحية ومناخها الرمزي وتركيبها التاريخي، كما أنه وقف في الاتجاه المضاد لعلمانية فرنسا في إقصائها للدين من دائرة المعرفة التعليمية في المدارس، لكن لم يفعل ذلك على طريقة من يريدون أن ينشئوا معهدا دينيا لكل طائفة، بل على طريقة من يريد أن يدخل الدين كتجربة روحية وإنسانية تعيشها البشرية في تجليات متعددة.

كما أنه وقف في الاتجاه المضاد للعلمانية التي تريد أن تحتكر العلمنة في تجربة الغرب والمسيحية، وكأنها شأن مسيحي لا يمكن للآخرين كالمسلمين أن يدخلوها. لقد دخل أركون نضالات علمية ومعرفية من أجل أن يثبت أن تجربة العلمنة ممكنة في السياقات الإسلامية.

الجانب الروحي الذي نفاخر فيه في الإسلام من غير العلمنة، يغدو مجرد دوائر صغرى تأخذ تسميات مذهبية وطائفية، وتصبح لكل دائرة روحها المغلقة عليها، هي روح مغلقة على طائفتها ومذهبها وغايتها الخلاص ليس في الدنيا بل الخلاص في الآخرة، وهي مستعدة أن تموت وتعيش محنتها في صراعها الوجودي مع الدوائر الأخرى، بل إن روحانيتها المغلقة لا تتسع للآخرين، وتضيق هذه الروحانية عليها حتى الاختناق. والشاهد على ذلك، ما نشهد من صراعات واحترابات بين دوائر الجماعات الدينية المحلية، صراعات تستنفر فيها أقصى طاقاتها الروحية المذهبية. وربما تكون المنتديات الإلكترونية بعنفها خير ممثل لهذه الروحانية الموتورة.

الدرس الذي نتعلمه من هذه الروحانيات ذات الدوائر المغلقة، أننا بحاجة إلى علمنة تفتح الجانب الروحي في الإسلام على الدنيا والعالم، كي تحتضن روحك كل العالم، وتجاربه الزمنية.

بهذا المعنى لا يمكن أن نفهم العلمنة على أنها احتكار غربي، وقد ولدت في الغرب لأسباب تاريخية صراعية بين الكنيسة والعلم أو بين الكنيسة والعالم، وكي يثبت أركون أنها ليست شأناً مسيحياً خالصاً، راح يقرأ هذه

التجربة في سياق تحرير الإنسان ومعناه في الحضارة الإسلامية، متحررا من أي سلطة تحتكر المعرفة أو الأرض أو السماء أو الإله أو الإنسان أو الشعب أ و التشريع.

 

بهذا التحرير نحمي الدين من أن تتسلط عليه أي جماعة أو سلطة، ونمنحه فضاء حراً ليعيش في الناس كما تتمثله تجاربهم.

بهذا الفهم رحت أفتح روحي على العالم وتجاربه، فالعلمنة بسط تجربتك الروحية، من قبض الانغلاق.

علمنة المعرفة الدينية

المعرفة الدينية، ستغدو شيئاً من التاريخ الماضي إن لم تتعلمن، وتلك مهمة يقوم بها اليوم علم الكلام الجديد، في انتعاشته الإيرانية اليوم، إنه يمثل روحا جديدة منفتحة على العالم بحركة أسئلته ومنطلقاته وغاياته وأفقه ومفاهيمه. المعرفة الدينية التي أنتجها علم الكلام القديم، تشهد على موتها الصراعات الكلامية المذهبية، والحجاجات العقيمة في المنتدياتXY5G9968 الإلكترونية والتلفزيونية التي تنازعها روح طائفية وخلافات عقائدية.

لا غنى للإنسان عن المعرفة الدينية، فهي تجيب عن أسئلته الوجودية والميتافيزيقية، لكنها إن بقيت جامدة خارج حركة العالم وزمانه اعتراها الفساد.فالحركة كما يخبرنا التوحيدي في مقابساته”الحركة كون وفساد، ونمو ونقصان، واستحالة وإمكان، وإنما تباينت هذه الأسماء لمعان تحققت في النفس بالاعتبار الصحيح، فالحركة في النار لهب، وفي الهواء ريح، وفي الماء موج، وفي الأرض زلزلة”.

يبقى الحديث عن العلمنة كما تلقيتها عند عبدالوهاب المسيري، وتلك مهمة أتركها لفسحة أخرى