محمد.. سرد الشق

[et_pb_section fb_built=”1″ _builder_version=”3.0.47″][et_pb_row _builder_version=”3.0.47″ background_size=”initial” background_position=”top_left” background_repeat=”repeat”][et_pb_column type=”4_4″ _builder_version=”3.0.47″ parallax=”off” parallax_method=”on”][et_pb_text _builder_version=”3.0.47″ background_size=”initial” background_position=”top_left” background_repeat=”repeat”]

راوية (محمد) للكاتب اليمني العصي على الترويض والتصنيف جمال جبران، مفرطة في حساسيتها الإنسانية، سرد يستنطق لحظات لا كلمات لها، وحيوات غدت في الغياب، يسرد هنا حكاية عائلته المنكوبة برحيل ابنها (محمد) الذي تحول إلى (زهير) شديد السطوح في يوميات العائلة والرواي بعد موته، حتى صار يعشق الاسم، ويخترع له مناسبات ويبحث له عن صلات ويُنفّس من خلاله عن حالات.

محمد ليس شخصية فلسفية ولا نضالية ولا هو بطل قومي، وليس لديه تاريخ استثنائي، هو (أخ) لديه حس إنساني وشعور بالمسؤولية العائلية والعلاقات الاجتماعية، كيف يمكنك أن تصنع عبر السرد من هذ (الأخ) شخصية روائية تحبها وتحبك سيرتك من خلالها، وتتابع تفاصيلها الإنسانية، وتبكي لفقدها وتتمنى أن تتوافر في حياتك تجربة هذه الأخوة. ذلك هو ما فعله جمال بسرد شقه (أخيه) وتلك هي شعرية السرد، أي ما يجعل السرد عملاً أدبيا جديراً بالقراءة.

يخبرنا الراوي الذي هو نفسه الكاتب، خلال سرده اضطرابه وتردده في نشر الرواية، وهو يفترض أن أحدهم في بيروت مثلا سيقول: “وما شأني أنا بحكاية شاب يمني من أصول إفريقية كُتب عليه نصيب السير على شريط أيام صعبة”[1] .

يستدعي هذا الشريط أن نحكي قصته، مادام هناك شريط وأيام وصعوبة، فالحكاية تستحق أن تسرد، وهنا نستحضر قول محمد لأخيه جمال “سمعت عن طريق صعب تسير عليه”[2]، هو طريق الصحافة في عصر علي عبدالله صالح، إنه (طريق الأذى) كما سمّاه صحفي التحقيقات الاستقصائية الشهير (يسري فودة)

لم يكن الراوي يسرد طريقه، ما كان (طريق الأذى) موضوع سيرة هذا الكتاب (محمد) بل كانت سيرة محمد أخيه الكبير الذي فقده شاباً، لكن سيرة هذا الطريق تظل حاضرة بقوة في السرد، وهو يشكل وضعيته اتي تجعله في حالة سفر دائم عن هذه العائلة المكونة من أب يمني تسعيني فقد بصره (جبران) وأم حبشية (ماما زمزم) وأخوة وأخوات: علي،  منصور، نور، محمد، جمال، نجاة، فيروز.

ما كان لهذه السيرة أن تكتب لو سلك جمال طريقا آخر، وما كان لهذه الشاعرية الفائقة الحساسية أن تظهر في السرد لولا تجربة هذا الطريق التي جعلت من الكتابة مهمة إنسانية، يحمل السالك فيها مصيره على كف موت ينتظره. لقد أعطت الكتابة ل(جمال) حاسة سادسة مكنته من جس حياة العائلة وفتح دواخلها وسرد مصائرها.

لقد جعلتني حساسية هذا السرد أحب (ماما زمزم) وبكيت وأنا أسمع صوتها المتهجد وهي تخاطب ابنها جمال قبل يومين من حفل تخرجه في الجامعة: ألن تخجل مني.. أنا السيدة الحبشية بزيها التقليدي الغريب والتي أتت به لترى احتفال تخرج ابنها الأصغر.

ويجعلك هذا السرد بحساسيته الفائقة تشعر بالوجع الإنساني نفسه يسيل فيك، الوجع الذي يعبر عنه سرد الابن المتخرج: “ما أوجعني في عبارتها السائلة هو اكتشافي المتأخر لكل ذلك الحجم من الغربة التي تكتمها بداخلها كل تلك السنوات”[3].

لقد صاغت الكتابة شخصية (جمال) صياغة إشكالية، كان يشعر بالاختناق في التجمعات الاجتماعية، ويكاد يموت وسطها، وكاد يفقد علاقته بأخيه محمد بسبب ذلك، فقد كان يجد حرجاً في حضور مراسم خطبة أخيه في بيت عم أخيه، وهذه في العرف تعد إهانة لأهل  بيت العروس، وتعرض بسبب الطريق الصعب (الكتابة) إلى مضايقات سياسية وكاد تحديه لماء البحر(الذي هدد به الرئيس معارضيه)  يغرقه في ماء شاحنة داست على جسده.

ظل بسبب طريق الكتابة، في حالة سفر دائمة، بعيداً عن جو العائلة القريب نفسيا منه وبعيدا عن الأحداث  التي تمر بها، كأنه أوكل لأخيه (محمد) القيام بالمهمات التي لم يكن يجيدها، كان محمد الشقيق بالمعنى البويولوجي، وبمعنى النظير والمثيل الذي يحمل شق الاختلاف، والشق يحن لشقه ويفتقده، لقد فقد أخاه الذي كان نقيضه في كل شيء،لم يركب محمد طائرة في حياته سوى مرتين، لم يعرف غير امرأة واحدة، لم يعش قصص حب وغرام، لم يكن يسمح له خجله أن يتحدث عن الحب،  شديد التعلق والحضور في الجو الاجتماعي، صاحب حضور عائلي واجتماعي وتربوي ويروق له أن يتحمل مسؤولية عالية، لم يكن كل ذلك شقيقه جمال.

حين بدأ الراوي روايته بسؤاله الوجودي “أيمكن للكتابة أن تعيد قتيلا” كان يعبر عن حنينه إلى هذا المركب من الصفات المناظرة له في شقيقه، والكتابة يمكنها أن تعيد الموتى بهذا المعنى، فهي تعيد تمثيل ما نفتقده فيهم وتجعله حاضرا في تجربتنا، أو لنقل لا تعيد الكتابة الموتى، ولا تعيد القتلى، لكنها تنقل حياتهم، تنقلها إلى إمكان الفهم والاستعادة وتجعل من تجاربهم مناظير لحيوات الآخرين. وأظن كان الراوي بحاجة إلى هذه الاستعادة ليعيد لروحه شيئا من توازنها النفسي الذي فقده برحيل أخيه “إنه يهزمني دائما”[4].

هكذا إذا، عاد (جمال) للعائلة من سفره الدائم وطريقه الصعب برواية تسكن فيها العائلة، كان يحتاج إلى شقشقة الكتابة ليبني لهم بيتاً يُسكنهم فيه.

هوامش

[1] رواية (محمد)، ص78. كان هذا السؤال نفسه الذي طرحته على نفسي وأنا أكتب سيرة جدتي، حتى إني لم أطرح كتابها في أي مكتبها، اكتفيت بتوزيعه ضمن العائلة والأصدقاء وتفاجأت بحجم التفاعل الذي أحدثه، وبالطلب الملح عليه، وقد قرأ الكثيرون عبره سيرة جداتهم وحكوا من خلالها قصصهم.

[2] رواية (محمد)، ص92.

[3] رواية (محمد)، ص36.

[4] رواية (محمد)، ص36.

[/et_pb_text][/et_pb_column][/et_pb_row][/et_pb_section]