جغرافيا شريعتي

لماذا العودة إلى شريعتي؟
الجغرافيا هي السبب، أعود لشريعتي لأسباب جغرافية، والجغرافيا أرض وجسد وواقع، إنها أرض الأفكار وجسدها وواقعها. شريعتي في سياقه، كان فاتح جغرافيا الفكر الديني، فاتح أرضه التي نبت فيها، وجسده الذي تكون فيه، وواقعه الذي نما فيه وكوّنه.   img038
لقد فهم شريعتي علم الاجتماع الذي درسه في فرنسا، على أنه جغرافيا الأفكار الاجتماعية وسياقاتها في المجتمعات المتعددة. وفي كتابه العودة إلى الذات يتحدث شريعتي عن جغرافيا الكلمة. الكلمة بما هي فكرة أو رأي أو نظر أو أطروحة أو كلام أو حديث. والجغرافيا بما هي زمان ومكان مجسدان في مجتمع حي في لحظة تاريخية.
المجتمع في تجربة شريعتي ليس العامة ولا السواد الأعظم ولا المقلدين ولا جماعة المؤمنين ولا الأتباع ولا الطائفة ولا الناس ولا الأفراد. المجتمع في نظر شريعتي شخصية إنسانية له جسد مادي متشكل من أعضاء، وله روح حية وشاعرة وذات إرادة وضمير، وهو ما يسميه دوركايم الضمير الجماعي، ويسميه لويس برول الضمير الجماعي. المجتمع هو الشخصية الحقيقية والواقعية وليس الفرد.
كل ما يتعلق بالممارسات والظواهر الدينية والاجتماعية والسياسية، لا يمكن انتزاعه من جسد المجتمع، إنه الجغرافيا التي تقع فيها الأفكار، وفي خارطة هذه الجغرافيا، يبحث عن حقيقة هذه الظواهر، لا توجد حقيقة مطلقة من هذه الجغرافيا، فكل ممارسة أو ظاهرة لها جسدها الحي أي بيئتها الاجتماعية وجوها الزماني وضمير المرحلة التي ظهرت فيها وروحها، لذلك لا يمكن أن ننظر إليها في صورة موضوع مستقل ومجرد وعلمي.ولا يمكن أن نحكم عليها بمعايير الصح والخطأ، كما نفعل في النظريات العلمية والرياضية، أو بمعيار الحق والباطل أو بمعيار الهداية والضلال.
لذلك حين سئل شريعتي عن رأيه في أحمد كسروي الباحث الإيراني الذي كان ينادي بالعودة إلى إيران القديمة، قال ”الناس في الغالب يفتحون كتبه كما يفتحون كتباً علمية ثم يفكرون في صحتها أو سقمها”[1]. حين نضع الرأي أو القول أو الفرضية في الجغرافيا لا يعود الغرض الدحض أو الإثبات، بل البحث عن سياق الجغرافيا الاجتماعية التي كوّنت هذا الرأي أو القول.
ولذلك حين نعود اليوم إلى شريعتي، فإننا لا نعود إليه لنبحث عن صحة أفكاره أو خطئها، كي ندافع عنها أو نتبناها أو نبين تهافتها، بل كي نقرأه في سياق جغرافيته، وكي نقرأ جغرافيتنا الدينية في سياقه، أي كي نقرأ ظاهرتنا الدينية في سياقها الاجتماعي في ضوء جغرافيا كلمته.
كان شريعتي يردد دوماً كلمة أستاذه البروفسير جوروفيتش ”لا يوجد مجتمع بل توجد مجتمعات”[2] وكذلك يمكن أن نقول لا توجد جغرافيا بل توجد جغرافيات، وكل ما تغيرت الجغرافيا تغير المجتمع، ومجتمعنا الديني لا يمكن أن يكون هو نفسه مجتمع شريعتي في الستينيات والسبعينيات، هناك مجتمعات دينية، وليس مجتمعا دينيا واحدا.
ما يحسب لشريعتي أنه جعل للمجتمع الديني جسد، بعد أن ظل يتوهم أنه دوماً روح معلقة في السماء لا جسد لها يربطها بالأرض وظلماتها. ومادام للمجتمع الديني أهواؤه الجسدية من غصبية وشهوية ومصلحة وقوة وتنافس واحتكار، فإنه ”لا ينبغي في المجتمع أن ننخدع بحقانية فكرة ما”[3].
هناك أفكار حقانية في ذاتها، لكن حين تضعها في جغرافيا جسد المجتمع، يتكشف وجهها غير الحقاني، سواء جاءت هذه الأفكار من مصادر دينية تتحدث عن (الحفاظ على عزة الإسلام) و(مظلومية الطائفة) أو من مصادر غير دينية تتحدث عن (الحفاظ على عزة الدولة) و(حقوق المواطن). جغرافيا شريعتي تعلمك ألا تنخدع، فليس هناك حقانية معلقة في السماء، والقضايا لا تمشي على الماء، حتى ماء البحر حين يتحول إلى قضية فإنه لا يعود ماء، بل جغرافيا خارطتها مُغيبة.
والأولويات تختلف باختلاف جغرافيا القول، فـ ”في العلم ينبغي النظر إلى القول لا إلى القائل في حين أنه في السياسة ينبغي النظر أولاً إلى القائل ثمّ إلى القول”[4].
تنظر أولاً إلى السعيدي ثم إلى بياناته عن الوطنية، وتنظر إلى الكتلة الإيمانية ثم إلى بياناتها عن الحريات، وتنظر إلى كتلة المنبر الإسلامي ئثم إلى بياناتها عن الطائفية والفساد وتنظر إلى كتلة الأصالة ثم إلى بياناتها عن المواطنة وإلى الحكومة ثم إلى بياناتها وقوانينها عن المحميات الطبيعية والأملاك العامة.
أنت لا تنظر إلى أشخاصهم بل تنظر هنا إلى الجغرافيا التي كونتهم وصاغت أقوالهم وبياناتهم. ستجد الجغرافيا تفضح، وما يفضحنا نخفيه، كما فعلت الجغرافيا الدينية مع شريعتي، ويبقى جواب الجغرافيا، هو الأكثر إقناعاً أمام سؤال لماذا لم تحتفل التيارات الدينية بشريعتي؟
إنهم ينزعجون من الجغرافيا حيث الفضح، ويفضلون السماء حيث الستر.
الهوامش
[1]، [2]، [3]، [4] العودة إلى الذات، علي شريعتي، ص,343ص,253 ص,349 ص.350