لماذا يجب أن نفهم السعودية؟

“الدرعية أصبحت أعظم عاصمة للحداثة الإسلامية من دون أن تتعرض لأي من تأثيرات الحداثة” المرشد الفكري للمنظمة الإسلامية لطلبة شمال أمريكا وكندا، إسماعيل الفاروقي، مقدمة ترجمة كتاب التوحيد إلى اللغة الإنجليزية

بمباشرة شديدة التبسيط يمكن أن نقول، لأنها آخر دولة سمحت للمرأة بسياقة السيارة، والدولة الوحيدة التي لا تسمح لمواطنيها ولا لصحافتها أن تتحدث عن دور الحراك المدني طوال ثلاثة عقود في كسر تابو الحظر. استند الحظر إلى فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز المعروفة باسم بيان 1411هـ/1990م وتقضي “بعدم جواز قيادة النساء للسيارات، ووجوب معاقبة من يقوم منهن بذلك”.

لدي أربعة أسباب، تجيب على سؤال هذه المقالة.

السبب الأول، لأنها الدولة الدينية الوحيدة في العالم التي مازالت تستند إلى وثيقة شفاهية سياسية في تأسيسها.

من المعروف تاريخيا إنه في 1744م التقى محمد بن عبدالوهاب مع محمد بن سعود في الدرعية، وتعاهدا مشافهة على ميثاق عرف بميثاق الدرعية، وهو ينص على أن يُعطي رجل الملة رجل الدولة شرعية دينية، ويُعطي رجل الدولة رجل الملة قوة دنيوية. بالشرعية تقوم الدولة وبالقوة تسود الدعوة.

الدولة السعودية الأولى قامت على أساس تشريع محمد بن عبد الوهاب، هو الذي يعطي لمحمد بن سعود، شرعية الغزو والحرب والتوسع والسبي والضم والإخضاع وأخذ الغنيمة، كان رجل الدعوة هو من يجهز الجيوش ويعد المجاهدين في معسكر الدرعية ويشحنهم قبل ذلك بالدروس الدينية، ويُثبّت فيهم أصول التوحيد، ويُكوِّن عقيدتهم القتالية: الخصومة في التوحيد. أي أن خلافنا وخصومتنا مع الآخرين مبنية على مفهوم التوحيد، من يعارض مفهومنا للتوحيد يُهدر دمه وتسبى حُرمه. مثلت عائلة الشيخ محمد بن عبدالوهاب بامتدادها إلى هذا اليوم المكون الشرعي في الدولة السعودية، لم ينقطع نسل هذه العائلة كما لم ينقطع نسل آل سعود، وحرص الآباء والأجداد والأبناء على أن يلتزموا بوثيقة الدرعية التزاماً تاماً، وفق قاعدة “الدم بالدم والهدم بالهدم” وهذا ما شرحته بالتفصيل في كتابي (إله التوحش.. التكفير والسياسة الوهابية)

السبب الثاني، لأنها الدولة الدينية الوحيدة في العالم التي تُكفِّر مواطنيها.

عشرات مواقع الكراهية والتكفير ومنابره الرسمية وشبه الرسمية في المملكة، تستمد أصولها من كتاب (التوحيد الذي هو حق الله على العبيد). إنه أخطر مفهوم أنتجه محمد بن عبدالوهاب، وصار كتاباً مقدساً في الدولة، وهو الوثيقة العقائدية التي يجب التصديق عليها والإيمان بها، لتكون مواطناً سعودياً حقيقياً، وهي البديل عن الدستور، وهذا ما يفسر عدم وجود دستور للمملكة العربية السعودية.

صار كتابه (التوحيد) دستور الدولة، ويخضع جهاز الدولة السياسي لهذا الكتاب، وقد تم تعميمه في التعليم المدرسي، وأصبح معياراً في صنع (المواطنة) السعودية، بمعنى أنك لا تصبح مواطناً سعوديا من دون أن تدرس هذا الكتاب وتقرّ به، إنه العلامة على التزام الدولة باتفاق الدرعية، والدليل على سريان مفعول هذه الاتفاقية، بل إن المواطنة (التوحيدية) تمّ تعزيزها بتسجيل حي الطريف في الدرعية التاريخية في قائمة التراث العالمي التابعة لليونسكو، هكذا يُثبّت في ذهن المواطن إن الدرعية قبلة التوحيد، كما قررته الدولة السعودية الأولى وأن القطيف وما يشبهها قبلة الشرك والكفر، كما يخبرنا ابن بشر في كتابه (المجد في تاريخ نجد) يقول”وأزال المسلمون [جيش آل سعود] جميع ما في القطيف من الأوثان والمتعبدات والكنائس وأحرقوا كتبهم القبيحة بعدما جمعوا منها أحمالًا” ص187.

يشكل هذا التوحيد السياسية السعودية الخارجية والداخلية، كيف؟ الخارجية لأنه يحدد سياسة علاقاتها الدولية، والداخلية لأنه يحدد مفهوم المواطنة، فالذين يؤمنون بهذا التوحيد (الشيعة) هم مواطنون مشكوك في ولائهم ولا يستحقون الثقة ويجب تمييزهم عن الذين يقرون بالتوحيد إقراراً باللسان والقلب، هكذا يقاس المواطنون على ميثاق (التوحيد).

يدرس (المواطن) كتاباً يكفره، يقول له إنك كافر وعقيدتك فيها شرك، وشعائرك تخرجك من الإسلام، ويجب عليك أن تتعلم التوحيد الصحيح الذي تؤمن به الدولة ورجال ملتها.

لم يخضع هذا التوحيد الوهابي لأي مراجعة نقدية، ولا يمكن أن يخضع لأي مراجعة لأن التشكيك فيه يُعد تشكيك في شرعية الدولة، والمراجعة النقدية تتطلب التشكيك والإشكال والخلخلة، بل ما يتم مزيد من التثبيت والدفاع والنشر كما في مقدمة الترجمة الإنجليزية لكتاب التوحيد التي تقول “الدرعية أصبحت أعظم عاصمة للحداثة الإسلامية من دون أن تتعرض لأي من تأثيرات الحداثة”.

السبب الثالث لأنها الدولة الدينية الوحيدة التي تعتمد البيعة ولم تختبر شرعيتها بأي نظام انتخابي أو تعاقد اجتماعي.

ليس هناك أي وثيقة تشير إلى تمثيل شعبي، ولا يقبل النظام السياسي أي إشارة لأي تمثيل شعبي، أو حراك مطلبي، ومنذ التسعينيات تم تهديد المشاركات في حملة مسيرة السيارات في نوفمبر 1990 بعد إطلاق سراحهن بعدم الإدلاء بأي تصريح لوسائل الإعلام، وتمّ التشديد على ذلك بعد إزالة قرار الحظر، وأذكر أني في 2009 حاولت إقناع بعضهن بالتحديث في برنامج تلفزيوني عن التجربة إلا أنهن امتنع بشدة.

الخلاصة، إنك كمواطن لا تمثل أحداً ولا تمثل حتى نفسك،  ما بين الحاكم والمحكوم بيعة، وواجب على الجميع أن يبايع ولاة الأمر على السمع والطاعة في المنشط والمكره، أي وقت الرخاء والغنائم وتوزيع العطايا وارتفاع أسعار البترول، ووقت الصعاب والحرب والقتال والعُسر والحصار. الخروج على مقتضى البيعة الشرعية، يُعد بمثابة الكفر، ويستوجب “الأخذ على يده، صيانة لوحدة الصف والكلمة” كما أعلنت هيئة العلماء بعد حصار قطر.

لا يمكن لنظام (التوحيد) وهو هوية النظام السياسي أن يقبل بوجود مجتمع مدني أو نشاط حقوقي أو حراك معارض، فكل ذلك يعارض مقتضى نظام البيعة الذي يستوجب السمع والطاعة.

السبب الرابع، لأنها الدولة الدينية الوحيدة في العالم التي نجحت في تصدير التكفير ليكون على أجندة العلاقات الدولية.

أصبح التكفير شأناً من شؤون سياسة العلاقات الدولية، فالدول تحدد سياستها وفق خارطة التكفير ونشاطه وتهديداته وتضع خططها الأمنية لمواجته. ما هو نمط التكفير الذي تحاربه الدول اليوم، ويشغل تفكيرها، ويثير قلقها؟ إنه التكفير الذي صاغه محمد عبدالوهاب، وتجمع عليه عقائدياً جميع التنظيمات الإرهابية، فهي تتخذ من عنوان التوحيد اسمًا لها وتُعرّف عقيدتها ومهمتها الرسالية بالعبارات نفسها التي يستخدمها محمد بن عبد الوهاب في كتابه (التوحيد).

كانت مهمة الدولة في الدرعية نشر التوحيد، تصدير التوحيد الوهابي، وفتح باب الهجرة للموحدين الجدد، كان جامع محمد بن عبدالوهاب مدرستهم، يُعدهم فيها إعداداً عقائديا وجهادياً ليلتحقوا بعدها بالجيش الفاتح والغازي.

صار جامع محمد عبدالوهاب جامعة بل جامعات اليوم، على سبيل المثال الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، تأسست لجلب الموحدين من العالم الإسلامي في العام 1961، وتهيئتهم للدعوة باسم التوحيد الوهابي، على سبيل المثال، هذه عينة بأسماء دعاة من خريجي توحيد محمد بن عبدالوهاب في هذه الجامعة:الداعية بلال فيلبس، أبو أسامة الذهبي، إحسان إلهي ظهير، عبد الهادي بن الحاج أوانج، ياسر قاضي، عبد الرزاق اسكندر. ارتبطت أسماء هؤلاء الدعاة بنشر التطرف والكراهية والتكفير، بعضهم في الغرب وبعضهم في الشرق، وتغدي خطاباتهم كثير من الصراعات الدينية.

لقد تعقدت الدولة السعودية وتعقدت أجهزتها، وتضخم الجهاز السياسي والإداري للدولة وتضخم الجهاز الشرعي معها، وصار جزءا منها،  بعد أن هيمنت عليه، وجعلت منه مؤسسة لا فرداً (هيئة كبار العلماء) لكنها لم تخرج على مفهوم التوحيد الذي ينص عليه اتفاق الدرعية، ولم تخرج (هيئة كبار العلماء) عليه، ولا خففت من تطرفه، وهذه هي النقطة المركزية في تفسير الخصومة الملازمة للمساحات السياسية التي تسيطر عليها السعودية في أي بلد في العالم.