الحلقة الثالثة: الإنسان والرحمة

حلقة #الإنسان_والرحمة  برنامج في #صحبة_ابن_عربي

#علي_الديري

في مقابل ذلك تقدّم لنا نظرية وحدة الوجود صفات الرحمة والحب والقرب، كصورة تمثّل الإله في الإنسان، يقول ابن عربي «فصفات العبد كلّها معارة من عند الله، فهي لله حقيقة، ونعتنا بها، فقبلناها أدبًا على علم أنها له لا لنا»ابن عربي، الفتوحات المكية، باب 409، ج10، ص166.

تتحقّق وحدتنا مع الله عبر هذه الإعارة، كما تتحقّق وحدتك مع أبيك وعائلتك باستعادة صفاتها ووراثتها، وكما تتحقّق صداقتك مع البشر بأريحية استعارة ما تحتاجون له من بعض، لتظهروا أمام الآخرين من غير نقص، كذلك مع الله تتحقّق وحدتنا الوجودية باستعارة نعوته الجميلة نظهر بها بمظاهر الكمال والاكتمال فنكون ممثلين له، متألهين به، رحيمين برحمته.

وهذا ما يعنيه ابن عربي بنظريته للأسماء، فآدم مخلوق من اسم الرحمة ونَفَس هذا الاسم، وعليه أن يكون أولًا رحيمًا تمامًا كما أنّ الله رحيم.

يحقّق آدم بهذه الصفة صورة الله فيه، ويمكّننا من رؤية الرحمة الإلهية متمثّلة في صورته، الرحمة واحدة، رحمة آدم هي عينها من رحمة الله عبر التجلّي، وهذا هو معنى وحدة الوجود، إنّ الرحمة في الوجود واحدة، ما في الإنسان منها هو من نَفَس الإله، فما ثَمّ في الكون إلَّا رحمته.

تتأسّس بقية الصفات على هذه الرحمة، ونكتسب من هذه الرحمة وأسماء الإله صفاتنا البشرية. بقدر ما نبذل من طاقة روحية وذهنية وسلوكية تتجلّى فينا أسماء الله، وعلى الجانب الآخر تقترب الأسماء الإلهية من الإنسان، أو (تتجارى إليه) بتعبير ابن عربي «فلمّا نصّبه في الوجود مَثَلًا، تجارت إليه الأسماء الإلهية بحكم المطابقة» ابن عربي، الفتوحات المكية، باب 358، ج8. ص495.

يتكثّف الحجاب ويغلظ أكثر فأكثر كلمّا تمكّنت سلطة الرسوم والمراسيم من فرض رؤيتها وعباراتها لتكون الحاكم على شرعية الاتصال بالله. أي اتصال خارج مشروعيتهم يعتبر اتصالًا غير شرعي أو خيانة للإيمان تقود صاحبها إلى التكفير والقتل وصولًا إلى ما يسمّيه ابن عربي تحجير الرحمة «إن ذلك ردّ على كتاب الله وتحجير على رحمة الله أن تنال بعض عباد الله» ابن عربي، الفتوحات المكية، باب 50، ج2، ص100.