علي شــريعتي بين قراءتين أو بين سيرتين

 

هذه سيرتي مع شريعتimg044ي كتبتها في العام,1998 وحاولت أن أنشرها وقتها في الصحافة المحلية، لكني لم أتمكن من نشرها. بعد ثلاث سنوات تمكنت بحماس من عبدالله يتيم من نشرها في مجلة البحرين الثقافية، واليوم أعيد نشرها حرفياً ضمن هذا البروفايل المخصص لعلي شريعتي، بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على استشهاده.

منذ مدة زمنية وأنا أحاول قراءة المفكر علي شريعتي إلا أني لم أجد الفرصة المناسبة، في هذه الأيام عثرت بالصدفة على كتابه ” الإنسان والإسلام ” الذي يضم ست محاضرات ألقاها في إحدى الجامعات الإيرانية العام .1967

أزحت جميع الكتب والمقالات والكتابات المتراكمة على طاولتي ورحت أقرأ فكر هذا الرجل، حاولت أن أقرأه قراءة تعرفية أولى أستمتع فيها بأفكاره وشواهده وأمثاله المندسة بين السطور، إلا أني لم أستطع الاسترسال في هذه القراءة؛ فالحس النقدي والرغبة في التحليل عادة ما يعكران مزاج هذه القراءة، حاولت أن أمنع نفسي من وضع الخطوط والإشارات وتسجيل الملاحظات إلا أنني لم أستطع بل إن القراءة تطلبت إحضار مجموعة من الأوراق تتسع لهذا الكم الهائل من الأفكار المتولدة من القراءة.

تحولت إذاً القراءة من الاستطلاع والتعريف؛ لتأخذ وضع الاشتباك والتصيد والاكتشاف، رحت أقرأ الأسماء والإحالات والنبرات، لا أخفي أنني كنت أحاول في حركة خبيثة تصنيف الرجل، كانت تنتابني أسئلة من نوع هل هو إسلامي؟ إلى أي درجة يتماثل مع أفكار الكتاب الإسلاميين؟ هل يحمل خطابه شيئاً جديداً يستحق القراءة؟ إلى أي درجة يخضع خطابه لما يسميه محمد أركون إيديولوجيا الكفاح؟

هذه الأسئلة الأولية كانت مهمة بالنسبة لي شخصياً، لقد كنت أخشى أن أصاب بالخيبة، فأفق انتظاري كان يتوسم في الرجل قدراً كبيراً من الانفتاح المعرفي يميز خطابه عن بقية الخطابات الإسلامية المغلقة بأيديولوجيتها، لقد كانت الخشية تزداد اضطراباً مع كل سطر وبعد كل صفحة خصوصاً حين ترد مفردات (الإسلام – الغرب – الشرق – الرؤية الدينية) فالشحنات التي تحملها هذه الكلمات كفيلة بإشعال حرب فكرية تحرق الأخضر واليابس من العقول المعرفية.

ب دأ الخوف يتلاشى؛ فأسماء المفكرين والفلاسفة المعاصرون بدأت تأخذ مكانها والإجراءات المنهجية لعلم الاجتماع الديني بدأت تمارس فعلها، شعرت بالرغبة في التحول إلى مبشر يوجه العقول المتدينة نحو قراءة كتابات هذا المفكر؛ ففيها تحولات كبيرة نحو تحديث img042خطاب الفكر الإسلامي وفيه ثوابت تحفظ الضمير العقائدي من آلام الجروح المعرفية التي تخدش قلوب المفعمين بثوابت الدين التقديسية.

شعرت بارتياح لا لكون الرجل يراعي حساسية شعوري الديني؛ فأنا مارست خدش هذه الحساسية بنفسي منذ أن اشتبكت بمنهجيات العلوم الإنسانية الحديثة، وأنا الآن لا أشعر بالألم فقد تولت هذه المنهجيات استئصال هذه الحساسية ومنذ ذلك الحين وأنا لا أشعر بأي حساسية والحمد لله.

ما مبعث الارتياح إذاً؟

سؤال يحاول أن يطوق مراوغة خطابي، وأنا وإن كنت أحاول أن أتخلص من هذه المراوغة – بالمعنى المعرفي وليس الأخلاقي – إلا أني أجد نفسي بشكل لا شعوري أتخفى وراءها، ربما تكون هذه الاستراتيجية سمة بنيوية لا تبرأ منها الخطابات، فالخداع والمراوغة يمثلان – كما يرى فوكو – البنية التي يقوم عليها كل خطاب.

لأرجع إذاً إلى السؤال – صدقوني إني أحاول أن أقاوم هذه المراوغة – سؤال الارتياح من هذا الخطاب، الحقيقة – كما تبدو لي الآن – هي أني وجدت في خطاب شريعتي ما يمكن أن يمثل قنطرة يمكن العبور بواسطتها نحو مرحلة التحرر من الايديولوجيا الدينية، أي يمكن قراءة شريعتي من قبل المتأدلج دينياً قراءة مقبولة بوصف شريعتي مدافعاً عن الإسلام وإيديولوجيته وإن كان هذا الدفاع يخرج على الكثير من التصورات التقليدية، تبقى محاولة شريعتي مقبولة طالما أنها لم تعلن قطيعتها مع المبادئ الايديولوجية ذات الأبعاد الدينية.

التحديثات التي أدخلها شريعتي على خطاب الحركة الإسلامية – وإن كانت التسمية غير دقيقة في هذا الموضع – تستدعي قراءة نقدية تبرز أهمية المحاولة وما حققته من إنجازات وما أخفقت فيه من محاولات وما وصلت إليه من فتوحات معرفية.

إننا مع خطاب شريعتي أمام محاولة تحديثية تستعين بالمنجزات الفكرية الغربية لقراءة واقعها الاجتماعي ذي التكوين الديني، إنها تستعين بهذه المنجزات لكي تقوم بعملية تطوير وتحديث من دون أن تخرج عن روح مجتمعها وثوابته الدينية، وهذا ما يجعل من قراءته مقبولة إلى حد ما في البيئات الدينية، إلا أننا لا نقرأه من هذا المنطلق ولا نؤوله انطلاقاً من هذه الثوابت، فقراءتنا أبعد ما تكون عن الارتهان إلى ثوابت اجتماعية أو أطر مجتمعية تحدد نطاق حركتنا النقدية، إننا نقرأ خطاب شريعتي بوصفه محاولة فكرية رامت تجديد الخطاب الديني عبر تقديم محاولة تأويلية لمتبنياته العقائدية ومنطلقاته الفكرية (انظر على سبيل المثال التمايزات التي يقيمها بين التشيع الصفوي والتشيع العلوي).

لقد قرأت شريعتي في سنتي الجامعية الأولى فوجدت في خطابه ثورة تجديدية تقوم على إحداث قطيعة مع التصورات التقليدية للدين فأغرتني هذه الثورية لاعتناق الايديولوجيا الدينية في شكلها الحديث الذي يقدمه خطاب شريعتي، إلا أني اليوم أعاود القراءة من جديد – بعد ثماني سنوات من القراءة الأولى – لأكشف ما كان مستوراً عني لعلي أعيد الاعتبار لذاتي المفكرة التي كانت خاضعة لمنطق وصائي تابع، ربما هذه القراءة تكون إعلاناً بشكل من الأشكال عن مرحلة الاستقلال التي كانت مغيبة تحت تراكمات خطابية لعبت دور الملقن الذي يقول لنا ما ينبغي أن يقال وينطقنا بما يجوز النطق به.

ستكون القراءة إذاً خلافية وربما تكون من الناحية النفسية انتقامية، تثأر لنفسها بما انتهك من حقها في الماضي من استغفال واستحمار- كما يوحي بذلك كتاب شريعتي ( النباهة والاستحمار ) – الانتقام هنا ليس من شريعتي ولا من خطابه بل من طريقة التلقي التي شكلتها خطابات تلك المرحلة، التلقي كان يعني تسلّم أفكار العظماء من الكتاب والمفكرين، تسلّما يحل أفكارهم ورؤاهم في ذاتنا من غير أن يكون لهذه الذات حضور تعلن به عن نفسها، الانتقام يأتي اليوم على صورة إعادة اعتبار لهذه الذات لتقول هي أيضاً رؤيتها الخلافية. كيف يبدو خطاب شريعتي إذاً وفق رؤية هذه الذات ؟.

شريعتي مثقف ملتزم، وهذه الصفة هي مصدر قوته، وفي الوقت نفسه مصدر ضعفه بوصفه مفكرا، قوته لأنها دفعته لقراءة واقعه الاجتماعي والثقافي وحركته لتغييره، وضعفه لأنها شغلته كثيراً لدرجة أنه لم يكن يرى إلا ما يمكن أن يمثل التزاماً اجتماعياً وسياسياً كل ما لا يجد أثره المباشر من الأفكار في واقعه الاجتماعي كان يغيب عن ساحة تفكيره بل إن هذه الصفة دفعته في كثير من الأحيان لتبني مواقف تقييمية يطلق من خلالها أحكام قيمة على الأشياء من غير اعتبار لذاتها فالمهم هو ارتباطها بالمجتمع، وبمدى قدرتها على التغيير تكتسب قيمتها الإيجابية ربما كان شريعتي يعمل تحت مظلة مقولة ماركس ” علينا أن ننشغل بتغيير العالم لا بفهمه ”.

لimg053قد كان الالتزام موقفاً تقدمياً جعل من خطاب شريعتي خطاباً جماهيرياً بعيداً عن النخبوية كما أنه أكسب نبرة خطابه بعداً تحريضياً يستثير القارئ للنزول إلى الشارع للثورة ضد قيمه وعاداته المتخلفة.

الالتزام كان يشغل خطاب شريعتي وأفق قارئه بالتغيير وأساليبه، يقول أبو الحسن بني صدر ”في العام 1963 كنا معاً في باريس، نبحث عن جواب عن السؤال الملح : ما العمل ؟ ”

الفهم يأتي ضمن خطة العمل لكنه لا يحضر كأولوية بل كمتطلب يخدم هدفا أسمى؛ لذلك كثيرا ما يُضحى به حين يكون وقع العمل أشد من وقع متطلبات الفهم، لم يكن العمل ضمن خطة الفهم؛ فالظرف التاريخي والسياق الاجتماعي يقولان للمثقف عليك الالتزام بنا والانشغال بقضايانا المباشرة، وهذا النداء هو الذي استجاب له شريعتي وصاغ مشروعه النهضوي على أساسه، لقد كان شريعتي يتمثل بمقولة الفيلسوف شاندل ”إن مجتمعا متخلفاً وغير واع، إنما يحتاج إلى قيادة ثورية هادية. ففي هكذا مجتمع، تكون الديمقراطية عدوة للدمقراطية”.

إذا كانت الديمقراطية السياسية تعد في هذا المجتمع المتخلف عدوة لنفسها، فإنها تعد على المستوى الفكري ترفاً ينبغي الحد من التمتع بملذاته، القيادة الثورية هي خلاف ما تبدو عليه في هذه المقولة، فهي ليست سياسية وإدارية كما قد تبدو بل هي قيادة فكرية تتولى تحريك أفكار الجماهير من غير أن تسمح بممارسة ديمقراطية التفكير تلك الديمقراطية عدوة ذاتها.

إن شريعتي لا يكتفي بالتنظير الثوري لمجتمعه بل راح يقرأ التاريخ وفق هذه الرؤية، وأخذ يعطي تفسيرا لفكرة الإمامة يتطابق وهذه الرؤية، الإمامة المبنية على فكرة الوصاية في التاريخ الإسلامي تمثل ” الفلسفة السياسية لمرحلة معينة من الثورة، حيث كانت الحاجة لاستمرار الرسالة الاجتماعية للمؤسس الفكري والاجتماعي للحركة وحيث كانت الإمامة قائمة على أساس ثوري وضرورة من أجل إتمام رسالة الثورة عبر أجيال حتى تتمكن الجماعة من الوقوف على قدميها، آنذاك كانت نهاية الإمامة ونهاية مرحلة الوصاية التي كانت مرحلة ثورية خاصة ومحددة وبدأت مرحلة الشورى والبيعة والإجماع أي مرحلة الديمقراطية وهي الشكل الدائم والاعتيادي واللامحدود لتنظيم وقيادة المجتمع ” / الأمة والإمامة، نقلا عن فاضل رسول ”هكذا تكلم على شريعتي”.

هذه الفكرة تثير الكثير من الجدل وتستثير الكثير من القضايا والنتائج التي يمكن أن تقرأ في ضوئها كثيرا من المتبنيات العقائدية، لكننا لن نخوض في ذلك لكوننا نقرأ القضايا الكبرى التي شغلت فكر شريعتي وأنتجت خطابه، ولكون الأطر الاجتماعية الدينية لا تسمح لنا بذلك. على هذا النحو تعمل إذاً صفة الالتزام، إنها لا تكتفي ببناء الذات بناء رساليا يثير فيها الإحساس بالمسؤولية الملقاة على عاتقها، بل تتغلغل في آليات اشتغال العقل لتوجه الذات المفكرة وهي تنتج خطابها وجهة ملتزمة بخط ثوري، أي أن صفة الالتزام لا تكتفي بحض الذات على العمل والإنتاج والإحساس بالمسؤولية الاجتماعية بل تتدخل في فرض خططها وطريقة تفكيرها وإعطاء مسمياتها.

لنمضي مع خطاب شريعتي وهو يتحلى بهذه الصفة الالتزامية في قراءته للتاريخ.

إذا كان شريعتي متأثرا بالفلسفة الماركسية قد قرأ التاريخ قراءة مغايرة للتاريخ التقليدي الذي كان يحكي قصص الملوك والأمراء ويروي قصص البطولات الخارقة فإنه لم يتمكن من التخلص من الروح الانتقائية التي كانت توجه القراءة التقليدية، قراءة شريعتي هي قراءة مضادة للقراءة التقليدية لكنها لم تغادر روحها القائمة على إبراز جانب وإخفاء جوانب أخرى أو الاحتفاء بنموذج واحتقار نماذج أخرى، لقد كان شريعتي ينقب في التاريخ عن روح التمرد ضد الظلم والاستلاب والتخدير أي عن روح الثورة في كل شكل من أشكالها، كل ما كان خارج هذه الروح كان مصيره الإهمال والإغفال، لم تكن هذه القراءة إلا الوجه الآخر من وجه القراءة التقليدية الانتقائية الموجهة التي تسبر التاريخ برؤية تبحث عما يتطابق معها أي تبحث عن شواهد تعزز مقولاتها، من هنا يأتي احتفاء شريعتي بأبي ذر وسلمان الفارسي والإمام الحسين وكل النماذج الثورية.

إن روح الذات الثورية التي كانت تمثل الجانب المفعم من شخصية شريعتي حاضرة في هذه القراءة تنتقي وتختار ما يتطابق معها ويعزز نهجها ويخدم توظيفاتها المعاصرة، التاريخ يحضر في كثير من الأحيان كشاهد ونموذج للاقتداء. 

img060

لابد أن نسجل هنا أن شريعتي كان يتمتع بقدرات ذكية في تأويل الأحداث التاريخية تأويلا معاصرا، لا يتعارض مع منطق العلم الحديث والفلسفة الثورية إلا أن هذه التأويلات التي تبدو للوهلة الأولى مقنعة جدا، لا تلبث أن تكشف عن تورط أيديولوجي وإن كان يحمل صبغة حديثة، هذا التورط يتمثل في أن شريعتي لم يتمكن من التجرد من إطاره المذهبي في قراءة التاريخ الإسلامي قراءة اجتماعية نفسية مجردة تنظر إلى التشكلات المذهبية والحزبية بوصفها رهانات معنى وصراع تأويلات، إنه بدلا من ذلك راح يُسبغ على جذوره الدينية التي شكلت مذهبه العقائدي صبغة حديثة تتلاءم مع الوعي الحديث القائم على فكرة مقاومة الاضطهاد والاستغلال واليقظة بأهمية تشكيل مجتمع يتمتع بحقوق إنسانية متساوية.

إن شريعتي يقدم سردية جديدة للتاريخ الإسلامي بوجه عام وللتاريخ الشيعي بوجه خاص هذه السردية رغم تقدمها على النمط التقليدي فإنها أوقعت نفسها في المأزق الأيديولوجي الذي لم يستطع التخلص من أثر التكوينات العقائدية التي تفرض على المفكر الإخلاص لرسالتها ولجماهيرها، لقد كانت الجماهير المثقفة تتلقى رواية شريعتي بشيء من الانتشاء؛ فهو كراوٍ استطاع أن يخلص (مرويه) من كثير من الشوائب التي علقت به طوال مسيرة تاريخه، والجماهير (مروي) لها كانت تشد على أيدي هذا الراوي الذي نذر نفسه لها رغم أنه كان يقدم سرده للتاريخ في صورة تأويل حديث وليس في صورة مادة خام مكونة من نصوص عتيقة – تبدأ بقال وحدث وروى لتفتح سلسلة العنعنات على مجموعة من الرواة الذين يطوقون النص المروي – رغم ذلك فإنه قد نجح في إقناع كثير من الجماهير المثقفة بروايته، ولا عجب في ذلك؛ فهو مفكر ثوري يحسن الدفاع عن أفكاره ويجيد توضيحها ويتقن أساليب التبشير بها كما لا يفوته إيجاد التبريرات المناسبة لما يتعارض مع تأويلاته.

لقد استضاء شريعتي في قراءته للتاريخ بمنجزات العلوم الإنسانية الحديثة التي تلقها في فرنسا حين كان طالب دراسات عليا، ولم يدفعه تكوينه الديني ليقف منها موقفاً مضاداً، وهذه من المرات القلائل التي يتقبل فيها مثقف ديني هذه المعرفة الحديثة ويوظفها في قراءة ثقافته قراءة تاريخية.

ومن المفارقات غير المألوفة أن يكون شريعتي المنحاز للرؤية الدينية للكون من الممجدين للفلاسفة الغربيين المعاصرين الذين تجاوزوا الديانات وأعلنوا موت الإله بل إنه يضعهم فوق قمة مخروطه – يتكون من ثلاث طبقات النجوم والانتلكجول (المشتغلين بالعقل) وعامة الناس – بوصفهم نجوماً يعملون على تبديل الأنماط السائدة في المجتمع ويقدمون رؤية جديدة لعصرهم وينقلون النسق الحاضر للفكر والشعور والأخلاق والثقافة والعلم والحياة الاجتماعية إلى نسق آخر’’ الإنسان والإسلام/ص.157 إن هذا المثقف صاحب الرؤية الدينية لا يكتفي بذلك بل يعمد في إحدى محاضراته التي قدمها في الستينات لطلبة كلية النفط إلى تعداد أسماء هذه النجوم والإشادة بها والتعريف بأهم كتبها المنقولة إلى لغات العالم الثالث، يحضر في هذه الإشادة سارتر واينشتاين وهايدجر وشاندل وماكس بلانك. .. الخ.

رغم هذه الإشادات التي أبعدت خطاب شريعتي من أسلوب رجم الغرب هذا الأسلوب المألوف في الخطاب الديني إلا أن شريعتي لا يفوت فرصة النقد وإثبات سلسلة الإخفاقات التي مني بها الغرب بسبب فشله في إيجاد الإنسان المتوازن في حاجاته النفسية والمادية، لم يكن الآخر الغربي / المادي يحضر في خطاب شريعتي بوصفه شريكاً إنسانياً في المعرفة بل بوصفه مبدعاً – ليس بالمعنى الديني -ضالاً يجب إبطال رؤيته الكونية بإثبات صحة خطاب رؤية الأنا الإسلامية، لكن نمط هذا الحضور لم يمنع شريعتي من أن يستفيد من هذا الآخر ويحاوره ويستثمر إنتاجه المعرفي ويدين له بذلك، إن شريعتي يستورد هذه العدة المنهجية في التحليل والنقد من الغرب كما نستورد التكنولوجيا ولكن من غير أن يتأثر برؤيته الكونية المادية.

إنه ينتصر للرؤية الدينية للكون ويعيد إنتاجها ويمنحها بعداً دلالياً حديثاً وفق img046 منطق نظري مثالي بعيد عن المنطق التاريخي وشروطه إنه لا يقرأ هذه الرؤية ضمن نطاق شرطها التاريخي، أي كيف تجسدت تاريخيا، فهو يكتفي بهذا الطرح المثالي الذي يسوقه في معرض هجائه للرؤية المادية التي أفرغت الإنسان من مضمونه الروحي الذي حرصت الرؤية الدينية على إشباعه. يبدي علي شريعتي اهتماما شديدا بقراءة تشكل المفاهيم الاجتماعية المتعلقة بالدين وتشكل المفاهيم الدينية المتعلقة بالمجتمع وتأويل المجتمع لها، يقرأ كل هذه التشكلات الخطابية قراءة تاريخية حديثة تستعين بمنهجيات علوم الإنسان التي بلورتها الحضارة الغربية إلا أن هذه القراءة تقف عند مقدسات لم تستطع تجاوزها؛ فهي تبعد من ساحة تفكيرها ما يتعلق بطبيعة المعرفة الدينية ورؤيتها وصياغتها للإنسان تاريخيا، تتعالى هذه الرؤية عن النقد والقراءة ويتجند شريعتي للدفاع عنها لحمايتها من ضربات التاريخ، وهي تبعد أيضا عن تفكيرها إمكان إخضاع مفاهيمها العقائدية للقراءة النقدية هي تكتفي بإعطاء تأويل حديث لها مع توجيه انتقادات لتاريخ تشويهها، إنه يقوم بإعادة صقلها ولكن من دون القدرة على تجاوزها، تشحن هذه المفاهيم بحمولات جديدة توسع من قدراتها وتضمن بقاءها حية تمارس هيمنتها الدينية، هذه هي الاستراتيجية التي اتبعها في قراءة مفاهيم : الوصاية والإمامة والعصمة والولاية والشفاعة والتقليد والانتظار والغيبة.

تبقى هذه المفاهيم منتظمة في تشكيلتها الخطابية التي تصوغ ايديولوجية المتدين من دون أي زحزة تراتبية أو قيمية، يكفي أن ننفض عن هذه المفاهيم الغبار التاريخي الصفوي في الحالة الشيعية والأموي في الحالة السنية لتتألق قدراتها في صياغة الإنسان والمجتمع.

لماذا لم تطل ثورة شريعتي منظومة المفاهيم ونظم تشكيلها للإنسان، واكتفت بإعادة تأويلها بنفض غبار التاريخ الاجتماعي عنها؟ لماذا لم تزح الغبار المعرفي؟

سؤال يضعنا في قلب السياق المعرفي الذي كان يشتغل فيه شريعتي، فالمعرفة النقدية التي كان يشتغل فيها محكومة بسياق اجتماعي وسياسي وحضاري، سياق الصراعات الأيديولوجية بين مختلف التيارات التي كانت تتنافس على الفوز بمناقصة مشروع النهضة والتقدم، صاحب المشروع هو الشعب الذي كان بتطلعاته وأمنياته ومتخيلاته يحدد شروط إنتاج خطاب علي شريعتي، لقد فرضت هذه الشروط على هذا الخطاب أن يتبنى إيديولوجية تضع في اعتبارها مكونات الجماهير الثقافية وتراثها الروحي.

لقد كان شريعتي واعيا لأهمية إنتاج هذه الإيديولوجيا ومدركا لأثرها الثوري في صنع الحضارات؛ وتأكيدا لأهميتها بالنسبة لمشروعه أخذ يفسر القفزات الحضارية للشعوب عبر التاريخ بهذه الروح الثورية التي تعمل الأيديولوجيا على ضخها.

قدمت هذه الأيديولوجيا نفسها في صياغة مقنعة عبرت عن نفسها بمشروع ‘’ العودة إلى الذات ‘’ الذات الإسلامية بعد تنقيتها من أجواء التاريخ الملوث، لقد كان مفكرو بلدان العلم الثالث مشغولين ببناء ذوات مجتمعاتهم المعرضة للاستلاب والاستحمار من قبل الدول المستعمرة، الذات /الأيديولوجيا التي كانت تشغلهم هي الذات الثقافية وما تحمله من تراث حضاري وزاد روحي، العودة إلى الذات هنا عودة إلى محمولات ومضامين الروح الجماعية التي تمثل الوجود الحقيقي بما فيه من ماهية وهوية لا الوجود المجازي الفيزيقي – هذا التمييز بين الوجودين يستعيره شريعتي من هايدجر – الذات في هذا المشروع تبحث عن وجودها الحقيقي الخاص؛ لتطرحه سلاحَ مقاومة للثقافة الغربية التي يسعى الاستعمار لفرضها كثقافة أممية كونية.

التجديد في المضامين والمحمولات الثقافية تطلب من شريعتي مناهضة المشروعات الأخرى ذات الطروحات الغريبة على الأنا الاجتماعية ذات الصبغة الدينية كما تطلب أيضا مقاومة المشروعات الحديثة ذات الطروحات الدينية التي احتفت بأشكال ثقافية يعدها شريعتي متخلفة كمطالبة بعض المتدينين ‘’ بالسيطرة من جديد على المدارس القديمة وإحياء اللحى والعمائم التي ضاعت والعودة إلى التكايا وإقرار إنشاد الروضة – قراءة السير والمقاتل والمواليد – في المنازل وتشكيل هيئات الدق على الصدور والضرب بالسلاسل ‘’ العودة إلى الذات /ص.57 هذه هي مشاغل العودة إلى الذات في خطاب شريعتي، لم تطرح الذات بوصفها عقلا يمتلك نظام تفكير معرفي (ابستملوجيا) بحاجة إلى مراجعة آليات إنتاجه، لم تطرح الذات بوصفها عقلا مكوَّنا كونتها مجموعة من المنطلقات والمبادىء المنطقية والشروط التاريخية، ولم تطرح بوصفها عقلا مكوِّنا يفرض نمط تفكيره وشروط إنتاجه على كل العقول التي تعيش في محيطه. ربما يكون الظرف التاريخي وراء هذه المغيبات عن ساحة التفكير، وربما يكون الهم الأيديولوجي يتطلب إبعاد التفكير عن كل ما يتسبب في تفكيك الذات ولو على المستوى المعرفي؛ فالذات أحوج ما تكون في هذا الظرف إلى الصفاء النفسي لكي لا تزعج نفسها بكشف عورات نظم تفكيرها.

رغم كل ذلك يبقى مشروع شريعتي محاولة جريئة مميزة من بين كل المشروعات التحررية، يحمل من الأصالة الفكرية ما يستحق تجشم عناء القراءة والنقد والحوار، ولعل الجرأة التي تكبد عناءها هذا المشروع هي التي تقف وراء استبعاده من قبل كثير من المتدينين والمتحررين الإيديولوجيين، المتدينون لم يتحملوا جرأته والمتحررون لم يستوعبوا أو لم يريدوا أن يستوعبوا الحياة الجديدة التي بعثها شريعتي في الشكل الثقافي الديني، لقد أخرج شريعتي المكون الديني من الصومعة والطقوس العبادية التقليدية إلى فضاء الممارسات الإنسانية والثقافات الكونية متحررا من ثقل التراث الاجتماعي الديني الذي كان ينوء بثقل عصور التصومع والدروشة. ولا نبالغ إذا ما قلنا إن خطاب شريعتي بوصفه خطابا إسلاميا يعد أكثر جرأة وأشد اشتباكا بالقضايا المعرفية من كثير من الخطابات الأكاديمية الإسلامية المعاصرة.

ربما تبدو لغتي هنا أكثر مهادنة ووفاء وتبجيلاً إلا أنها لا تتناقض مع لغة القراءة التي سبرتُ بها خطاب شريعتي؛ فالنقد والاشتباك المعرفي يعدان الوجه الآخر للوفاء؛ فالتبجيل الذي يأتي في سياق هذه القراءة تبجيل بعيد عن المبالغات والسذاجات، من هنا يمكن القول إننا نجل المفكرين بقدر ما نعيد قراءتهم قراءة خلافية، تكشف المستورات من شخصياتهم، وتفتح المستغلقات من إشكالياتهم.