الجبروت الرمزي في خطاب الغذامي

-1-

من أكثر الأشياء دلالة على أصالة المفكر، قدرته على ابتكار مفاهيمه وحسن استثماره لمفاهيم غيره، وتطويع ابتكاراته واستثماراته تطويعاً تطبيقياً لقراءة منتجات ثقافته .

وقراءة المفاهيم تفتحنا مباشرة على العقل الذي يتحرك من خلاله المفكر، وترينا الخارطة التي من خلالها يتحرك، وتنبئنا بالصيرورة التي يمكن أن ينتهي إليها .

من هنا – حيث بوابة المفاهيم – فضلت الدخول على عالم الناقد الدكتور عبدالله الغذامي الذي أصبح علامة بارزة من علامات النقد في الثقافة العربية (ولست أدري إن كان بالإمكان الحديث عن شروط النسق الثقافي الذي أتاح لها أن تأخذ مكانها ضمنه ) .

وسيكون هذا المدخل عبر قراءة مفـهومه ( الجبروت الرمزي ) قراءة تأويلية، لا تقف عند حدود ما يحد خطابه به هذا المفهوم، ولا عند الإمكانات التطبيقية التي قرأ عبرها المنتجات الثقافية ، فأنا معني بالدخول في حوار معه من الداخل لتفتيق مزيد إمكاناته، ولاستثمار كثير من مدلولاته، ولتحقيق مزيد من الثراء المعرفي؛ لتتكوثر معرفتي بما يفتحه لي صوت هذا المفهوم من أصداء تردد داخلي أصوات الآخر.

-2-

مــا الذي يعنيه مفهوم ( الجبروت الرمزي)؟

يجيبنا خطاب الغذامي بأنه ” الشرط الثقافي وسماته النسقية” ولتفسير هذا الإجمال عليك أن تقرأ خطاب الغذامي النقدي النظري والتطبيقي، وبعد ذلك عليك أن تقدم فهمك في شكل تأويل مكثف تستعين فيه بخلفيتك المعرفية؛ لتعطي معنى المفهوم حياة جديدة . لتنجز هذه القراءة إذن . 

لا يمكننا أن نستقبل مفهوم (الرمز) من دون استحضار هذا التاريخ الطويل لمفهوم العلامة الذي شغل تفكير الحضارة العربية قديماً، والحضارة الغربية حديثاً، تحت مسميات متعددة ومقاربات متباينة وسيحضر ضمن هذا التاريخ مكونات العلامة التي اشتغل عليها علماء اللغويات من أمثال (الجرجاني)  و(دي سوسير) وغيرهم، كما سيحضر الدال والمدلول والمرجع الخارجي، وستحضر جميع التصورات حول هذه المكونات، لكن يهمنا ما انتهى إليه التصور الحديث الذي شغل خطاب الغذامي النظري في ( الخطيئة والتكفير) و( تشريح النص) . 

لا تهمنا تفصيلات هذا التصور الذي بات معروفاً، فما يهمنا فقط هو تحرير مفهوم العلامة من التصورات التقليدية التي أسرته في نطاق المعنى القبلي، والمعنى الأحادي و المعنى التطابقي .

إن خطاب الغذامي يتموقع ضمن المعنى الحديث للعلامة الذي يفتح الدوال على تأويلات لا حد لها، ومن دون أن ترتهن لأي معنى قبلي أو مرجع خارجي تتطابق معه؛ فللدوال نسقها الخاص الذي يولد معناها .

-3-

يكفينا هـذا التصور العام والمجمل لمفهوم ( الرمز) ولنأتِ الآن لمفهوم (الجبروت) وما تنتجه العلاقة الوصفية بينهما (أي بين الجبروت والرمز).

المعنى اللغوي الذي يحيل إليه (الجبروت) هو القهر والعتو ، فأي معنى يمكن أن ينتج من استثمار هذه الدلالة اللغوية؟

لمعرفة ذلك، لا بد أن نعرف أن المدلول الذي يحمله الرمز لا يوجد إلا في أذهاننا، وأن ساحة النشاط التي تنتعش فيها الدوال تقع في عقلنا، ومن هنا فإن للرمز حضوراً رمزياً في تفكيرنا، وتبعاً لذلك سيكون للقهر الذي يتصف به هذا المفهوم حضوره أيضاً في تفكيرنا ومخيلتنا.

للرمز إذن جبروته أي قهره – ولنتذكر أن الله لا يمارس جبروته فينا وفي وجودنا إلا عبر رموز – ويمارس الرمز جبروته عبر الجمهوريات النظرية التي يؤسسها ويرعاها تحت ظله في عقولنا . ألـم تكن (أمريكا) بوصفها رمزاً جمهورية نظرية في كتاب الغذامي (رحلة إلى جمهورية النظرية.. مقاربات لقراءة وجه أمريكا الثقافي)

-4-

ما الذي يقهره الرمز؟

يقهر هذا الجبروت عقولنا، التي ما فتئت تفاخر بعصمتها وقدرتها على المقاومة والصمود، ويقهر عقلانيتنا المفرطة إلى حد النرجسية، ويقهر تعالينا وثقتنا المطلقة بالعقل الذي بات مع عصر الأنوار متعالياً ومطلقاً وخالصاً ، لا مكان فيه للأسطوري، ولا للمتخيل، ولا للخرافي، وإذا بهذا الرمز يفرض بجبروته على الإنسانية أن تتخلى عن مكتسباتها؛ لتدخل حروبا حيوانية، ليس فيها أي قدر من المعقول. 

يقهر هذا الرمز أحادية تفسيراتنا التي ما فتئت تدعي امتلاكها لحقيقة الأشياء. إنه يقهر سلطة امتلاكنا. باختصار يقهر كل ادعاء فينا.

-5-

بم يقهر الرمز كل ذلك ؟

بجبروته الذي يستمده من تعدده واختلافه ، وتحولاته، وتأويلاته، ومخاتلاته وأوهامه التي يخدرنا بها، وعروشه النظرية التي نستظل تحت فيّها، وسلطاته التي يحركنا من خلالها. ألم يقل الغذامي إن علينا أن ندرس الإنسان بوصفه لغة، كي نجيب على سؤال المشكل الحضاري العربي .

إن جبروت الرمز يمارس كل ذلك في تجلياته المتعددة التي تتخذ مرة صورة اللغة ومرة صورة أيقونة ومرة صورة الشعر … الخ .

ليس لهذا الجبروت شكل واحد، بل إنه يتعدد، ويتبدل حتى في الشكل الواحد، ولا أدل على ذلك من شكله اللغوي الذي يموت فينا، ويحيى آلاف المرات، لذلك كان سؤال الغذامي له عندما كان يحاول التعرف عليه حين حل في قصة طرفة بن العبد هو ” كيف يتحرك (الجبروت الرمزي) فارضاً شروطه بمفارقة الواقع وإنشاء واقعه الخاص من حيث تخييل هذا الواقع “. وضمن هذا الواقع الخاص صار المبدع في الرواية “يخلق عشيرة متخيلة عبر السرد” تأنيث القصيدة / ص36 

في ضوء هذه التجليات المتعددة( للجبروت الرمزي) يمكننا أن نفهم إشارة الغذامي له بأنه “الشرط الثقافي وسماته النسقية” فهذه الإشارة توسعه لتجعل منه شرطاً ثقافياً، يتجاوز نطاق الشرط الأدبي، فالأدبي يعيش ضمن مملكته ونسقه الرمزي، ولا نغالي إذا ما قلنا إن موضوع النقد الثقافي هو جبروت الرمز الذي يتجلى في أشكال مجازية لا حد لها .

-6-

بهذا يغادر النقد موضوع النص الأدبي والمعايير الجمالية الأدبية؛ لينفتح على الثفافي متعقباً الساحات التي يحتلها الرمز بجبروته؛ ليحررها بقراءته، وبهذا التعقب يتجاور الساحة الأدبية؛ لينفتح على الساحة الثقافية، ويغدو بذلك نقداً ثقافياً.

بهذا يغدو النقد نشاطاً قرائياً – موضوعه الرمز – منفتحاً على مجمل الأنساق الثقافية متنقلاً بين علامتها فاتحاً مدلولاتها على بعضها.

لم يعد النص الأدبي مع هذا الفتح بضاعة الناقد الوحيدة، كما أن أدوات هذا الناقد لم تعد قاصرة في أداء فاعليتها على فك شفرات هذه الرموز الأدبية، بل غدت قادرة على تفكيك أعتى الرموز طغياناً ، وأشدها خفاءً، وأعقدها التباساً، وأكثرها مراوغة.

-7-

من هنا تأتي مشروعية الكتابة عند الغذامي في اتجاهاتها المتعددة، فمرة تلاحق الكثافة الرمزية لهذا الكم من الحكايات التي تتخذ من المرأة موضوعاً أثيراً لديها، ومرة تلاحق القارئ وهو يجوب فيافي الصحراء، ومرة تلاحق الطاغية في قماطه الشعري، ومرة تلاحق معاني الحرية  في مقولات النقد القديم، ومرة تلاحق الفحولة وهي تسكت صوت الأنوثة.

في كل هذه الملاحقات يبرز عمود الشعر، ويبرز التأنيث، وتبرز الفحولة بوصفها رموزا ثقافية، تنصاع إلى جبروت النسق الثقافي الذي يعطيها معناها، ويتحكم في مركزيتها.

من هنا فإن قراءة الحدث الأدبي سواء أكان قصيدة التفعيلة أم كتابة الرواية أو قصيدة النثر أو الخ لابد أن يكون ضمن النسق الثقافي الذي يمنحه شروط الوجود والإمكان. وبهذه القراءة تتبدى الكتابة متحدية عتاوة الرمز، وشدة خفائه، وعُقد التباسه، و طغيان مقولاته.

-8-

وفي مفهوم الأسلوبين لفكرة (الإجبار الركني) شيء من معنى (الجبروت الرمزي) يمكن استثماره في إغناء هذا المفهوم وفهمه. وتقوم فكرة (الإجبار الركني) كما يقدمها الغذامي على نتائج الفحص الأسلوبي التي تشير إلى أن عناصر النص يدعو بعضها بعضاً حيث يتم عادة اختيار العناصر الأولى اختياراً حراً ثم تفرض هذه العناصر الحقل الدلالي المتسق معها.

ما يحدث على مستوى النص يحدث على مستوى الثقافة، فالنسق الثقافي يفرض عليك بجبروته الرمزي الحقل الدلالي الذي يجعلك منسجماً مع نصوص الثقافة وحين تتحدى جبروته بالكتابة أو القراءة خارج نسقه يفرض عليك عقوباته الخاصة التي أيسرها نفيك من ساحة معناه. هكذا نتخلق ضمن هذا الجبروت. 

وللحديث بقية يمكن أن نستكملها مع صدور كتاب الغذامي (النقد الثقافي _ النظرية والتطبيق)          

جريدة الأيام البحرينية

علي أحمد الديري

alialdairy@alayam.com