القارئ بوصفه رحالا بدويا

امبرتو إيكو

امبرتو إيكو

لقد مرَّ مفهوم القارئ بعدة تنقلات وتبع هذا التنقل تغير وظائفه القرائية وتنتج عن ذلك تغير في مفهوم القراءة، سنحاول مقاربة هذه التنقلات عبر تفكيك استعارة العلوم النقدية والاجتماعية لعالم البداوة؛ للتعبير عن مفهوم القارئ ووظيفته.

البداوة دال يحيل غالباً على تصورات ، تتعارض مع مفهوم التحضر. إنه أقرب إلى معاني البدائية، والهمجية والعصبية. هذه الحمولة الدلالية الشائعة ما عاد لها حضور حين نستعير هذا الدال؛ للتعبير عن مفهوم القارئ. فهذا البدوي لم يعد في استعاراتنا الجديدة كائناً يعيش الكفاف، ولم يعد متوحشاً يبحث عن غنيمة ينقض عليها. إنّ في عالم هذا البدوي من الدلالات ما لم يكتشف بعد، أو لنقل ما لم يلتفت إليه بعد، هذا البعد هو ما تلتقطه الاستعارة الجديدة وتحاول مضاعفة دلالته.

قبل الدخول في عالم هذه الاستعارة الجديدة دعونا نتأمل في التغيرات التي طرأت على مفهوم القارئ والقراءة و المقروء؛ فهذه الاستعارة تشير إلى تحولات مفهومية عميقة يجب ملاحظتها.

_2_

ما الذي تغير في عالم القارئ؟ 

لم يعد القارئ في المفهوم الحديث ذلك الكائن الذي يترجم رموز الكتابة أصواتاً، يُسمعها للآخرين، ولم يعد ذلك الكائن الأمين الذي يقرأ نصوص الآخرين بحثاً عن مقاصدهم ومرادهم، وليس هو آفة الكتب الذي لا يكف عن ملاحقة حروفها، وأسطرها، وصفحاتها. فكل هذه المعاني التي تستحضرها مفـــردة ( القارئ ) عادت مفهومات تقليدية لا يمكن الوقوف عندها. فقد حلت مدلولات جديدة يمكن أن تكون استعارة البداوة أقرب تعبير مجازي عنها، كما سنرى.

قبل أن ننتقل إلى هذا التعبير المجازي، لاستخراج ما في بطنه من مضامين، سنقف على الدوال الحقيقة ( إن كانت هناك دوال حقيقية ) التي تعبر عن مفهوم القارئ الحديث.

المفهوم الحديث للقارئ يقابل، أو يتضاد مع مفهوم الاستنساخ الذي كان يمثل قوام القارئ التقليدي، فهذا القارئ الذي كان يتطابق مع نصه المقروء تطابقاً يجعل منه نسخة من نصه، لم يعد حاضراً بهذا المعنى في المفهوم الحديث، ذلك لأنه غدا شيئاً مختلفاً عن نصه، و بقدر ما يعمق من اختلافه، يعمق من صفة القراءة لديه و كأن القراءة وصف متدرج، يرتقي القارئ فيها درجة كلما حقق اختلافه عن النص المقروء.

وانفصال نص القارئ عن نص المؤلف المكتوب على الورق ، الذي يســــميه ( بارت) الأثر أعطى القارئ استقلالية، وحرية في تشكيل نصه، ومن ثَمَّ، أخذ القارئ تسميات متنوعة، تحيل على تصورات متعددة. فهناك إضافة إلى القارئ الضمني الموجود في ذهن المؤلف، كما هو موجود في ذهني الآن نوع من القارئ، يدفعوني لأن أكتب نصي وفق شروط تداولية معينة، هناك القارئ المثالي عند (ريفاتير )، والقارئ النموذج عند ( امبرتو ايكو ). وهذان النوعان هما اللذان يعملان على تحرير نصي من قيودي؛ لينمو، و يرتحل مع ما هما ذاهبان إليه.

وهذا لا يعني أن القارئ الضمني لا يمكن أن يكون قارئاً نموذجاً أو مثالاً، فالتسمية هنا لا تحيل على شخصية خارجية بقدر ما تحيل مفهوم متصور، يمكن أن يتجسد في الشخصية الواحدة بأكثر من معنى، ومع تجلي كل معنى تأخذ الشخصية تسمية خاصة.

( للتوسع في مفهوم القارئ النموذج و القارئ المثالي يمكن الرجوع إلى مقالة د.عبد الله الغذامي “القارئ المختلف ” في العدد الخامس من مجلة النص الجديد )

_3_

واختلاف مفهوم القارئ كان على صلة و ثيقة باختلاف مفهوم النص الذي يمثل أرض حرثه ومكمن كنزه. لم يعد النص قطعة مسوَّرة بحدود الورقة، ولم يعد أرضاً مستقلة بتخوم واضحة المعالم، فقد غدا فضاء ممتداً إلى حدود تتجاوز أفق نظر القارئ، وأصبح تكويناً من أمشاج شتى ، تحضر فيه من كل جينة نص بذرة تتفتح فيه ثمرة على غير طعم سابق.

والاكتشافات الجديدة لمكونات هذه الأرض (النص) أمدت القارئ بمعرفة علمية، لم يعد معها يقنع بالقليل، ويقف عند حدود اليسير، راضياً بما هو ظاهر فوق السطح؛ فقد غدا سطح النص أملساً يتزحلق عبره القارئ نحو مناطق غائرة وطبقات دلالية متراكبة فوق بعضها، فكل علامات غدت إشارة تتنقل بالقارئ من منطقة إلى أخرى، لقد أصبح النص ساحة لعب يمارس فيها القارئ مهارات اكتشاف علامات الاستدلال.

وهذا ما استدعى توسيع مفهوم خلفية القارئ المعرفية ورؤيته للعالم؛ فقد غدت هذه الخلفية منظار رؤيته التي يقرأ من خلالها النص، لذا لم يعد القارئ بالنظر إلى هذه الخلفية كماً من معلومات اللغة المخزنة في الموسوعات والمعاجم والقصائد. لقد أصبحت خلفية القارئ نسقاً من المهارات التي تؤهله للعب بـ و مع علامات اللغة. ولا نبالغ حين نقول إن القارئ غدا نطفة لغوية، وبقدر وعيه بحقيقة كينونته هذه يتحقق لديه قدراً أعلى من الكفاءة اللغوية.

القراءة بهذا المفهوم الموسع للنص وللقارئ، تصبح نشاطاً ذهنياً يمارسه جهاز تلقينا بكل حواسه حين يســتحضر (شيئا ما) هذا الشيء يمكن أن يكون نصا لغويا أو لوحة فنية أو فلما سينمائيا أو موقفا سياسيا أو حادثة اجتماعية. وهذا الشيء نسميه علامة وحين نقرأ هذه العلامة فإننا نمارس نشاطاً قرائياً.

والقارئ بهذه المفاهيم الموسعة تغدو تسمية يمكن إطلاقها على الناقد والكاتب والأديب والفيلسوف وكل من يمارس نشاطه الذهني بفاعلية.

_4_

لنتأمل الآن في السمات الدلالية التي تحملها مفردة البدوي؛ لنكتشف علاقتها بالسمات الدلالية لمفردة القارئ.

البدوي كائن لا يعرف الاستقرار، كثير الترحال، يحب اكتشاف المناطق المجهولة، ويعتمد في ذلك على قدرته الفائقة في قراءة علامات الطبيعة الصحراوية، و يضاعف من هذه القدرة بصيرته النافذة، وهو فوق ذلك قادر على التأقلم مع ظروف بيئته المتغيرة؛ فهو كائن صحراوي من جنس بيئته الصحراوية.

كل هذه السمات حاضرة في مفهوم القارئ الحديث؛ فهو كائن لا يعرف الاستقرار عند معنى ثابت للنص؛ لذلك فهو كثير الترحال بين طبقاته الدلالاية وفضائه الممتد بين مستوياته اللغوية التي تتيح له فرصة لاكتشاف العلامات، وقراءتها قراءة اختلافية ، يعتمد فيها على بصيرته اللغوية القادرة على التأقلم مع تغير العلامات، وتغير النصوص، وتغير ظروف إنتاجها، ولا عجب في ذلك فالقارئ كائن لغوي من جنس نصه.

وتزيح هذه الاستعارة البدوية استعارة المصباح والنور والشمعة والضوء من عالم النص، فالنص لا يضيء القارئ بقدر ما القارئ يضيئه، والنص ليس نوراً يهدي القارئ بقدر ما يمكن أن يضله، والنص ليس شمعة تدل القارئ بقدر ما هو علامة دلالية من بين آلاف العلامات التي يقرأها القارئ في طريقه.

بتوسع رقعة النص وتحرر القارئ من سلطة النص الضيق، تم انقاذ مفهوم المؤلف من ضيق سلطته؛ ليغدو قارئاً يبيض بقراءته مُسوَّدات نصوص من سبقوه من القراء/ الكتاب السابقين.

و المؤلف بوصف كتابته قراءة لنصوص سابقة، أصبح هو أيضاً نصاً مقروءاً، يحمله القارئ معه في حله وترحاله، يعبر به ساحة الثقافات المختلفة التي تتولى تبيض مسوّدات نصوصه حسب أفق قراءتها.

إن رحلة القارئ كما تشي بها استعارة البدوي، لم تترك مكوناً و احداً من مكونات عملية القراءة ساكناً؛ فجميعها يتحرك في فلك ترحالها الدائم.

وبهذا المعنى يمكن أن نفهم وصف المفكرين للفيلسوف الفرنسي ( جيل دولوز ) بأنه بدوي مترحل في براري الفكر.

 وبهذا المعنى يمكن أن نفهم، لماذا لا تستنفد قراءتنا لإنتاجات المفكرين ولإفرازات الأحداث، ووقائع التاريخ، وبدائع الشعراء والقصاصين.

_5_

وستعمق أجهزة الاتصال الحديثة من عمق ذهابات هذا البدوي، وستفتح رحلته القرائية على واحات ثقافات جديدة على عالمه، كما ستضاعف صدمات اكتشافاته لما لم يكن قد ألفه ، بفتح أفقه على مزيد ساحات المغايرة والاختلاف.

وستمنح هذه الأجهزة استقراره الجسدي في المكان تذاكر مفتوحة تسيح بفكره في ذاكرة الصحراء الإنسانية التي لا تعرف الحدود الحضارية، وكأن الحضارة ببنيتها المعمارية القائمة على الحدود المادية، والهويات المنفصلة لن تكف عن إنتاج بداوتها المعنوية المتمثلة في إلغاء الحدود وانفتاح الساحات للسياحة الثقافية من دون حواجز تحضرية.

جريدة الأيام

1999/7/29