«إذا» المنصوبة، و«إذا» الناصبية

على خلفية جدل حول مقولة النائب البرلماني الشيخ حمزة الديري المقطوعة التاريخ والسياق ‘’إذا كان الشيخ السعيدي ناصبياً فإمام الحرم أكثر نصباً منه’’ بمجلس أبي إيهاب بقرية الدير nadwapa04العامرة بمجالس أهلها الطيبين، سألني الصديق عبدالحسين سؤالا وصفه بأنه لغوي، يقول السؤال ‘’ما معنى (إذا) في اللغة العربية؟’’ قلت له: هي ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه. قال لي: يعني هي تثبت صفة النصب للسعيدي أو تنفيها، ففي مجلسنا هناك من يقول هي تثبت وهناك من يقول هي تنفي.

قلت له سؤالك إذن ليس لغوياً، فأنت تسأل عن (إذا) الخطابية، وليست (إذا) اللغوية، فـ(إذا) إذا دخلت في خطاب، صار مفهومها لا يتحدد معناه بأقوال علماء اللغة ومعاجمهم، بل يتحدد بأقوال أهل السياسة وعلماء الخطاب الاجتماعي والثقافي وخبرائه.

قبل سنتين حملت مع الصديق عباس ميرزا المرشد إلى الوفاق، تصوراً لتقديم ورشة عمل تحت عنوان(تحليل الخطاب)، إلا أن الشيخ علي سلمان قرأ في الاقتراح محاولة اختراق لخطاب الجمعية الإيمانية من قبل خطابي غير الإيماني، فتحفظ على الاقتراح، فاحتفظت بأوراق الورشة المتحفظ عليها لتكون شاهداً على التاريخ.

‘’أنا لا أتهمه بالنصب، لكن أقول إذا كان الشيخ السعيدي ناصبياً فإمام الحرم أكثر نصباً منه’’ هي ليست مقولة الشيخ حمزة، بل هي مقولة الخطاب الذي يصدر عنه الشيخ، تماما كما أن جملة السعيدي ‘’بأنه لن يصلي خلف الشيخ عيسى قاسم أبداً ما دام على عقيدته’’ في حواره مع منتدى الدير قبل عام، ليست مقولته، بل مقولة الخطاب الذي يصدر عنه السعيدي، وهو خطاب أشدّ عنفاً وإقصاء، لكنه يستوي مع خطاب الشيخ حمزة في التورط في تراكمات الخلافات التاريخية وتصوراتها للآخر.

(إذا) في خطاب الديري و(لن) في خطاب السعيدي، تستحضران تاريخ الخلافات المذهبية والعقيدية وظلالها وحساسياتها واستفزازاتها، بل يمكن القول إن السعيدي والديري ما هما إلا أدوات في مؤسسة هذا الخطاب. ومع أنهما يستويان في ذلك، غير أن السعيدي يبقى أكثر وفاء لسلفيته والديري أكثر تورطاً بها. بمعنى فيما يبقى السعيدي منسجماً وحريصا ومصراً على سلفيته، يحاول الديري زحزحتها وفتحها غير أنه يتعثر بها ويقع.

والدليل على ذلك، أن الديري، كان يحاجج جمهوره بمنطقهم، ليبرر انفتاحه على صلاة السعيدي، ويستعين في هذا الحجاج بخطاب الإمام الخميني التوحيدي. و(إذا) كانت أداة حجاجه الخطابية التي حجبها السعيدي مولولاً بانتهاك عرضه العقائدي. وهو لا شك حجاج صعب وشاق، وذلك لما يحظى به السعيدي من كراهية ورفض وسمعة سيئة في خطاب جمهور الديري.

لم تكن زلة لسان كما حاول بعض النواب التبرير لزميلهم، بل كانت عثرة خطاب، زلة اللسان تنتج عن خطأ فردي، وعثرة الخطاب تنتج عن فعل إرث ثقل جماعي وتاريخي ولا يتحمل خطأها فرد واحد.

في عام 1987 كنت وأنا مازلت في المرحلة الثانوية مدفوعاً بخطاب الإمام الخميني الوحدوي للصلاة خلف إمام الحرم، وأسبوع جمعية التوعية التوحيدي ما زال مدفوعاً بهذا الخطاب، وما فتئ الشيخ عيسى قاسم يذكرنا بهذا الخطاب، لكن خطاب الوحدة يتعثر دوماً بخطاب التاريخ العقائدي، و(الناصبي) واحدة من هذه العثرات الخطابية التي لن تزال عن طريق المسلمين بتجنب لسان الشيخ حمزة لها، بل ستزول بتجاوزنا لتاريخها، وتلك مهمة أشك أن الخطاب الوحدوي ينجزها، كما أشك أن الخطاب السياسي القائم على المناورة والمجاملة والمخاتلة يمكنه أن ينجزها.

يبقى هناك فرق بين (إذا) المستقبلية المنصوبة بجواب الشرط، و(إذا) المنصوبة بالتاريخ الذي لا يكف عن الحضور في مستقبلنا. الأولى منصوبة والثانية ناصبية.

هناك (إذا) أخرى في خطاب الديري، ليتها أثارت جدلاً، لنثير حولها جدلا من نوع آخر، لكن نبقيها لسنحة أخرى، وهي التي وردت في جملته ‘’إذا يأخذون آراء مختلف الفقهاء فلن تمشي الدولة، لأن الفقهاء يختلفون في فتاواهم وآرائهم’’.