بوح الأسئلة..حديث إلى السيد الفراتي

أيها السيد الفراتي..

هكذا يحلو لي أن أناديك، كلما قرأتك ضاعفت وجعي الشرقي ، وكاثرت أسئلتي، أجد في قولك “الإهمال للمراقبة والسيطرة والمؤاخذة والسؤال أوسع لأمراء الإسلام مجال الاستبداد وتجاوز الحدود”([1]) تحريضاً لصهيل أسئلتي، أراها تتضاعف وتتراكب، كلما أوغلت في قراءة رائعتك الأثيرة ” طبائع الاستبداد “.

أعرف ألا شيء يسعدك أكثر من أسئلة المراقبة التي تقض مضجع المستبدين وترهبهم ولكن سأصارحك بحقيقة، أرجو أن تلتمس لي العذر فيها، وهي أن أسئلتي بقدر ما فيها من صهيل، فيها 2007-06-24-23147-mainمن التوجس، وذلك من ثقل ضغط مراقبة خطاب الاستبداد عليها، إنها تتحسس اللعنات والضربات التي تنتظرها من كل مكان .

أيها السيد الفراتي ..

بي من الاسئلة ما كان بك من الحرقة ، وبي من الخوف ما كان بك من الجرأة ، وبي من الضعف ما كان بك من القوة ، وبي من المحافظة ما كان بك من الحداثة ، أليس من عجيب الزمان أن تكون أنت المتقدم في الزمن أكثر حداثة مني أنا المتأخر، وأشد مغايرة من تطابقاتي، وأكثر تصريحاً من تلميحاتي .. يبدو أن الزمان يجود للمتقدمين أكثر مما يجود للمتأخرين .

أيها السيد الفراتي ..

كم كان تدينك رائعاً وطازجاً ! حتى أني أجدك أقرب إليَّ من متديني عصري، متدينو اليوم أكثر محافظة، وانكماشاً، وتراجعاً، وتحصناً، وتوهماً، واستبداداً .. كم كنت حاذقاً حين قلت ” الدين أقوى تأثيراً من السياسة .. وأن البروتستانتية أثرت ، في الإصلاح السياسي، أكثر من تأثير الحرية السياسية في الإصلاح عند الكاثوليك”([2]) و”أن إصلاح الدين أسهل منالاً وأقوى وأقرب طريقاً للإصلاح السياسي”([3]). إن قولك يفتح حاستي على مجموعة من الأسئلة المتوجسة، هأنا أبوح لك ببعضها…

هل يمكن أن ننجز حداثة ثقافية واجتماعية قبل أن ننجز حداثة دينية؟

هل يمكن أن نعيش تفتحاً سياسياً من دون أن نعيش تفتحاً دينياً؟

هل يمكن لمجتمعاتنا الشرقية أن تَدخل عصرها الحديث، قبل أن تُدخل دينها العصر الحديث؟

هل يمكن أن نعطي معنى حديثاً للسياسة، قبل أن نعطي معنى جديداً للدين؟

إلى أي حد يمكن القول إن تجاربنا السياسية وإصلاحتنا الديمقراطية قد فشلت لأنها لم تصلح قاعدتها الدينية التي تستند إليها مجتمعاتنا؟

هل نحتاج أن نستعيد تجربة الإصلاح الديني الأوروبية، لنحقق نجاحاتهم السياسية؟

لماذا تجاهلت مشاريعنا الثقافية طوال القرن العشرين مسألة الإصلاح الديني؟

لماذا تحولت الحداثة العربية من مهمة إصلاح الدين إلى مهمة رفضه وإقصائه وتجاهله من دائرة اشتغالها؟

لماذا لم تتفحصه وتختبر تكوينه التاريخي ؟

لماذا بقيت المعرفة الدينية شأناً خاصاً برجال الدين وعلمائه؟

هل صحيح أن الإصلاح الديني مهمة لا شأن للمثقف بها؟

لماذا تحول رجل الدين لدينا من مهمة المراقبة النقدية إلى مهمة المراقبة السلطوية التي ترى في كل تحول أو تغير أو جرأة أو مساءلة تهديداً لهذه السلطة؟

لماذا لا يتحدث علماء الدين ورجاله الآن عن استبداد مؤسساتهم الدينية التي يديرونها ويحكمون باسمها ويحاكمون المختلفين معهم من خلال هيمنتها؟

كيف يمكن أن نفضح هذا التعاض الاستبدادي بين مؤسساتنا السياسية ومؤسساتنا الدينية؟

ما الذي يدفع برجال المؤسسات السياسية للاستعانة برجال الدين لإحكام سيطرتهم علينا؟

أيها السيد الفراتي…

لقد قلت “ترتعد فرائص المستبد من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم، وسياسة المدينة، والتاريخ المفصل، والخطابة الأدبية، وغيرها من العلوم الممزقة للغيوم المبسقة الشموس المحرقة الرؤوس”([4])

ولكن يؤسفني أن أقول لك: إن فرائص المستبد لم ترتعد، بل فرائص المثقف (قبل أن يتحول إلى مستبد هو أيضاً) هي التي ارتعدت، وحين ارتعدت فرائصه لم بجرؤ على أن يوظف هذه العلوم لقراءة الممارسات الدينية النظرية والعملية، فانتشت فرائص المستبد، وأمِن ألا شيء يهدده، فراح يفرض وصايته وسيادته على كل العقول، فأحالها عقلاً واحداً متماثلاً وراح باسم هذا العقل يُؤمم الوعي.

دعني أسألك، وأسأل ذاتي عبرك:

ألا تجد أن حداثتنا العربية لم تمكن هذه العلوم من قراءة تجربتنا الدينية التاريخية، لذلك لم تتمكن من إرهاب الاستبداد فينا؟

لماذا لم تتواصل مهمة إرهاب الاستبداد عبر هذه العلوم؟

لماذا انتصر الاستبداد وهُزمت العلوم؟

ولماذا انتصرت العلوم الطبيعية، ولم تنتصر سياقاتها الحضارية؟

ألا تجد أن بعضاً من هذه العلوم قد وُظف لخدمة الاستبداد نفسه؟

لماذا تجبن جامعاتنا ومعاهدنا العلمية وحوزاتنا الدينية عن توظيف ما انتهت إليه هذه العلوم في صيغتها الحديثة لقراءة مجتمعاتها وثقافتها؟

أيها السيد الفراتي..

لقد استوقفني قولك: “ويقال بالإجمال، أن المستبد لا يخاف من العلوم كلها، بل من التي توسع العقول، وتعرف الإنسان ما هو الإنسان، وما هي حقوقه…”([5]).

نعم، إننا لم نعرف الإنسان، أبداً، والدليل على ذلك، أننا نخاف من علم الانثروبولوجيا، نخاف أن نطبقه لقراءة سياقاتنا التاريخية وسياقتنا الاجتماعية المعاصرة، نخاف من علم مهمته الأساسية فهم الإنسان وعالمه، نخاف أن يتسع نظر إنساننا عبر هذا العلم، فيكتشف أنه بثقافته ودينه ومذهبه ورؤيته ليس مركز هذا الكون، بل هناك ما يتماثل معه في الإنسانية ويختلف في الثقافة ويتعدد، نخشى أن يكتشف إنسانُنا المقيد ببرمجتنا المستبدة أن له طبعات مختلفة في هذا العالم؛ فتسول له نفسه أن يقرأها ليفهم نفسه؛ فيمايز بين ما فيه من الطبيعة وبين ما فيه من الثقافة؛ فيكتشف أوجه اختلافاته وتماثلاته وحدود استبداداته وانعتاقاته.

أيها السيد الفراتي…

ألم تقل في رائعتك ” إنه لا يوجد في الإسلام نفوذ ديني مطلقاً، في غير مسائل إقامة الدين، هذا الدين الحر السهل السمح الذي رفع الإصر والأغلال وأباد الميزة والاستبداد”([6]).

ولكن، هل تعرف إلى أين انتهت سياقات مجتمعاتنا الشرقية بالإسلام؟ لقد جعلت للإسلام نفوذاً دينياً مطلقاً، لقد وجدت فيه ما يمكن أن يتشاكل مع طبائعها الثقافية الاستبدادية، فأنتجته وفق طبيعتها وأعطته تسمياتها، فأحالته رقيباً مخيفاً في كل شيء. هل تعرف أنه الآن يتحسس قلمي متوعداً!

كيف تحولت السماحة تجهماً؟

كيف تحول السهل صعباً؟

كيف تحول الرفع نصباً؟

وكيف تحول المتسامح مستبداً؟

تلك أسئلة، فيها من الدهشة والحرقة والمفارقة ما أعجز عن وصفه.

أيها السيد الفراتي…

لقد أحسنت صنعاً بربطك بين الاستبداد وفساد الأخلاق حين قلت”الاستبداد يتصرف في أكثر الأميال الطبيعية والأخلاق الحسنة فيضعفها، أو يفسدها، أو يمحوها…” ([7]).”الاستبداد يضطر الناس إلى إباحة الكذب والتحيل والخداع والنفاق والتذلل ومراوغة الحس وإماتة النفس إلى آخره”([8]).

ولكن فاتك أن تربط بين مثل الأخلاق والاستبداد..

أليست هناك أخلاق تمارس الثقافة باسمها الاستبداد؟

أي أليست هناك أخلاق تنتج الاستبداد؟

هل تظن أن الاستبداد كائن خارجي يعيش بعيداً عن ذواتنا؟

هل تعتقد أنه جرثومة تغزونا؟ أنا لا أعتقد ذلك؛ فالاستبداد ليس شيئاً خارجاً عن ذواتنا، إنه قابع فينا.

إذا كان الاستبداد يحيل الأخلاق الفاضلة نفاقاً وكذباَ، فهذا لا يعني أن الأخلاق الفاضلة أخلاق مسالمة؛ فكثيراً ما تدفع هذه الأخلاق بأصحابها ودعاتها إلى أن يخرجوا عن طبيعتهم الإنسانية الخطَّاءة، ليحملوا مجتمعاتهم على طبيعة لا يقدرون عليها، وحين تفشل هذه المجتمعات في تحقيق مثلهم ونماذجهم يصفونها بالمجتمعات الجاهلية التي يجب أن تجبر على التمسك بفضائلهم ويجوزون قمع سلوكها الذي يرون فيه خروجاً على جادة صوابهم ويبررون ذلك برغبتهم في إقامة مجتمع طهراني لا يعرف الهفوات ولا الرذائل ولا النزوات.

إن أصحاب المثل العليا والأخلاق الفاضلة ليسوا براء من الاستبداد، وقد أحسن الفيلسوف الألماني نيتشه صنعاً بفضحهم.

إن خطورة الاستبداد الأخلاقي – إن صحت التسمية- تكمن في خفائه وتلبسه؛ لذلك فهو صعب الاكتشاف وصعب الإدانة، فمن يملك الجرأة على إدانة صوت يدعو إلى إقامة الفضيلة والطهارة في المجتمع، ومن يستطيع أن يحذر من عنف الطاهرة واستبداد الفضيلة.

لا تقتصر تجليات الاستبداد على وجوه الملوك والأباطرة والخلفاء وأصحاب السلطات المادية، فله من الصور والتجليات المتلونة ما يصعب حصره. إنه يأتي في صورة واعظ أو عالم أو أب أو أم أو أستاذ أو مرب…إلخ.

أيها السيد الفراتي…

كان بودي أن أعرفك على شخصية دينية فذة، أجهض مشروعها كما أجهض مشروعك… إنه آية الله المحقق محمد حسين النائيني، لقد كتب هذا العظيم بعد وفاتك بأربع سنوات تقريباً، كتاباً هاماً عنوانه (تنبيه الأمة .. وتنزيه الملة) كان يحمل فيه همك النهضوي في إقامة حكومة غير مستبدة، كان يرى أن فكرة الدستور هي الطريق الصحيح للحد من استبداد الخلفاء والحكام والحكومات، وقد أوشك أن يقدم حياته من أجل تأصيل هذه الفكرة تأصيلاً فقهيا.كان إيمانه بالحكومة الدستورية يفوق إيمان مثقفي عصره، وكان يرى أن الدولة المقيدة بدستور هي نقيض الدولة الاستبدادية، فالأولى تقوم على “استرداد الحرية من الغاصبين”([9])والثانية تقوم على” اغتصاب الحرية”([10]). لقد تحدث كما تحدثت عن تلازم الاستبداد الديني والاستبداد الثقافي، وقد حمل بشدة على من أسماهم بـ”حاملي لواء الاستبداد الديني”.
هل تعرف أي نهاية تراجيدية لحقت بكتابه، لقد تمكنت أنساق الاستبداد الثقافي والمؤسساتي والسياسي والديني منه حتى حاصرته، فدفعته لإحراق كتابه، وسعى للتخلص من جميع النسخ الموجودة، ومع ذلك وصل الكتاب إلينا، ولكنه لم ينل حقه من الشهرة والنفوذ.

كتبت هذه المقالة احتفاء بمئوية الكواكبي في 2002

الهوامش

[1] ) عبدالرحمن الكواكبي.طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد. دار نفائس.ط3. 1993م.ص43

[2] ) المرجع نفسه ص38

[3] ) المرجع نفسه ص38

[4] ) المرجع نفسه ص51

[5] ) المرجع نفسه ص51

[6] ) المرجع نفسه ص43

[7] ) المرجع نفسه ص84

[8] ) المرجع نفسه ص105

[9] ) تنبيه الأمة وتنزيه الملة.آية الله المحقق النائيني. تعريب: عبد الحسين آل نجف. تحقيق عبد الكريم آل نجف.مؤسسة أحسن الحديث.ط1 .1419هـ. ص155

[10] ) المرجع نفسه. ص155