الحلقة الثانية من نقد الشيخ والتنوير: التنوير الضخم والمثقفون الموالون

أتحدث هنا عن التنوير الضخم كما

للاستماع للحلقة يمكنك الضغط من هنا

لتحميل المقالة بصيغة pdf يمكنك الضغط من هنا

تحدثت في الحلقة السابقة عن الأب الضخم. التنوير الضخم هو تنوير يتم اصطناعه عبر خلق سردية غير صحيحة تُضخّم شخصيات وأحداث وكلمات وتبني لها سياقا مقتطعا من التاريخ الوقائعي. كيف غير صحيحة؟ هذا ما سنحاول أن نبيّنه في هذه الحلقة بالكلام عن الحدث السياسي المزلزل في البحرين في 1923 وقلت مزلزل لأنه أسقط شكل دولة المشيخة والإقطاع وعزل الحاكم عيسى بن علي، وتم تأسيس إدارات الدولة الحديثة، فتحركت جماعات المصالح والمستفيدين من شكل السلطة القبلية، للدفاع عنها.

هناك مجموعة من الأسئلة نريد أن نطرحها خلال هذه الحلقة. ما هو موقف ناصر الخيري من حدث 1923؟ وما هو موقف إبراهيم بن محمد آل خليفة الذي أسماه الكتاب (شيخ التنوير) من هذا الحدث؟ هل ذهب بتنويره لتأييد فكرة الدولة الحديثة والسلطة الحديثة، أم أنه دافع عن شكل دولة المشيخة ونظام عيسى بن علي الإقطاعي في ذلك الوقت؟

الإصلاحات وخطاب العزل 

سأعرض مقتطفًا من كتاب (الشيخ والتنوير) ينقل فيه رواية تقول «إن ناصر الخيري بعد أن قرأ خطاب نوكس [وهو خطاب عزل عيسى بن علي] في مايو 1923 مرض بعد ذلك مرضا شديدا متأثرا بما جاء في الخطاب، وقال إن أيادي الشيخ عيسى بن علي علينا كثيرة ولم أكن أتوقع أن أقوم بما قمت به».

يتحدث هذا المقتطف عن الخطاب الذي ألقاه ناصر الخيري في ما عُرف بمجلس العزل، وهو المجلس الذي عَزل (عيسى بن علي) ونَصّب ابنه حمد مكانه، وتم فيه إعلان شكل الدولة الحديث والقطع مع دولة المشيخة ونظام البداوة، أو ما سُمي في أحد التقارير البريطانية: نظام اللاحكم. لم تكن في البحرين حينها حكومة مركزية توزع سلطاتها، بل توجد إقطاعيات، كل شيخ يحكم إقطاعية عبر نظام الفداوية.

هذا المقتطف الذي يبدو أن الكتاب يتبناه بشكل واضح، يقول إن ناصر الخيري مرض بعد أن ألقى هذا الخطاب مرضاً شديداً، فكأنه غير مقتنع بما جاء فيه، وكأنه كان مكرهاً بوقوفه هذا الموقف وقراءته لهــذا الخطاب التاريخي الذي لا يرمي إلى عزل عيسى بن علي فحسب، بل إلى تدشين شكل الدولة الحديثة.

لماذا تبنى كتاب (الشيخ والتنوير) رواية أن ناصر الخيري ندم ومرض ومات؟ وراء ذلك سبب وجيه، هو أن الرواية الرسمية لا تريد أن تعترف بعزل عيسى بن علي. لذلك حينما نذهب الى المدونات الرسمية وهي تروي تاريخ حكم آل خليفة في البحرين، فإنها لا تقول إن عيسى بن علي قد عُزل في 1923، ولا إن ابنه حمد بن عيسى تولى الحكم في هذا العام، بل تقول إنه تولى الحكم في العام 1932، وهو العام الذي توفّى فيه عيسى بن علي. لأن هذه العقلية لا تقبل أن يتنازل الحاكم أو يُعزل حتى يموت.

بالتالي، فإن موقف ناصر الخيري -حتى في كتاب الشيخ والتنوير-  يُراد له أن يظهر بمظهر الكاتب والمثقف الذي يسير في ركب السلطة، وأن ما فعله كان مضطراً إليه لأنه كان موظفاً في الوكالة البريطانية، أي موظف لدى المستعمر، لا أنه مثقف لديه موقف نقدي حرّ من شكل الدولة وسلطة الدولة.  

هل هذا الكلام صحيح؟ هل ناصر الخيري كان كذلك فعلاً؟ لنر ماذا يقول ناصر الخيري في كتابه، وفي مقابل

ذلك نريد أن نعرف موقف من أسماه الكتاب بشيخ التنوير؛ إبراهيم بن محمد آل خليفة جدّ ميّ آل خليفة. 

موقف ناصر الخيري

يتوجه ناصر الخيري، بتقريع شديد لسلوك (صاحب المسند) أي مسند الحكم، في وقوفه إلى جانب فريق النجادة ومجاملته لهم، الأمر الذي سبب العبث بالأمن والإخلال بمسؤوليات الحاكم في حفظ الأمن والحياد 

يقول ناصر الخيري حول أحداث 1923: «وما ذلك إلا بسبب مجاملة حكومة الشيخ عيسى لفرقة النجادا (النجديين) مجاملة توجب لوم صاحب المسند (الحاكم)، وتسبب الطعن في نظرياته الغير صائبة، إذ ليس من شأن الحاكم أن يجامل فريقاً دون آخر إلى حد أن يقف مكتوف اليدين أمام ما يتخذه الفريق من الإجراءات العدوانية ضد الآخرين، مع تيقنه أن تلك الإجراءات سوف تنتج نتائج وخيمة جداً أقلها سفك الدماء والعبث بالأمنية العمومية التي هي من أول مسئوليات الحكام».

لديّ الكثير من الفقرات التي يمكن الاستشهاد بها، لكن هذه الفقرة مهمة. لماذا؟ لأن هناك حدث وقع: خلاف بين تجار النجادة (أهل نجد) وبين تجار من العجم على خلفية حادث صغير سرق فيه خادم ساعد يد وباعها في السوق. لكن الأمور كانت محتقنة في ذلك الوقت لأسباب سياسية كثيرة.

 ارتفعت وتيرة وقائع هذا الخلاف وتسببت بحدوث مشاجرات كبيرة في المنامة، فكان هذا الخلاف بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. بعد هذا الخلاف أصبح موضوع التحوّل نحو الدولة المدنية مهما جداً لأن بريطانيا تريد أن يسود النظام، وتمنع أي دولة أخرى من التدخل بحجة حماية رعاياها، أي أن مصالحها تتطلب ذلك، وسيادة النظام يعني أن يكون هناك نظام يعرف من هو البحريني ومن هو غير البحريني، ويكون هناك محاكم وعدالة جنائية وإدارات دولة حديثة. وهذا هو النظام الذي سعى ناصر الخيري لدعمه والوقوف الى جانبه.

حينما نأتي إلى تحليل موقف ناصر الخيري من فكرة دعم الحاكم للنجادة، نجده يحمل حقيقة مهمة، وهي أنه وقف ضد الحزب المناصر لعيسى بن علي، وهذا يعبّر عن موقفه من طبيعة الحكم، فليس صحيحاً أبداً أن نقول إن ناصر الخيري ندم أو أنه كان متردداً أو مرض أو مات، لأنه قدم خطاباً لا يتسق مع موقفه التاريخي.

يروي الخيري عن مجلس العزل على هذا النحو: «جمعت [الدولة البريطانية] في دار القنصل فريقاً كبيراً من رؤساء سائر الطوائف، وألقى الكرنل ناكس عليهم خطابة مسهبة بين فيها كثيراً من الأسباب التي أوجبت تداخل الحكومة البريطانية في شئون بلادهم، وأوصى الأهالي بالرضا بما قسم الله لهم، وحضهم على الطاعة وحذرهم عواقب التذمر والمخالفة، وهدد من يظهر عدم الرضا بالحالة الراهنة بصارم العقاب، ونعى على حكومة الشيخ عيسى جمودها على ما ورثته من أسلافها من أساليب الحكم القديمة وعدم مجاراة الزمان في تغيراته ودوام الحال من المحال»

لا شيء في رواية الخيري يعبر عن ندمه أو شعوره بالامتنان لحكم عيسى بن علي، خصوصاً الجملة الأخيرة «ونعى على حكومة الشيخ عيسى جمودها على ما ورثته من أسلافها من أساليب الحكم القديمة وعدم مجاراة الزمان في تغيراته ودوام الحال من المحال» إنه يرويها بلسان المتبني لها، كما يروي كتاب الشيخ والتنوير رواية الندم والشعور بالذنب والموت بلسان المتبني.

 المحيط الإنكليزي

اسمحوا لي هنا أن أستحضر رواية (لمحيط الإنكليزي) للكاتب الراحل فريد رمضان، تحديداً الفصل الخاص بالبحرين تحت عنوان (جزر الخوف) هو اسم يليق بالبحرين فعلاً خلال فترة العشرينات. تحدّثت الرواية عن التاجر (عبد العزيز النجدي)، الذي أجبر (يوسف) على الزواج من (جوهرة) العبدة الحبشية، بعد أن حملت من هذا التاجر، ليدخل هذا العبد في قصة معقدة تنتهي بأن يُضرب ويُلقى به مع عائلته دون كرامة ودون قانون. 

كان ذلك هو وضع الناس الذين لا تحميهم قبيلة ولا دولة ذات سيادة في البحرين. جاء قانون الدولة المدنية 1923 في البحرين ليضع حداً للانتهاكات التي كانت تحدث في عهد عيسى بن علي. التحول لنظام الدولة المدنية كان يعني رفع الظّلم عن هؤلاء 

الناس والرعايا الذين لم يكن هناك قانون يرعاهم ولا دولة. ناصر الخيري كان يدعم هذه الإصلاحات التي تحمي الناس الذين لا حامي لهم ولا ظهر أو قبيلة أو شيخ لهم. 

كان هذا هو موقف ناصر الخيري، فهل نجد ذلك في كتاب (الشيخ والتنوير)؟ لا نجد ذلك أبدا. الكتاب لا يضيء لنا هذا الجانب، لا يوضح لنا كيف كان نظام الحكم في البحرين؟ كيف هو موقف المثقف في ذلك الوقت؟ كيف هو موقف (شيخ التنوير) إبراهيم بن محمد آل خليفة؟ ما موقفه من شكل هذه الدولة؟ من نظام المشيخة والإقطاع؟ من التمييز وفرض الضرائب حسب العرق والطائفة؟ هذا ما سنعرفه الآن.

لغة (شيخ التنوير)

هناك رسالة كتبها الشيخ إبراهيم في 1923، توجّه بها إلى الشيخ (محمد رشيد رضا) صاحب (مجلة المنار). من هو الشيخ محمد رشيد رضا؟ هو شخصية سلفية إصلاحية كانت تريد النهوض بالعالم الإسلامي لكن من منظور سلفي، وهو ليس توصيفي إنما توصيف المختصين في هذه المرحلة، كذلك كتاب (الشيخ والتنوير) استعمل هذا التوصيف لنعت محمد رشيد رضا. لكن لا أعرف كيف يمكن أن يكون من يتواصل مع هذه المجلة ذات التوجّه السلفي كما يخبرنا الكتاب، ويقوم بدعمها مادياً، ويرفع لها تقارير عن البحرين، أن نقول أنه رجل تنوير وشيخ تنوير وهو يتجه إلى وجهة سلفية.

يقول الشيخ إبراهيم في تقديم رسالته إلى صاحب مجلة المنار: «بسم الله الرحمن الرحيم، حجّة الإسلام المُصلح الإمام الأستاذ السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار الإسلامي الأغرّ حياه الله وأحياه ومتّع المسلمين بطول بقائه..»

هذه المقدّمة توضّح تماماً أننا أمام لغة مغايرة للغة التنوير، بل إن صاحبها أقرب للتوجّه الإسلامي التقليدي، يمكنك أن تقول إن لديه توجّه إصلاحي، ربما، لكن أن تُلبسه جبة (شيخ تنوير)، هذه اللغة لا تناسبه إطلاقاً.

نكاد لا نعثر في كتاب الشيخ والتنوير على مقولات أو خطابات أو مواقف للشيخ إبراهيم، تنير لنا شخصيته التنويرية، تنتهي من الكتاب ولا تعلق في ذهنك جملة تصلح أن تضعها كاقتباس يضيء لك فكرة حرة أو يدفعك لاتخاذ موقف حر، بل على العكس من ذلك، مثلا رسالته لابنه محمر في 1929 إبان إقامته في مكة المكرمة، يقول فيها: «وبعد، أرجو ألا تنسى ما أوصيك به من طلب العلم، أعني الفقه العربية، وأكثر من قراءة القرآن، ودع عنك كتب التصوف، وكتب الطب، فإنها مضيعة للعقل ومجلبة للوسواس والأوهام».

تتساءل كيف يمكن أن يكون صاحب خطاب تنويري وهو يحصر العلم بالفقه واللغة العربية فقط، ويحذره

من قراءة كتب الطب والتصوف؟ تحاول أن تفهم تكوينه المعرفي وأين درس، فلا تجد أي معلومة توضح لك نشأته العلمية في كتاب (الشيخ والتنوير). تذهب للويكيبيديا، فتعثر على معلومة يتيمة مستلة من كتاب أبناء الشرق لإبراهيم كرديه، لكنها دالة، تقول «كان والده حاكم البلاد وسلطانها ، وعهد بتربيته إلى بعض علماء نجد». هنا يمكنك أن تفهم اللغة التي تتحدث بها هذه الشخصية بقدر ما.

رسالة (شيخ التنوير)

حسناً، لنعد لرسالته المكتوبة لشيخ المنار، محمد رشيد رضا. ما المكتوب في هذه الرسالة؟ الرسالة مكتوبة بخط صعب قراءته ولا أدري لماذا الكاتب أو المخرج تعمّد وضع 4 صفحات من هذه الرسالة في صفحة واحدة، وهي بالمناسبة من أرشيف الشيخة مي آل خليفة، لماذا لم يتم وضع كل صفحة على حدة؟ 

وجدت صعوبة كبيرة في قراءة هذه الرسالة، لكن هناك سطر يحمل دلالة كبيرة على موقف الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة من حدث 1923. ماذا يقول هذا السطر؛ يقول عن القنصلية البريطانية والوكيل البريطاني، أنهم «كانوا يهدفون إلى تهييج الشيعة الفلاحين رعايا الشيخ عيسى» ثم هناك كلمات يصعب قراءتها، وبعد ذلك يقول عن الشيعة المطالبين بالإصلاحات «قام أولئك المخدوعين بمظاهرة كبيرة في سوق المنامة ضد ملكهم الشيخ عيسى»، ثم يكمل الرسالة التي يصعب قراءتها. لكن هذه الجملة شديدة الدلالة؛ فهو ينظر إلى من قاموا بدعم الإصلاحات على أنهم فلاحون مخدوعون، وأنهم قاموا بمظاهرات في المنامة تحت تأثير هذا التحريض الذي جاءهم من المستعمر. هذا هو الموقف الذي يعبر عنه الشيخ إبراهيم.

لدي هنا وقفتان، الأولى: واضح من هذا التوصيف أن الشيخ إبراهيم يتبنّى نظرة الحاكم الشيخ عيسى بن علي، لذلك يسميه في هذه الرسالة (ملكهم)، ويصفه بأنه «الشخصية المحبوبة وهو الأكبر سنا بين ملوك العرب». لقد كان داعماً لنظام المشيخة، وداعما لاستمرار الدولة الإقطاعية. لا (إشكال تنويري) لديه في الحكم الإقطاعي، هو مع توزيع البحرين إلى إقطاعيات محكومة من قبل شيوخ آل خليفة من أبناء عيسى بن علي وإخوته. 

الفلاحون المخدوعون

الوقفة الثانية حول هذه الرسالة: يبدو أنه كان يرى الشيعة بأنهم محض رعايا وفلاحين ومخدوعين، ليســـوا  أصحاب مطالب إصلاحية واضحة، وليسوا أصحاب تاريخ وحضارة وأرض، وكأن ليس لديهم علماء أو شخصيات مثقفة أو شخصيات تجارية، ليس لديهم أي من ذلك. في حين تكشف لنا الوثائق أن العرائض التي وقعها الشيعة في ذلك الوقت كانت تحمل أسماء كبيرة، بينها تجار، وشخصيات وطنية معروفة ترى مستقبل البحرين في أن تتحول إلى شكل الدولة الحديثة. 

أستحضر هنا قامة وطنية مثل الحاج (أحمد بن خميس)، وهناك كتاب صدر عنه عن مركز أوال يحمل اسم (قمر السنابس). كان  أحمد بن خميس شخصية وطنية دفع من ماله وثورته وأمنه في سبيل إقرار هذه الإصلاحات وتمّت ملاحقته. 

شخصية أخري مثل الشيخ (عبدالله العرب)، وهو شخص تحدثت في كتاب (من هو البحريني؟) وخصصت له حلقتين (بودكاست) للحديث عنه وعن ما قدمه من أجل بناء فكرة الدولة الحديثة في 1923. كان رجل علم ودين معروف دفع دمه من أجل إقــــرار هذه الإصلاحات، لقد أراد للبحرين أن تتجـه لعصر الدولـــــــة المدنية. كيف نصف مثل هؤلاء بأنهم مجرد فلاحين مخدوعين؟ ليس وصف الفلاّح عيباً، وتعلّق البحرينيين بالفلاحة والنخلة والبحر هو جزء من حضارتهم واستقرارهم وتحضّرهم، وهو يعبر عن ابتعادهم عن عقلية البداوة التي كانت تتخذ من الترحال والسلب والهجوم والحرب وسيلة للمعيشة. هذا هو البحريني، فكيف تأتي يا (شيخ التنوير) وتصفهم بأنهم مجرد فلاحين مخدوعين؟ هؤلاء لديهم تراث (ضخم) حقيقي غير مؤسطر، يشكل لهويتهم أبوة حضارية، يكفي أن مجالسهم النسائية تضمّ تراثا من المخطوطات قد خُطّت بأقلام كانت ترى النور في الكتابة، وما زالوا يحتفظون بهذه المخطوطات كتراث إنساني، في الوقت الذي كان فيه جدّك وأبوك مجرد جماعات أمية كما وصفهم ناصر الخيري.

تبييض وجه الإقطاع 

لنذهب الآن إلى كتاب (الشيخ والتنوير)، ماذا يقول عن مجلس الشيخ إبراهيم بن محمد؟ 

يقول: «يمكننا أن نعرف مقدار الأهمية التي يمثلها مجلس الشيخ إبراهيم في تاريخ البحرين الحديث إذا أخذنا كل هذا بعين الاعتبار، فقد كان هذا المجلس أول منتدى ثقافي ينخرط فيه المثقفون البحرينيون، وقبل انتشار التعليم الحديث، في نقاشات أدبية واجتماعية عامة. ويمكننا القول أنه لم تكن هناك مساحة مفتوحة للنقاش العام قبل هذا المجلس». هل هذا صحيح؟ 

الغريب أن كتاب (الشيخ والتنوير)، وفي الصفحة ذاتها، يُعزي نشأة الصالونات والنوادي والمقاهي الأدبية في أوروبا في القرن 18، إلى أنها «مساحات أخذت في الظهور مع تفكك بنيات المجتمعات الإقطاعية وتوطّد الحقوق المدنية وحقوق الأفراد في التجمع والتنظيم والتعبير». ويؤكد أن وجود هذه الفضاءات كان له «تبعات سياسية، إذ سرعان ما لعبت هذه الفضاءات العامة دور الرقيب على أداء الحكومات وصلاحيتها ومصدر شرعيتها».

إذا كان مجلس الشيخ إبراهيم -كما يزعم الكتاب- أول منتدى ثقافي ينخرط فيه المثقفون في هذا المجال، فما هو موقف هؤلاء من بُنيات المجتمعات الإقطاعية في 1923؟ هل ساهم هذا المنتدى في تفكيك بنيتها؟ هل عمل على توطيد الحقوق المدنية للأفراد؟ هل دافع عن حقهم في التجمع والتنظيـــم والتعبير؟ وهل واجـــه تبعات سياسية؟ هل مارس دوراً رقابياً على أداء الحكم أو حاول إصلاحه؟ أم أنه تماهى مع طبيعة الحكم ودعم بنيته المشيخية القبلية الإقطاعية؟

الرسالة التي قرأناها، والتي بعثها شيخ هذا المنتدى إلى صاحب مجلة المنار ذات التوجهات الإصلاحية السلفية، تعبّر عن موقفه المناهض لحق الأفراد في التجمع والتنظيم والتعبير، فهو بدلاً من أن يدافع عن حق الناس الذين خرجوا في المظاهرة الكبيرة المطالبة بالإصلاح في سوق المنامة، يصفهم بأنهم فلاحون مخدوعون. و بالمقابل يعلن موقفه الداعم للإقطاع والمجتمعات الإقطاعية والمتماهي مع طبيعة حكم شيخ القبيلة. لقد وقف شيخ هذا المنتدى مع الإقطاع، وراسل الخارج ليثبّت قدم هذا الإقطاع ويبيض وجهه. هذا هو توجه صاحب من يقول عنه الكتاب بأنه صاحب أول منتدى ثقافي تنويري في تاريخ البحرين.

مصالح رواد المنتدى 

أما رواد منتدى (الشيخ والتنوير) الذين يقدمهم باعتبارهم أول من فتح المجال العام، هؤلاء كانوا يغلقون المجال العام، يحاربون من يدعم هذا الإصلاح. لم يكن موقفهم مشرفاً، لم يكن موقفهم داعما لهذه الدولة في شكلها الحديث. لا أعرف كيف يمكن أن نعتبر هذا المنتدى أول منتدى في البحرين للفعل الحر وأول منتدى للمثقفين؟ 

التنوير هو العمل على تفكيك البنيات الإقطاعية للمجتمعات، هو العمل على تثبيت الحقوق المدنية وحريات الأفراد، هذا الفعل هو ما كان يسعى الداعمون لفكرة الإصلاح له، وهم من يسميهم (شيخ التنوير) بالفلاحين المخدوعين. هذا هو ما سعى إليه أحمد بن خميس ومن معه، وهذا ما كانت العرائض التي يقودها الشيعة يذهبون إليه ويطالبون به. أما من أسماهم كتاب الشيخ والتنوير بالمثقفين في مجلس الشيخ، فلم يكونوا، في غالبيتهم، إلا شبكات مستفيدة من هذا الإقطاع وتعمل على إدامته. 

هذا الكلام لا أقوله بلساني وإنما أقوله بلسان (ميّ الخليفة) وقد تحدثت عن ذلك في كتابي «من هو البحريني؟». هؤلاء استفاروا من شبكة المصالح التي وفرها نظام القبيلة، نظام الحكم المشيخي القبلي. 

على خلاف ما تسبغه بعض الكتابات التاريخية والسياسة الحديثة من تمجيدات على المؤتمر الذي عُقد في أكتوبر/تشرين الأول 1923 وضمّ القوى السنية المعارضة للإصلاحات، تقدم (مي)    صورة سلبية لهذا المؤتمر وما انبثق عنه، فهو ينطلق من رؤية محافظة وإسلامية سلفية ويدافع عن مصالح خاصة تقول مي «كان رد المجلس التشريعي، (الذي يحلو للبعض تسميته بالحركة الوطنية أو الجهاد أو الثورة!)، يأتي في معظم الأحيان من تفاعل اقتصادي نتيجة لمخاوف من ضياع الامتيازات التجارية والاقتصادية وحتى السلطوية!».

تمعن (مي) في تصوير النخبة المثقفة من التجار بأنها تمثل في أكثر الأحيان أفرادا أو بيوتاً تجارية تنظر بعين الاعتبار لمصالحها أولا، وتؤكد أنه ما كانت هناك قاعدة شعبية تتبنى أفكار النخبة «ومع أن البعض حاول إظهار العرائض بأنها دستور وقانون ومطالب شعبية إلا أنها بقيت ضمن دائرة الموقعين وانتهت بنفي فرد أو اثنين منهم!».

هل ندم ناصر الخيري؟

كان ناصر الخيري المتخفف من الانتماءات القبلية والمصالح التجارية وحده من تفرّد من بينهم، مثّل موقف المثقّف الناقد الذي يذهب إلى المستقبل، وهذا ما أثبته في كتابه. لذلك حينما قرأ ناصر الخيري خطاب نوكس (لن أقول خطاب الاستعمار البريطاني، بل خطاب الإصلاح البريطاني في ذلك الوقت) كان 

مقتنعا بكل كلمة يقولها، وسأعرض مقتطعاً واحداً فقط من هذا الخطاب، وعليكم أن تحكموا إذا كان يتعارض مع قناعات ناصر الخيري أم لا.  

خصصتُ لخطاب العزل فصلا كاملاً في كتابي (من هو البحريني)، وهو خطاب في غاية الأهمية، ومع الأسف كتاب (الشيخ والتنوير) لم يذكر حرفاً واحداً من خطاب العزل، في حين أن كل كلمة وردت في هذا الخطاب تفسر ذلك التاريخ الذي هو تاريخنا اليوم. 

في فقرة واحدة فقط يخاطب آل خليفة ويقول: «يا سادة آل خليفة، عند الرجوع إلى الماضي أخشى أنه من واجبي تحذيركم، أن مجرد وجودكم في الحياة، لا يعني أنه من حقّكم العيش على حساب المجتمع، سواء أكان ذلك على حساب المجتمع عبر مخصصات تقتطع من عائدات هذه الجزر، أو عبر استغلال الفقراء والمساكين، إن المثل القائل (من لا يعمل لا يأكل)، هو شعار جيد، والأفضل لكم تطبيقه على حالتكم. أما الذين يجلسون بلا عمل ، ينبغي أن يرضوا بمرتب زهيد فقط  من أجل العيش».

هــل كان ناصر الخيري ســـيمرض وينــدم ويموت، لأنـــه قال هذه العبارة التي تحمل توصيفاً تاريخياً دقيقاً لطبيعة الحكم في البحرين، أم هي من صميم قناعات صاحب كتاب (قلائد النحرين)؟ من يستطيع أن يقول هذا الكلام اليوم؟ هل شيخ التنوير يستطيع أن يقول هذا الكلام؟ هل مثقف (الشيخ والتنوير) يستطيع أن يقول هذا الكلام؟ من يستطيع أن يقول هذا الكلام هو ناصر الخيري، وقد دفع حياته ثمنا لذلك، لا ندماً على ذلك (كما يزعم الكتاب).

التضخيم والتضئيل

هذا هو التضخيم الخطير الذي مارسه كتاب (الشيخ والتنوير)؟ لقد ضخّم رأس محمد بن خليفة وجعله قائدا أسطورياً، وضخّم رأس إبراهيم بن خليفة وجعله شيخاً تنويراً أسطورياً، أما نظام الإقطاع، فلم يسلط عليه الضوء، لم يُرنا كيف أنه نظام كان يأكل المواطنة والمواطنين، لم يرنا كيف أن هذا النظام كان بحاجة إلى حدث تاريخي كبير جداً يقطع شبكته.

بمقابل هذا التضخيم، ضأّل الكتاب من أشخاص ومواقف شديدة الأهمية، ضأّل من تاريخ 1923 وعبّر عنه بأنه مجرد (رغوة) أو (حدث سطحي عابر لم يستحق الاهتمام). كذلك ضأّل موقف ناصر الخيري من حكم المشيخة وحكم القبيلة، وضأّل موقف الذين دافعوا عن الإصلاحات ودفعوا دماءهم وأرواحهم ثمناً لولادة بحرين حديثة، يكون فيها محاكم وإدارات وسلطات متساوية وقضاء عادل. 

كذلك ضأّل من مرسـوم البحرين الملكـــي 1913(Order in Council for Bahrain)، وهو مرسوم بحاجة إلى حلقة واسعة للحديث عنه، وكيف على أساسه بُنيت البلدية وبُني شكل الدولة الحديث، بحيث أن أعداء الإصلاحات اعتبروه مرسوما للاستعمار، وما زالوا يستخدمون هذا المصطلح، ولولا هذا المرسوم لبقينا سخرة تحت سلطة حكم القبيلة.

أشكر طول صبركم. وأعتذر لأني أخذت كثيراً من الوقت، هناك أفكار كثيرة بودي أن أناقشها لأنها تعلق بهذا التاريخ، لكن قانون الوقت يحكمني.