العلامة الشيخ حسين السندي.. ممتعض السيرة يمشي

السندي
ليلة السبت 10نوفمبر في تمام الساعة الحادية عشر مساء، بدا العلامة الشيخ حسين السندي، ممتعضاً حين أفصحت له عن المهمة التي جئته متعنياً من أجلها، قلت له أريد أن أكتب سيرتك.

        شعرت من امتعاضته كأني كنت أقول له إني أريد أن أراك لا أن أسمعك. فالسيرة تفتح العين والعين مهمتها التحديق، أي أن ترى شيئاً بقصد. كنت أقصد من إرادتي كتابة سيرة العلامة السندي أن أحدق في سيره، فالشخص مجموع ما سار فيه وما سار عليه وما سار إليه.

§        العلامة الممتعض

لماذا بدا العلامة ممتعضاًً؟

بحسب ما سمعته منه، كان تفسيره “إن السيرة يحتاجها النائب لا المرشح، أي أن النائب يحتاج الناس إلى معرفة سيرته، أما المرشح فلا يحتاج الناس إلى معرفة سيرته، يكفيهم القدر العام، وإذا لزم الأمر فيكفي أن يعرف أبناء دائرته سيرته”.

لكن، بحسب ما أرى، كان امتعاضه من التحديق الذي يتيحه سؤال السيرة، كأنه قرأ في جملتي “أريد أن أكتب سيرتك” أريد أن أحدق فيك، أريد أن أراك لا أن أسمعك، أريد أن أرى طرقك، أريد أن أنطق ما سكت عنه كلامك.

ليلة الأحد 11نوفمبر في تمام الساعة الثامنة مساء (ربما) جاء في نشرة أخبار الشيخ السندي التي تصدر ليلاً: “إن مراسلي بعض الجرائد قاموا بإجراء لقاء صحفي مع المرشح السندي، واشترط سماحته أن يكتبوا ما قاله فهو مسؤول عما قاله فقط وقال أيضا: إن أسلوب (سقط سهوا) بدعة صحفية، فأرجو ألا يعامل معي رجال الصحافة بهذا الأسلوب فيحذفون بعض الكلام النافع ثم في العدد اللاحق يكتبون (سقط سهوا). اتخذ المرشح الشيخ السندي قرارا خاصا برجال الصحافة وهو: إنه سوف لا يجلاي أي لقاء شفوي مع أي مراسل ابتداء من هذا اليوم السبت وسيقتصر على اللقاء المكتوب فقط”([1]) 

        كان الشيخ السندي ممتعضاً إذن بلا شك، يبدو أن خبرات الشيخ الخطابية وتدريباته العملية في دورات فن الخطابة لم تسعفه في مواجهة بلاغة العين، لم تُسعف امتعاضتَه، فالعين تريد أن ترى لا أن تسمع، تريد أن تفتح السيرة لا أن تسمع مآثرها. من مفارقات السيرة أنه في العدد نفسه من النشرة إطار مكتوب فيه: من سيرة مرشحكم “أتقن فن الإصغاء واستماع كلام الآخر نظرياً وعملياً([2]).

 لقد جعلت النشرة، بحسها الإعلامي، من هذا الإطار تقليداً شبه ثابت، في كل عدد يروي شقاً من سيرة المرشح السندي، ومما جاء فيه:ترك التعاطي مع صحف وجرائد الإثارة”([3]) ،  “نزّه نفسه عن الثناء السياسي على أحد إلا بما فيه”([4]). 

السيرة تفتح شقاً نقرأ منه مجتمعها في الشخص، وهي  لا تبحث عن فضيحة، هي تبحث عن حاصل المعنى، معنى الشخصية من خلال الأحداث التي مرت بها والمواقف التي اتخذتها والتجارب التي عاشتها والطرق التي سلكتها والمشاهدات التي عايشتها، حين نستنطق كل ذلك، يكون مجموع ما استنطقناه هو السيرة.

بدا لي الشيخ السندي وكأنه سيرة لا تريد أن تنفتح، لا تريد لك أن تراها، لا تريد لك أن تستنطق مواقفها وأحداثها وتجاربها ومعايشاتها. تريد أن تنطق هي بما تريده، لا أن تستنطقها بما لا تريده. سيرة تريد أن تدخل المجلس النيابي وتستنطق سيرة الدولة كلها لكنها لا تريدك أن تستنطق سيرتها.

في المعجم العربي: “اِمْتَعَضَ مِنَ الحَادِثَةِ”: اِغْتَمَّ لَهَا، اِغْتَاظَ، أَوْجَعَتْهُ، شَقَّتْ عَلَيْهِ. و”اِمْتَعَضَ لِفِعْلِهِ”: غَضِبَ لِذَلِكَ، حَنِقَ.

وتعويلاً على هذا المعجم، يمكننا أن نقول إن السيرة التي لا تفتح أعيننا على شقوق نمتعض منها لا يعول عليها.

§        سيرة التبجيل

يمكننا أن نفسِّر الصورة النموذجية المثالية لعالم الدين، بالرجوع إلى طريقة فهمهم وفهم ثقافتهم إلى السيرة، فالسيرة في مفهومهم ترجمة لأفعالهم الجليلة ورواية لمواقفهم الحقة وحكاية لتميُّزهم وألمعيتهم وتعداد لمؤلفاتهم وشريف نسبهم وإشادة بورعهم وتقواهم وسرد لأقوالهم الفارقة بين الحق والباطل. إنها تبجيل مصقول لا يشوبه شق يخدش طهرانية السيرة. لا تحكي سيرة عالم الدين عن ضعفه ولا تعتذر عن أخطائه ولا تعترف بذنوبه ومفارقاته ولا تقرّ أمام الناس بظلمها للناس.

كل ما في هذه السيرة مجمل وعام، لا مكان فيها للتفاصيل الصغيرة التي هي موضع امتحان الإنسان وباب دخول الشيطان. ويبدو أن سيرة الشيخ السندي تمثيلاً أميناً وقوياً لهذه السيرة، أليس هو “القوي الأمين”. إنه القوي الأمين بحسب مواصفات هذه السيرة، إلا أن قوة الإنسان تستحيل ضعفاً حين ننظر إليها من شقوق تفاصيله، لا من مجمل سيرته.

“لقد عملت سير التراجم العلمائية على رسم صورة نموذجية لحياة رجل الدين معتمدة في ذلك على اختزال وتعميم بعض القصص وأساليب الحياة لتشمل كل لحظات رجل الدين” ([5])

إن سيرة القوي الأمين تنفتح على عين التبجيل، لا عين التحديق، عين التبجيل لا ترى غير المجملات، أما عين التحديق فلا ترى إلا عبر شقوق هذه المجملات.

§        عين التبجيل

على مجملات عين التبجيل يكتب أحد مريدي الشيخ السندي سيرته، إنها مجملات تصوغها جمل بالغة البَذَخ، بالغة العموم، بالغة الإجمال، بالغة اليقين، بالغة الكمال، بالغة الإطراء، بالغة التبجيل. دعونا نقرأ منطوقات هذه الجمل:

“العلامة الشيخ حسين السندي الشخصية المتفوقة، صاحبة  المسار العقلاني المستقيم، والهدف العقلاني النافع، الرجل الأفضل، والأنفــع، والأبصر، والأعــرف بخــفايا وظـــواهر وحقائق الأمور،القوي الأمين، حمل مسئولية كبيرة جداً متمثلة في نشر الفكر الإسلامي الأصيل، أعطى لـلكلمة المـــلتزمة أبــعاداً جــمالية رائعة، وأدواراً حضارية راقية في مختلف المجالات. فقد تـــــحدث في مجال العقيدة وأوضح أركانها المختلفة، وحث على التمسك بمـبادئها المستقيمة، وتحدث في مجال السياسة، وقدم تحليلات موضوعية لما يدور في دهاليزها، ووقــــف وقوفاً مستفيضاً على تاريخها، وقدم إسقاطاً رائعاً على حاضرها، واستحضاراً عقلانياً لمستقبله، وتحـدث في مجال الاجتماع، فوجه مستمعه الكريم إلى أنجع وأصـوب الطرق في التعامل الإنساني، ومختلف العلاقات الاجتماعية، وحثه على الابتــــعاد عن طرق الضلال والانحراف،  وتحدث سماحته في مجالات أخرى أسهب الحــديث فيــها وطــرح آراءه السديدة، وقدم انـــتقاداته البناءة، وعـــبر عن مقترحاته الهادفة، وأعطى توصياته النافعة.

وقد رفضـــت كلمته الملتزمـــة بأن تَجْمُدَ أو تُجَمَّدَ فانطـلقت إلى فضاءات التجدد، وقد لبست كلمته الملتزمة الاتزان فتصدت بقوة وحزم إلى الكلمة الخبيثة في الفكر المعاصر المريض، والذي أصاب فكر الإنسان المسلم، وقامت كلمة سماحته بتشخيص المرض وبينت مدى خطورة إفرازاته ووجهت المستمع الكريم إلى كيفية الوقاية منه. أو من يستأمن على حمــلِ الأمانة الغالية، أمانة المنــبر الحســيني المقدســة، لا يستأمن على حملِ ما دونها من الأمانات؟!”  ([6])

يبدو أن أمانات السموات والأرض قد عُرضت على أعضاء الكتلة الإيمانية الوفاقية كلها، فأبيْنَ أن يحملنها، فعرضت على أعضاء الكتلة الوعدية كلها فأبيْنَ أن يحملنها، فعرضت على أعضاء الكتلة الوطنية كلها فأبيْنَ أن يحملنها، فعرضت على أعضاء الكتلة السلفية والأخوانية كلها فأبيْنَ أن يحملنها، فعُرضَتْ على العلامة الشيخ حسين السندي فأبى إلا أن يحملها.

§        عين اليقين

يؤكد المريد أن هذه السيرة الكاملة الأمانة والقوة قادرة على حمل 600 ألف (صوت) أمانة، يؤكد ذلك بيقين بالغ الاكتمال: “إخواني، أخواتي الأعزاء. وكلي يقين بما أكتـــبه،  أقسم لكم: أن كل حرفٍ رسمته في ورقتي نتاج اطــــلاعي المتواضع على شخصية سماحة العلامة الشيخ حسين السندي – حفــظه الــلـــه – في جوانبها العلمية، والخطابية”([7])

إنه يقين مستمد من يقين صاحب السيرة لا من يقين السيرة، فالسيرة ما أن نفتح شقوقها حتى نشك في كلها المجمل، وتشك في تبجيلاتها اليقينية، ونشك في أمانتها الكاملة وقوتها الكاملة. يبدو أننا يمكننا أن نفهم امتعاضة العلامة السندي الآن أكثر، فهو لم يكن يريد سيرة تشق هذه السيرة أو لم يكن يريد شقاً يعبث بهذه السيرة الكاملة.

إنها ليست سيرة انتخابية فقط، كي نبرر لها هذا البذخ الكامل في كل شيء، هي سيرة ثقافية، بمعنى أنها لا تحاكي سياق الانتخابات ومقتضياته فقط، إنها أكثر من ذلك، فهي تحاكي سياق ثقافتنا حين يحكي هذا السياق عن سيرة عالم الدين. لذلك فالوقوف على هذه السيرة وقوف على الثقافة التي تعطيها التبرير الكافي والطبيعة المقبولة.

في سياق هذه الثقافة عادة ما تُترك مهمة تبجيل السيرة إلى المريدين، والمريد هنا ليس بمعناها الصوفي، لكن بمعناها العام، وجزء من هذا المعنى العام هو ما  يوحي به المعنى الصوفي. المريدون هنا هم التلاميذ والمعجبون والقريبون من صاحب السيرة.

لا تتقبل هذه الثقافة أن تبجل الذات نفسها ولا تقبل أن يثلم الآخرون سيرة عالم الدين، وكأن هناك عقد ضمني يقول أنا عالم الدين لن أمجِّد سيرتي، ولكن عليكم أن تقوموا أنتم بذلك.
السندي2

§        قلب التواضع

وفي المرويات الدينية، نجد أن الحديث عن الذات يحكمه منطق التواضع وإخفاء الميزات الشخصية، وعدم الرياء، والابتعاد عن مدح الذات ، والتخفف من الإطراء، والتبجيل.

كان الإمام الصادق يخاطب أحد تلامذته: “يَا هِشَامُ إِنَّ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ دَلِيلاً وَدَلِيلُ الْعَقْلِ التَّفَكُّرُ وَدَلِيلُ التَّفَكُّرِ الصَّمْتُ وَلِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مَطِيَّةً وَمَطِيَّةُ الْعَقْلِ التَّوَاضُعُ وَكَفَى بِكَ جَهْلاً أَنْ تَرْكَبَ مَا نُهِيْتَ عَنْهُ…. يَا هِشَامُ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلام) يَقُولُ مَا عُبِدَ الله بِشَيْ‏ءٍ أَفْضَلَ مِنَ الْعَقْلِ وَمَا تَمَّ عَقْلُ امْرِئٍ حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خِصَالٌ شَتَّى الْكُفْرُ وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونَانِ وَالرُّشْدُ وَالْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولانِ وَفَضْلُ مَالِهِ مَبْذُولٌ وَفَضْلُ قَوْلِهِ مَكْفُوفٌ وَنَصِيبُهُ مِنَ الدُّنْيَا الْقُوتُ لا يَشْبَعُ مِنَ الْعِلْمِ دَهْرَهُ.. الذُّلُّ أَحَبُّ إِلَيْهِ مَعَ الله مِنَ الْعِزِّ مَعَ غَيْرِهِ وَالتَّوَاضُعُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الشَّرَفِ.. يَسْتَكْثِرُ قَلِيلَ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِهِ وَيَسْتَقِلُّ كَثِيرَ الْمَعْرُوفِ مِنْ نَفْسِهِ وَيَرَى النَّاسَ كُلَّهُمْ خَيْراً مِنْهُ وَأَنَّهُ شَرُّهُمْ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ تَمَامُ الامْرِ([8])

ابتكر خطاب الحملة الانتخابي للشيخ السندي حيلتين لتبرير استبدال قيمة التواضع بقيمة التفاخر، الأولى أنه منذ العدد الأول من نشرته الأخبارية، كتب: من أقوال مرشحكم السندي في السياسة “لا تواضع في السياسة”، أي إن كل سياسي يجب أن يبرز قدراته وإمكانياته حتى لا يتجاهله ولا يتجاوزه الآخرون. قال تعالى” قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم” يوسف 55″([9])

وكأنه يقول بهذه الحيلة الخطابية إن التواضع الذي تؤكد عليه المرويات الدينية، ليس مكانه في السياسة، لكن ما كسبته من هذه المرويات الدينية يمكنك أن تستثمره في السياسة، وهكذا يمكنك أن تستثمر تواضعك في السياق الديني ليكون قيمة تفاخر بها في السياق السياسي. وكأنك تشتغل في الدين لتستثمر أضعافاً مضاعفة في السياسة. فالأمانة مثلاً في الدين تدخلك الجنة في الآخرة، لكنك يمكنك أن تستثمرها في السياسة في الدنيا وتدخل جنة المجلس النيابي، وذلك عبر منطق بسيط جداً هو “من يكون أميناً في الدين لا شك أنه يكون أميناً في السياسة”. ولن يسائلك أحد إن كانت هذه الجملة محكومة بمنطق أعوج أو بمنطق مستقيم.

§        حيلة المريد

وإذا وجد هذه المنطق البسيط من يُروِّج له في صيغة سيرة بالغة الاكتمال، فستكون منطقيته بالغة الاستقامة. وهنا تأتي الحيلة الثانية، أعني الحيلة التي ابتكرها خطاب الحملة الانتخابية للتحايل على ثقافة تواضع الذات التي أكدتها المرويات الدينية، في هذه الحيلة، ستُوعز الذاتُ إلى أحد مريديها للقيام بمهمة رواية سيرتها الذاتية، وعبر هذا المريد ستقول كل ما يناقض قيمة التواضع، فما دام المريد هو الذي يمجِّد وهو الذي يبجِّل فلا حرج على الذات. ستمرر عبر هذا المريد سيرتَها التي تريد واستثماراتها التي تنفعها، وسيُنْطِق هذا المريدُ بيقين بالغ الحجة “وأيقنت أن مسؤولية توصيل الكلمة الملتزمة عبر (المنبر الحسيني) تحتاج إلى عالمٍ متدين قوي أمين، وأن توصيلها عبر (المجلس النيابي) تحتاج إلى نائب سياسي قوي أمين، وهما مسؤوليتان تكملان بعضهما البعض ، فمن يكون قوياً أميناً هنا لا بد وأن يكون قوياً أميناً هنا”([10]) وكأن مقولة “من تواضع لله رفعه” تعني من تواضع لله رفعه المريد.

كل ما يحضر في هذه السيرة يكونُ مخفوراً بأوصاف الكمال والتمام والإجادة من جانب ومن جانب آخر يكون مجملاً وعاماً، وحضور هذين الجانبين منسجم تماماً، فعادة المجمل لا يكشف لك عن عيوبه ولا نواقصه، فيبدو كاملاً.

§        المنطق الأعوج

حين نتحدَّث في التفاصيل والحيثيات تبدأ شقوق النقص والاعوجاج في الظهور، وقد أفرزت السيرة السندية خطاباً (سياسياً) – وأضعها بين قوسين شكاكين، لأنها ليست سياسة في حقيقتها – يقوم على هذين الجانبين(الإجمال والكمال)، وهو خطاب في حقيقته يقوم على منطق أعوج، والمجال هنا لا يتسع لبيان ذلك، لكن يمكن أن نكتفي بنموذج للتفكير الأعوج الذي يقوم عليه (وليس فقط يستخدمه) الخطاب الانتخابي للسيرة السندية.

في العدد الثاني من نشرة “أخبار الشيخ حسين السندي” في زاوية (علامة استفهام) يسأل هذا الخطاب، ويجيب في الوقت نفسه: “ما مدى صحة ما يقال إن المرشح المستقل هو فرد واحد لا يمكنه أن يفعل شيئاً غداً في المجلس النيابي؟

هذا القول إما ناتج عن خفاء أو دهاء، أي إن القائل إما أنه خفيت عليه أمور فلم يعرف واقع العمل في المجالس النيابية، أو أنه يعرف ذلك ولكنه استعمل الدهاء والخداع لكسب السباق الانتخابي لصالحه، وإلا فإنه من الواضح أن التكتلات الواقعية إنما تتحقق في المجلس النيابي، فقد ينضم المستقل إلى مجموعة من النواب يشكل معهم كتلة قوية في البرلمان، ولكنه ليس معلوماً أن تبقى الكتلة الموجودة قبل الانتخابات بعد دخولها المجلس كما كانت قبل الدخول، فإذا كان أكثرهم ضعفاء فستكون كتلة ضعيفة، لأن انضمام الضعيف إلى الضعيف لا يزيده إلا ضعفاً، هذا من جهة، وقد ينسحب بعض أفرادها منها بعد الدخول إلى المجلس على طريقة الاستقالة اللاحقة ولا يوجد قانون عقوبات يردعهم عن ذلك من جهة أخرى. فالخلاصة أن المرشح المستقل القوي الأمين هو الذي يتسابق النواب على التكتل معه لخدمة الوطن والمواطن”([11])

يحتاج الأمر إلى وقفة مطوَّلة تبين المراوغة الخطابية والمنطقية لهذا الجواب، سأكتفي هنا بالإشارة إلى أن السيرة الحوزوية التي يفاخر بها الشيخ السندي، وهذه طبعاً من حقه، هي المسؤولة عن منطق هذا الخطاب، ذلك لأن المنطق الحوزوي قد ورث حدة المنطق الأرسطي الصوري في تصوره الأحادي للحقيقة وللصواب والخطأ، وهو تصور حاد في حكمه على الأشياء، فهو يعمل بمنطق (إما وإما) وليس هناك احتمال ثالث، وهو منطق نظري لا يقيم وزناً للواقع وتجاربه وتفاصيله، لذلك نجد جواب السندي لا يستشهد بتجارب حقيقية وواقعية من المجالس البرلمانية تؤكد صحة ما يقوله بشأن المترشح المستقل، بل ولا حتى يشير إلى تجربة المستقلين في مجلس 2002 وإخفاقاتهم أو نجاحاتهم.

 ويزيد على ذلك أنه يطلق تعميمات تبدو وكأنها قوانين منطقية صلبة، يصادر بها على الآخرين، من نحو “انضمام الضعيف إلى الضعيف لا يزيده إلا ضعفاً” تنتمي هذه الجمل إلى ما يعرف بقواعد العقل العملي، وهذه لها سياقها الذي تستخدم فيه، ولو طبقنا هذه القاعدة الرخوة على الشيخ السندي لوجدنها أكثر مصادقية عليه.

§        الحسن الكامل

في كتيب البرنامج الانتخابي، كل شيء يتعلق بالسيرة أو بالبرنامج يحيل إلى التمام والكمال والنجاح، يقدم هذا الكتيب العلامة الشيخ حسين السندي على النحو التالي:

عمل مدرساً أكاديمياً فعاش التدريس المتقن والإشراف الإداري الناجح. رغبة منه في خلق المواطن الصالح العارف بدينه والمخلص في خدمة وطنه، استقال من التدريس. درس المقررات الحوزوية بإتقان تام، حضر الأبحاث العالية في الحوزة العلمية. وهنا توقف سماحة العلامة السندي (هكذا تحيل إلى ضمير الغيبة، وكأن هناك مريد يعرف سماحته) عن ذكر الدرجة العلمية المرموقة التي نالها مقتدياً بالسلف الصالح في ترك ذلك إلى الوقت المناسب.

عرف بالإداري الحوزوي الناجح، برع في تدريس الخطابة الارتجالية الجماهيرية. باشر بكل قدراته الفكرية والعملية داخل المملكة وخارجها في طرح منهج الاستقلال الشخصي. عُرِف بقدراته المتميزة، من متبنياته الصدق في إطلاق الشعارات. يقوم برنامجه الانتخابي على ما يسميه مثلث كمال المملكة، وأضلاعه الثلاثة هي سمو الوطن وعزته وراحة المواطن وكرامته وترسيخ الوحدة الوطنية، يتكون برنامجه الانتخابي من 18ملفاً (مجملاً لا تفاصيل فيها). قدم محاضرات عامة في ديوانية النائبين فريد غازي وصلاح علي.

هل يمكن لهذه السيرة المكتملة أن تقبل أن يعيد أحد كتابتها كتابة شقية تبحث عن الشقوق التي يدخل منها الشيطان؟!!

 

 السندي

هوامش 



  [11]) نشرة أخبار الشيخ السندي، العدد الثاني، ليلة السبت.