الحداثة الدّينيــة في البحــرين.. القصـــــّة غــير الكاملــة

ولادة عسيرة.. أم إعاقة نمو؟

الوقت: نادر المتروك

قبل خمس سنوات، أرسل أحدهم ‘’استفتاءً’’ إلى المرجع الدّيني محمد حسين فضل الله، يسأله فيه عن مسألة ‘’الحداثة الدينية’’ في البحرين على وجه التحديد، ويمكن اعتبار هذا ‘’الاستفتاء’’ وثيقة جيّدة لتقديم  وجهة نظر المؤمنين بتلك الحداثة تقديماً حيادياً وعلى النحو الذي يتصوّره أتباعها. يُحدّد المستفتي موضوع الاستفتاء، أي الحداثة الدينية، بوصفها قارّة في وسيط ثقافي محدّد وهو ‘’التيار الدّيني الشيعي’’، وهو لا يتردّد في توصيف أتباع هذه الحداثة بكونهم يمثلون ‘’تياراً’’ يجمع بين الثقافة الدينية والأكاديمية، ويعمل على إنتاج ‘’فهم مغاير للنصّ الديني’’ بالاستفادة من العلوم الإنسانية الحديثة، واضعاً اللا انتماء ورفض التمذهب الأيديولوجي ومراجعة الفكر الدّيني باعتبارها أهم علامات هذا ‘’التيار’’. كان هذا الاستفتاء، وإجابة فضل الله عليه، محوراً لمناقشات وتأويلات عديدة [1]، كما شكّل، من ناحيةٍ أخرى إنعطافة للجدل الذي اندلع بقوّةٍ مع الزّيارة الأولى للمفكر محمد أركون إلى البحرين، في فبراير/ شباط ,2002 والتي حظيت باستقبال حارٍ من جانب المثقفين الشباب الذين فرّعوا تحوّلاتهم الفكريّة من على تخوم مؤلفات أركون وأفكاره، وقد كانت تلك الزّيارة مناسبة لتسخين المواجهة ‘’الثقافية’’ مع هذا المزاج الجديد، ووصلت إلى حدود العنف الرّمزي في خطب الشيخ عيسى قاسم وبعض ‘’الردّاديّات’’ العزائيّة، فيما لوحظ ندرة المناظرات الجادة التي تناقش الأفكار وتحلّل الظواهر الطارئة على محيط الدّينيين.

فتوى أركونية

لم يؤثر هذا التلاحم السّجالي على المسار الثقافي الجاري وقتئذٍ والذي فضّل منظّروه توصيفه بمصطلح ‘’الحداثة الدينية’’، مراعاةً لطبيعة المجتمع البحريني وتركيبته المتديّنة، ولكن سرعان ما أخذت المواجهة صوراً أخرى من الحصار والنبذ الاجتماعي[2] وانتشرت الشائعات حول التزام ‘’الحداثيين’’ دينياً ورفضهم جملة من المقدّسات العقائدية والشرعية. ومع اشتداد المضايقات العامة، والاعتقاد بانتفاء دواعي خوْض معركة ‘’فكرية’’ لها تبعاتها القاسية، فضّل ‘’الحداثيون’’ الشباب الانسحاب وإخلاء ساحة المواجهة، ولكن حتى حين.
تلاقي الأيديولوجيا الدّينية مع الحداثة
الملاحظ أنّ محمد أحمد البنكي يمثل، تاريخياً، الجذوة الأولى لنموذج الشباب المنتمي إلى الأيديولوجيا الدينية ولكن القارئ أيضاً للثقافات الجديدة والناشط في تمثيلها إعلامياً وأكاديمياً على السّاحة المحلية، واللافت أيضاً أن كتابات البنكي في مجال تحليل البنية الدّينية التي ينتمي إليها؛ لم تأتِ إلا متأخرة[3]، فيما كانت كتاباته وسجالاته الأولى محصورة على معركة التلقي البحريني للبنيويّة وما بعدها ونظريات النقدية الجديدة والسّرديات [4]. أيضاً ثمة ملاحظة ثالثة في تجربة البنكي، فهي لم تتجه يوماً للمجادلة الاجتماعية، كما أنه لم يعتنِ بنحت المصطلحات التشغيلية وتركيبها لأجل صياغة رؤى جديدة تجمع بين جذره الديني/ الأيديولوجي وانفتاحه الفكري/ الحداثي، ويمكن اعتبار التجربة الفاشلة لتأسيس جمعية ‘’النقد الثقافي”[5] هي المحاولة الميّتة/ الوحيدة لتنشيط تجربة البنكي وتجريبها في اتجاهاتٍ أخرى، إلا أنّ المسارات الأخيرة لهذه التجربة وقوفها عند عتباتٍ غير متوقعة، حداثياً، صدمتِ الكثيرين على نحوٍ يفوق الابتلاء بمحنة المرض الخبيث. في المقابل، فإنّ علي أحمد الديري سيضحى هو التمثيل الرّمزي الآخر لذات نموذج الدّيني المصدوم معرفياً بالعلوم الحديثة، ولكن بتفاصيل وانعطافاتٍ مختلفة.
سردَ الديري تجربته في محضر زيارة أركون الأولى[6]، وكان ذلك بمثابة لا مبالاة تصعيدية حيال الإنكار الاجتماعي المقبل، خصوصاً بعد التهيئة بالإعلان التوصيفي عن خلفيات التجربة في مقال “شريعتي بين قراءتين”. [7] بدا ظاهرياً أن الديري، وقتها، يشحذ الهمّة لتسكين “الحداثة الدينية’’ في البحرين وتعويمها رفقة شبابٍ آخرين وبعض رجال الدين المختلفين، تتبيّن هذه الصّورة في الحرص على تقديم البنى الثقافية لأطروحة الحداثة الدينية، والمتمثلة في علم الكلام الجديد والأفكار الفلسفية الجديدة التي تعجّ بها إيران/ الحوزة والجامعة والشارع الثقافي. ولكي يُبدّد أوهام التقليد الأعمى وتهمة الانبهار أصرّ الديري على أن ‘’أسئلة’’ الحداثة الدينية في نسختها البحرينية مختلفة عن مثيلاتها في إيران وغيرها، مشيراً لمفارقته مع أركون واقترابه من الحداثة الدينية عبر علم الكلام الجديد، مع الاستعانة بالأسئلة البحرينية في تشكيل ملامحها الخاصة. [8] لاحقاً وبمعول ‘’النقد الثقافي’’ سيخرقَ الديري نبوءة ‘’الحداثة الدينية’’ ويغادرها سريعاً، مصيّراً إياها قنطرة مؤقتة، لها قيمتها المرحلية، ربّما، ولكنها ليست الملجأ الخلاصي لأولئك المشبعين بما هو أبعد من ‘’حدود’’ الحداثة الدينية وفرصها ومسموحاتها المسكونة بالكلاميات والإيمان العقيدي. توقفت الحكاية، إذن، لتكون مجرّد ‘’فاصلة منقوطة’’ باتجاه تحوّلات دفينة لا تستقرّ على حال، وكانت العلمانية – بتفسيراتها الخاصة – الأرضيّة الخصبة لتعميق تلك التحوّلات على المستوى الفكري، فيما كان لسوء الحوار الدّيني الدّاخلي تأثيره الآخر في تغييب الخيارات الأخرى، أو حتى توجيه الحداثة الدينية واحتضانها تكتيكياً بواسطة التسامح اللفظي ومن ثمّ الاجتهاد في مضامينها بما ينسجم مع محدّدات الأصالة الدينية التي يصرّ عليها مجموع الدينيين في البلاد. لم يحدث شيء من ذلك، وفضّل الإسلاميون التعريج على مسالك أخرى.
الإسلاميون والحداثة الدّينية
باستثناء الخطب الحماسية وشعر الرثاء، ومع استذكار خطب الوعظ والحماية العقائدية التي تسود منابر الجمعيات الإسلامية بأطيافها المذهبية المختلفة، فإنّ جمعية ‘’التوعية الإسلامية’’، وفي عهد عبدالوهاب حسين، عقدت ندوة حول موضوع الحداثة البحرينية، وقيل يومها أن أحداً من مناصري الحداثة الدينية لم يلب دعوة للمشاركة فيها، لأسبابٍ غير معروفة، فيما أُشيع أن تحفظاً غير معروف المصدر داخل تيار ‘’التوعية’’ أدّى إلى قطع هذه الدعوة.

hdath

تحدّث نادر المتروك في ندوة التوعية حول الانبهار بالحداثة، جامعاً بين مشكلة التهجين الثقافي وضعف التأصيل الدّيني ليقرأ من ذلك وضعية الحداثة الدينية في البحرين ونشأتها المتوترة بين مصدرها الإيراني (علم الكلام الجديد) والغربي (مدارس الحداثة)، بينما ذهب الشيخ سعيد النوري، الرئيس السّابق لجمعية التوعية، إلى مشكلة الانتماء وفقدان الهويّة لأصحاب الحداثة. تضاءل الجدال الاجتماعي حول الكائن الثقافي الجديد، وتأكّد أن الإمكان الاجتماعي، بتعبير الديري، لم يتوافر لقبول الكائن ‘’الدخيل’’، وإنْ تمظهر بعنوان ديني واستلهم أسماءً ‘’إيرانية’’، وفضّل الفضاءُ العام للإسلاميين المضي في الخطاب المعتاد، أي الحذر من أية فكرة ودعوة ونظرية قادمة من مصادر غير متسالم بها داخل الأطر الدينية، والتعويل على فقه ‘’كتب الضلال’’ و’’التغريب الثقافي’’ في مقارعتها. وبمعية ذلك؛ ولأن الحداثة الدينية في البحرين لم تكن تياراً، وليست سوى أفراد متفرّقين، فقد هيمن العسفُ الاجتماعي وقلة الحكمة في مقاربتها، وكان من الطبيعي أن تنتهي الأمور إلى سيل جارف من الأدلجة المتبادلة. وفي الوقت الذي كان من المؤمّل أن يسلك سيدكامل الهاشمي طريقاً تقريبياً للحداثيين الدّينيين، ظهرَ من خارج الإطار بوجهٍ نقديّ لهذه التمثلات، وهو ما جعله مناكفاً أكثر منه محاوراً، وكان ذلك بمثابة خسارة كبيرة أجهزت على آمال النهوض بالحداثة الدينية في البحرين وإعدادها فكرياً وتأصيلها أكثر، وتوفير موضوعاتها المناسبة. ومن المحتمل أن ترتفع مشاعر الندم، عندما يجد الجميع أنّ الحداثة الدينية هي أكثر رحمة مما سينتهي إليه الدينيون المتحوّلون.

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=66777

الهوامش:
[1] انظر جانباً من ذلك في موقع ‘’ملتقى البحرين’’ على الوصلة التالية: http://bahrainonlin.org/showthread.php?t=61641 . وقارن: صحيفة الأيام البحرينية، ملحق رؤى، الأحد 18 مايو 2002م.
[2] أُوقفت مشاركة علي الديري في موضوع ‘’الحداثة الدينية من منظور علم الكلام الجديد’’ في مأتم بن خميس (السنابس) في نوفمبر 2002م. وقد نشر الديري ورقته على حلقات في ملحق رؤى بصحيفة الأيام ابتداءً من الأول من ديسمبر 2002م.
[3] نشر محمد البنكي مقالات تحليلية حول تنظيم الإخوان المسلمين في البحرين، ممثلة في جمعية الإصلاح، في صحيفة الميثاق البحرينية بتاريخ 18-20 مايو 2004م، وفي صحيفة الأيام، بتاريخ 12-13 أكتوبر 2004م.
[4] من نماذج المناقشة الحادة لكتابات البنكي حينها، انظر: يوسف مكي، النقد الذي لا ينصرف.. فضح الآخر أم تعرية الذات الواهمة، صحيفة الأيام، ع ,1753 الأربعاء 22 ديسمبر 1993م.
[5] انظر تحقيقا شاملاً حول ملابسات محاولة تأسيس جمعية النقد الثقافي في: ملحق ‘’اليوم الثامن’’، صحيفة الوقت البحرينية، ع,502 السبت 7 يوليو 2007م.
[6] علي الديري، أركون وحكاية الذات، ص,35 ضمن كتاب ‘’الخروج على الحس المشترك’’، الصّادر عن مركز الشيخ إبراهيم آل خليفة (2002) احتفاءً بزيارة أركون إلى البحرين.
[7] علي أحمد الديري، علي شريعتي بين قراءتين، مجلة البحرين الثقافية، ع ,22 أكتوبر 1999م.
[8] دافعَ الديري عن وجهة نظره في ندوة خاصة تناولت الحداثة الدينية في البحرين جمعته مع سيدكامل الهاشمي وأدارها نادر المتروك، ومنشورة في: صحيفة الوسط البحرينية، ع,62الخميس نوفمبر 2002م.