الدير في ذاكرة الغرباء

مدخل قرية الدير الغربي، تصوير إبراهيم الباقر 2001.

مدخل قرية الدير الغربي، تصوير إبراهيم الباقر 2001.

بروفايل الدير في جريدة الوقت

قلت لزوجتي المنامية، فضاء عباس فضل، سيكون بروفايلنا المقبل عن ‘’الدير’’، قالت: اكتب عنها من ذاكرة الغرباء، ذاكرة من مرّوا فيها، ذاكرة الذين جاؤوها يحملون معهم تجارب أماكنهم، كيف تبدو الدير في ذاكرتهم؟ وكيف تعايشوا فيها؟
اقترحت عليها أن تكتب لي هي عن ذاكرتها القصيرة في تلقي هذه القرية منذ جاءتها في 1995 حاملة معها تجربة المنامة المدينة المعتقة بالاختلاف والتعدد والتلون، كتبت عنها بحب يفوق حب الغريب لمكان لم تألفه طفولتها، كتبت:
إنها الدير المقدسة كما أحب أن أسميها، وأذكرها أمام من يسألني عن تجربتي معها، حين تسأل عن المقدسات فأنت تعني الشيء الأكثر احتراماً ومحبة وتقرباً إلى نفسك، وهي كذلك بالنسبة لي. أنا الغريبة، هكذا تسميني غالبية النسوة اللاتي أُعرّف إليهن أول مرة ‘’هذه الغريبة زوجة..’’ تُشعرني هذه التسمية بأني قادمة من كوكب آخر، لم أعد أستغرب هذا التعبير، لقد ألفته، ربما لأني أعشق هذه البقعة أكثر ممن ينتسبن إليها.
في البدء لم أعرفها وبالكاد مررنا قربها حين حلمت بالسفر، ووقفت خلف أسوار المطار أتأمل تلك الطائرات وأستمتع بصوتها الذي ألفته الآن أكثر من صوت أبنائي، باسل وأماسيل.
حين تقدم لخطبتي أحد أبنائها العاشق لمدينتي حدَّ عشقي لقريته شعرت بخوف الغريب، كيف سأسافر لهذه البلدة التي لا أذكر اسمها إلا حين أريد التفرقة بينها وبين (الديه) الأقرب لمدينتي، تمنيت أن يكون قد أخطأ التسمية وحرّف حرفاً. لكنها المقدسة لا غير، لا تحريف في حروفها، في البداية تقبلت الأمر على مضض ورحت أتجول في طرقاتها أتعرف عليها وأستخبر عنها، كأني كنت سأتزوج القرية كلها.
حين سألت الأباعد عنها، منهم من قال إنها الأفقر فشوارعها ضيقة وبالكاد يمكنك أن تمر فيها وبيوتها قديمة جداً، ومنهم من عبّر عن إعجابه باتساع شوارعها وجمال بيوتها.
كانت تلك الغنمات السارحات عند مدخلها الغربي في استقبالي الرسمي الأول، مازال أهلي يتذكرونها جيداً، كدنا نصطدم بهن من فرط عجلة الوصول إلى حفل استقبال أعدته النسوة للغريبة القادمة. اليوم أنا افتقد غنماتي كما بدأت أفتقد اسم الغريبة.
من شدة دفاعي عن مقدستي يناديني أهلي بالديرية ويعيبون علي كثرة إطرائي لها وهيامي بها واغترابي عن مدينتي التي أعشقها.
كنت أرى معنى الدير كله في عمتي المتسعة بروحها دوماً، لقد اتسعت الدير في روحي حتى لم أعد ألحظ الفرق بين القرية والمدينة، اتسعت الدير لتكون مدينتي التي حلمت بها.
حين دخلتها قبل عشر سنوات كانت الفتيات صغيرات حولي، الشباب يخجلون الحديث إليَّ والنسوة تتفحصنني لتعرف ماذا أخبّئ لهن.
هذا ما كتبته زوجتي، وكان هذا وحده كافياً لأكتب بروفايل الدير بعيون الغرباء الذين صاروا ديريات وديريين، في هذا البروفايل، سنشقُّ ذاكرتهم لتحكي عن تجربتهم في هذه القرية التي يحجزها مطار يأخذ الناس إلى العالم، ويفتحها بحر لا يأتي بالناس من العالم.