خولة.. يوميات حب وحرب

 

”بحب أتكلم مع الصحافة” يوميات بيروت المحاصرة، ص94
لم يكن حسن ذو الـ 13 ربيعاً يستعرض لخولة مطر لحظتها في ”مدرسة رمل الظريف” قدراته في ارتجال المواقف الصحفية. لم يكن لحظتها في مسابقة من نوع سوبر استار أو استار أكاديمي. فخولة المهمومة بالطفولة لحظتها لم تكن باحثة عن مواهب استار صحافة، و”مدرسة رمل الظريف” لم تكن لحظتها مدرسة، بل كانت ملجأً يتوفر على الحد المتوسط من الأمان والحد الأدنى من البقاء على الحياة، والحد الأعلى من التشرد. حسن كان قد ترك طفولته في الضاحية، وجاء للحد الأدنى كي يروي كيف ترك طفولته هناك، وكيف صارت أسوار المدرسة أكبر من الطفولة.
إذاً ما الذي كان يعنيه حسن بجملته ”بحب أتكلم مع الصحافة”؟
في مكان آخر يتوفر على الحد الأعلى من التشرد، نجد تفسير جملة حسن، هناك في منطقة كاراكاس، مدرسة (ملجأ) أخرى في يوميات خولة، هناك صوت الأم ميرفت (ومن المصادفة أنها تكنّى أم حسن) يستقبل الصحافية البحرينية بثقة ”أنا أحب أتكلم مع الصحافيين والكلمة مهمة.. قولي لأهل البحرين إن الكلام مقاومة..” يوميات بيروت المحاصرة، ص91
كان حسن إذاً يعلن عن حب أكبر من طفولته، وكأن خولة كانت في مهمة لتوثيق تجربة أكبر من الطفولة، لكن المفارقة أنها تجربة يرويها أطفال. الأطفال في يوميات خولة ظاهرة لافتة للانتباه، يكادون يستأثرون برواية الحرب كلها. هناك زينب وأماني وميرا وحسن وميسا (التي لا تحب أن يقولوا لها ميسو، فالحرب تجعل حتى اسمك أكبر من الطفولة)، وأطفال قانا، وعباس الذي خبأته خولة بين أضلعها.
يبدو أن الأطفال قد وجدوا في وجه خولة صحافتهم التي يستطيعون معها الكلام، فراحوا يرون لها ما يتجاوز طفولتهم، ويعبرون لها عن حبهم للكلام مع الصحافة. بعد أن يأسوا من كل وجوه العالم المسيس.
ربما يكون نص ”اليائس” الذي يحكي عن انهيار النظام الكوني وسوء الأحوال الاجتماعية في المرحلة الفرعونية، معبراً بالفعل عن حيرتهم، وكأن حالهم كان يستعيد جمل هذه النص وهي تقول:
”مع من أستطيع الكلام اليوم؟
فقد أصبح وجه الشر معززاً والخير يداس عليه في كل مكان بالأقدام.
مع من أستطيع الكلام اليوم؟
الطيبون ينقرضون، والمتجبرون يعتدون على كل إنسان”
لم يستطع الأطفال أن يتكلموا إلا مع صحافة تشبه خولة ومطرها الإنساني. ويبدو أن الجمهور الغفير الذي جاء يحتفي بخولة ليلة حفل توقيع كتابها في بيت الصحافة البحرينية بيت الزايد، يبدو أن هذا الجمهور كان مدفوعاً بتوجيه تحية لصوت حسن وصوت أم حسن. وتأكيداً لهما أن الحب يصل. ويصل أكثر حين تختلط يوميات الحب بيوميات الحرب، ويوميات الحياة بيوميات الكرمة.