مشروطية النائيني3

تحرير الأصول

يبدو أن مجاز تحرير (الأَمَة السوداء) الذي استخدمه النائيني، للإشارة إلى حقيقة المشروطة، بما هي محاولة لتحرير السلطة من آثار اغتصاب المستبدين، يتجاوز الإشارة الهامشية، فهو يكاد يكون يشكل جوهر نص كتاب النائيني (تنبيه الأمة وتنزيه الملة).

thumb_sh_naeene_s_asfhani_shWWW_i إن مفهوم التحرير يتضمن في ذاته معنى التنبيه والتنزيه، ففي لسان العرب “وتحرير الكتابة: إِقامة حروفها وإِصلاح السَّقَطِ. وتَحْرِيرُ الحساب:إِثباته مستوياً لا غَلَثَ فيه ولا سَقَطَ ولا مَحْوَ. وتَحْرِيرُ الرقبة:عتقها”. ويقال “إن من أجود التحريرات الفقهية لهذه القضية…”. وحين تعدد مآثر فقيه يقال وله (تحريرات في الأصول) و(تحريرات في الفقه). ويقال له (حواشي وتعليقات وتقريرات وفوائد وتحريرات على…).

في التحرير تقرير لمعنى، وشرح لمفهوم، ودفع لسوء فهم، وتوضيح لغموض، وتنبيه لفائدة وتنزيه لجهة، وبيان لدليل، وتدقيق لمحل نزاع ومصب خلاف.

كان حدث المشروطة، قد استدعى تحريراً من نوع خاص، تحريراً يتجاوز أن يكون حاشية على نص أو هامش لمتن مقدس، كان الحدث بحاجة إلى نص يؤسس لمعنى جديداً محرراً من النصوص السابقة.

إن جدة النص تخرجه أحياناً من حقل اختصاصه الذي كتب فيه، وكأن هذا الإخراج احتجاج لتحرر النص من أعراف الحقل وقوانينه التي تحول بينه وبين أن يكون نصاً حراً جديداً، وهذا ما يُفسر وصف النائيني بأنه مفكر المشروطية ووصف أستاذه الآخوند الخرساني بأنه فقيهها” كان الآخوند ملا كاظم الخرساني فقيها للمشروطة أو الدستورية بينما كان الشيخ محمد حسين النائيني مفكرها”[1]

على الرغم من أن الاستدلالات الأصولية التي قام بها النائيني، لم تخرج على طوق خطاب علم الأصول الحوزوي، إلا أنها خرجت على أفقه. كان النائيني يستدل بعلم أصول الحوزة، لكن قبلياته القرائية ومقدماته الحجاجية كانت من خارج نص الحوزة وشابّة على طوقها، وهذا ما يبرر ربما وصفه بمفكر المشروطية وليس بفقيهها.

وربما تكون فرادة نصه تتجاوز عمل الفقيه الذي تتحقق فقاهته بقدر عبادته للنص وعلى الضد من ذلك المفكر الذي تتحقق فرادته بقدر اختراقه للنص، وهذا ما جعل من النائيني على ما تقول الدراسات الخاصة بالتأريخ لحياته، يتبرأ من نصه ويعمل على جمع النسخ المتبقية منه من أجل حرقه، ويدفع لمن يأتي بنسخة منه مبلغاً من المال، وذلك بعد أن صار مرجعاً فقهياً لا يليق به إلا عبادة النص حرفياً وجعله طوق نجاة لحفظ مكانته الفقهية التي كان ينازعه عليها فقيه آخر.

والشواهد الدالة على هذه الفرادة، هي أن هذا النص صار علامة على النائيني وعلى المشروطة وعلى عصر الحداثة السياسية وبداية الإصلاح السياسي في إيران، بل صار هذا النص يؤرخ لمرحلة تحول الفقه الشيعي من فقه الفرد إلى فقه الدولة، وشاهداً على انخراط الفقيه في مقاومة الاستبداد بمعانية السياسية والدينية.وليس هناك علامة على التفرد أكثر من أن يتجاوز النص مؤلفه ومقاصده وإرادته، وهذا ما حدث مع نص النائيني، وتلك مسألة سنعالجها في مقالة أخرى.

إن فرادة نص النائيني، تكتسب أهميتها من هذا التحرير، عمل النائيني عمل تحريري بامتياز، بكل هذه المعاني التي يتضمنها مفهوم التحرير، لقد قام من حيث يقصد أو لا يقصد بتحرير مفهوم السلطة من مفهوم الإمامة، وتحرير مفهوم الدولة من ولاية الفقيه المطلقة، وتحرير مفهوم العصمة من الجدل العقائدي إلى رفع الاستبداد، وتحرير مفهوم الفقه من الفرد إلى المجتمع، وتحرير آليات الأصول من النصوص إلى الحياة. وتحرير مسؤولية تحرير الإنسان من طور الغيبة إلى طور الظهور.

بهذا يمكن أن نقرأ تنبيهه للأمة بما هو تحرير لها من هذه المفاهيم، وتنزيهه للملة بما هو تنزيه لهذه المفاهيم من القيود غير المحررة، من أن تكون خاتمة على فهم الأمة، ويمارس باسمها الاستبداد، أي أن تحرير هذه المفاهيم ليس خروجاً من الملة بل تحريرا للأمة من الجمود على قيد معاني هذه المفاهيم المعطلة تحت حجة الغيبة.

tanbih2 يحرر النائيني مقدمته بقوله “وبما أن هذه الرسالة وضعت لتنبيه الأمة إلى ضروريات الشريعة وتنزيه الملة عن هذه الزندقة والإلحاد والبدعة، لهذا جعلت اسمها (تنبيه الأمة وتنزيه الملة)، وصنفت مقاصدها على مقدمة وخمسة فصول وخاتمة”[2].

لقد حرّر النائيني مفاهيم الزندقة والإلحاد والبدعة من حقل ملاحقة الأفراد ذوي الأفكار المغايرة، لتكون ضمن حقل الذين يستغلون الدين لتبرير قمع السلطات السياسية للإنسان وإعطاء مشروعية مباشرة أو غير مباشرة لاستبداد هذه السلطات باسم الدين، لقد جعل هذه المفاهيم تنال من الذين يرون أن الدين لا يدافع عن حرية الإنسان، ولا علاقة له بوضع حد لاستبداد السلطات السياسية.

سنعود في المقالة القادمة إلى تحرير النائيني لمفهوم العصمة من حقل الصراعات العقائدية وتبرير الاستبدادات الظاهرة باسم العصمة الغائبة، إلى حقل رفع الاستبداد.

الهوامش

[1] انظر: المشروطية والمستبدة، رشيد خيون، معهد الدراسات الاستراتيجية، ص173.

[2] تنبيه الأمة وتنزيه المللة،المحقق النائيني، تعريب عبدالحسين آل نجف، ص96.