الغذامي بالنسبة لي أنا

الدرس الأهم ـ بالنسبة لي أنا ـ في تجربة الغذامي الثقافية، ولن أقول النقدية فقط ولا الأكاديمية فقط، هو درس ما يمكن أن أسميه “الخروج من الضَّيق إلى الواسع”، وهو درس بدأت أتلقاه في النصف الثاني من التسعينيات، حين كان الغذامي ينشر في جريدة الحياة سلسلة مقالاته عن المرأة واللغة، كنت مأخوذاً حينها بالطريقة التي يؤول بها حكايات الثقافة، وهو ضرب من التأويل الجديد الذي يتجاوز الدرس الذي ألفته في طريقة تحليل الروايات والنصوص الأدبية،

إنه الدرس الأول في الخروج بمعنى النص من أفق المعنى الجمالي ومقتضياته الشكلية إلى أفق المعنى الثقافي ومقتضياته الإشكالية. كنت حينها أتوفر على عدة نقدية مكونة من مفاهيم: البنية والنسق والخطاب والنص والراوي العليم وزمن الحكي وزمن الوقائع والانزياح والتخييل والشعرية ودرجة الصفر في الكتابة ووو إلخ. وهي عدة محكومة من جانب آخر بأفق مدرسي شديد الضيق. بقدر ما عززت هذه المفاهيم النقدية من قدرتي على قراءة النصوص الأدبية بمختلف أشكالها، فإنها عززت من جانب آخر ما هو أخطر من هذه القدرة، إنها عززت من أفق الضيق، الضيق الذي يجعلك ترى في النص الأدبي نهاية جمالية تستوجب التقديس وتتمنع على إمكانية أن يعتريها شيء من التدنيس، إنها متمايزة عن كل غرض دنيوي ثقافي. وهو الضيق الذي يجعلك ترى حدود عملك لا تتجاوز هذه النصوص، وهو الضيق نفسه الذي يجعلك تتعالى على كل ما يعتمل في ثقافتك ولا يجسد نفسه في شكل أدبي تقرّه هذه المفاهيم. وهو الضيق أيضاً الذي يحصرك في دائرة الغناء، إما أن تغني لهذه النصوص التي يكتبها الأدباء الفحول أو تبخس من حق النصوص التي يكتبها أنصاف هؤلاء الأدباء. الضيق الأكثر خطورة على تكوين الناقد ـ بالنسبة لي أنا ـ كان يتمثل في الهالة العلمية التي أسبغها النقد الأدبي على هذه المفاهيم، حتى صارت وكأنها أيقونات غير قابلة للتصرف من أجل استثمارها في حقول أخرى، أو من أجل زحزحتها لتوسيع أفق عملها في الحقل الأدبي نفسه. من هنا تأتي أهمية الغذامي – بالنسبة لي أنا- أنا المكون من هذه المفاهيم ومن أفقها في النظر إلى اللغة والكتابة والنص والأدب والعالم. مع الغذامي سأخرج على ضيقها وجبروتها وأوهامها المعرفية. مع الغذامي ستكون لغة النقد أكثر طواعية وأكثر قرباً وسلاسة، إن اللغة التي كتب بها الغذامي لا تقل أهمية عن المفاهيم التي أدخلها في حقل النقد.سنغادر اللغة المقعرة التركيب وسنكون أمام لغة تحسن التداول والتواصل والدخول على معاني الأشياء التي لا تجد تمثيلاً لها في نماذج الثقافة العليا. مع الغذامي سأخرج – بالنسبة لي أنا- من الضَّيق (بفتح الضاد) من اللغة ومن العمل ومن الاختصاص ومن المفاهيم، وذلك حتى قبل صدور كتاب النقد الثقافي. فالروح التي كان يعمل بها الغذامي، حتى بعيداً عن التنظير، هي الأكثر نفاذاً وقدرة على التحويل، أقصد التحويل من الضيق إلى الواسع. سيتيح لنا الغذامي بإدخاله الثقافة بمعناها الإنثروبولوجي الواسع إلى حقل النقد ـ سيتيح لنا أن نخرج من الضيق إلى الواسع، ستتوسع مساحة العمل، وستتصرف المفاهيم وفق ما تتطلبه نصوص الثقافة بمختلف أشكالها، وستخفف اللغة من غلواء تقعرها، وستتسامح مع كائنات الثقافة بمختلف تمثيلاتها. لن تكون النصوص الأدبية الرفيعة المستوى وحدها الدالة، ولن تحتكر وحدها الدلالة، ولن تنفرد دون غيرها بالدليل، سيكون كل فعل وحدث وشخصية وتاريخ ولعبة ومكان وزمان ونص وحكاية ولون ولباس وجسد، دالاً على شق من الثقافة.

قبل صدور كتاب النقد الثقافي كتبت مقالة احتفائية في ملحق رؤى بمناسبة زيارة الغذامي إلى البحرين، كان عنوانها “الجبروت الرمزي في خطاب الغذامي” قلت فيها حرفياً “في ضوء هذه التجليات المتعددة( للجبروت الرمزي) يمكننا أن نفهم إشارة الغذامي له بأنه “الشرط الثقافي وسماته النسقية ” فهذه الإشارة توسعه لتجعل منه شرطاً ثقافياً ، يتجاوز نطاق الشرط الأدبي ، فالأدبي يعيش ضمن مملكته ونسقه الرمزي، ولا نغالي إذا ما قلنا إن موضوع النقد الثقافي هو جبروت الرمز الذي يتجلى في أشكال مجازية لا حدَّ لها”

أنا مدين شخصياً للغذامي في فتح أفقي على هذا الجبروت، وهو يحدد بشروطه معاني الأحداث والنصوص والخطابات، ويعطي بمعاييره قيمه الرمزية للأشياء.وبهذا الأفق صار النقد ـ بالنسبة لي أنا ـ محاولة لتفكيك سلطة هذا الجبروت. في كتابي (مجازات بها نرى: كيف نفكر بالمجاز؟) الصادر في صيف 2006م كنت أفهم المجاز على أنه جهاز رؤية، أي بما هو عين رمزية، وهي عين محكومة بجبروت الثقافة الرمزي، أي أن المجاز عين في جسد الثقافة، والعين لا ترى وحدها بل ترى بجسدها كلِّه، وكل مجاز يرينا محمولات ثقافته التي هي جسده. فليس هناك مجاز معلق في الهواء، بل المجازات كلها معلقة في الثقافة. وهنا أنا مدين مرة أخرى للغذامي في جانب من جوانب فهمي للمجاز وعمله. وبهذه المديونية خرجت من ضيق الجملة والنص إلى اتساع الثقافة، صارت الثقافة تحفظ جبروتها الرمزي في أرشيف من المجازات. ولعل براعة الغذامي تكمن في قدرته على تطويع أدواته النقدية في قراءة أرشيف هذه المجازات، وهكذا يمكننا أن نفهم عمله النقدي في قراءة عمود الشعر والأنوثة والفحولة وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر بوصفه عملاً نقدياً على هذا الأرشيف. ولعل جملته التي افتتح بها كتابه المرأة واللغة ” لم تكن المرأة في هذا التكوين سوى مجاز رمزي أو مخيال ذهني يكتبه الرجل وينسجه حسب دواعيه البيانية والحياتية” لا تخص فهمه للمرأة وحدها، بل فهمه لكل كائنات الثقافة، فكلها مجاز تركبه أوامر الثقافة ونواهيها ومستحسناتها ومستقبحاتها وآليات عملها. أنا مدين له في توسيع تعريفاتي للمجاز وتكثيرها، فالمجاز صار بهذه المديونية تمثيلا تقوم به قوة تريد أن تفرض حقيقة ما، والمجاز تشكيل لشبكات الرؤية، والمجاز تشكيل للعالم، والمجاز جعل وتصيير، والمجاز لسان الثقافة الناطق، المجاز اتساع كما الغذامي اتساع. هكذا أفهم معنى شهادتي هنا، إنها شهادة على حضور الغذامي فيَّ، في لغتي ومنطقة عملي وأفقي ورؤيتي ومفاهيمي. حضوره فيَّ بما أنا مجموعة أصوات مديونة إلى جهات متعددة ومتنوعة.