ركاز.. «نيو لوك» أو «نيو أخلاق»

 

rokz.3JPG

تعرف (ركاز) في موقعها الإلكتروني هويتها بالتالي ”نحن مؤسسة إعلامية مستقلة غير ربحية تهدف  إلى تعزيز الأخلاق في المجتمع الكويتي وفي المجتمعات الأخرى عن طريق التنسيق مع المؤسسات المدنية في تلك المجتمعات والدول”(i).
وتبرر (ركاز) مشروعها الأخلاقي التغييري بظهور مجموعة من السلوكيات الغربية على الشباب وكذلك الغريبة عن قيم وعادات المجتمع الكويتي، وترى إن هذه السلوكيات الغريبة جاءت نتيجة لبعد الشباب عن القيم الأخلاقية والقيم المجتمعية النبيلة وكذلك لفقدان الساحة الكويتية لخطاب إعلامي موجه.
تقدم نفسها بأنها المتحدثة والحامية لـ ”قيم وعادات المجتمع الكويتي القيم الأصيلة” وتتحدث بنبرة جماعية عن ”أخلاقنا وقيمنا الأصيلة” وتحذر من ”الأخلاقية الدخيلة” على المجتمع الكويتي. وتدعو بصوت جماعي إلى ”الاعتزاز والتمسك والرجوع إلى مبادئنا وتراثنا الأصيل”.
وتقوم فكرة (ركاز) على القيام بحملات إعلامية تحمل كل حملة منها مجموعة من القيم ومجموعة من الأهداف الخاصة، إضافة إلى بعض الفعاليات المصاحبة.وركاز، كلمة تطلق على الذهب والفضة داخل الأرض، وعلى الشيء الثابت والراسخ في الأرض.وأخلاقنا وقيمنا الأصيلة – كما يقول أصحاب المشروع- نفيسة بنفاسة الذهب والفضة وراسخة على مر العصور والأزمان، فلذلك جاء ركاز لتعزيز الأخلاق. وركاز؛ كما يقول موقعه الإلكتروني مشروع اختار ألاّ يقصر برامجه على المساجد والجوامع فخرج إلى الناس في أنديتهم وأماكن تواجدهم ومقرّاتهم وديوانياتهم. تأسس ركاز في دولة الكويت الشقيقة ويقوده الشيخ محمد العوضي. وبدأ ينتشر في عدد من الدول كالمملكة العربية السعودية، دولة قطر، دولة الإمارات العربية المتحدة، المملكة الأردنية الهاشمية، الجمهورية اليمنية، وفي بلجيكا.
زرانيق راقبْها
في النصف الثاني من الثمانينات، أخذتنا الحماسة الدينية ونحن ما نزال طلاباً بالمرحلة الثانوية، لتشكيل جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان ذلك في قريتنا (الدير) القرية البحرية الزراعية الساكنة بالنخيل الوادعة بالبحر، إلا من حركة المراهقين والمراهقات الطبيعية وحركة أشرطة الفيديو التي بدأت تظهر بين أيديهم، كان هدف الجماعة مراقبة طرقات القرية خصوصا الزرانيق فيها، والزرانيق جمع زرنوق، وهو الممر الضيق الذي لا يتسع لأكثر من عاشقين يمران فيه على خَفَرٍ وهما يختلسان هوى يمر بينهما.
كنا مدفوعين في ذلك إلى حماية الأخلاق وصيانتها، والحقيقة أن الأخلاق لم تكن مهددة، لكن حماسنا الديني الذي غذّته فينا الدروس الدينية المكثفة الأخلاق، هي التي أرتنا أن أخلاق قريتنا العفيفة معرضة لغضب الله، لكن المفارقة ليست هنا، المفارقة أن الشباب المنخرطين في حملة (راقبْها)، إذ كان هدفنا مراقبة الزرانيق المشبوهة، خصوصا الزرانيق التي لم تصلها حركة الكهرباء بعد، فيشعلها المراهقون بكهربائهم الطبيعية، هؤلاء الشباب استجابوا لطبيعتهم العمرية ونسوا مركوزات دروسهم الدينية ومواعظهم الأخلاقية، فراحوا يمارسون بطولاتهم على طريقة ما هو مركوز فيهم من طبيعة لم تمسسها ثقافة التأثيم والتحريم بعد.
الأخلاق الفسيحة
ليس هناك عنوان عريض وواسع يمكنك من أن تعتمده غطاء لأي مشروع أو حملة أو فكرة أكثر من الأخلاق والعادات والقيم والدين، يكاد هذا العنوان يكون حصناً حصيناً يحميك من النقد والمساءلة والاعتراض، بل يمكنك عبره أن تقوم بعمل غير أخلاقي وتصفه بأنه أخلاقي ضد من يقفون ضد مشروعاتك التي تستخدم فيها هذا العنوان الفسيح. ويمكنك بهذا العنوان أن تملك شارعاً أو تراقب زرنوقاً أو تحتل (رمزياً) مجمعاً أو تحتكر منتجعا، يمكنك بهذا العنوان أن تبتكر لك ما تشاء ليلاحق خطابك مؤسسات الناس الداخلية كي تضمن وصوله إليهم، إن لم يصلوا هم إلى خطابك حيث المؤسسات التي لم تعد تتسع لك.
بل عبر هذا العنوان، يمكنك أن تستنفر أعلى سلطة تشريعية ورقابية في الدولة، لتجعلها تقف معك تحت مظلة العنوان نفسه، أياً كانت تفاصيله، كما هو الأمر مع رئيس مجلس الأمة الكويتي ”قال رئيس مجلس الأمة أن شباب الكويت يعتبرون مثالاً رائعاً في تجسيد الوحدة الوطنية والتحلي بالأخلاق الراقية والحميدة، وأن ما زرعه الآباء والأجداد من الأخلاق والقيم النبيلة هو ما تعهده الأمة من شباب الكويت الذين يسطرون أروع آيات النجاح في عملهم وأخلاقهم، مؤكداً أن العمل على إيجاد مشروعات توعوية قيمة كمشروع (ركاز) تدل على حرص الجميع على الحفاظ على أخلاق شبابنا وحثهم على أن يكونوا المثال الأروع في التحلي بالقيم والعادات الأصيلة المستمدة من الشريعة الإسلامية”(ii)
وكما هو الأمر مع النائب في مجلس الأمة الكويتي ”قال النائب وليد الطبطبائي إن المشروع القيمي الأخلاقي (ركاز) يقدم تصوراً وجهداً طيباً في حماية الشباب والعمل نحو توجيههم والاهتمام بالأخلاق والمبادئ الأصيلة التي تمثل أخلاق وعادات أهل الكويت مؤكداً أن بناء حالة من التفاعل ضد بعض الممارسات والسلوكيات اللاأخلاقية هو دور جيد وفاعل وتوعوي بتحذير شبابنا وإشعارهم بأهمية التمسك بالقيم والأخلاق الحميدة”(iii).
أخلاق المناقصات
أمام هذه السلطة التي تمثل أعلى القيم الأخلاقية في الدولة، لا يمكنك إلا أن تزايد بجمل أكثر بلاغة وأكثر تماهياً وتأييداً للمشروع، وإلا ستكون ضدّ الأخلاق وضد الدين وضد القيم وضد العادات وضدّ الله. كي تحمي نفسك وتبرئ ساحتك عليك أن تتقن أخلاق المزايدة، وليس أكثر من رجال السياسة إتقاناً لبلاغة المزايدات، على الخطابات التي تتحدث باسم الآباء والعادات والتقاليد والمجتمع. وشيئاً فشيئاً تتحول المزايدات إلى مناقصات تجارية، يجري التفاوض على من هو الأحق بها.
وأنا صدقاً لا أرغب أن أكون ضد الأخلاق، ولا أرغب في أن أكون مزايداً ولا مناقصاً. لذلك أرجو من يقرأ من الأخوة في (ركاز) نقدي لهم، أن يقرأوه على سبيل (المؤمن مرآة أخيه المؤمن) وأنا وإن كنت بمواصفات الركازيين لست مؤمناً، لكني بمواصفات غير الركازيين، لست كافراً ولا حاقداً ومبغضاً، أنا قارئ، أتوفر على قدرة في تفكيك خطابات الأخلاق، والتفكيك هنا لا يعني الهدم والنقض، بل يعني كشف ما يلتبس بخطابنا عن الأخلاق من قيم تنقض غايتنا الأخلاقية العليا وتعيق تواصلنا الاجتماعي والإنساني.
الأخلاق وخطاب الأخلاق
ومبرري في ذلك، أن خطابنا عن الأخلاق ليس هنا الأخلاق، كما أن خطابنا عن الدين ليس هو الدين، وهذا يعني أن خطاب (ركاز) عن الأخلاق، ليس هو الأخلاق، ولا يحق لركاز ولا لغيرها أن تحتكر ميدان الأخلاق وحدها أو أن تدعي أنها الممثل الحق له. وإذا كانت (ركاز) تقدم نفسها بصفتها صاحبة مهمة إنقاذ الأخلاق في مجتمعاتنا الخليجية من الانهيار والتهديدات الخارجية، فلا يحق لها، من ناحية أخلاقية، أن تعتبر المختلفين معها أو حتى الذين يقفون ضد حملاتها، من باب عدم الاقتناع، لا يحق لها أن تعتبرهم مناوئين للأخلاق أو للدين، فهم مختلفون مع خطابها فقط، كما هو الأمر بالنسبة لي.
ركاز الطريق الثالث
أقول ذلك وأنا أستحضر نبرة كتابات الإعلاميين وأصحاب الأعمدة في الصحافة البحرينية الذين وجدوا في إيقاف حملة (ركاز) في البحرين ما يتجاوز هذا الاختلاف، وحملوها شحنات غضب لا تتفق مع أخلاق التسامح. كما هو الأمر مع الزميل محمد المحميد الذي كتب في عموده اليومي طريق ثالث تحت عنوان (ركاز.. إيقافها عيب)، ”في الأمر مكيدة دبرت بليل، وهناك استجابة لضغوط من ذوي القلوب والنفوس المريضة، ممن لا يريدون تبديل سيئاتهم حسنات ولكنهم يصرون على زيادة سيئاتهم إلى سيئات..” (iv)
(الطريق الثالث) كما ظهرت فكرته لأول مرة العام 1936 على يد الكاتب السويدي ”arquis Child” هو طريق الوسط بين مفهومي الليبرالية الاقتصادية والاشتراكية الماركسية، فهو أسلوب يوائم بين رأسمالية السوق الحر والمفهوم الكلاسيكي عن الأمن والتضامن الاجتماعي(v). عادة ما تحول المفاهيم التي تنتج في حقل الاقتصاد والسوق إلى مفاهيم لها استثماراتها في حقل الفكر والثقافة والأيديولوجيا، وهذا ما حدث مع مفهوم الطريق الثالث.
صار (الطريق الثالث) يفتح التفكير على التعدد والاحتمال والاتساع، الطريق الثالث يفتحنا على أخلاق الاختلاف، وأخلاق الاختلاف تعد من الركازات التي تقوم عليها اليوم المجتمعات المتعددة الانتماءات، وهي تمنعنا من أن نصف المختلفين مع خطابنا بأوصاف النفوس المريضة الذين لا يريدون أن يبدلوا سيئاتهم حسنات. حين نتخذ من الطريق الثالث عنواناً لشِق كتابتنا، والكتابة بالمناسبة أصلها شق، فإن تكتب يعني أن تشق فكرة وطريقا (أو طرقا) واسعاً للآراء والأفكار، وهذا يلزمنا أخلاقياً بأن نتسع لمن لا يرون في خطابنا أو طريقنا عن الأخلاق ما يمثل رؤيتهم للأخلاق.
من حق الزميل المحميد أن يدافع عن الخطاب الذي يتفق معه، وأن يبذل ما في وسعه لنصرته مهما قل عدده، لكن من دون التعريض والغمز لمن هم على خلاف أو اختلاف معه، كما يفعل في طريقه الثالث الضيق ”فلسنا طوفة هبيطة.. وغيرنا مو أحسن منا.. وإذا كان الموضوع يحتاج إلى اعتصام أو صراخ حتى تتم الاستجابة والرضوخ وإعادة المشروع والتعهد بعدم مساسه والتطاول عليه مرة أخرى، فلن نعجز عن ذلك مهما قل عددنا..!!”.
و يبدو أن جمهور (بدلها) قد وجد في خطاب الطريق الواحد (وليس الطريق الثالث) ما يعبر حقيقة عن نبرته الأخلاقية، ولذلك راح يمتحي من القاموس نفسه: القلوب المريضة، والمعادة والشياطين والعصاة.
يعيد هذا الجمهور تمثيل خطاب (ركاز) الأخلاقي نفسه، فيقول ”هناك دائما قلوب مريضة يغيضها ان ينتشر الخير ويعود الناس إلى الأخلاق… انها سنة الله في خلقه ليعلم الصالح من الطالح، ليعلم الصادق من الكاذبrokz2.. إنها سنة قديمة، انظروا لقول قوم لوط، قال تعالى ”أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون”.. إن من اتخذ القرار بإيقاف ركاز حتى لو لم يقلها بلسانه فقد قالها بقلبه.. اوقفوا ركاز إنهم يدعون للأخلاق.. ألهذه الدرجة تكون المعاداة للحملات الخيّرة والمباركة والتي تدعوا لتأصيل وترسيخ الثوابت والقيم الفاضلة، ماذا يريد هؤلاء المعارضين؟؟ أيريدون أن يبقى الغافلون والعصاة على غفلتهم وعصيانهم، أيكرهون صلاح العباد وعودتهم لرب العباد.. بشهر الخ ير الناس العاصية تتوب.. وتلتزم بالعبادات والطاعات حيث ان شياطين الجن مصفدة.. ولكن هناك شياطين من الأنس لم تصفد.. والخووووووف من هؤلاء!!” (vi)
إنها ليست أخلاق الطريق الثالث، هي أخلاق الطريق الواحد، وربما هي أخلاق طرف الطريق. وفي الطرف لا مكان لتوسط الأشياء، الطرف أقرب للسقوط، وحين تسقط الأشياء تغيب. هكذا تغيب أخلاق التوسط، ما هي هذه الأخلاق الساقطة من أجندة (ركاز) أو الغائبة عن خطابها؟ ولنتذكر أن المؤمن بما هو مرآة لأخيه المؤمن وحتى غير المؤمن، فهو ذاكرة أيضاً، لأنه يذكر أخاه المؤمن بما يغيب عنه وينساه.
أخلاق الطريق الثالث
الأخلاق الغائبة، هي أخلاق الطريق الثالث، الأخلاق التي تتوسط العالم وتناقضاته، هي الأخلاق التي لا تقسم العالم إلى خير وشر، ولا تقسم أعمال البشر إلى حسنات مطلقة وسيئات مطلقة، هي الأخلاق التي تضع سبعة ألوان بين الحسنة والسيئة، هي الأخلاق التي تخرجك من عالمك الواحد المغلق وتصلك بعالم متعدد، هي الأخلاق التي تجعلك تعيش العالم والدنيا وكأنك ستعيش فيها أبداً، لأنك بهذه الأخلاق ستعمر العالم لمن سيأتون بعدك ولمن هم يعيشون معك. لن تجد في خطاب أخلاق (ركاز) شيئاً من هذه الأخلاق، ولا شيئاً من ثقافتها، هم مشغولون بأخلاق الخلاص والنجاة الفردية، وهي أخلاق العباد والمكلفين، لا أخلاق الأحرار الذين يقيمون بحريتهم عالماً حراً ومتنوعاً.نحن نعاني فعلاً من أزمة أخلاق، لكنها أزمة الأخلاق الغائبة عن ركاز، لا الأخلاق الركازية. بل لا أبالغ حين أقول إن الأخلاق الركازية وإن بدت في بعضها محل اتفاق وقبول كاحترام الوالدين وزيارتهما، إلا أنها تلتبس دوماً بما يسيء لها، لأنها تأتي في صيغة مجموعة واحدة مغلقة، فأخلاق احترام الوالدين لا تأتي وحدها، بل تأتي مصحوبة بأخلاق أخرى وهي الأخلاق التي تُعلي من جانب من شأن الخلاص الفردي الخلاص من عذاب القبر ويوم القيامة، وتزيح من جانب آخر وفي الوقت نفسه أخلاق الطريق الثالث، هكذا تصبح قيمة احترام الوالدين إبرة ضائعة وسط كومة قش.
أخلاق الخلاص كما تجسدها (ركاز) تكاد تكون محصورةً في الموضوعات المتعلقة بالنهي عن الذنوب واقتراف السيئات والأمر بالطاعات وإيتاء ما يوجب الحسنات، والحسنات والسيئات تبدو في خلفية (ركاز) مفاهيم قاطعة وحادة وغير قابلة لفهم متباين أو تأويل متعدد.
ثقافة بدلها
الثقافة في إحدى مفاهيمها مجموعة من الأوامر والنواهي التي عبرها يتم تشكيل الإنسان وصياغته، بهذا المفهوم يمكننا أن نقرأ حملة (ركاز) الأخلاقية، بما هي حملة ثقافية تتجاوز مسألة حث الشباب على تبديل سيئاتهم حسنات، لتكون تبديلاً لمفاهيمهم للحياة وتجسداتها المتعددة في سلوك الناس والمجتمعات.بهذا تكون حملة (بدلها) تعني بدل ثقافتك التي ترى من خلالها العالم والإنسان، أن تكون ركازياً، يعني أن تكون خَلاصياً، ترى عالمك من خلال أخلاق الخلاص، وهي أخلاق ترى العالم خيراً مطلقا أو شراً مطلقا، وعلينا أن نعبره سريعاً كي نَخلص إلى الجنة، وإلا فالنار تنتظرنا.
دعاة «نيو لوك»
أن يخرج الدعاة بأخلاق خلاصهم إلى الفضاء العام المشترك حيث المواطنون (وليس المؤمنون على مذهب جماعة ما) بمختلف توجهاتهم، مسألة لا يمكن فهمهما في سياق التحول إلى العمل العلني بدلا من العمل السري أو العمل داخل الأقبية والغرف المظلمة أو العمل عبر المؤسسات المدنية بدل المؤسسات الدينية، كما يشير إلى ذلك الزميل جمال زويد في عموده راصد ”بعض القوم يطالبون الإسلاميين بالانفتاح وعدم الانغلاق، ويطالبونهم بعدم قصر خطابهم على المساجد ودور العبادة، ويطالبونهم بالتركيز على الأخلاق والفضائل والابتعاد عن السياسة، ويطالبونهم بالكلام وتوجيه الشباب تحت الأضواء الساطعة وفي الأماكن العامة وليس في الأروقة المظلمة وفي الدهاليز القاتمة. ويطالبونهم ويطالبونهم ولكن الوقائع تكشف أن المطلوب هو شيء آخر غير مذكور”(vii).
الخروج إلى الفضاء العام، يحتاج إلى تحول في الخطاب أو خروج على بعض مسلماته وبدهياته، أي يحتاج إلى تحول في مفاهيمنا للأخلاق والعالم والإنسان، لتكون ضمن شروط هذا الفضاء، وهذه الشروط هي نفسها أخلاق الطريق الثالث أو مقتضياته. فهل الشيخ محمد العوضي مثلا يتوفر على خطاب جديد ومغاير لخطابه الثمانيني أو التسعيني مثلا؟ وأنا هنا لا أحصر المغايرة في الموقف من السلطة السياسية وطريقة التعامل معها، فتلك مسألة تخضع لحسابات المراوغة السياسية، أكثر مما تخضع لقناعات التحول الفكري.هل منطلقات خطاب (ركاز) في مجمع الدانة، تختلف عن منطلقاتها في المساجد؟ وأنا هنا لا أعني الاختلاف الشكلي الذي هو أقرب إلى ما يعرف اليوم بالنيو لوك (New look). أن نخرج إلى المجمعات بنيو لوك، لا نيو أخلاق، فهذا يعني أننا نستخدم الفضاء العام لصالحنا الخاص، لا للصالح العام والصالح العام هو ما يفتح الناس على بعضهم انفتاحا يفضي بهم إلى قبول اختلافهم والدفاع عن آرائهم بحجج كلامية.
حملة (ركاز) هي حملة دعاة بنيو لوك لا بنيو أخلاق، وهنا لا أعني أن أخلاق الصدق يمكن أن تتحول إلى تمجيد إلى أخلاق الكذب، لكن أعني أن أخلاق تمجيد رفض خروج المرأة للفضاء العام، يمكن أن تتحول إلى أخلاق تمجيد تؤكد أهمية خrokzروجها ومشاركتها. وأن مصفوفة أخلاق الخلاص التي تركز على يوم القيامة وعذاب القبر يمكن أن تتحول إلى أخلاق الخلاص من أمراض التعصب ورفض الآخر وقبول التعدد، وهكذا نكون بنيو أخلاق. ويبدو أن هذا الفرق  لم يلحظه أيضا بيان الاستنكار الذي أصده الأمين العام لجمعية المنبر الوطني الإسلامي ورئيس كتلتها النيابية عبداللطيف الشيخ، إذ يقول ”في الوقت الذي يطالب أصحاب الاتجاهات الأخرى من المتربصين بالإسلاميين بانفتاحهم على الآخرين وعدم قصر الخطب والمحاضرات على دور العبادة ويطالبونهم بالابتعاد عن السياسة والتركيز على الأخلاق والفضائل وتوجيه الشباب في العلن يأت هذا المنع والإيقاف غير المبرر لحملة من شأنها أن تسهم في بناء المجتمع وترسيخ قواعده على أساس إسلامي عصري وهي ليس لها أدنى علاقة بالسياسة”(viii).
وأخيراً، إذا كان ليفي بريل Lévy Bruhl يذهب في تحديد الأخلاق بمطابقة السُّلوك للواجب، فإن الواجب هذا مرجعيته اليوم لا أخلاق الخلاص حيث الجماعات المغلقة على زمنها ومذهبها ومقدساتها، بل أخلاق المجتمع المفتوح المتعدد.

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=80624

الهــــوامـــش
i انظر موقع (ركازhttp://www.rekaaz.com/
ii انظر التصريح في (قالوا في ركاز) في موقع (ركاز(
iii انظر التصريح في (قالوا في ركاز) في موقع (ركاز(
iv جريدة أخبار الخليج، 4 أكتوبر,2007 عمود الطريق الثالث،
http://www.akhbar-alkhaleej.com/arc_ArticlesFO.asp?Article=205405&Sn=RYTH&IssueID=10785
v انظر: غادة موسى، الطريق الثالث.. تحولات الليبرالية أم أمل الاشتراكية؟
http://www.islamonline.net/arabic/mafaheem/2001/02/article2.shtml
vi انظر تعليقات الجمهور في موقع ركاز.
vii جريدة أخبار الخليج، 4 أكتوبر,2007 عمود راصد،
http://www.akhbar-alkhaleej.com/arc_ArticlesFO.asp?Article=205408&Sn=RASD&IssueID=10786
viii انظر: بيان جمعية المنبر الوطني الإسلامي، في جريدة أخبار الخليج
http://www.akhbar-alkhaleej.com/arc_Articles.asp?Article=205433&Sn=BNEW&IssueID=1078668701=DIeu