عـلي الديري فـي طوقه

الخطاب.. بين «التطويق» و«الطاقة»

العدد 618 – الاربعاء 20 شوال 1428 هـ – 31 أكتوبر 2007

جريدة الوقت:رانه نزال.
  صد12ر عن برنامج النشر المشترك بين مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل  خ ليفة والمؤسسة العربية للدراسات والنشر كتاب الباحث البحريني علي الديري كتاب ‘’طوق الخطاب – دراسة في ظاهرية ابن حزم’’.
وقدّم الكاتب كتابه بسؤال كيف يكون صاحب طوق الحمامة هو نفسه صاحب طوق الخطاب؟ مستدعياً بذلك التناقض الظاهري في منهجية ابن حزم بين طوق الحمامة و’’الإحكام في أصول الأحكام’’ الكتاب الذي تناوله الديري بالبحث كمادة لنيل شهادته الماجستير، وأكد على أن غرض البحث دراسة ظاهرية ابن حزم بما هي طوق، أي بما هي مجموعة قوانين تطوّق الخطاب بقوتها لإظهار معنى ما.
وكما الإطار يظهر معنى الصورة ويحّده ويحكمه، كذلك طوق الخطاب يحّد الخطاب بإحكام كي لا يتسرب إليه معنى من الخارج لا يعطيه الخطاب أولا يظهره الخطاب، مؤكداً على أن ظاهرية ابن حزم إنما تنص على أن ‘’النص لا يعطيك الا ما فيه’’ وبين هذين يعلق الكاتب أن ابن حزم كان قارئاً فذاً بقدرته على تطويق علامات الحب، وبطاقته على تطويق معنى الخطاب، وان كان في الطوق الأوّل أكثر بسطاً في تأويلها، وفي الثاني أكثر قبضاً لمعناها.
ولسنا هنا في مقام عرض وتناول الفارق بين الطوقين عند ابن حزم، وإن كان هناك فارق أصلاً؟! فالحمامة بطوقها عند ابن حزم ليست بأكثر من سرد لسير في الألفة طاقها بعرضها، والطوق في خطابه حسب الديري الذي أكد في محاضرته في الموسم الثقافي الجديد بمركز الشيخ ابراهيم على أن ابن حزم لا يحضر إلا ويحضر الطوق معه، وكأن الطوق ختم على ابن حزم حتى صار عنواناً من عناوينه، ومع تسجيل اعتذاره عن الخوض في محاضرته في طوق الألفة وفي الطوق الأندلسي، مؤكداً بذلك أن منهجية بحثه ومنطقة انشغاله ليست بالمنهجية التوثيقية ولا تلك التاريخية وإنما انشغاله على تحليل خطاب ابن طوق في ‘’الإحكام في أصول الأحكام’’ حسب عقلانية ابن حزم، وان استدعى الأخير فيها الفلسفة الارسطية محاولاً إحكام أصول الفقه حسب منطق تلك الفلسفة ووفق المنهجية الظاهرية التي ترى النص ثابتاً لا مجازاً متحرياً قابلاً للتأويل ناهيك عن التفكيك و الإفاضة، ولعل هذه النقطة بالذات هي نقطة الحراك التي دفعت الكاتب لاختيار هذا الموضوع، وحضته على التسمية المستدرة لمفارقة أكد على أن حدّتها حدّة مفارقة لا تناقض، وليس أدل على ذلك من التفاف الكاتب حول معنى الطوق واستدعائه له في أكثر من مقال من المعاجم ليطوّق هو الآخر القارئ في عقال الفارق بين الطوقين لصاحبهما ابن حزم، والطوق في معجم اللسان – لسان العرب – ‘’ما استدار بالشي ولم يقل ما استدار من الشيء، ووردت أني طُوَّقْتُ ذلك أي لَيته جُعل داخلاً في طاقتي وقدريٌ، والطَّوقُ: الطاقة، وقد طاقه طوقاً وأطاقه إطاقة وأطاق عليه.. فهو في طوقي أي في وَسْعي’’ وإذ كنت لا أرى تناقضاً ولا مفارقة بين الطوقين عند ابن حزم بهذا المعنى فمنهجبته الظاهرية تؤكد أنه إنما كان يقصد أن في طوقه أي وسعه أن يتحدّث من الألفة وعن الأحكام وفق منهجية سردية في الأولى وفلسفية أرسطية في الثانية، وإذ يعلق الديري صراحة وفي أكثر من مكان أنه لا ينصح بقراءة كتابه لمن لا يستطيع تحمل مشقة القراءة، لأن قراءته ستكون متعبة ،وأنه غير مسلٍ، فإنه أيضاً ليحض على قراءته مستفزاً القراء ومحرضاً إياهم على ذلك بتأكيده على أنه للصبورين من القراء فقط، علماً أن مادة الكتاب التي هضمها صاحبها هضماً عميقا تؤكد منهجيته التحليلية والتي تقتضي الأمانة في حقها الإقرار بسهولة بل وسلاسة العرض واللغة به مادته التي تنثال بين يدي وعيني القارئ ناهيك عن عقله.
وقد تضمن الكتاب بفصوله الأربعة التي ختمت بقول الكاتب ‘’ان ما يسميه ابن حزم (تراكيب الكلام) هو كيفية من الكيفيات التي يمكن للعقل فهمها وتمييزها، استناداً إلى مفهوم الدليل الظاهري المبني بناء منطقياً في إطار مصالحته لمشكلة المعرفة واللغة والفهم، لذا فالدليل يمثل خلاصة العقل الظاهري، إذ به تعرف حقائق الأشياء على ما هي عليه، بالرجوع إلى المقدمات اليقينية الضرورية، وما ينتج من ذلك من معرفة يقينية يعدها ابن حزم علماً، ‘’فالقضية إنما تعطيك مفهومها خاصة وإنّ ما عداها موقوف على دليله’’ موظفاً بذلك – ابن حزم – حسب الكاتب الأدلة المنبثقة من قوانين المنطق الأرسطي التي تجد فيها الظاهرية أداة علمية تحقّق لفهمه معرفة موضوعية بعيداً عن تدخلات الذات، في خطاب حسب الكاتب عند ابن حزم وفي ضوء ما سبق لا يعطيك مدلولاً يتعدّى المدلول الذي ركبت عليه ألفاظه.
ومما لاشك فيه أن الكاتب قد اختار واعياً ابن حزم ليدلل على التعارض الحاد بين معنى الطوق الذي هو الطاقة والسعة بمعنى التطويق وبين معناه الذي هو الطاقة والتأويل، وبالتالي بين المنهج الظاهري عن الآخر الباطني في عdairycopyمق الفلسفة الاسلامية، وفي الجدل الدائر بينهما سالفاً وحاضراً، مقراً بفضل ابن حزم في اعتبار الفقه الذي لا يسوق المنطق الأرسطي لا يمكن الثقة في فهمه للنص الديني وأنه أي – ابن حزم – قد أعاد كتابة منطق أرسطو باللغة العربية، وبالأمثلة الشفهية في ‘’التقريب لحدّ المنطق’’ ممثلاً بذلك نموذج العالم الذي تتقاطع فيه المعرفة المنطقية والبلاغية واللغوية والأصولية واللاهوتية (علم الملّل والنحل)، إلاّ أن المنهجية كما أسلفنا تتعارض عند الكاتب بين علم تحليل الخطاب الذي يجب أن تندرج أصول الفقه تحت مظلته، وبين الفقه الذي تندرج تحت مظلته أصول علم تحليل الخطاب، مستدعياً مجدداً الحدّة التي هي هنا بمعنى التناقض بين الظاهرية التسليمية والباطنية التأويلية، بين تطويق وطاقة.

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=81661