حوار حول مشكال "مجازات بها نرى"

حوار حول كتاب (مجازات بها نرى)

أجرى الحوار باسمة القصاب

يمكنك تنزيل كتاب محازات بها نرى: كيف نفكر بالمجار؟ من هنا.

1. للوهلة الأولى عندما يقع بين أيدينا كتاب له علاقة بالمجاز تحضر قضايا كثيرة منها ما دار بين بعض المفسرين وبعض اللغويين حول وجود المجاز في اللغة ونفيه، كما تحضر في أذهاننا صورة المجاز المدرسي، ويخيل إلينا أننا أمام كتاب في البلاغة وزخرف القول ونظم اللغة، لكن عنوان الكتاب هنا : ” مجازات بها نرى، كيف نفكر بالمجازات؟”، يثير فينا شيئاً مختلفاً يقارب المجاز بوصفه أداة تفكير، وعين للرؤية ويحمل بعداً فكرياً وفلسفياً على غير ما ألفناه من المجاز بوصفه أداة بلاغة مدرسية. كيف يقدم الديري مفهومه للمجاز؟

الديري: المجاز هو أن ترى بغير عيونك. أن ترى بسمعك، بأنفك، بلسانك، بيديك، برجلك، برأسك، بجسدك، بامرأة، بزهرة، بسماء، بقصيدة، بكتاب، بقصة، بنكتة. هو أن تجعل من أي شيء مشكالاً ترى من خلاله شيئاً آخر.هذا هو المجاز.

ما نراه بعيوننا لا يستوعب العالم، فعيوننا لا تستوعب العالم، نستعين بحواس أخرى كي نرى العالم، قد تكون هذه الحواس قصصا أو كتباً أو حكايات أو كتباً، لنرى بها. لذلك فالمجاز حاسة.

الإنسان لا يمكنه أن يعيش بدون أن يرى، حتى الأعمى لا يمكنه أن يعيش بدون أن ينير الظلام، وذلك بأن يتخيله في هيئة شيء آخر.في فيلم (بلاك) أنارت البطلة العمياء ظلمتها (البلاك)، بمجرد أن استعانت عيونها بنظام رمزي صارت ترى من خلاله. لقد جعلت الظلام (العمى) يرى من خلال شبكة معنى رمزية. وكأنها كانت تتمثل عبارة أدونيس في قصيدته 25يوماً “سأحاول أن أخلق عينين داخل عيني حتى أرى”.

هذا هو المجاز نظام رمزي نرى من خلاله العالم وحقائقه، أو قل المجاز عينان يجعلهما الإنسان داخل عينيه المخلوقتين، فيرى باتساع وأصالة ومرونة، أو قل المجاز أن تجعل لسمعك عينين، ولأنفك عينين، وللسانك عينين، ولقلبك عينين، ولجلدك عينين، حين يمكنك أن ترى بكل حواسك، بكلّ كلك.

ويلفتنا عبدالفتاح كيليطو في كتابه (العين والإبرة) إلى أن بعض شخصيات ألف ليلة وليلة تعبر عن الحكاية العجيبة بقولها “حكايتك حكاية عجيبة لو كتبت بالإبر على آماق البصر لكانت عبرة لمن اعتبر”. الحكاية العجيبة لا تكتب على الورق، بل تكتب على العيون، كي تكون عيناً ترى بها العين وتعتبر بما تراه. هكذا تكون الحكاية (المجاز) عيناً مجعولة للاعتبار والرؤية.

وبقدر ما يجعل له من عيون يكتمل نظره، وكان ابن عربي كما أشرت في الكتاب، يقول “الكامل من الرجال يكنى أبا العيون” لأنه كلما تكثَّرت عيونه كثرت أحواله وصوره، وصار بعيونه كاملاً.

شبكة العين لا يمكنها أن ترينا حقائق الأشياء، نحتاج إلى شبكة رمزية، نحتاج إلى شبكة ثقافية، نرى من خلالها. وهذا هو المجاز شبكة بديلة تضاعف من إمكانيات شبكة العين وتفتح إمكاناتها على تلفات بعيدة. يحتاج الإنسان إلى هذه الشبكة، وهو يفكر، وهو يعبر عن مشاعره وهو يتواصل مع غيره، وهو يفسر ما يحدث، وهو يقرر، وهو يتوقع، وهو يعترض. إنها شبكة تُمكِّنه من الخيال والاتساع والرؤية.

قيل للشاعر الفارسي الروذكي، وكان أكمه، (وهو الذي ولد أعمى): كيف اللون عندك؟ فقال مثل الجمل.

كان هذا الشاعر يرى اللون بشبكته الثقافية (عيناه المجعولتان) التي مكنته من الخيال، فهو لم يكن يرى بشبكة عينه البيولوجية(عيناه المخلوقتان)، كذلك نحن لا يمكن أن نرى بشبكة عيوننا البيولوجية، بل كل واحد منا (أكمه) تماما مثل هذ الشاعر الفارسي، في رؤية الأشياء غير المادية أو رؤية جواهر الأشياء.

وهذا الكمه الثقافي هو ما تشير إليه عبارة جبران خليل جبران “إذا كُنت لا ترى إلا ما يُظهره النور ولا تسمع إلا ما تُعلنه الأصوات فأنت بالحقيقة لا ترى ولا تسمع”

2.  وصفت المجاز بأنه الحاسة التي بها نرى الأشياء ونفسرها ونفهمها ونعيها. والحاسة كما يراها العديد من المفكرين والفلاسفة تدلنا على الواقع، لكنها لا تستطيع أن تدلنا على ما هو خارج ذلك، لأنه خارج حدودها. يقول فرانسيس بيكون “الحاسة مثل الشمس التي تكشف وجه الأرض وتحجب وجه السماء”. كيف نفهم شمس مجاز بيكون في ظل هذه المقولة وفي ظل هذه الحدود؟

الديري: المجاز حاسةsense شأنها شأن البصر أو اللمس أو السمع، هذا ما يؤكده كتاب لاكوف وجونسون (استعارات بها نحيا) . بل يمكننا أن نقول هو حاسة الحواس، فالحواس تشتغل عبر المجاز اشتغالا مكتثفا وموسعا ومرناً وأصيلا وطلقا، المجاز حاسة تتيح للحواس الطبيعية أن تبدع في إدراكها للطبيعة والعالم وأسراره وعلاقاته وروابطه. المجاز يحدث تشغيلاً مكثفاً للحواس، وهذا ما تستثمره البرمجة اللغوية العصبية التي أصبحت اليوم رائجة في برامج تنمية الموارد البشرية، وهي تحقق نجاحات مذهلة في تحسين طرق التواصل مع الناس والتأثير فيهم.

الشاعر الفارسي الروذكي، كان أعمى، لكنه تمكن من أن يرى اللون، بفضل حاسة المجاز، المجاز هو الحاسة التي لا تعطينا إياها الطبيعة، لكن تعطينا إياها الثقافة. الطبيعة تعطيك عينين لكن الثقافة تعطيك عيوناً كثيرة، تمكنك أن ترى الأشياء رؤية خاصة ومختلفة ومتفردة.

إبراهيم البزاز في رواية (قندة) كان أعمى لكنه يرى اللون، بل ويصفه لـ(عباس).قال ” هل لاحظتَ يا عبّاس؟.. تأتي نسوةُ الحيّ كلّ ضحى، فأفرش لهنّ القماش ألواناً على هذه الفرشة.. ثمَّ (يضحك خفيفاً) أصغي لأصوات دهشتهن.. أسمع أحاديثهن عن القماش واللون معاً.. هكذا أعرفُ اللون.. يا عباس أنا أسمع اللون.. أنا أسمع وطأة اللون!”

من الطريف أن فرانسيس بيكون يشبه الحاسة بالشمس في أنها ترين وجهاً وتخفي عنا وجهاً. وجه الطرافة لا يكمن في أنه برهن بشكل مجازي على محدودية الحواس في الإدراك، ولكن يكمن في أنه جعلنا نرى أن الشمس نفسها محدودة في كشفها للأشياء، فنحن دائما نستدل بالشمس على جلاء الحقيقة، ونقول إن الأمر واضح كالشمس، وننسى أن الشمس بقدر ما تجلي الأشياء وتوضحها وتكشفها وتفضحها، هي في الوقت نفسه تخفي وجوها من وجوه هذه الأشياء وتغمضها وتسترها وتظللها، فتضلنا، وهذا ما أشرت إليه في الكتاب في مجازات الظل والشمس.

والطريف أكثر في تشبيه بيكون، هو أن جاك دريدا قد لاحظ أن مسار المجازات هو مسار الشمس نفسه ، بمعنى أن مجازات  الفلاسفة والمفكرين كلها تحيل إلى الشمس وما تقتضيه من نور وظلمة وظهور وحجب وكشف وستر. وهذا يعني أن مسار التفكير الفلسفي مرتهن دوماً بالشمس بما هي حاسة إدراك ليست طبيعية بل ثقافية، أي أنه ظل مرتهنا دوماً بالمجاز.

الشمس حاسة الفلاسفة، لكنها ليست حاستهم الطبيعية بل حاستهم الثقافية، ومشكلة الفلاسفة هي دوما مشكلة حواس. فهم يؤسسون خطاباتهم على نقد إدراك الحواس الطبيعية لأنها محدودة، لكنهم ينسون أن حاستهم الثقافية (الشمس ومقتضياتها) هي محدودة أيضاً.

وإذا كان التفكير الفلسفي هو محدود كما الشمس محدودة وكما الحاسة محدودة وكما المجاز محدود، فإنه من الأولى أن يكون التفكير في تجلياته المختلفة في السياسية والاجتماع والإعلام والتربية والدين والعلوم محدوداً أيضا، وبالتالي، ليس لأي خطاب وليس لأي تفكير وليس لأي علم أن يدعي أنه أكثر إدراكاً من الشمس التي هي محدودة أيضاً.

3.  المشكالKaleidoscope أداة بصرية، تحتوي على قطع متحركة من الزجاج الملون، ما إن تتغير أوضاعها، حتى تعكس مجموعة لا نهاية لها من الأشكال الهندسية المتناسقة، المختلفة الألوان.

يقوم كتاب “مجازات بها نرى” على تقديم المجاز بوصفه أداة للرؤية. هذه الأداة -كما أوضحت- تمنحنا عيوناً كثيرة، تمكننا أن نرى الأشياء رؤية خاصة ومختلفة ومتفردة. ولعل هذا ما يحاول امبرتو إيكو أن يوضحه حين يعلن أن “في كل كلمة يلمع ألف ضوء”.

كيف يمكن أن نفهم شمس المجاز عبر مقاربتها بمشكال الرؤية والضوء والكلمة ؟

الديري: نعم، يمكننا أن نفهم المجاز على جهة أنه مشكال، المشكال يُمكِّننا أن نرى الأشياء في أشكال كثيرة، أشكال لا حد لها، وفي الوقت نفسه يُمكِّننا من أن نرى الأشياء في ألوان كثيرة، ألوان لا حد لها. للكلمات بالفعل أضواؤها وظلالها، للكلمات مسار هو مسار الشمس حيث الضوء والظلال والظلمة.

كما المشكال يمكّن العين البيولوجية من أن ترى الكائنات في أشكال وألوان لا حد لها، كذلك المجاز يمكن عيوننا الثقافية أو شبكتنا الثقافية أو نظامنا الرمزي، من أن يرى الكائنات في أشكال وألوان لا حدَّ لها. المجاز هو مشكال اللغة، اللغة التي تشكل عقولنا وأفكارنا وقلوبنا وأحاسيسنا وتواصلنا الاجتماعي.

في فيلم (بلاك) الهندي، تعلّم الفنان “أميتا بجن” الذي كان في دور المعلم من الفتاة الصغيرة ميشيل العمياء درساً بليغاً في الضوء. الظلمة التي نتجت عن انقطاع الكهرباء ذات درس، طرحت المعلم المبصر أرضاً، لكنها لم تمنع ميشيل العمياء من أن تواصل حركتها. يعترف المعلم “العين ليست مهمة مقارنة بالضوء. ففي الظلمة حتى العينان تغدوان بلا فائدة”.

كل منا لديه عينان، لكن ليس كل منا لديه ضوء، كل منا لديه لغة، لكن ليس كل منا لديه مجاز. المجاز هو الضوء الذي يُمكّن عقولنا وقلوبنا من أن ترى، ويُمكّن لغتنا من أن تكون بفائدة. اللغة بدون مجاز عينان بلا فائدة أو عينان في غرفة مظلمة، ولا يمكن للإنسان أن يفكر بلغة عيناها غرفة مظلمة.

إنها لغة غير مشكالية، واللغة غير المشكالية أي التي ليس لديها مشكال (مجاز) لغة ترى العالم بلون واحد ،هو لون الظلمة.

كان المعلم يخاطب الطفلة العمياء ميشيل “انهضي سيدة ميشيل. لقد مررنا جميعا من خلال هذه الظلمة. الظلمة التي تعيشين فيها أنت، لذا لا تبقي في نفس العتمة. تعالي إلى حيث الضياء”

نحن نكتسب  الضياء، نتعلمه، نَثْقُفُه، كان يناديها كي تأتي إلى الGuf-BLACK-Amitabh-Raniضياء، كي تصنع لها شبكة ترى من خلالها العالم، شبكة رمزية، شبكة ثقافية، شبكة مكتسبة، شبكة تصنعها هي بالتعلم، نحن بدون شبكة غرفة من غير ضوء. الضياء هو ما نصنعه نحن بالتعلم والثقافة، وبالنسبة للغة، نحن لا نستطيع أن نصنع شيئاً في قواعدها النحوية، لكن نستطيع أن نصنع شيئا في تركيبها ودلالتها كي نجعلها تضيء، حين نصنع لها مشكالاً سنخرجها من العتمة ونجعلها تضيء.

كان المعلم يريد من ميشيل أن تعبر الظلمة، وهي ظلمة يعيش فيها كل من لا يملك مشكالاً يضيء به العالم في ألوانه المختلفة. معظمنا لا يمر ولا يعبر ظلمته، من يملك عينان يعبر ظلمة واحدة، لكن من لا يملك ضوءاً لا يمكنه أن يجتاز أكثر من ظلمة واحدة، هي الظلمة البيولوجية.

تقول ميشيل “كنت أنظر في ظلمتي. وكنت أنت من جلب ذلك الضوء المتلألئ” لقد جلب لها المعلم مشكالاً فصار ضوؤها متلألئاً ” في ذلك اليوم ربحت معركتك الأولى ضد ظلامي”

الانتصار هو أن نرى، انتصرت ميشيل حين صارت ترى بغير عينيها، حين صارت ترى “المعرفة هي كل شيء. هي الروح، الحكمة، الشجاعة، الضوء والأصوات. المعرفة هي إنجيلي، الرب. المعرفة هي معلمي”

انتصرت ميشيل على ظلامها، حين صارت المعرفة هي مشكالها الذي يضيء عالمها، حين صارت لها إجاباتها الخاصة والمتفردة التي تقدمها بين يدي العالم. سئلت ميشيل: كم محيطاً يوجد في هذا العالم، فأجابت: بالنسبة لي كل قطرة ماء هي محيط.

انتصرت ميشيل حين صارت ترى بحاستها (المجاز هو الحاسة)، حين تمكنت من لمس الأشياء التي لم ترها عيون الآخرين، حين أمتلكت القدرة والجرأة على تسمية ما تحسه وما تلمسه ” عندما نقف أمام الرب، كل واحد فينا أعمى، فلا واحد منا قد رآه أو سمعه يوماً، لكن أنا لمسته وأحسست بوجوده، واسميته معلم”

هكذا إذن هو المجاز، أن نرى، هو أن ننتصر، هو أن نجعل من كل شيء ألف ضوء، هو أن نجعل من كل قطرة ماء محيطاً، حتى لو لم نكن نملك عينين.

4. بعد هذا الابحار عميقاً في محيط عين ميشيل (غير الطبيعية)، وبعد التوسع المليئ بالاضاءات غير المنتهية لمفهوم المجاز باعتباره عيناً (غير طبيعية)، قد يمكننا تسمية المجاز أنه العين المتصرفة في الرؤية. هذا التصرف، كما أكدت في الكتاب، وكما أخذنا إليه الحوار، يأتي متأثراً بتجاربنا الفردية والجماعية والثقافية التي نعيشها، بل أنه لا يستطيع أن يرى إلا من خلالها. وهو ما أشرت إليه بتصرف الشاعر الروذكي الأعمى في وصف اللون بأنه جُمل، وهو ما جعل من ميشيل تتصرف في وصف اللون الأسود (الوحيد الذي تراه عينيها الطبيعيتين)، فتعطي له معان جديدة، وتعلن في يوم تخرجها “الأسود ليس مجرد العتمة والاختناق. بل هو لون النجاح أيضاً والمنجزات. هو لون رداء التخرج الذي نتقاسمه اليوم”.

كيف يمكن أن نفهم فعل الثقافة الجماعي من خلال المجاز؟ وكيف يمكن أن نفهم فعل المجاز الفردي من خلال الثقافة؟ كيف تنسج الثقافة شبكة العين غير الطبيعية، وكيف تنسج إنسانها الفرد؟ وكيف يتصرف هذا الفرد في شبكته الثقافية الجماعية؟

الديري: يجب أن نلتف إلى أن تصرف الشاعر الروذكي الأعمى في اللون وتصرف ميشيل في الظلمة، هي تصرفات فردية، وهما بهذا التصرف الفردي يمثلان تفردهما وإبداعهما، ويمكننا أن نفهم هذا التصرف ضمن الإمكانات الواسعة التي يتيحها المجاز للفرد كي يمارس وجوده على نحو مبدع، إلا أن هناك مجازات تقع على مستوى الثقافة ويستخدمها الفرد ضمن أفق الجماعة الرمزي ويرى بأفقها، وظيفة هذه المجازات تختلف عن وظيفة المجازات الفردية، فالمجازات التي تقع على مستوى الثقافة تمارس هيمنتها وبرمجتها لرؤيتنا، والمجازات التي يبتكرها الفرد هي وجه من وجوه صرفه لهذه الهيمنة، فالظلمة والسواد تنظر إليهما الثقافة التي ينتمي إليهما الروذكي وميشيل نظرة غير محببة وهما علامة على الجهل ونقص المعرفة، لكن تصرف ميشيل وتصرف الروذكي أعطى لهذه المجازات معاني جديدة وحياة جديدة وإمكانات جديدة، وبهذا صرفا الوجه السلبي الذي صنعته الثقافة لهذين الرمزين.

ولأتوسع أكثر في الجواب على هذا السؤال، سأستعين بثلاث جمل وقعتها إهداءات لأصدقاء ينتمون إلى حقول معرفية مختلفة لكنها متداخلة، الذين يشتغلون في النقد الثقافي أهديتهم كتابي موقعاً بالإهداء التالي “المجاز تمثيل تقوم به قوة تريد أن تفرض حقيقة ما” والذين يشتغلون في الانثروبولوجيا كتبت لهم الإهداء التالي “كل ثقافة تودع حقائقها في أرشيف من المجازات” والمختصين بعلم الاجتماع، كتبت لهم “بالمجازات يأتلف المجتمع ويختلف”.

الثقافة كما يقول (غرامشي) هي شبكة من المعاني والرموز والإشارات التي نسجها الإنسان بنفسه، لإعطاء الغاية والمعنى لنفسه وجماعته والعالم والكون من حوله. تراكم الثقافة منتوجاتها فتصنع أرشيفاً يمثل ذاكرة ولا يمكن أن تكون لنا ثقافة أو يكون عندنا مجتمع بدون ذاكرة.

تعمل الثقافة كشبكة رؤية للفرد كي يرى من خلالها العالم، وكي تنتمي إلى ثقافة ما يجب عليك أن تنتمي إلى شبكة رؤيتها، ولأن الثقافة بناء رمزي لطيف جماعي فلا بد لهذا البناء أن يتجسد في شكل يكون بمثابة الحاسة لجماعة ما. هذه الحاسة الجماعية تتبدى في شكل جسد مجازي. حين نريد أن نعرف شبكة الرؤية التي تُمكِّن من خلالها الثقافة العربية الفرد المنتمي إليها من إدراك معنى الكرم أو الموت أو الشرف أو الكرامة أو المرأة أو الشك أو اليقين أو الحب أو الآخر، فإننا نبحث في أرشيفها الرمزي الذي هو أرشيف مجازاتها.

هذا ما فعلته مثلا في مجازات الشك، حين رحت أرى كيف مثَّلت مجازات ثقافتنا هذا المفهوم في معتمداتها، أي في كتبها وأصولها المعتمدة التي تعود إليها وتثق فيها. وهذا ما فعلته حين رحت أرى كيف تمثلت ثقافتنا مفهوم المعرفة والحب من خلال ابن عربي. وحين أردت أن أعرف كيف تشكلت شبكة رؤيتي الثقافية التي رأيت من خلالها المرأة، رحت أنقب في مجازات ثقافتي الدينية. هكذا إذن تصوغ الثقافة حقائقها الجمعية في صيغ مجازية، وبذلك تُكوِّنُ أرشيفها الذي يعود إليه الفرد كل ما أراد أن يفهم شيئاً ما أو يراه أو يضيئه أو يتعلمه.

وهذا ما يؤكده الأنثروبولوجي (كليفورد غريتز) حين يذهب إلى أن الدين يشمل صورا واستعارات وتشبيهات يستخدمها معتنقوه لوصف وتحديد الحقيقة. وهذا ما جعله في الخمسينيات والستينيات يلجأ لأسطورتي سونان كالجيكا وسيدي الحسن اليوسي، لفهم إسلام المجتمع الأندونيسي والمجتمع المغربي في دراسته الشهيرة (الإسلام من وجهة نظر علم الإناسة)

ما تودعه الثقافة في أرشيفها، يبقى عرضة للاستخدام والتوظيف دائماً بين القوى المتصارعة في المجتمع. حين مثَّل حكماءُ ملك المغرب المرأة (راجع مجازات السم) بمجازات الأفعى والسم، كي يسمموا فكرة تعليم المرأة، كانوا هذه القوة التي قصدتها في جملة “المجاز تمثيل تقوم به قوة تريد أن تفرض حقيقة ما”.

ولكل قوة في المجتمع مجازاتها التي تمثل بها مفاهيمها لما يدور في المجتمع، وهي تأتلف مع بعضها أو تختلف بما تمثله هذه المجازات من حقائق “بالمجازات يأتلف المجتمع ويختلف”.

5. سأقتطف هذه العبارة من إجابتك ” تصرف ميشيل وتصرف الروذكي أعطى لهذه المجازات معاني جديدة وحياة جديدة وإمكانات جديدة، وبهذا صرفا الوجه السلبي الذي صنعته الثقافة لهذين الرمزين”. سأقف مرة أخرى عند التصرف بما هو فعل يمارسه الفرد في داخل ثقافته الجماعية؛ فإذا كانت عين الفرد (غير الطبيعية) محكومة بشبكة ثقافية تشكل رؤيته وتهيمن عليه وتخضعه لها. كيف يمكن لهذا العين أن تتصرف في وجوه الأشياء خارج حدود هذه الشبكة وخارج رؤيتها؟ كيف يمكن صرف الوجه الذي تصنعه الثقافة للأشياء وتبديله بوجه آخر؟

في مجازات الشك، ذهبت أنت لترى كيف مثَّلت مجازات ثقافتنا هذا المفهوم في كتبها وأصولها المعتمدة التي تعود إليها وتثق فيها، لكنك من خلال تشييدك لمفهومك عن الشك، عملت على صرف الوجه السلبي الذي صنعته الثقافة لمفهوم الشك، أي أنك لم تقف عند حدود هذه الشبكة ولم تخضع لبرمجيتها، فصرت ترى في الشك حياة وحركة ومعرفة ونطقاً وتصرفاً، في حين ترى شبكتنا الثقافية فيه كفراً ورجسا وفسقاً وجحداً ومعصية.

كيف يمكن للفرد الخروج على شبكته الثقافية، والتصرف بخلافها وهي عينه المجازية؟

يمكنه فعل ذلك، حين يكون قارئاً من الدرجة الثانية، أي حين يخضع شبكته الثقافية التي هي حاسته وضوؤه وعينه غير الطبيعية، حين يخضعها للقراءة والنقد والفحص. المجاز بقدر ما هو حاسة ترينا، هو حاسة تعمينا أيضاً، وكما الحواس يصيبها الوهن والعطب، يصيب مجاز ثقافتنا الوهن والعطب ويفقد قدرته على الاتساع والإبصار.يمتاز الإنسان بالتصرف، وهذا ما يتيح له أن يصرف وجوه شبكته الثقافية التي يولد فيها ويربى فيها ويألف مجازاتها التي تبدو وكأنها حقائق مطلقة ومنتهية.تشتغل المجازات عبر الشبكات الثقافية على جهة أنها أدوات ترويض وإقناع وصياغة، وهي تصوغ حسنا المشترك عبر القصص والحكايات والمرويات والحكم والأمثال. إنها تصوغ حسنا المشترك في تشكيل خطابي قوامه “فضاء من المجازات والإحالات أو نظام من القواعد والإحالات”

وتجعل الثقافة من محتويات هذا الفضاء مقدمات برهانية تسوقها في شكل أدلة تحاجج بها، وكأنها مسلمات لا تقبل الجدل، ولأوضح ذلك بشكل أفضل، سأناقش الأمثلة التالية المأخوذة من خطاب ثقافتنا: الخليفة ظل الله، الشعب رعية الخليفة أوعائلة الملك، الدولة جسد سياسي، الوطن دار الإسلام، دولة الخلافة حامية بيضة الإسلام.

الموضوعات (الخليفة، الشعب، الدولة، الوطن، دولة الخلافة) محمولاتها (ظل الله، رعية، عائلة، جسد، دار، بيضة) مجازية. الفكر هو تركيب أو إسناد محمول إلى موضوع. بهذا التركيب نربط بين الأشياء ونخلق الوجود وفق شبكة ما. أي أن شبكتنا الثقافية التي بها نرى هي التي تربط بين الموجودات (الموضوعات والمحمولات) وهي تقيم ارتباطات مجازية، تركب من خلالها واقعاً ما. وهذا ما يدحض فكرة أننا يمكننا النظر للواقع بشكل موضوعي صارم. فالإنسان لا يمكنه أن ينظر إلى حقائق الواقع إلا بحاسة ثقافية (مجاز). وكل ما ندركه بهذه الحاسة، فهو مقاربة للحقيقة وليس قبضاً عليها.

وهذا ما يسمح لنا بالقول إن المجاز دليلنا على الحقيقة، لكنه ليس (الدليل) أي ليس الدليل بـ(أل) التعريف، الدليل بـ(أل) التعريف يغلق الأشياء ويختم على فهمنا بدل من إن يفتحه. الدليل بغير بـ(أل) التعريف يفتح طرقا كثيرة للاقتراب من حقائق الأشياء، أو لنقل بحسب تعبيرات الفلاسفة طرق كثيرة للنظر في الأشياء، والنظر يحيل إلى العيون، وهي في هذه الحالة عيون غير طبيعية بالتأكيد، أي عيون ثقافية وهي ما سميناها (مجازاً) أو(حاسة). علينا أن ننظر إلى جمل الثقافة وقاضياها ومحمولاتها وأدلتها وحقائقها ويقينياتها على أنها تركيبات مجازية ندرك من خلالها الواقع بنظر ما.

لقد قلت ذات مرة وأنا أراجع شبكتي الثقافية التي ركبت سيرتي وفق نظر ما “رحت أقرأ مخيلتي الجماعية التي تشكلت طوال هذه القرون، أخذت أفكك مفاصلها الكبرى، فبدت لي مجازاً كبيراً منحه التاريخ والتقديس ما جعله يبدو في صيغة حقائق وثوابت لا يمكن أن تهز. حين يهتز مجازك يهتز حسك المشترك، فتفقد أمان الحقائق الجمعية”

تشتغل المجازات في خطابات الثقافة وتصوغ تصورات ناسها ورؤاهم وقيمهم، للوطن والسياسة والحكم والحق والمواطنة، لذلك فهي جمل ثقافية، وبقدر ما نفهم كيف أنها تركيبات مجازية، سنفهم كيف أن المجاز ليس مسألة جمالية فقط وليس سطحاً فقط وليس جملة فقط، بل هو تركيب ثقافي معقد يحيل إلى أنساق تتطلب حفراً مضنياً في خطابات عدة كي نكتشف خارطة عمله في الثقافة.

لذلك حين يستخدم أحدنا مجاز ما، فإنه يحيل إلى شبكة ثقافية ما، إن فهم الخليفة مثلا من خلال (ظل الله) وإضافات الرعية، كما في قول ابن المقفع “لتعرف رعيتكَ أبوابكَ التي لا ينالُ ما عندكَ من الخيرِ إلا بها” سيحيلنا إلى شبكة الآداب السلطانية وثقافتها، وهي كتابات تقوم في أساسها على مبدأ نصيحة أولي الأمر في تسيير شؤون سلطتهم. تحليل هذه الشبكة سيعرفنا كيف اشتغل المجاز في تركيب فكرنا السياسي (الآداب السلطانية)، وما الذي بقي إلى اليوم يشتغل فيه بواسطة هذه المجازات.

6.  إذا كان خطاب الثقافة يشتغل بحاسة العين (المجاز)، فهل خطاب العلوم (العلوم الإنسانية خصوصاً كعلم الاجتماع والسياسة والتاريخ والبلاغة والنقد والإناسة) يشتغل أيضا بهذه الحاسة؟

هناك مثل فارسي على ما أظن يقول “عقولهم في عيونهم”. قرأته في دراسة للمفكر الإيراني عبد الكريم سروش، وهو يسوقه في مجال التدليل على أن الناس تفهم الأشياء التي تراها بعيونها وتعقلها، ولا تذهب إلى أبعد من ذلك لفهم أصولها ومبانيها.

في كتابي أنا أذهب إلى أن هذا المثل “عقولهم في عيونهم”، لا ينطبق على عامة الناس فقط، بل على سروش نفسه، وعلى جميع المفكرين والفلاسفة والعلماء، إلا أن الفرق بين عيون الناس وعيونهم، يكمن في أن عقول الناس أقرب إلى عيونهم البيولوجية، وعيون المفكرين أقرب إلى عيونهم الثقافية التي يصطنعونها. لكن كلاهما ينظرنا من خلال عين واحدة هي عين تجربتهم الجسدية، بدليل أنهم يسمون أهل النظر، لأنهم يشيدون من خلال هذه العين المشتركة عيناً أخرى أكثر لطافة وأنفذ بصيرة، وهذه العين هي حاستهم، هم أهل نظر لأنهم أهل حاسة غير طبيعية، هذه الحاسة هي ما سميناه المجاز.من غير هذه الحاسة لا يمكنهم أن يتمايزوا ولا أن ينظروا. بقدر ما يجودون من حاستهم هذه، وبقدر ما يصقلونها بتصرفهم، يمكنهم أن ينظروا ويروا ويتخيلوا ويجدوا. إذن كلنا عقولنا في عيوننا، وهذا ربما هو معنى عنوان كتابي (مجازات بها نرى).

وكي يكون كلامياً مدعماً بالأدلة والأمثلة، سأستعرض مجموعة من العيون التي كان يشيد من خلالها أهل النظر عوالم علومهم.

يشيد الناقد (مصطفى ناصف) مفهومه للتأويل والفهم عبر المجازات التالية:

“التأويل هو المعنى الغائم المستور الذي نحلم به ونشتاق اليه. التأويل سبيل للتوافق مع الوقائع المتdark غيرة للحياة. الأقنعة تأويل. التساؤلات المستمرة لب التأويل. التأويل يمحو ويثبت. التأويل يحرك الماء من خلال ما يقوله وما لا يقوله معاً. التأويل نهوض بالواجب. التأويل إحياء لثقافتنا. التأويل عطاء لوجودنا. التأويل فلسفة يراد بها وجه الإنسان لا وجه التحليل … الفهم إعداد حسن لعميلة التغيير. الفهم معالجة الحياة.الفهم توسيع الأفق.الفهم استيعاب الأشياء التي لا تقع في دائرتنا”

صار التأويل عيناً يمكنها أن ترى بقوة بصيرة نافذة، بفضل تصرف هذا الناقد الفذ بهذه الحاسة، ولأنه استثمر تجربته الحسية بطلاقة ومرونة، استطاع أن يجعل من التأويل مفهوما مبدعاً له القدرة والقوة على الاتساع والتقلب والنماء والحياة، وتلك هي شروط المفهوم الحي الموصول بسياق التداول، كما يقول طه عبدالرحمن في كتابه فقه الفلسفة.

المثال الآخر هو مقدمة ابن خلدون، لقد أنشأ ابن خلدون علمه الجديد في مقدمته من خلال تصرفه في الجسد، جعل منه عيناً يرى من خلاله الدولة والمجتمع، لذلك فبقدر ما نحسن فهم جملة “الدولة جسد”، نفهم مقدمة ابن خلدون، ونفهم جدل تناقضاته، ونفهم سر عظمته.

كان ابن خلدون يرى ما يعرض للبشر في اجتماعهم من عصبية وعمران ودولة، من خلال طب الجسد الإنساني بأعضائه وأحشائه،

لقد تصرف في هذه العين (الجسد) تصرفاً طوعه ليكون أداة رؤية، نبدع في ابتكار موضوعنا بقدر ما نبدع في التصرف بالعين التي نراه بها كانت مقدمة ابن خلدون مبدعة ومبتكرة للعمران البشري والاجتماع الإنساني وما يتقوم بهما من عصبية وحسب ونسب ومدن وبوادٍ. كانت مبدعة بتصرفها في الجسد

ابن خلدون كان يرى في القوة التي هي قوام الجسد، حقيقة الدولة، كان مشغولاً بفهم قوانين هذه القوة، تماما كانشغال الطبيب بقوانين قوة الجسد، كيف هو واقع الجسد؟ كيف يولد؟ كيف ينمو؟ كيف يقوى؟كيف يضعف؟ كيف يمرض؟ كيف يهرم؟ كم عمره الافتراضي؟ كيف يكون في قوته وضعفه ومرضه وصحته؟

كان يفهم كيمياء الدولة من خلال كيمياء الجسد، ومعرفة هذه الكيمياء كانت مدينة إلى الطب الوسيط الذي يتأسس على العناصر الأربعة (الماء والهواء والنار والتراب) والأخلاط الأربعة (الصفرة والدم والبلغم والسوداء) والطبائع الأربع (الحار والرطب والبارد واليابس) للجسد. بهذه المعرفة الطبية، راح ابن خلدون يؤسس معرفته العمرانية، لفهم الدولة والعصبية وجدل البداوة والحضارة. كيف تتفاعل هذه الرباعيات في الجسد؟ وكيف يغلب بعضها بعضاً؟ وكيف يقضي بعضها على بعض؟

حين نقول اليوم إننا نفهم الدولة بأنها جسد ونفهم الحقول المختلفة في الدولة بالإحالة على الجسد فنقول: الجسد الصحفي، الجسد الطلابي، الجسد القضائي، الجسد الاجتماعي، فإننا كأننا نقول قالت مقدمة ابن خلدون.

الآلية نفسها وظفها توماس كون صاحب كتاب (بنية الثورات العلمية) الذي خصصه لفهم طبيعة الثورات العلمية، أي كيف يحدث الانتقال من إطار فكري أو نموذج إرشادي إلى  آخر(paradigm) وجد مجاز الثورات السياسية أفضل نموذج لفهم هذه الطبيعة، وراح يوسع هذا الفهم من خلال إطار هذا المجاز. فصارت الثورات السياسية هي عينه التي تصرف بها ليرى موضوعه.

يمكن أن نختم الأمثلة بنيتشه الذي عرف الحقيقة بأنها اضطراب من المجازات. يشيد نيتشه مفهوم القيمة من خلال مفهوم وجهة النظر ويعرف كلا المفهومين من خلال عين الوجه.

تعني القيمة عند نيتشه وجهة نظر، أي ما يتجه نحوه الوجه –حرفيا- كشرط لارتقاء كيان معقد ذي حياة قصيرة نسبياً موجود في صيرورة. القيمة ما يتوجه نحوه الوجه فتنفتح له الرؤيا. القيمة تعني وجهة النظر وهي لناظر ومن أجله، إنها قيمة في عينيه، أي بمقدار ما يراه هو وبمقدار ما يضعه هو فيها، وبهذا المقدار تصبح محط أنظاره ومقصده ومن ثم موضوع فعله. للذلك فالقيمة هي ما يوجه الوجه نحوه. وهي يلفت الوجه نحوه، وهي حسب تعبير هيدجر قبلة النظر.

الحياة الجديرة بالعيش حسب نيتشه هي الحياة التي لها قيمة= وجهة نظر= قبلة نظر=لفتة الوجه= محط أنظار كائن=موضوع فعل كائن. قيمة تصنعها إرادتنا، تلك هي “إرادة القوة” وهي عنوان كتاب نيتشه الذي ختم به حياته.

للتوسع في هذا الموضوع يمكن مراجعة دراسة دكتور غانم هنا “نيتشه:فاصل بين حديث ومعاصر.. تجاوز هيجل” عالم الفكر،إبريل2002.المجلد30.ص14