مراجعة كتاب "مجازات بها نرى"

مجلة البحرين الثقافية:باسمة القصاب

المشكالKaleidoscope أداة بصرية، تحتوي على قطع متحركة من الزجاج الملون، ما إن تتغير أوضاعها، حتى تعكس مجموعة لا نهاية لها من الأشكال الهندسية المتناسقة، المختلفة الألوان.

يبدع المشكال ما لا نهاية له من اللوحات الممتلئة بالضوء واللون والحركة. لا تكف هذه اللوحات عن التشكل كلما تغيرت حركة قطع الزجاج في داخله، وكلما تداخلت ألوانها وامتزجت.

ما يميز اللوحات المشكالية ليس متعتها البصرية والزخرفية فحسب، ولا تصميمها الفني المبدع فحسب، ولا شكلها الذي تنشئه المصادفة الناتجة عن حركة الزجاج والضوء واللون، بل هو أكثر من ذلك بكثير. ما يميز اللوحات المشكالية، بشكل خاص، هو أنها حالة مستمرة من التشكيل، حالة لا نهائية من استحداث العلاقات الجديدة بين قطع الزجاج المختلفة في أشكالها وألوانها وقابلية تمريرها وعكسها للضوء. كل لوحة جديدة هي تشكيل لرؤية جديدة، تشكيل لتركيبة جديدة، تشكيل لتداخل جديد، تشكيل لامتزاج جديد، تشكيل لتصور جديد، تشكيل لفهم جديد، تشكيل لمعنى جديد.

اللوحات غير المنتهية التي ينتجها المشكال، ترينا الإمكانات غير المنتهية لقطع الزجاج في إبداع تتشكيلاتها الخاصة؛ يرينا حدود حركة كل منها وانتشارها وتناسقها وقدرتها وقابليتها وطاقتها وتناسقها وانتظامها وعشوائيتها ووتيرتها، يرينا نماذجها وتصماميمها وعلاقاتها وفنونها ومهاراتها وأساليبها وتصويباتها وتخطيطاتها وزواياها ومقاييسها وصيروراتها وعيناتها وعناوينها وأمثلتها. أي أنه يرينا كل ما يحيط بهذه القطع من إمكانات تهبها قوة التشكيل.

ما لم يتمكن المشكال من أن يكون مجهراً يرينا تفاصيل هذه الأشياء أو لا أقل من أن يوقفنا عند أكثرها، يصير المشكال مجرد متعة بصرية سرعان ما يفقد عجائبيته الساحرة.

مشكال المجاز

لم يكن المجاز، حسب إرثي المدرسي، يتجاوز المساحة البلاغية للنص الأدبي. وقدرة المجاز على أن يمثل لنا الشيء على صورة شيء آخر، وفق هذا الإرث، هي صناعة زخرفية بالدرجة الأولى؛ تجمِّل القول وتجوِّده وتحسِّنه وتُبدع نَظْمه. وهي من جهة أخرى صناعة تبيينية؛ تفصل القول وتبسِّطه وتوضِّحه وتسهِّل فهمه. المجاز خيال جميل، وايقاع بلاغي يولِّده وضع القريب على البعيد.

كتاب الديري ليس ينفي الإرث المدرسي ولا يرفضه، وليس يقدم المجاز هنا باعتباره مجازاً مختلفاً عن ذلك المجاز المدرسي. لكنه لا يقف بنا عند المتعة اللغوية وزخرفها ونظمها وتنسيقها وتبيانها، فهو لا ينشغل بالمجاز ولا يشتغل عليه وفق حدود الرؤية المدرسية له، بل يتجاوزها إلى رؤية تتسع به المجاز ليس قضية بلاغية تهم النقاد فقط، وليس قضية دلالية لعلماء الأصول والمنطق، إنه كل ذلك وأكثر، فهو تصور للحقيقة، ورؤية للعالم، وعلاقة بالوجود، وفهم للغة، وكشف للإنسان، ومعرفة بالإله”([1] ).

يشتغل الديري إذن على تلفُّتٍ مشكالي للمجاز، فالمجاز ليس مجرد نسج أدبي وخيال مبدع جميل، ليس مجرد إيقاع متمكن من اللغة، إنه كل ذلك وأكثر، المجاز أداة تشكل رؤيتنا للأشياء، هو تشكيل مستمر لعلاقتنا بالواقع والعالم والانسان والحقيقة والله والدين. هو تلك الحالة اللانهائية من انتاج العلاقات بين الأشياء بهدف فهمها ومعرفتها ورؤيتها. هو تلك اللوحات التي ترينا مع كل علاقة جديدة، ضوءاً جديداً وفهماً جديداً ورؤية جديدة ولوناً جديداً واشكالاً جديدة. المجاز إذن هو مشكال الرؤية لا زخرفها. “إننا نفكر بواسطة المجازات، فالانسان يتوقع ويفهم ويفسر ويقرر ويتخيل ويستبصر ويستنتج ويتأمل عبر المجازات. المجازات تمنحه القدرة على التصرف والتوسع والتخيل، ليشيد صور مركبة لا مبسطة لما يحدث في واقعه. المجاز لا يبسط الواقع، بل يكثفه ويركبه ويعقده”([2] ).

هذا التشابك المعقَّد لـ (قطع زجاجنا) مع الواقع، يرينا حدود حركة أذهاننا وأطرها ونماذجها ونظمها ومكوناتها ومساحاتها وتخطيطاتها وزواياها، يرينا آليات ثقفنا وبرمجياتها ومشهوراتها وأمثلتها وأساليبها وطرقها ومقاييسها وعناوينها الكبرى وووو.. يرينا كل ما يحيط بنا من إمكانات تهبنا قوة التشكل والتشكيل.

المجاز ما لم يرينا قوة التشكل والتشكيل، مالم يكن مشكالاً للرؤية، ما لم يوقفنا على إشكالات فكرية وفلسفية وثقافية ومعرفية مع كل لوحة جديدة يقدمها، فهو لا يتجاوز كونه زخرفاً أدبياً في القول، أو قياساً خاوياً في المنطق.

الجواز والعبور

يقارب الديري المجاز بوصفه آلية ذهنية وأداة تفكير، وتقوم فرضية الكتاب على أن تفكير الانسان المجرد هو تفكير مجازي، وأن الإنسان لا يمكنه أن يفكر إلا على نحو مجازي، وهو (أي الانسان) يستعين بالتشبيه والاستعارة والتمثيل والرمز والحكاية والأسطورة في صياغة مفاهيمه المطلقة والمجردة. المجازات تشكل أطراً عامة للتفكير تلتقي من خلالها الأشياء التي تتيح له فهم الأشياء الأخرى.

الإنسان يستبين من خلال العالم المألوف العالم غير المألوف، ويدرك حقائق الأشياء عبر أشياء أخرى لا عبر مطلقات. والأشياء لا يمكنها أن ترى بعضها إلا من خلال بعضها. ليس في عالم الإنسان شيء مطلق يرى من غير شيء. نحن نعبر إلى غير المألوف من خلال المألوف، ونجوز إلى المجرد من خلال المحسوس، لذا صار المجاز عبوراً مبدعاً من الانسان.

ولأنه يرى أن المجاز هو جواز من التجربة الحسية إلى التجربة المفهومية، فقد عمل الديري على أن يجعلنا نفهم المجاز، من خلال تجربة الجواز الحسية، بما هي عبور بين مكانين أو ضفتين، وبما هي مرور بين هذين المكانين ووصل وربط بينهما. وقد شيد هذا المفهوم مستنداً إلى الدلالات اللغوية والاستعمالية للكلمة، مستنيراً بآراء الفلاسفة والمفكرين الذين اهتموا بالمجاز. “أخذت الفلسفة وهي تعيد اعتبارها إلى أهمية اللغة في تشكيل الفكر تولي مقولة المجاز أهمية كبيرة، وقدمت إسهاماتها الحديثة في تفسير كيفية إدراك الإنسان للعالم من خلال مجازات اللغة والذهن”([3] ).

سحر مجازات اللغة

الانسان يدرك حقائق الأشياء بتشبيهها ووصلها بغيرها، فهو مبتل بالتشبيه. فعل التشبيه له تأثير يصل إلى درجة السحر، الأمر الذي يجعل (خوزيه جاسيت) يؤكد أن التعابير المجازية هي أكثر ما ابتدعه الانسان قوة.

ولأن الانسان يعبر باللغة، وبها يفهم المجردات، فإنه مسحور مفتون بالمجازات التي يخلقها عن طريق لغته. مفتون بأشكالها التي تريه الشيء على هيئة شيء آخر، مفتون بمشكالها، لذلك لا يمكننا أن نفكر في المجردات من دون أن نقع في سحر اللغة “عندما نبدأ التفكير في معنى الحياة والزمان والمكان والجسم والمعنى والإراة الحرة والخير وغيرها من الموضوعات الفلسفية الكبيرة، فإننا نصبح مسحورين عن طريق اللغة” فنجشتاين.

يقف الديري عند اللغة ومجازاتها ليرينا أنها ضرب من ضروب السحر. السحر بما هو خداع واستمالة وتلبس وصرف من وجه إلى وجه، “تفكيرنا ما هو إلا صرف عن وجه لوجه. كلما ظننا أننا أمسكنا بوجه من وجوه المفاهيم الكبرى صرفتنا اللغة إلى وجه آخر. ومع كل عملية صرف نعبر وجهة أخرى”([4] ). اللغة بمجازاتها تسحرنا، بما لها من قوة التأثير على العقل والحواس والتفكير والادراك وبما تتصرف في تفكيرنا.

ولكي نتخلص من أسر سحرها وافتتانها لا بد أن نغير علاقتنا بها، فنعيد فهمها وقراءتها باعتبارها رؤية للأشياء ولعباً بها وتعدداً في منظورها وبناء لتصوراتها، أي باعتبارها وجه من وجوه الشيء لا الشيء نفسه. “المجاز يجعل من الطريق الواحد البسيط طرقاً عدة متنوعة ومتفرعة، فيصير الطريق حمال أوجه”([5] ). هذا الفهم يتيح لعقولنا المفتونة بسحر اللغة، أن تلعب وتستمتع بتعدد الوجوه المجازية للأشياء، يتيح لها أن تقيم علاقة مشكالية باللغة، فتنتج ما لا نهاية له من العلاقات المجازية مع الأشياء، دون أن تأسرها هذه الوجوه.

بناءات المجاز

تتعدد مجازاتنا بتعدد تجاربنا الثقافية الجماعية والفردية. الانسان يبني تصوراته لهويات الأشياء وفق هذه التجارب، ويمكنه أن يوسع هذا البنيان أو يغيره أو يحوله أو يجدده كلما استجدت تجربته. الإنسان لا يكف عن بنينة هويات الأشياء وبناءها، وكلما غير الإنسان بناءاته المجازية للأشياء تغير فهمه لها. لذا لا يمكن فهم البناءات المعقدة للمجاز عبر المقاربة البلاغية المدرسية لها “هذه البناءات ليست زخارف لغوية، بل هي عمليات ذهنية وإمكاناتها العقلية مؤسسة على تجربة الانسان الحسية والثقافية” ([6] ). ولكي نقارب هذه البناءات ونعمل على فهمهما وتفكيكها، لابد أن نفهم تجارب الانسان ونفكك ثقافته التي شيدت مفاهيمه.

يتسع بنا مجاز الديري ، فيتجاوز رؤية الانسان المجازية، ويعبر بنا إلى ثقافته، فالثقافات تختلف مجازاتها باختلاف تجربتها مع الأشياء، “كل ثقافة ترى العالم عبر صورها المحسوسة”([7] )، واختلاف تجاربها المحسوسة يترتب عليه اختلاف تصوراتها وعلاقاتها التي تقيمها مع الأشياء، ومن ثم اختلاف رؤيتها للعالم وعلاقتها به. بهذا الاتساع يمكنني أن أفهم أن الثقافة هي رؤية مجازية للأشياء، وبهذه الرؤية تشيد الثقافة عالمها الخاص.

الذات الانسانية ترتب علاقاتها بالعالم وفق رؤيتها المجازية، وفق رؤية ثقافتها المجازية، لا وفق وجود العالم. إذ العالم صامت وأقرب إلى الحياد كما يشير الديري. لعل العالم هنا أقرب إلى المشكال الذي يرينا تنوعات تشكلات الذات ومن ثم تشكيلها لعالمها وابداع لوحاته.

حقيقة الثقافة

تمتزج مجازات كل ثقافة مع وعي أفرادها، ويشتبك المجاز مع هذا الوعي بشكل يغيب معه أصله المجازي. غياب الوعي بأصل المجاز يجعل منه حقيقة. لذلك كل ثقافة تقدم مجازاتها على هيئة حقائق كبرى. “تغدو الحقائق الكبرى التي تعبر من خلالها كل ثقافة عن رؤيتها للوجود، مجازاً منسياً يولد مجازات تكشف حقائقها بالارتداد بها نحوه. أي نحو هذا المجاز المنسي الذي يقدم نفسه في صورة حقيقة كبرى”([8] ).

لكل ثقافة حقائقها التي تختلف عن حقائق غيرها من الثقافات. يرى الديري أن كل حقيقة تلتقي مع الحقائق الأخرى في ادعائها الإنساني، أي زعمها أنها الأقدرعلى تمثيل حقيقة الإنسان، ومن ثم تقدم نفسها بوصفها أكثر سموا به وعلوا بحقيقته واستجابة لمتطلباته وتعبيراً عن تطلعاته.

ولكل ثقافة مقدساتها التي تجلل حقائقها، فالقداسة حسب الديري مجاز كبير، تحيل كل شيء تحل فيه إلى حقيقة جوهرية عليا.

تهيمن الثقافات على أفرادها عبر مجازاتها التي تقدمها لهم باعتبارها حقائق ثقافية كبرى ومقدسات عليا. تحليل هذه المجازات وارجاعها إلى أصلها المنسي، يمكن أن يفكك من سلطة هذه التصورات ويخفف هيمنتها.

السمك الرعاش

لا يختص المجاز بلغة دون أخرى، ولا يختص بخطاب دون آخر، فهو آلية ذهن تحكم تصور ورؤية المتكلمين والفاعلين بمختلف لغاتهم وثقافاتهم وانشغالاتهم. يرى الديري أن الخطابات الفكرية والفلسفية والسياسية والإعلامية والتربوية والدينية والصوفية والثقافية تصيغ أفكارها عبر تمثلات مجازية. لذلك يقوم الديري باخضاع نماذج متنوعة ومختلفة من هذه الخطابات للفحص والتحليل والنقد والتفكيك، ليؤكد لنا فرضيته، وليعبر بنا نحو مجازية الفكر الانساني بشكل عام.

مجاز السمك الرعاش، الذي اتخذه الديري عنواناً لسلسة من أعمدته الفلسفية والفكرية التي ضمنها كتابه، عمل على تشيد مفهومه للشك والتوسع فيه وجعله حقلاً مليئاً بالحياة. السمك الرعاش هو تسمية مجازية أطلقها من باب التهكم مينون، في محاورته مع فيلسوف الشك سقراط “انك تشبه أعظم الشبه من حيث الشكل ومن حيث الجوانب الأخرى سمك البحر الكبير، ذلك الرعاش، حيث أنه دائماً، ما أن يقترب المرء منه ويمسه حتى يجعله يرتعش”.

يتمثل الديري مجاز السمك الرعاش في تشييد مفهومه عن الشك وبنينته، فيحوله إلى حالة فكرية ونفسية وعقلية ومدنية وحضارية. السمك الرعاش “ليست ذاتاً لشيء، بقدر ما هي صفة لحالة الإنسان الناطق”([9] ). السمك الرعاش هو حقل مقتضيات حالات الإنسان المدني، الإنسان الذي يسأل ويفعل ويطلب، الإنسان الذي يرفض الإذعان إلى السيادات الجماعية، الإنسان الذي يحصن مواطنيته من الارتهان لما هو خارجها، الإنسان الذي مواطنته هي الوجه الآخر لسيادة الأمة.

السمكة الرعاشة تفتح أفق حوارنا حول إمكانية وجود معرفة مدنية يقينية جازمة، وتوقعنا في مسائلة حقائقها عن يقينياتها، إنها سمكة تكوثر الحوار المولد للأفكار كما كان سقراط يفعل. “لا ارتعاشه من غير شك يفضي إلى سؤال. عملية الشك تعبر عن قرار الذات بأن تسحب ثقتها المطلقة من الأحكام ومن الأشياء”([10] ). الشك هو رعشة الاحتراق بالسؤال الذي هو حياة. “المجتمع الذي لا سمك رعاش فيه لا حياة فيه”.

سمكة الديري الرعاشة، تأتي لتحاورنا حول شؤون الاجتماع والفكر والسياسة والمدينة، لتنطق استشكالاتنا المدنية، تجعلنا نتذوق مدنية بطعم الاختلاف والتناقض، تضع سيادة الآلة (سيادة القبيلة أو الطائفة أو المذهب أو العرق أو العائلة أو الدين) بين قوسين نيتشويين كبيرين، تفكك معتمدات الثقافة وجوامعها، ترينا جهل الاستقرار في اليقين المطلق، تحذرنا من المكوث في استبداد اليقين وضيقه، تجعلنا نعي نواقصنا، نعي حاجتنا إلى المعرفة، فالحاجة وعي النقص. “الشك هو الرغبة في الحياة على نحو استشكالي ضد الاستقرار المطلق. الشك معرفة لا تعرف الاستقرار، معرفة تحذر الجهل المستقر، لأنها تحذر العلم المستقر”[11] ).

النسبة والشك

يقارب الديري بين المجاز والنسبة والشك، ذلك أن الانسان نسبي. ومعنى أن الانسان نسبي وفهمه نسبي، أن الانسان مقيد بغيره مرتبط به غير مطلق، وكذلك فهمه. القيد هو الصلة، والانسان بحاجة إلى صلات مفهومة مألوفة معروفة تمده بالعون ليفهم الغامض والملتبس والغريب والمجهول. بقدر ما يكاثر صلاته بالأشياء يتحرر من قيد الارتهان للصلة الواحدة. الانسان ينسب الأشياء إلى نفسه ويصنع قرابات بين الأشياء ليفهمها، “بالمجازات نصنع أنساباً وقرابات بين معاني الأشياء والموضوعات والكائنات”([12] )

الوقوف عند فلسفة إخوان الصفا وتقسيمهم النسبي للكون، يكشف لنا مأزق الزعم الفلسفي المتعالي على الاعتراف بمجازية تصوره للحقائق وفهمه المجردات. “كان أخوان الصفا يستخدمون تقسيم (فيلولاوس) الفيثاغورثي للكون، ما فوق القمر وما تحت القمر، فينسبون ما تحت القمر إلى ما فوق القمر، ليفهموا الكون كلاً واحداً منسجماً ومؤتلفاً، بل إنهم كانوا يقيمون تصوراتهم لحكومة ما فوق القمر وفق تصوراتهم لنظام ما فوق القمر“([13] ). وهو بهذا يبدد زعم الخطاب الفلسفي بأن حقيقته مجردة من الوهم والخيال، موقعاً إياه في مأزق نسبي.

مجازات الخطاب السياسي

يقوم الكتاب بمعالجة الحضور الوظيفي للمجاز في الخطاب السياسي. حيث الخطاب يتخذ من المجاز أداة يقرأ بها ويفسر من خلالها ويتصرف. “المجاز يشتغل في الخطاب، لكنه لا يشتغل عليه، الخطاب لا يقيم علاقته بالمجاز بوصفه أداة يقرأ بها ويفسر، بل بوصفه أداة يبنى بها الخطاب( لغة)، لذلك فهو يحضر بوصفه جزء من اللغة التي يتحدث بها ويكتب ويتواصل” ([14] ).

يقرأ الديري مجموعة كبيرة من الخطابات السياسية والإعلامية المحلية والعالمية، ليكشف الآلية الذهنية التي يستعين بها السياسيون في صياغة استراتيجياتهم وخططهم وسياساتهم وإدارتهم للحقيقة، ويوظفها المحللون والمراقبون لصياغة نماذج تعينهم في فهم هذه السياسات والاستراتيجيات، ويشيد بها المفكرون نماذج تفسيرسة لمعرفة النسق الكامن وراء كل قول أو ظاهرة إنسانية، ويتصرف من خلالها الفلاسفة بمفاهيمهم المجردة فيمنحونها سعة وخصوبة وكثافة وسهولة، “لذلك لا عجب أن أصبحت المجازات موضع اهتمام مختلف العلوم الإنسانية والفلسفة والمجالات الإدارية والتسويقية” ([15] ).

تفكيك الخطابات

يقف الديري عند نماذج لخطابات دينية أصولية، متتبعاً شبكة أنظمتها الدلالية والثقافية، من خلال مجازاتها واستعاراتها، ليكشف أن الذات تفهم العالم وكائناته وعلاقاته وفق شروط هذه الشبكة وإمكاناتها. ولكي تخرج الذات على هيمنة هذه الشبكات، لا بد أن تخضعها للقراءة والنقد. أي أن تجعلها موضوعاً قابلاً للسرد والفحص. ما يجعل الديري ينطلق إلى قراءة ونقد الصياغة الآيدلوجية التي شكلت تمثلاته للمرأة، وكيف عملت التركيبة المجازية لشبكته الثقافية على تشكيل إطار فهمه للحجاب وداخلت حججه وقناعاته.

“دريدا ومسار الشمس”، هو عنوان مقاربة مجازية أخرى، لنموذج خطاب فلسفي، يتتبع فيه الكاتب تفكيك دريدا لاستعارة الشمس. الشمس تحيل في النصوص الفلسفية على الحقيقة الواضحة الجلية المطلقة. وهو ما يجعل من هذه الخطابات تنسى أصلها الاستعاري المجازية وتتصرف وكأنها الشمس. التقويض لهذه النصوص تقويض لزعمها بالتطابق التام مع الحقيقة. وهو يحتاج إلى فهم مغاير للمجاز واللغة، يجعل من المجاز لعباً حراً يكوثر المعنى ويفيض، “حينها يكون المجاز علامة حرة، ضوءاً يلعب في الأشياء، شمساً تحيي الأشياء وتحركها”([16] )

ظلال الكلمات

يتحول الديري إلى الخطاب الصوفي الذي يصفه أدونيس بأنه لغة شعرية وأن “كل شيء فيها هو ذاته وشيء آخر، الحبيبة مثلاً هي نفسها وهي الوردة أو الخمرة أو الماء أو الله”. يقف الديري عند مفردة “الكلمة”، ليشيّد علاقة مجازية مفهومية بين الظل والوحي والكلمة، وليرينا أنها هي نفسها الظل وهي الوحي وهي الجرح. نقرأ الكلمة في ظلال هذه المجازات، فتتكوثر وجوهها وتتعدد إمكاناتها وتتنوع استعمالاتها، فتتسع معانيها بناء على هذه الإمكانات وهذه الاستعمالات.

وبهذ ه الظلال يقارب الديري مفهوم الصورة في خطاب ابن عربي، بوصفها علامة كثرة ومغايرة، وهي بهذا الوصف معرفة كثيرة بالإنسان والوجود والله. حيث الكثرة في خطاب ابن عربي هي ظلال كثيرة وتلوين يتنوع فيه أشكال ظهور الواحد. وقد استخدم ابن عربي ( الشخصية الأكثر مشكالية) مجازات المحل والمنظور والقابل والظل والنور والرؤية والعين والبرزخ، ليعبر عن أشكال ظهور الواحد بالعين، الكثير بالصور.

المعرفة المحبة

هي ما يختم به الديري كتابه، مفهوماً مجازياً للمعرفة، يقرأ فيه المعرفة على نحو يجمعها على الحب ويعرفها به. “فالمعرفة تجمع ضدين “الإدراك هو جمع بين شيئين، أحدهما غامض، والآخر واضح”، والمحبة تجمع ضدين “المحبة هي الجمع بين الضدين”. المعرفة التي لا تعترف بأضدادها معرفة لا محبة فيها، والمحبة التي لا تقرُّ بضديدها محبة لا معرفة فيها. بقدر ما نجمع الأضداد نعرف ونحب، وبقدر ما نحب ونعرف تتكوثر أضدادنا”([17] ). المعرفة الأصولية التي تجعل من علاقتها بأصولها نهاية اليقين والحقيقة والوضوح والصدق والصحة، هي معرفة طارِدة للضد، لأن الضد يهدِّد يقينها. أما المعرفة المحبة، فهي المعرفة المتكوثرة بالشك، هي المعرفة التي تلجأ إلى ضدها لتثري ذاتها بالازدواج به.

هذا الجمع هو ما جعل من التصوُّف رحباً حد الاتساع لجميع تناقضات البشر وتباينات مذاهبهم، وهذا ما جعل من نيتشه يبتكر مفهومه للمعرفة المرحة المفتوحة على الأضداد والمجازات والخيالات والسخرية والمرح واللعب. ([18] )

يقارب الديري المعرفة المحبة بمجازات التضاد والتحول والكشف والحجب والثراء والوجدان والتشجر والكأس والماء والصوفة واللون والنَفَس، بهذه المجازات يتسع من مفهوم المعرفة وتصير لعباً ومرحاً وحباً وتضاداً .

حقل المجاز

استطاع الديري في كتابه ” مجازات بها نرى” أن يجعل من مفهوم المجاز حقلاً واسعاً. فالحقل يكون حياة باستشكالاته، أي بالأسئلة التي ينتجها، يكون الحقل حياة بمتناقضاته ومتضاداته، بالمفاهيم المتقابلة فيه. لم يقدم لنا الديري وجهاً واحداً للمجاز، بل ترك وجوهه مساحات مفتوحة قابلة للتأويل والتعدد والتكاثر واللعب والاستمتاع.

فالمجاز هو ليس الحقيقة التي تقابل الخيال، هو ليس الحس الذي يقابل العقل، هو ليس العاطفة التي تقابل الفكر، هو ليس الزينة التي تقابل المضمون، هو ليس الخفاء الذي يقابل الظهور، هو ليس الصناعة الني تقابل الفطرة، هو ليس الفرع الذي يقابل الأصل، هو ليس الجمال الذي يقابل القبح هو ليس الخيال الذي يقابل العقل، هو ليس التجسيد الذي يقابل التجريد، هو ليس التزييف الذي يقابل الحقيقة. المجاز هو كل هذه الثنائيات متداخلة مع بعضها البعض، “المجاز هو أعظم أداة اتصال وعبور وجمع بين المتضادات، فهو يجمع أعناق المتنافرات”([19] ).

بهذا الاتصال والعبور والجمع بين المتنافرات، يبدع الانسان ما لا نهاية له من اللوحات الممتلئة بالضوء واللون والحركة. لا تكف هذه اللوحات عن التشكل والتشكيل كلما تحرك الإنسان بتضاداته وتناقضاته وتلويناته وأصنافه وأشكاله.

كلما حركنا قطع زجاجنا أصبح المجاز هو نفسه المعرفة المحبة، وهو نفسه السمك الرعاش، وهو نفسه الاتصال العظيم، وهو نفسه الظلال الكثيرة، وهو نفسه الصور الثرية، وهو نفسه علامة الكثرة والمغايرة، وهو نفسه المدينة المشتعلة بطعم الاختلاف وهو وهو.. أصبح المجاز إمكانات غير منتهية من الرؤى والأفهام والتفاسير والتأويلات والتشكلات، أصبح المجاز مجهراً يرينا تفاصيل حركة الأشياء ودقائقها وأصلها وتمثلاتها.. أصبح مجاز الديري مشكالاً به نرى..


[1] علي أحمد الديري، مجازات بها نرى، ص 40

[2] م.ن، ص99

[3] م.ن، ص38

[4] م.ن، ص20

[5] م.ن، ص18

[6] م.ن، ص22

[7] م.ن، ص47

[8] م.ن، ص49

[9] م.ن، ص73

[10] م.ن، ص73

[11] م.ن، ص80

[12] م.ن، ص96

[13] م.ن، ص91

[14] م.ن، ص106

[15] م.ن، ص105

[16] م.ن، ص176

[17] م.ن، ص200

[18] م.ن، ص201

[19] م.ن، ص205