فتح التاريخ

«ما الذي يريد أن يستنهضه بعض المثقفين من فتح ذاكرة الفعل فتح؟» هذا ملخص اعتراض ساقه قارئ حقيقي، بشأن مقالي «إعراب ذاكرة الفعل فتح» الذي قدمته فيه ملخصاً لمداخلتي في ندوة المغرب عن «الإسلاميون واليساريون والديمقراطية»، والحقيقة أن هذا السؤال يهمس به عشرات من القراء الضمنيين أو الافتراضيين. السؤال في سياقه، كان يحمل عتباً واستنكاراً وتحذيراً، عتباً من فتح ذاكرة التاريخ ونحن نعيش عصراً جديداً، واستنكاراً لإثارة ما يمكن أن يؤدي إلى استنهاض ثارات، ونقداً لتورط شخصيتي الثقافية في إثارة نعرات تاريخية.
قلت للقارئ الذي وصف نفسه بأنه عاشق للفلسفة: حين نفتح كهف 39217 أفلاطون المظلم على النور، سنرى الحقيقة من خلال الشمس لا من خلال الظلال، وحين نفتح ذاكرتنا المُغلَّقة بالقوة الفاتحة، ستفقد هذه الذاكرة سحرها الأسطوري الماضي الذي يشتغل اليوم في جماعات كثيرة أكثر مما يشتغل الحاضر. الظلال تتضخم في الذاكرة المقموعة، كما تتضخم ظلال الكهف في حصار الظلمة، وتصير ضلالاً.
قلت له: دع الجماعات تعيد قراءة ذاكراتها كي لا تتوهم فتستطيل ذاكرتها. دعها تعرب ذاكرتها، كي تتوضح لها العبرة من التاريخ، الإعراب بيان وتوضيح، والإعجام تنكير وغموض والتباس. الذاكرة المعجمة لا تحسن استخلاص درس التاريخ. وذاكرتنا اليوم معجمة، فيها أصوات وجلبات لا تتوضّح معانيها. الفعل «فتح» قد أغلق ذاكرات كثيرة، فراحت تسرد تاريخ ذاكرتها من مطالعها المغلقة، فلم تر وطناً مشتركاً لدولة مشتركة.
الذهاب إلى التاريخ محفوف دوماً بمخاطر الوقوع في اللاتاريخ، لذلك كنت أتحصن بابن خلدون، وهذه المرة، لم تكن معي المقدمة، لكن كان معي، رواية المقدمة، إنها رواية «العلامة» التي كتبها المفكر والمبدع المغربي سالم حِمّيش، لقد حازت هذه الرواية على جائزة نجيب محفوظ للرواية سنة 2002 وتمت ترجمتها إلى لغات عدة منها الفرنسية والإنجليزية على يد البروفيسور روجر ألان. وذلك لما تتوافر عليه من خصوبة بالغة في معالجة شخصية ابن خلدون وتمثل عميقاً مفهومه للتاريخ.
وقد ابتكرت الرواية شخصية «حمو الحيحي» وهو لا وجود له في الواقع، ووظفتها بصفته كاتباً لإملاءات عبدالرحمن ابن خلدون.
لن يكون «حمو الحيحي» كاتب إملاء فقط، بل سيكون مُولّد أسئلة، ومثير إشكالات، وصديق معرفة وصاحب ذائقة قرائية ناقدة، في إحدى ليالي الإملاء، يثير «حمو» سؤالا إشكالياً «إذا كان التاريخ ديواناً لا تحتل العبرة فيه حصتها الوضاءة، ولا دورها الدافع المفيد، فأي معنى يكون للمتغيرات أو للتقلب بين الأطوار والفترات»[1].
يثير هذا السؤال، أعماق تفكير ابن خلدون في التاريخ، وأعماق إحساسه العميق بثقل التاريخ، فيجيبه «سجلها يا حمو قبل انصرافك سجل علة العلل الحيثية قبل أن تفلت مني ناصيتها، أو يعميني نور نصاعتها وتميزها. أم العلل في تعطل العبرة وتراكم الأزمنة اللامجدي، أراها الآن في فساد بذرة التاريخ ودفعة أطواره، أراها في عُوار هذا الأصل المتنطع المتناسخ، العائد دوماً بنفس المعاطب والخروقات»[2].
ما هذه البذرة التي تفسد التاريخ، ولا تجعله ينمو ويعتبر ويتعظ، ليستأنف حياة جديدة، ما الذي يجعل هذه البذرة فاسدة؟ ما الذي يفسد درس التاريخ؟ ويجعله غير مجدٍ، ما سرّ المعاطب والخروقات؟
«أراها يا حمو في بلوى العصبية بالذات والصفات»[,3] «العصبية أم البلايا كالفينق المنبعث من رماده»[4]. «عصبية الولاء والاصطناع التي بتعظيمها وتسعيرها تتنافس العصابات في الاستغلاظ بعضها على بعض»[5].
هذه البلوى العصبية تجعل الدولة بذاكرات كثيرة متشظية ومحتربة ومتكهّفة (من كهف). ما يهدد الدولة ليس فتح تاريخ العصبيات ونقده، بل فتح العصبيات نفسها، فتح باب الدولة لها واصطناعها إياها وتعظيمها لها وتسعيرها (من السعار والسعر) حد الاستغلاظ.
الدولة تكون حين تتعظ بالتاريخ، حين تتعلم درسه العميق، حين تعي بذرة فسادها وتستبدلها ببذرة أخرى، حين تكف عن اصطناع الولاءات الطفيلية العصبية، وإلا سيكون الموت أو الشلل يتربص بها، نحن نفتح الذاكرة كي نعي درس التاريخ، ونكشف هذه البذرة الفاسدة التي تنخر في عمر الدولة، وتجعل من دولنا أشباه دول. نفتح فعل الفتح كي نُعرِبه، كي نخلصه من بلوى العصبية التي هي كالفينق، تنبعث مع كل طور من أطوار الدولة، طور 1924 وطور 1971 وطور 1975 وطور ,2002 مع كل انبعاثة يأتي هذا الطائر في شكل حياة جديدة، لذلك لابد أن نواجهه ونفتح أفعال انبعاثه.
فساد بذرة التاريخ بالعصبية، إنها البذرة التي تجعل عمر الإصلاح في الدولة دوماً قصيراً، كما يقول ابن خلدون. لأنها هذه البذرة تثقل الدولة بعيوب تعجل بها أو تشلها أو تهدد استقرارها، ويعدد لنا ابن خلدون هذه العيوب بنبرة تقريعية عالية الوقع «وازع القرابة والدم في الظفر بالملك عيب. اصطناع المرتزقة والموالي في إدارة دفة الحكم عيب، الاستبداد موفقاً كان أو بائساً عيب، التعويل على مشورة الهَرِمين ومن طبختهم الدولة عيب، تفضيل المتزلفين على المضطلعين الأكفاء في الدواوين عيب[6].
العصبية تصنع العيب، والدولة المبتلاة بعيب العصبية لا يمكنها إلا أن تكون دولة خلدونية، أي دولة تنخر فيها بذرة الفساد ولا تتعظ بعبرة التاريخ. لذلك مادام ابن خلدون قادراً على أن يفسرنا، فلسنا في التاريخ بعد. أن يكون ابن خلدون مازال يفضح عيوبنا فذلك هو العيب الأكبر.
مرة أخرى نحن لا نفتح التاريخ، نحن نفتح هذه البذرة التي تحول بيننا وبين أن يكون لدينا تاريخ، تاريخ أرضه مشتركة، تاريخ من دون عيب، ودولة من دون عيب، الدولة حيث التاريخ أولا تكون دولة، والدولة حيث اللاتاريخ شبه دولة أو دولة ينقص التاريخ من أطرافها.
يسوق ابن خلدون شاهدة في نهاية عمر تاريخه الطويل يسميها «معضلة العبرة من التاريخ»، يسوقها بروح كافرة من أن يكون لنا دولة تعي درس التاريخ وتملك الجرأة على مكاشفته «تريدني الآن في معضلة العبرة من التاريخ. بيد أني قطعت حول التفكير فيها طورين على الأقل: طور هو الأطول لازم عهد فتوتي وحتى كهولتي الأولى، وآمنت فيه أن التاريخ ذو فوائد شتى، وأنه مخزون الدلالات الكبرى وكتاب العبر المثلى، وطور هو الحاصل اليوم، بت أشك خلاله في قدرة أولي الأمر وأرباب الدول على مكاشفة التاريخ والنظر إليه كما وصفته، أو تريبني قابليتهم في ذلك»[7].

الهوامش:
[1] العلامة، سالم حميش، ص .64
[2] المرجع نفسه، ص .64
[3] المرجع نفسه، ص .64
[4] المرجع نفسه، ص .61
[5] المرجع نفسه، ص .135
[6] المرجع نفسه، ص .66
[7] المرجع نفسه، ص .47

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=5153