مكتبة الأستاذ

فاجأ الصديق أحمد يوسف الديري مدير منتدى الدير، ذاكرتي القروية المشبعة بالحنين، حين نقل لي خبر نقل الأستاذ إبراهيم حسن إبراهيم مكتبته الشخصية إلى صندوق الدير الخير، لتكون مشروع نواة لتأسيس مكتبة عامة في القرية. لدى ذاكرتي تاريخ طويل مع هذه المكتبة، مع أني لم أرها أبداً، لم يسبق لي أن قرأت شيئاً من مقتنياتها ولا لامست شيئاً من رفوفها، ولا تصفحت أوراق كتبها الكثيرة. كيف يكون لذاكرتك هذا ال تاريخ الطويل مع شيء لم تلامسه؟

الذاكرة لا تحتفظ بالأشياء بل بظلالها، وذاكرتي عامرة بظلال هذه المكتبة، والأمر في ذلك يعود إلى شخصية صاحبها الأستاذ إبراهيم وعائلته وما مثلته من حضور رمزي في القرية.

أشعرني تحول هذه المكتبة إلى نواة مكتبة عامة، للوهلة الأولى بحسرة ناستالوجية، فالحضور الرمزي لهذه المكتبة في ذاكرتي يرافقه غياب للتاريخ، فأنا لا أحمل في سيرتي شيئاً من تاريخها، لم أدخلها ولم أكن من رواد مجلس صاحبها، ولم أكن من طلابه أو حوارييه أو المترددين على مجلسه.

هناك جيل من قرية الدير تربى بين كتب هذه المكتبة وتتلمذ على دروس أستاذ إبراهيم الدينية والثقافية وتذوق أطعم مشروبات مجلسه الساخنة بمختلف أشكالها ومذاقاتها.

شعرت بحسرة فادحة، لأني أحسست أن تاريخ هذه المكتبة قد تجاوزني، وأني لا أحمل من هذا التاريخ ما يجعلني أفخر بأني واحد من أبناء القرية الذين تربوا فيها ورأوا العالم من خلالها، ربما الكتابة الآن عنها تعوض شيئاً من فداحة هذه الحسرة.

لكن لماذا لم أدخل هذه المكتبة؟

تحمل هذه الذاكرة مع الحسرة شيئاً من العتب، وهو عتب أسرده بمحبة لجماعة التعليم الديني التي تولت صياغتنا الدينية وفق رؤيتها التي كانت تختلف مع رؤية الأستاذ إبراهيم المنفتحة ومكتبته المتعددة. في منتصف الثمانينيات، وكنت حينها في المرحلة الإعدادية، وجّه الأستاذ إبراهيم عبر أحد مريديه دعوة لي ولثلاثة من أصدقائي، للالتحاق بدرسه الذي يقيمه في مجلسه، تسلمنا الدعوة بفرح واعتداد، وقرأنا فيها أن الأستاذ يرى فينا صفوة تستحق أن يضيفها إلى تلامذته، لكننا توقفنا عند (لحية) الأستاذ المحلوقة، وما سمعناه عن درسه من خروج عن خط مرجعية الفقهاء الحرفي، كنا في الحقيقة نردد ما نسمعه من كلام أساتذتنا في التعليم الديني الذي صار ينتظم في برنامج يومي بالمآتم وفق خطة تربوية وإدارية.

كان رأي أساتذتنا ألا نستجيب، فاعتذرنا لمريد الأستاذ ولم نكشف له الأشخاص الذين نصحونا أو أمرونا حينها بالرفض، لكنه بحكم معرفته بصراعات حقل الدروس الدينية عرف الجهة التي تقف وراء رفضنا، خمّن الأسماء وراح يذيعها على طريقته الإعلانية. مستعيناً بملكاته المشهورة بظرفها، وقوة أرشيفها الفوتوغرافي الذي يحوي في ألبومه وجوه أموات القرية من الرجال والنساء.

ظلت هذه الحادثة محفورة في ذاكرتي، لأني منذ لحظتها انتابني شعور عميق بأني أضعت فرصة ثمينة لأكون من رواد مجلس الأستاذ ومقربيه، وظلت الرغبة في الدخول إلى هذا المجلس تلحّ عليّ، لكن الإحساس الخجل والظهور بشخصية الغريب داخل هذا المجلس حالت دون دخولي. دخلته فيما بعد مرتين لكن شعور الغريب لازمني، فالغربة في هذا المجلس لا يزيلها إلا الدرس أو المكتبة، وأنا كنت غريباً على الموردين.

لقد كانت شخصية أستاذ إبراهيم متفردة وظاهرة في مجلسه وفي درسه وفي طلابه وفي مكتبته، حتى (استايله) المفعم بالأناقة كان لافتاً، وغير مألوف لحسنا الديني، وربما كان له تأثير في مضاعفة شق المسافة بيننا وبين مجلسه، ذلك أن مسبحة الأستاذ الأنيقة وثوبه التي لا تعرف الثنيات، أوحت لنا بأنه بعيد عن ركائز أخلاقيات التدين الحقة التي كانت نماذجها نراها في أساتذتنا في المأتم بثيابهم البيضاء البسيطة حتى من رائحة العطر، وأشمغتهم التي لم تعرف العقال.

الدير ليست مدينة لأستاذ إبراهيم ومكتبته ومجلسه فقط، فهي مدينة لعائلته الأصيلة، فهي من أشهر العائلات البحرية ومازالت علاقتها بالبحر ضاربة في تقاليدها، وهي المتصدرة دوماً للدفاع عن حق البحر والبحارة وقضاياهم، وقد تركت هذه العلاقة في نفس الأستاذ إبراهيم أثرها العميق، حتى إنه قد عزّ عليه أن يهب كتب البحر فاستثناها من مشروع الإهداء، واحتفظ بها لذاكرته البحرية، كما أن عميد هذه العائلة الحاج حسن بن إبراهيم، كانت يده تجمع بين خشونة البحر ومرهم الشفاء، فقد كان مرّاخ الدير الأشهر، وأخته (المراخة) الحاجة بنت إبراهيم، كانت يدها إكسير كسور المصابين، تضع يدها على الجسد المكسور فيتمثال للجبر، كانت جابرة وجبّارة، تقصدها البحرين كلها، تضع الزيت بيدها وتجلب الشفاء باليد الأخرى. يبكي بين يديها الرجال الكبار والأطفال الصغار، وهي تدير يديها بهدوء الواثق بالشفاء.

كما نحن مدينون كذلك لأخ الأستاذ إبراهيم وهو الأستاذ محمد حسن إبراهيم (أبوهشام) كان يتمتع بجاذبية أخّاذة في دروسه الدينية، ومازالت ذاكرتي تحتفظ بأول درس أخذته عنه في المسجد الوسطي بقرية الدير في النصف الثاني من الثمانينيات، كان يحدثنا عن التربية الأخلاقية والمجتمع الفاضل، ولأول مرة كنت قد سمعت باسم مرض (الإيدز).

لاحقاً في سنتي الجامعية الثالثة تسلمت منه إحدى مجموعات التي كان يدرسها بطريقته المحببة في مسجد السيد بردان، وكانت المهمة صعبة، فكيف يمكنني أن أدير درساً يتوفر على الحد الأدنى من جاذبيته، ولا حقا أيضا، حين بدأ شراعي تتقاذفه تيارات ما بعد التدين، أخذني بطريقته الأبوية لينقل لي احتجاج بعض الطلبة على تطاول أفكاري، لكني كنت مأخوذا بعزة الموج، فلم أستطيع أن أجاري ذوق موجته الهادئة، فذهبت حيث موجتي الصاخبة أحمل مديونية درسه وثقته فيّ وشيئاً من (قتل الأب).

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=86804