خــرائط كـــتب المســـيري

elmessiri01

تعرفت على خارطة المسيري الفكرية، مع مطلع العام ,2001 كنت حينها قد انقطعت مدة تزيد على السنوات الخمس عن قراءة الكتب والمجلات التي تصدر عن نفس إسلامي أيديولوجي، لأسباب لي س أقلها أنها ما عادت تستطيع أن تقول شيئاً جديداً، وليس أكثرها أني كنت أبحث عن أفق جديد، في فهم ذاتي وعالمي، لكن في العام 2001 زرت (قم المقدسة) وهناك تعرفت على مشروع عبدالجبار الرفاعي، عبر مجلته «قضايا إسلامية معاصرة»، بدأت أكتشف أن هناك نفساً جديداً، يمثله علم الكلام الجديد.
مشروع الرفاعي كان معنياً بتقديم علم الكلام الجديد الإيراني خصوصا ضمن عنايته بتقديم خطاب ديني معرفي جديد، فيه المعرفة تروض الأيديولوجي، تعرفت في هذا السياق على عبدالكريم سرو ش، محمد مجتهد شبستري، ملكيان، وغيرهم، كان أفقهم مغايراً تماماً ومنصهراً تماما مع الأفق الذي أقرأ فيه، تحضر في هذا الأفق النظريات الحديثة والمفاهيم الجديدة والأعلام الذين صاروا يمثلون المشهد الفلسفي الحديث. كأني اكتشفت قراءة جدية وجديدة للتراث الديني.
في هذا السياق حضر عبدالوهاب المسيري كواحد من كتاب مجلة قضايا إسلامية معاصرة، لكني لم أكن قد قرأت له في هذه المجلة بعد، لكن المجلة قادتني إلى أن أتعرف على مجلة (إسلامية المعرفة) التي تصدر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي في أميركا، هناك قرأت للمسيري، دراسة لا تنتمي أبداً إلى نفس الكتابات الإسلامية الأيديولوجية التي لا أخطئ شمّ رائحتها ولو على بعد سبعة فراسخ.
قرأتُ للمسيري، فشدني حديثه عن النماذج المعرفية، وكيفية بنائها، وأهميتها في قراءة الوقائع. هنا استحضرت خارطة قراءتي النقدية مفاهيم قريبة من هذا الحقل، كالنماذج الإرشادية والأنظمة المعرفية والابستمية والعقل المكوِّن والعقل المكوَّن، وجدت في خطاب المسيري اكتشافاً جديداً يستحق الاحتفاء، فرحت أقرأه بفرحة المكتشف. هكذا كانت خارطة الطريق إلى المسيري.
النموذج أداة تحليل
كان مفتاح دخولي إلى خارطة المسيري، هو اعتماده النماذج التفسيرية بوصفها أدوات تحليل، وليس المنافحات الأيديولوجية، ولا التراكمات المعلوماتية، وكم فرحت حين قرأت في سيرته غير الذاتية غير الموضوعية (رحلتي الفكرية.. البذور والجذور والثمار)، عن تذمره الشديد من التلقي المعلوماتي له، فهو يقول بألم ‘’للأسف الشديد قام كثير من النقاد ولعهد طويل بحصري داخل إطار المعلومات الضيق والمستوى التحليلي السياسي.. هناك البعض ممن ينظرون إلى دراساتي من هذا المنظور فلا يجدون فيها معلومات صلبة كافية، ولا الجداول التي يتوقون لها، ولا الإحصاءات التي تشفي غليلهم المعلوماتي ومن ثم فهم يرون أعمالي لا قيمة لها’’.[1]
لقد أٌهمل البعد الفلسفي المعرفي الذي يقف خلف الكم المعلوماتي الذي يديره المسيري ببراعة، لكنها براعة ليست منبعها الكم بل الكيف الذي يكمن سره في قدرته على بناء نماذج تفسير، وهي نماذج غير مغلقة، بل مفتوحة، والدليل على انفتاحها أن المسيري لا يمل من أن يذكرنا أن النموذج يحمل قدرة تفسيرية لكنه لا يحمل كل القدرة، أي أن النماذج تتفاوت في قدرتها على تفسير الوقائع والمعلومات، فهي توصف بأنها أكثر تفسيرية وأقل تفسيرية، ولا توصف بالصحة والخطأ، وهي قابلة دوماً للتعديل والتطوير، لذلك لم يكن يجد حرجاً في أن يروي لنا كيف تطورت نماذجه التفسيرية منذ السبعينات وحتى التسعينات، عبر المراجعة والاختبار.
معارك النماذج
كانت معاركه طيلة سيرته معارك سببها إيمانه بفكرة النماذج والتفسيرية والخرائط الإدراكية ودفاعه عنها، معاركه مع النقاد الذي لا يعطون قيمة لغير المعلومة، ومع زملائه الأكاديميين في الجامعات الذين يراكمون معارف تاريخية عن الشعراء وظروفهم وعصرهم وأسماء قصائدهم، ويبنون أحكاماً سطحية لا تستطيع أن تنفذ إلى عمق ما يراكمون.
ولعل من المفارقات التي تحسب للمسيري هنا، هي المفارقة بين إيمانه بالنماذج التفسيرية، والكم الكبير من التفاصيل التي مسيرييرويها في كتبه وسيرته، حتى تظن أن لديه مركز معلومات وطاقم سكرتيرات يدرن سجلاته الشخصية والأرشيفية، تجده يتحدث عن تفاصيل سيرة أطروحته للدكتوراه وكتابتها ومحتويات فصولها وحكاية الأساتذة الذين تولوا قراءتها وصدامته المعرفية والشخصية معهم وما حدث يوم مناقشتها، وتجد حكايته مع مرضه وتفاصيل زيارته للأطباء وأسمائهم وخلفياتهم وطريقة إدارتهم للمرض ورؤيته للموت وتطورها، وحكاية قسم الدراسات العليا بالجامعات السعودية وصراعه مع أساتذة كم المعلومات. وحديث عن مدينته دمنهور وتاريخها وحكايات ناسها.
ما الذي يجمع هذه الحكايات؟
يجمعها النموذج التفسيري والخريطة الإدراكية، تأتي هذه التفاصيل والحكايات في سياق نموذج يفسر من خلاله المسيري ببراعة ما يحدث ويقع. لن تجد حكاية من غير سند يشدها، ولا تفصيلة من غير سياق يُكمل معناها. وسند الحكايات وسياق المعنى تجده في النماذج التفسيرية، والخرائط الإدراكية التي هي ‘’المقولات والصور الإدراكية التي يدرك من خلالها الإنسان نفسه وواقعه ومن حوله من بشر ومجتمعات وأشياء. وهذه المقولات والصور تشكل خريطة يحملها الإنسان في عقله ويتصور أن عناصرها وعلاقات هذه العناصر بعضها ببعض تشكل عناصر الواقع وعناصره’’.
إن التفاصيل الخاصة الصغيرة التي يجيد المسيري عبرها كشف خرائطنا الإدراكية، هي ما يعطي لكتاباته ألفة وسلاسة وبياناً بالغ البلاغة من غير تكلف ولا زخرفة. والدرس الذي يعيطك إياه المسيري في سيرته منذ الصفحات الأولى هو: انطلق من الخاص إلى العام. من تجربتك، من حكايتك، من سيرتك، من قريتك ومدينتك وحضارتك وثقافتك.
الموقف والرؤية
الفرق بين الكاتب والمفكر، يكمن في الفرق بين الرؤية والموقف، يصير الكاتب مفكراً متى كانت مهمته إنتاج رؤى، ويظل كاتباً فقط متى انحصرت وظيفته في بناء مواقف. وهذا الفرق الذي قد يبدو بسيطاً أجده عسيراً وشاقا، وكثيراً ما تجد أنك تصنف بمجرد أن تبدي أنك مهتم بكتب مؤلف ما. حتى إني صرت أتحاشى أن أبدي اهتماماتي القرائية لهذا السبب، فعلى سبيل المثال، إعجابي بكتب الفيلسوف المغاربي طه عبدالرحمن، لم يكن إعجاباً بمواقفه تجاه الغرب وتجاه الحداثة وتجاه ما بعد الحداثة، ولا تطابقاً معها، بقدر ما هو إعجاب بمفاهيمه المبتكرة في قراءة التراث الفلسفي، كمفهوم فقه الفلسفة ومفهوم التأثيل، أي إعجاب بهذه المفاهيم بما هي مفاتيح للرؤية والفهم والتحليل.
كذلك إعجابي بالمسيري، ليس نابعاً بمواقفه تجاه ما بعد الحداثة والغرب والصهيونية ونظام الحكم المصري. وإنما إعجاب بمفاهيمه التي ابتكرها في قراءة خطاب الحضارة الغربية، كمفهوم التحيز، الخرائط الإدراكية، النماذج التفسيرية، العلمانية الشاملة، الجزئية، والكمونية والحلولية.
من الصعب أن توضح هذه الفروقات التي تكشف من خلالها سر إعجابك وقراءتك للمسيري أو طه عبدالرحمن، ليس صعباً أن توضحها لقارئ عادي فقط بل هي أشد صعوبة مع مثقف يكتب ولديه مواقف مختلفة معهما. مع ذلك أجد في هذا التفريق ما يجعلني على مسافة من الانحياز لهما انحيازاً يغلقني عليهما، كما يجعلني أدرك أيضاً أن مفاهيمهما ونماذجهم التحليلية ليست منفكة تماماً من مواقفهما.
الناقد الثقافي
لعل ما عزز من حضور المسيري في خارطتي الإدراكية، أو ما جعلني أجد في خطابه ما يمكن أن يعزز من قدرة خارطتي على القراءة والتفسير والإدراك والرؤية، هو تكوينه النقدي الأدبي، الذي هو تكوين تخصصي الأساسي، فهو قد طوّع هذا التكوين واستثمره في بناء نماذجه التفسيرية.
يقول المسيري في سيرته ‘’كيف يمكن لمتخصص مثلي في الشعر والنقد الرومانتيكي أن يتحول إلى متخصص في الصهيونية، ويترك تخصصه الأصلي تقريباً؟ وفي محاولتي الإجابة عن هذه التساؤلات أزعم أن الدراسات الأدبية عمقت من فهمي للصهيونية، وأنني استفدت من مناهج التحليل الأدبي في محاولتي تفكيك وإعادة تركيب الظواهر اليهودية والصهيونية والإسرائيلية. كما أزعم أن ثمة وحدة فكرية تجمع بين جانبي حياتي الفكرية. فالدراسة الأدبية هي في نهاية الأمر تدريب على قراءة النصوص قراءة نقدية لتحديد ما هو هامشي عرضي في نص ما، وما هو مركزي جوهري. وهذه مهارة أساسية مطلوبة للتعامل مع كل من النصوص والظواهر الأدبية وغير الأدبية. وكثير من النصوص الصهيونية قد يكون بسيطاً، ولكنها نصوص ماكرة مراوغة تحاول أن تخبئ أطروحتها الأساسية’’.[2]
لم يستخدم المسيري، أبدا مصطلح النقد الثقافي، ولم يُنظّر له، لكنه في جوهر تحليله للنصوص الأدبية الغربية والأساطير والأغاني والروايات والشعر الصهيوني، كان يبحث عما هو مراوغ فيها خلف ما هو جمالي. وهذا العمل على النصوص الأدبية بهذا المنظور، عزّز في خارطتي القرائية ما فتحه النقد الثقافي. وربما يكون شغل المسيري على المجاز بمنظور مختلف تماماً عن منظور البلاغة التقليدية، هو الأكثر لفتاً بالنسبة لي، حينها عرفت أن المجاز ليس تبسيطا للواقع بل تركيباً له وتعقيداً.
وتحليل الصور المجازية هو أحد الخبرات الأدبية المهمة التي تمرس فيها المسيري من خلال تخصصه النقدي، وقد استخدمها بكثرة في دراسته للصهيونية، كما يقول ‘’فالصورة المجازية ليست مجرد زخرفة تضاف، وإنما هي مقولة إدراكية متخفية في شكل صورة. وقد درست وظيفية الدولة الصهيونية من خلال مجموعة من الصور المجازية التي استخدمها الصهاينة وأعدائهم في وصف الدولة الصهيونية. فكثير من الصهاينة ينظرون إلى إسرائيل وهم يَعدونها ‘’رقعة’’ أو ‘’مساحة’’ أو ‘’مكاناً تابعاً’’ أو ‘’بلداً’’ تحت الوصاية هكذا صار المسيري، بالنسبة لي، جزءاً من خارطتي التي أقرأ بها وأفسر بها، وأحياناً ربما أقف بها حين تهتز الجغرافيا الثقافية، وكانت في حرب يوليو/ تموز 2006 ملجئي في الرؤية والموقف.

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=64428
الهوامش
[1]، [2]، [3] المسيري، رحلتي الفكرية.. البذور والجذور والثمار، ص .560 ,556 ,579