«شذول» سجل السيد عدنان… بيت الأوقاف

سجل السيد عدنان

سجل السيد عدنان

حين سألت رئيس دائرة الأوقاف الجعفرية سيدمصطفى القصاب، ما هو سجل السيد عدنان؟ ولماذا لا يراه الآخرون؟ تبسّم السيد، وقرأ في نبرتي، نية من يبحث عن تاريخ لا من يبحث عن فضيحة أو إثارة. قلت له، أنا قصدتكم من أجل سجل السيد عدنان فقط، أريد أن أراه.
قال لي: هو يراه الآخرون، بدليل انك الآن هنا والسجل سيكون بين يديك، لكننا لا يمكن أن نجعله مبتذلاً، هو وديعة السيد عدنان، وظلت الإدارات حريصة على صيانته باعتباره المرجع التاريخي الوحيد على أوقافها. سجل السيد يراه الآخرون في الدوائر الخاصة، كدائرة حوارنا هذا، وكدائرة المحاكم الشرعية التي تطلبه مرات لتتأكد من موضوع ما، فيذهب به مندوب خاص من الأوقاف. السجل يراه الآخرون، لكن ليس كل الآخرين.
على رغم أنني احتجت إلى شهرين لترتيب هذا اللقاء، إلا أن الحوار بدا ودياً مع السيد والمهندس عبدالأمير الجمري القائم بأعمال مدير إدارة الأوقاف، والملا جواد الحلواجي الباحث الشرعي بالدائرة.
بدا الجميع متحمساً في الحديث عن السجل وتاريخه ومآلته وعن السيد عدنان وجهوده ونظامه الدقيق وجديته. كان السجل بيننا أثناء الحوار، نقلب صفحاته وتاريخه، كانت الأصوات تتداخل، بعضها يفيض على بعض لإكمال تاريخ هذا السجل ومحتواه، مع كل ذلك بدا لي أن هناك مساحات غائبة من تاريخ هذا السجل، وتاريخ الرحلة التي استغرقت عاماً كاملاً تقريبا لإنجازه، لم يكن مع السيد حينها سوى حمارته الأصيلة التي لولاها لفقدنا جزءاً أصيلا من تاريخ هذه الأرض.
أول رئيس
من هو السيد عدنان؟
في الجزء الثالث من كتاب الذريعة يعرف (اغابزرك) الطهراني السيد بقوله: هو السيد عدنان بن السيد علوي بن السيد علي بن السيد عبد الجبار الموسوي القاروني البحراني عالم بارع وفاضل جليل. كان من أهل العلم البارعين، ورجال الفضل الكاملين، درس على علماء عصره ومشاهيره حتى حاز قسطاً وافراً من المعرفة، وحظي بسمعة في بلاده، وأحبه الناس فصار موجها مبجلا، وولي القضاء والأوقاف ونحوها وكان إماماً للجمعة والجماعة، ومرشداً هادياً لكثير من الناس إلى أن توفي في سنة 1347هـ [1928م] وولده السيد محمد صالح من الخطباء المعروفين في البحرين. السيد عدنان هو أول من تولى إدارة الأوقاف، قام بجهد عظيم، تمثل في عملية حصر كل وقفيات الطائفة الشيعية.كان يعتمد على المعلومات التي يتلقاها من الأهالي.
شمس السيد
ما الذي بقي من السيد؟
كان صاحب موسوعة الذريعة، يُعرّف السيد بأنه صاحب كتاب ‘’الشموس الدرية’’، لكن الشموس الدرية ليست هي ما بقي من السيد، وليست هي التي تدل عليه اليوم، فما بقي من السيد هو سجله (سجل السيد عدنان).
لا نبالغ إذا قلنا إن إدارة الأوقاف هي إدارة سجل السيد عدنان، فالإدارة لم يكن لها أن تعرف بدون هذا السجل فهو الشاهد التاريخي عليها، فما تديره لا يتجاوز دائرة هذا السجل. إنها تدور في خارطته التي رسمها قبل وفاته بعام واحد، خارطتها التي وضع معالمها وجهاتها برجليه التي طافت أراضي البحرين من أقصاها إلى أقصاها. مستعيناً في ذلك بأرجل حمارته الوفية التي ندين لها بما حملته لنا من وثيقة تاريخية بالغة الدلالة. إدارة الأوقاف هي بيت هذا السجل اليوم، كما أنه بيتها، هي بيته لأنها الجهة التي توارثته وحفظته من الضياع وأبقته حياً بالإحالة إليه فيما يتعلق بشؤونها مع إدارات الدولة ومع الأهالي. وهو بيتها، لأنه ملجأها الآمن حين تهتز ملكية أراضيها الوقفية أو يهتز وجه من أوجه صرف أوقافها.
الملا جواد
الملا جواد الحلواجي الباحث الشرعي في الإدارة، يكاد يكون قد حفظ مسميات الوقفيات، لفرط معايشته لهذا السجل، يحتفظ في مكتبه بنسخة منه، وكل ما طرأت قضية فتح صفحة أرضها في السجل، فتأتيه تحديدات السيد دقيقة، وليس مثل الملا جواد معرفة بلغة السيد وألفة لشكل حروفه الجميلة. وقد عزز من ألفته لهذا السجل، أنه اعتمده مرجعاً في رسالته للماجستير التي تناولت مشكلة البحث الذري في البحرين. قلت للملا جواد: افتح لي صفحة أوقاف الدير في ,1928 فتناول دليل السجل وهو بمثابة فهرس بالمناطق والوقف يُسهّل الرجوع إلى مجلدات السجل الستة، قال لي اسمع، هناك: جامع الدير ومأتم الدير ومأتم محمد علي ومسجد أحمد ومسجد الشيخ عيسى ومسجد الشيخ محمد ومسجد الشيخ أحمد.
لا يكفّ الملا جواد، عن الإشادة بدقة السيد البالغة، وجمال خطه وحسن تنظيمه للصفحات وجداولها وبين كل جملة وأخرى يتوقف ليبدي إعجابه بالتفاصيل الدقيقة التي يوردها السيد في سجله، خصوصاً ما يتعلق في وجوه صرف الوقف، يذكر أنها مخصصة مثلا إلى أواني المأتم أو لإصلاح مسجد ما، أو إلى درس ما، أو إلى أكفان المؤمنين أو إلى العبرة التي تنقل الزوار في النبيه صالح أو لليلة معينة من ليالي محرم.
تضمّن سجل السيد كما أحصاه الملا جواد، ما يقارب 1678 وقفا مكونة من أراضي وبساتين وأشجار وبيوت وحظور لصيد الأسماك، موزعة على مدن وقرى البحرين بحرا وبرا، حد فيه مواقعها وحدودها مع ذكر واقفيها والموقوفة عليه من مساجد ومآتم ومقابر وغيرها، مع تعيين المتولين عليها وجهات صرفها.

المسح العمومي

المسح العمومي

السجل مكون من 1678صفحة ويقع في 6 مجلدات من الحجم المتوسط وهو مقسم إلى عدة أعمدة يبين في أعلاها التعريف بالوقف ويحدد مكانه وحدوده ومسماه، وتحوي الأعمدة الأقسام التالية: عمود يحتوي اسم الوقف وعمود يحوي اسم الواقف وعمود بمسمى الموقوف له وعمود مخصص لجهات الصرف وعمود للملاحظات. وكان السيد يستخدم مصطلحات نمرة وريجستر.
لقد استخدم السيد حبراً صينياً فاخراً لذلك ما زال الحبر محتفظاً بلونه وبهائه، كما أن ورق السجل كان من نوع الأصطمبولي المميز، وهي مازالت محتفظة بقوتها ولونها.
«شذول» السيد
كيف وثق السيد سجله؟
لقد اعتمد سيد عدنان من خلال تجواله، على الأهالي وشهاداتهم وما يشيع بينهم، وقد أفرد لكل منطقة صفحات خاصة، يذكر فيها أوقافها من الحظور والأراضي والنخيل والمزارع، فمثلاً في الصفحات الخاصة بجداول أوقاف جد الحاج يذكر الأوقاف التالية: حظرة بسطوة جد الحاج، نخل بسيحة جد الحاج لمأتم جد الحاج.
وكي يستكمل عمله في المنطقة، يضطر إلى أن يبيت ما بين ليلة وثلاث ليالٍ. وفي الحقيقة كان السيد يقوم بعمل شبه رسمي لأنه كان في منصب إداري، وهو رئاسة دائرة الأوقاف، مع أنها كانت إدارة أهلية حينها. وقد تزامن عمله مع أعمال المسح العمومي الذي بدأته إدارة الطابو بالاعتماد على مهندسين هنود من العام 1926 وحتى العام 1937م. وربما يكون السيد قد استفاد من نظام دفاتر هؤلاء المهندسين، فنظم سجله على منوال شذولهم (سجلهم) في تسجيل الحيازات.
‘’يعرف سجل الملكيات المستخدم في المسح العام الذي أجري في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، بدفتر (الشذول) وذلك تعريب لكلمة schedule الإنجليزية والمشتقة أصلا من اللغة العربية من كلمة (جدول). وقد كانت جميع البيانات الواردة فيه باللغة الإنجليزية والتي يدونها المساحون الهنود أثناء عملهم في الموقع’’[1]
السيحة وأخواتها
ما التسميات التي اعتمدها السيد في سجله. وكيف نعرف موقع الأرض اليوم؟
اعتمد السيد التسميات المعروفة للأراضي، وهي الجوبار والدالية والدولاب والسيحة وغيرها، وكل تسمية من هذه التسميات تحيل إلى نوع خاص من الأراضي الزراعية، فـ’’الصرمة عبارة عن بستان صغير من النخيل يتراوح عرضه بين 9 أمتار و15متراً وطوله بين 15 و30متراً، يقع عادة بالقرب من القرية، وكثيرا ما يستخدم في زراعة الخضار’’ و’’الدالية بستان من النخيل مربع الشكل وأكبر من الصرمة إذ يتراوح طوله بين 18و30 متراً. واسمه مشتق من ‘’دلو’’ وهو الوعاء المستخدم في الري’’، و ‘’الدولاب بستان كبير للنخيل يتراوح بين 60 و122متراً وعرضه ما بين 30 و60 متراً وسمي بالدولاب لأنه يروى بالدولاب أي الناعورة التي تحركها الثيران’’ أما ‘’النخل فيشكل ثلث المساحات المزروعة ويختلف في شكله وحجمه عن الآخرين، وقد يكون مربع الشكل أو مستطيلا أو دائريا أو نصف دائري، ويتراوح عرضه بين 60 و153مترا وطوله بين 300 إلى 1524متراً’’ [2].
و’’الجوبار: هي الأرض الزراعية التي غالبا ما تكون مستطيلة الشكل ومساحتها بين الدولاب والدالية’’، و ‘’السيحة: هي الأرض الزراعية الكبيرة أو المنطقة الزراعية التي تحد القرى باستثناء البيوت الموجودة فيها’’[3]
بحسب إحصاءات خرائط التسجيل العمومي، كان عدد الملكيات المسجلة في العشرينيات والثلاثينيات، من الجوبار 1211 ومن الصرمة 1334 (للأوقاف الجعفرية منها 9,17%) ومن الدالية 1254 (للأوقاف الجعفرية منها 2,19%)ومن الدولاب 514 (للأوقاف الجعفرية منها 12%) ومن النخل 3349 (للأوقاف الجعفرية منها 9%)[4] ولمزيد من التحديد، كان السيد يذكر ما يحيط بالأرض من الأملاك من جميع الجهات أياً كانت جوبار أو دالية أو صرمة، لكنه لم يكن يرسم خرائط أراضي الوقف. وبالاستعانة بخرائط المسح العمومي يمكن معرفة الأرض بسهولة. هناك خرائط وهناك دلائل أسماء، وباعتماد هذه الخرائط وهذه الدلائل من الأسماء، يمكن بسهولة أن نعرف الأرض المعنية في سجل السيد. يقول المهندس عبد الأمير الجمري ‘’نحن نرجع إلى المسح العمومي كي نقرأ سجل السيد بدقة أكبر، وجدنا بعض الأراضي التي ثبّتها السيد لا توجد لها طرق أو تتداخل مع أرض أخرى.مخططات المسح العمومي كانت تُعطي أرقاماً للأملاك.المسح يغلق الأرض ويعطيها رقما، حتى لو لم تكن هناك وثيقة رسمية، يمكننا أن نعرف أن هذه الأرقام، بفضل سجل السيد، ترجع بعضها إلى الأوقاف’’
بيت الوقف
هل حمى سجل السيد الأوقاف من الاستيلاء أو الاستملاك؟
الدولة حين بدأت التخطيط كانت تضع في اعتبارها الأوقاف. وأحيانا تتجنب المساس بالأراضي الوقفية. أحد أهدف السيد كانت حماية الوقف. وإدارة الطابو كانت تأخذ بسجل السيد وتسجل الأراضي الوقفية باسم إدارة الأوقاف. وحتى أيام بلغريف Charles Belgrave (1926-1956) كان مسموحاً لإدارة الأوقاف أن تسجل ما يقارب في الشهر من30 قطعة استناداً إلى سجل السيد وشهادة شاهدين. كان سجل السيد بمثابة وثيقة ملكية لكل الأراضي الوقفية المسجلة في جداوله الأنيقة. فسجل السيد كان أماناً للوقف من الضياع والإنكار والشتات، لذلك لا عجب أن يكون السجل بيتاً للوقف، بما يمنحه من سكينة وأمان لأراض يتهددها الضياع والتشرد والاستيلاء.
واستمر السجل مرجعاً وأماناً للأراضي غير المسجلة بعد حتى بعد تحول إدارة الطابو إلى إدارة التسجيل العقاري سنة ,1970 صرنا، كما يقول السيد مصطفى، فيما بعد نحتاج إلى أن نرفع قضايا في المحاكم من أجل تثبيت الأراضي وتسجيلها، وكنا نلوذ بالسجل ونستند إليه مع شاهدين، فيتم التسجيل، فبيت السيد لا يخذل من دخله على الرغم من بعض التلكؤات التي نواجه بها.
الوقف الخراب
استمر سجل السيد مرجعاً في التسجيل إلى أن جاء حكم محكمة التمييز في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني ,1993 فقد أصدرت محكمة التميز حكمها النهائي في القضية 5460/1985م، كان الحكم ‘’لا وقف إلا بملك’’ أي لا وقف إلا بوثيقة رسمية معتمدة تثبت الملكية، ويبدو أن سجل السيد لم يعد بتاريخه الحافل وثيقة حتى محترمة في نظر هذه المحكمة.
لقد أرسى هذا الحكم قانوناً أوقف الأوقاف، لكنه لم يوقفها على مواردها التي حفظها لنا السيد في سجله، بل أوقفها على الخراب. هناك ما يقارب 600 قطعة أرض، منها أراض شاسعة وبعضها يحتل مواقع استراتيجية، كلها منذورة للخراب، لا هي مسجلة ضمن إدارة الأوقاف ولا هي مستملكة من قبل الدولة، هي موقوفة على التعطل والخراب وعدم الاستثمار. نحاول نحن أن نحتال بقانون وضع اليد، فنضطر إلى أن نؤجرها حتى لو تحت مسمى خرائب، على أمل أن تعمر في المستقبل بقرار سياسي يفكها، لتكون معلماً من معالم الوقف المستثمر بطريقة حديثة. لقد ألغى حكم محكمة التمييز، ليس فقط سجل السيد عدنان، بل ألغى حتى سجل الدولة، فسجل السيد عدنان كان سجلاً رسمياً مقراً من قبل الدولة كما هي سجلات المسح العمومي في العشرينيات، كما أنه ألغى قانون الطابو الذي كان يعتمد هذا السجل في تثبيت الأراضي وتسجيلها، وألغى حتى قيمة الوثائق التي اعتمدها السيد في تسجيل بعض الأوقاف. لدينا كما يقول ملا جواد أوقاف عمرها 200 سنة ومحكمة التميز لا تقبلها، لدينا مثلا وثيقة وقفية عمرها 120 سنة وموثقة من العلماء، وموثقة في سجل السيد، وهي تخص مأتم السدر بالبلاد القديم.
السجل ممسوحاً
السجل أو الشذول الذي مسح البحرين، حان الوقت اليوم ليُمسح إلكترونياً، تضع الإدارة الآن لمساتها الأخيرة لأرشفة هذا السجل إلكترونياً، سينضم السجل بعد أن تمّ مسحه إلكترونياً إلى أرشيف الأوقاف الإلكتروني، سينظم كل وقف إلكترونياً ضمن الأرشيف الإلكتروني للإدارة بحيث تكون وثيقة الوقف مربوطة بخارطة الأرض والمستأجر ومساحته، وسترفق بها صورة من جدول الورقة التي وردت فيها في سجل السيد عدنان.

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=60047
هوامش
[1]،[3] معجم التعمير والخرائط والوثائق العقارية البحرينية، مناف حمزة، ص,50 ص49
[2]، [4] انظر: القبيلة والدولة، فؤاد خوري، ص.63