دِلالـة محـمـد عـلـي المـزعــل

الحاج محمد علي المزعل

الحاج محمد علي المزعل

الدلال.. شاهد سجل الأرض
الدلالة هي مهنة الوساطة بين طرفي البيع البائع والمشتري، وتكون للدلال نسبة حددها القانون وهي 1%من قيمة العقار يقبضها من كل من طرفي البيع، وقد صدرت مجموعة من القوانين لتنظيم الدلالة منها الإعلانات 532/,1348184 ,134462 ,1344 و23/1353 والذي يعرف بقانون الدلالين، والذي ألغي بالمرسوم بقانون رقم (21) لسنة 1976 بتنظيم مهنة الدلالة في العقارات.
الدلال، بهذا التعرف هو شاهد على تاريخ بيع الأراضي وشرائها، وهو شاهد على قوانين تنظيمها وتحولاتها وإلغائها، هو شخصية لا يمكن تجاوزها في الشهادة على تاريخ استملاك الأراضي في البحرين.
محمد علي المزعل واحد من الدلالين الذين يروون هذا التاريخ بشيء من الحذر، وبكثير من السخط، وشيء من الاعتداد.
تجربته مع الدلالة بدأت في نهاية الستينات، دخلها وهو يحمل تجربة الإدارة العقلانية الحسابية من شركة بابكو، التحق  بها في العام 1951 وهو يحمل خبرة طالب بالصف الرابع ابتدائي بمدرسة سترة الابتدائية للبنين.
في بابكو تعلم الحسابات وظل يتمرس فيها مدة 14 عاماً وفي 1964 خرج منها لكنه لم يخرج من الحسابات، التحق بشارترد بنك، وفرت له تجربة الحسابات حكمتين، الأولى ‘’كل حركة بركة’’ والثانية ‘’فاز باللذات من كان جسورا’’. شكلت هاتين الحكمتين سيرة الدلالة في تاريخ شخصية محمد علي المزعل.
هو لا يدين لأحد في تعلم صناعة الدلالة، يدين للحسابات فقط، الحسابات التي ستكسبه حركة تتجاوز بيئته الساكنة بالخضوع والإذعان لتاريخ طويل من الحكم الدينية التي يتلوها رجال دين ينتظرون عالماً لا يأتي، لم يتعلم (المزعل) من هؤلاء الرجال، بل كان خصماً لهم، لهم في سكونهم، وليس في تدينهم، فقد كان رجلا شديد التدين، وربما تكون هذه واحدة من خصال نجاحه التي أكسبته مصداقية لم يتوفر عليها منافسوه. لقد أكسبته الحسابات درس الحركة، والحركة لا يمكنها أن تعطي ثمارها من غير جسارة، لذلك أضاف إلى بركة الحساب جسارة الحركة، ويعينه في ذلك سيارته (المرسيدس) التي لم يكن يملك أحد حينها في محيطه الستراوي مثلها، وفرت له السيارة سرعة في الحركة وجسارة في شق طرق لم يطرقها أحد قبله.
الحركة الأولى
الإنسان لا ينسى حركته الأولى التي ستؤسس لبركته التالية، كانت مساحة الأرض الأولى التي بدأ منها مهنة الدلالة لا تتجاوز ستين قدماً في ستين قدما، ولم تتطلب منه حركة بعيدة، فقد كانت قريبة من بيته، كانت في مهزة، شراها بسبعين ديناراً، وحرك سعرها بخبرته الحسابية وجسارته الشخصية، فباعها بثمانمائة دينار. لقد اشترى الأرض دكتور الأسنان الهندي قيومجي، لم يعد قيومجي موجوداً في البحرين، لكن الأرض ما زالت موجودة، ومازالت وثيقة ملكها باسمه.
سيستثمر خبرة الحركة الأولى في العاصمة المنامة، هناك سيعمق خبرت الحركة الواحدة، وسيتعلم كيف يضاعف من الحركة الواحدة في الأرض الواحدة خمسة أضعاف، فيصير كأنه باع أرضا واحدة خمس مرات، أو كأنه تحرك في خمس أراض، أو كأنه تجاسر بقوة خماسية، فكيف كان ذلك؟
في السبعينيات في فريق المخارقة، كانت هناك أرض مبنية مساحتها 1200قدم مربع، يملكها راشد أحد سكنة الرفاع، بعتها عصراً بـ 700 دينار، وفي اليوم الثاني دللت عليها فبعتها بـ 900 دينار، وظهراً أعددت التدليل عليها فبعتها بـ 1200 دينار، وقبل العصر كان قد شراها مني أحمد منصور العالي بـ 1800 دينار، وختمت اليوم بالبيعة الخامسة وكانت .2200 كان البيع على ورقة العقد فقط، ولم نكن نسجل، كان التوثيق في المحكمة القديمة، وحين أنهيت اليوم أحضرت المالك وأعطيته 700 دينار، وقد دهش حين سجلنا البيعة الأخيرة بثلاثة أضعاف عرضه. قلت له: هل ظلمتك؟ قال لا. لكن، كيف أمكنك أن تحرك السعر خمس مرات خلال 24 ساعة في أرض واحدة لا تتحرك؟
شيــخان
كان (المزعل) يحرك السوق، لكنه لم يكن يرفعه، كان التاجر الكويتي أحمد شيخان الفارسي هو المسؤول عن ارتفاع أسعار الأراضي في ذلك الوقت، والقانون البحريني كان يسمح للكويتي بأن يشتري ويتملك، وقد تميز شيخان بشخصيته المحبة لبناء المساجد في البحرين، وقد ربطته معرفة وثيقة بـ (المزعل) ويدعوه في العادة لحضور عزوماته الخاصة. وفي إحدى هذه العزومات في 1980 باعه أرضه التي اشتراها في 1974 بثلاثة آلاف دينار. طلبها شيخان بـ 150 ألف دينار.
انفتحت حركة الأراضي، وصار (المزعل) يبيع بسمعته، ويكسب بسمعته، ويدلل بخبرته، صار يطلبه الكبار، ويمنحونه ثقة التقييم ويعترفون له بخبرة لحظة البيع والشراء.
محرك السوق
بلغت حركة (المزعل) الشيخ محمد بن سلمان، فيرسل عليه المراسيل، حتى يصير من رواد مجلسه العقاري، كان الشيخ يطلب منه تسعير الأراضي، ويستشيره في البيع والشراء، ويعهد إليه بيع بعض أراضيه، ظل يطلبه مرتين في الأسبوع، فيذهب إليه بسيارته المرسديس السبعينية التي ظلت ترافقه إلى عهد قريب، لم يكن الهاتف قد انتشر بعد، فكانت نشرة أسعار السوق العقاري يذيعها بسيارته، مقابل فنجان قهوة و10 دنانير. حين طلب الشيخ من (المزعل) أن يوقف السوق، كان يوقفه، لم يكن له منافس في الدلالة، حين احتج أحد الدلالين الكبار على تفضيل الشيخ له، قال له: المزعل صادق وأنت كاذب. ظل المزعل يحكم تدينه في حركته في السوق، فكسب ثقة الكبار.
البعض كان يأتيه ليلاً ليحسم أمر صفقة فيها مستقبله التجاري، جاءه في إحدى الليالي السبعينية يوسف خليل المؤيد، ليسأله عن أرض مساحتها 600 ألف مربع ببربورة قرب نويدرات، فنصحه بشرائها، ففتحت له مستقبلاً متحركاً بالخيرات.
كانت تقديراته، يختصرها في (بع) أو (لا تبع)، ولم تخذله يوماً أمام الناس الذين كانوا يجدون فيه جهة تقدير الأرض والعقار.
كان الكبار يقرؤون المستقبل بتقديرات (المزعل) وخبرته في الحركة، لكن الصغار الفقراء لم يكونوا يقرؤون ولا يرون ولا يحلمون بمستقبل. مازال (المزعل) بحسه الديني الحريص على مصلحة من يتوسطه في الدلالة يتذكر بمرارة بالغة القسوة، كيف فرط هؤلاء بمستقبل أراضيهم وأبنائهم، كما فعل أحدهم بدولابه في سار، باعه وسافر لزيارة العتبات المقدسة، لم يسمع اعتراضاته، ولم يصغ إلى تقدير (لا تبع). فباع، والمفارقة التي أبكت قلب الدلال الجسور الذي صار فيما بعد مقاولا كبيراً يبني الفلل الفخمة، أن مناقصة بناء الدولاب وقعت عليه، وكان أحد العمال قد جاءه يوماً يستحث ذاكرته، فلم يذكره، فقال له: أنا ابن ذاك الذي باع هذا الدولاب يوم قلت له (لا تبع)!!
يطلق (المزعل) زفرة طويلة وهو يروي عشرات القصص التي تشبه هذه القصة، ويتبعها بلعنات غاضبة، وتجهيلات قاسية، ولا يسكته غير السؤال عن جزء آخر من قصته الجسورة بالحركة.
الأراضي هي التي صنعت تجار اليوم وجعلت من فقراء الأمس أغنياء اليوم، والأغبياء وحدهم من باعوا حيث كان التقدير يقول (لا تبع).

من الطابو إلى دائرة التسجيل العقاري

من الطابو إلى دائرة التسجيل العقاري

الفرائض
‘’الفريضة الشرعية هي الشهادة التي تصدر عن المحكمة الشرعية، وتبين نصيب كل من الورثة بمستحقه من التركة، أو عدد الأسهم التي له من إجمالي عدد السهم من الميراث، وفقا للشريعة الإسلامية’’.
كانت جسارة ‘’المزعل’’ في حركة الفرائض تبلغ حد أن يصفها البعض بالجنون، كان يشتري التركات من المزارع والأراضي من دون أن يكون لها وثائق ملكية، أي أنه يشتري أرضاً أو مزرعة من ورثة لا يملكون وثيقة تثبت ملكيتهم لهذه الأرض أو المزرعة، كان يغامر هو في حركته بين أروقة المحاكم، وذلك بعد أن يعمل فريضة للورثة، وينشط ذهاباً وإياباً بسيارته مع الشهود، جاهدا كي يستحصل حكماً من المحكمة تثبت ملكيتهم، غالباً ما كان ينجح في ذلك، ويكون قد كسب وأكسبهم، لكن هناك خمس حالات خذلته فيها جسارته وحركته، ثلاث حالات في سترة، وحالتان في شهركان، لكن لم تخذله الخبرة التي ضاعفت من تجربته ومعرفته بتاريخ الأراضي وحالاتها.
في إحدى المرات، بعد أن عمل فريضة للورثة عن أرض لهم بكرانة، وكسب القضية في المحكمة، وتناول مع الورثة عشاء الأرض، جاءته إحضارية، تفيد بأن الأرض ليست لهؤلاء الورثة، بل هي لجدة متنفذ في الحكومة، وعلى الورثة أن يدفعوا إيجار ثلاثين سنة من الاستخدام، المفارقة أن الشهود كانوا من كرانة.
في إثباتات الملكية ينفتح تاريخ يُروى لكنه لا يكتب، فالقوة واليد تفرض حيازتها للأرض، أكثر مما يفرض الحق والقانون والقضاء. و(المزعل) لديه معرفة تاريخية طويلة بالملكيات منذ بدأ في الستينيات يسجل الأراضي ويدفع بالناس لتسجيل أراضيهم وعقارتهم
الجهل العالم
‘’العلماء العلماء العلماء’’ هكذا تفسر تجربة (المزعل) الدلالية ضياع حقوق بسطاء الناس، وبقدر ما كان قريباً من العلماء الكبار، كان يختلف معهم وعنهم، منذ أن أصر أن يدخل بناته المدرسة ويكون شريكاً حقيقياً في بناء مدرسة للبنات في سترة. لم يجامل عمه لزوجته الشيخ إبراهيم آل مبارك، على الرغم من سطوته ومكانته في الثقافة الدينية في ذلك الوقت، كان يجادله بحجج من جنس حجج رجال الدين الكلامية وحين يضيق عليه بالحجة كان الشيخ يقول له: خذ عمامتي، فيرد عليه: لا أريد عمامتك أريد دليلاً.
كان يحاججهم بـ(مال خديجة) ويستنكر على علماء الدين إشاعة ثقافة الزهد والترفع عن استملاك المال والحرص على تنمية موارد الناس المالية، حتى بلغ الأمر بهم ألا يسجلوا ممتلكاتهم الثابتة. كان المزعل يعول على (مال خديجة) في فهمه للدين، لذلك كان متديناً (من الدين بكسر الدال) ولم يكن متديناً (من الدين بفتح الدال).

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=60049