مأتم جدتي والمخيلة الكربلائية

يُحضِر المأتم (الحسينية) جزءاً من السيرة، سيرة المخيلة أحياناً وسيرة العقل أحياناً أخرى، أو يحضرهما معاً، حسينية بيت قاسم حداد مثلاً، قد شكلت بحضورها جزءاً خصباً من مخيلة قاسم، وهو ما فتئ يذكّرنا دوماً في روايته لسيرته الإبداعية بهذا الحضور، لكنه ليس الحضور الذي يغلق المخيلة عليه، فمخيلة المبدع لا ترتهن إلى مكون واحد، فهي حيث التعددية والنشاط والحرية والذهاب إلى المستقبل وإعادة الخلق، أي خلق ما يحضر فيها.
مخيلة قاسم
يتحدث قاسم حداد عن هذا الحضور في أحد حواراته ‘’ثمة خصوصية صاغت لي عالما سحريا سببه النشأة في بيئة شيعية، ففي العائلة الشيعية عادة ما تنعقد طقوس وتقاليد الحسينيات في معظم شهور السنة بالإضافة إلى شهري محرم وصفر. في دارنا كان الأمر أكثر خصوصية، فقد كان في الدار مأتم للنساء تنعقد فيه القراءة، ومنذ طفولتي نشأت على معايشة هذه الأجواء والتشرب بتفاصيلها اليومية.أعتقد أن نشوئي في هذا الجوّ الذي يعتمد على البكائيات والعزائيات ولّد لديّ حسّ الإيقاع مبكراً وصقله. كان كل شيء حزيناً في تلك الطقوس. لم أكن أدرك تماماً مفهوم الحزن ولكنني أعيشه. لقد كان كل شيء في تلك الطقوس يرتبط بالإيقاع. ربما يكون لسماعي ومعايشتي هذه الطقوس باستمرار، والمشاركة في مواكب العزاء، بهذه الطريقة الإيقاعية قد أثرا لاحقاً في الإحساس المبكر بالوزن والبحور’’[1].
إن هذه المخيلة الكربلائية لم تسعف قاسم فقط في الإحساس بالإيقاع الذي هو أحد شروط الشعر، إذا ما فهمنا الإيقاع بمعناه المفتوح كما هو عند قاسم، بل أسعفته أيضاً في إعادة خلق اسمه، وهو الشرط الثاني في الإبداع، يعيد المبدع عادة خلق العالم، وجزء من هذا الخلق هو خلق اسم جديد له أو لقب جديد مشتق مما يخلقه من إبداعات، وبهذه القدرة يملك المبدع القدرة على تحويل العالم وتحويل ذاته، يتحدث قاسم عن مخيلته الكربلائية التي أعاد من خلالها تحويل اسمه من جاسم إلى قاسم، على النحو التالي: ‘’… لكوني، من جهة أخرى، مرتبطاً، في اللاوعي، باسم ‘’القاسم بن الحسن’’ أحد الشباب الذين قاتلوا مع الحسين في كربلاء، والذي استشهد يوم عرسه كما تقول الحكاية. وكنت في الخامسة من عمري عندما اختاروني لأقوم بدور القاسم، في حسينية النساء في البيت، في زفّـتـه قبل ذهابه إلى المعركة واستشهاده في يوم الثامن من المحرم’’[2].
الموقف من المخيلة
في بروفايل سابق[3] كتبت شيئاً من التاريخ الاجتماعي لمأتم جدتي سلامة (مأتم  بنت الحايي.. مأتم حجي طرار)، يحضر هذا المأتم في سيرتي كما تحضر جدتي، وكما يحضر بيتها المفتوح الأبواب دوماً، إنه يحضر جزءاً  من سيرة تكويني الفكري، مقروناً بسيرة موقفي من المخيلة، وسيرة المخيلة يختلف عن سيرة الموقف من المخيلة، فالسيرة الأولى غير واعية وهي أقرب إلى عمل الإبداع، أما الموقف من المخيلة، فهو موقف فكري يعبر عن خيار واع، يتحدد فيه مفهومنا للمخيلة وعملها وتقييمنا لها وآليات عملها. كيف كان موقفي من المخيلة الكربلائية من خلال سيرتي مع مأتم جدتي؟
أستخدم هنا مصطلح المخيلة الكربلائية لأحيل على السرديات التي أنتجها الخيال الشيعي مشبوكاً بالتاريخ لواقعة كربلاء، والمخيلة هنا هي مستودع عمليات التخييل الجماعية على مدى تاريخ طويل، وهي عمليات تتداخل فيها أمنيات الجماعة وأحلامها ومحنها ومقدساتها وأحداثها التاريخية، الأمر الذي يصعب فيه فصل الحقيقي من غير الحقيقي والواقعي من الخيالي والتاريخي من الاختلاقي ‘’التخييل أعم من الخيال وأكثر تجاوزا له على مستوى التصور والإلهام والخلق، لاعتماده على الإغراب والمفارقة والخيال المجنح البعيد في التشخيص الأسلوبي والذهني، ناهيك عن افتراض الأحداث الممكنة والمستحيلة ونسجها فنيا وسرديا في عالم فني جمالي في أبهى روعة إبداعية. ويجر التخييل معه في اللغة العربية كلمات اشتقاقية أخرى كالمخيلة بكسر الياء(مصدر الخيال)، والخيال (منتوج المخيلة)، والتخييل (فعل التخيل وممارسة الخيال، وهو دال الحركة والإبداع والإلهام) الذي يدل على الاختلاق والتوهيم بالحقيقة والخداع الفني وتصور الأحداث والشخصيات في سياق فني يتقاطع فيه الخيال والواقع’’[4].
مخيلة المآتم النسائية
تمتاز المآتم النسائية بأنها جزء من البيت، إنها تكاد كالمرأة في المجتمعات المحافظة لا تغادر البيت، تبدو كأنها غرفة من غرف البيت، حتى إننا لا يمكن أن نصفها بأنها ملحقة بالبيت، فهي وسطه غالباً، كما هو الأمر مع مأتم جدتي، لقد وعيت طفولتي في وسط هذا المأتم، ووسط البيت الكبير الذي كان فيه.
وهذا ما جعل كثيراً من المآتم النسائية غير مسجلة في الدوائر الرسمية ودائرة الأوقاف الجعفرية، كانت آخر إحصائية شفهية متداولة تقول إن عدد المآتم النسائية في قرية الدير يزيد على الثلاثين مأتماً أو حسينية. والقليل منها مسجل، في حين المآتم الرجالية تبلغ سبعة مآتم، وجميعها مسجلة، وتقع في الحيز العام للقرية، الأمر الذي جعلها مكاناً عاماً.
ربمــا تكـــون هــذه الميزة، هي ما يجعل المأتم النسائي أقرب إلى مزاج صاحبته وسلطتها، والمآتم الرجـــالي وإن كان لا يخرج كثيراً عن ذلك، لكنه يتوفر نسبياً على مزاج أكبر من صاحبـــه وأقل من قريته أو عائلته أو فريقه، فهو يمثــل جماعة صــاحب المأتم وعائلته، وتتوسع هذه الجماعة بتوسع الخطوط الحركيـــة الفكـــرية التي تمثلها.
ظلت المأتم النسائية بحكم عزلتها البيتوتية مكاناً للمخيلة المطلقة الجامحة التي لا يحدها عقل صارم ولا شرع متشدد، وربما يصح أن نصفها بأنها مخيلة نسائية بوجه ما، لا مكان للكلام الموجه في هذه المآتم النسائية، الموجه بخط حركي أو أيديولوجي. ليس هناك خطابة تصنعها موجات فكرية، هناك نياحة وسيرة (شبه تاريخية) ومرويات سردية وقصائد مقفّاة، وأصوات نسائية تضج على إيقاع الحزن والبكاء.
توجيه المخيلة
في تحقيق عن (مأتم النساء) طرحت مجلة الأنصار [5] السؤال التالي (لماذا هذا الهجوم الشرس حول آلية العمل في مأتم النساء؟ وهل هو قادر في صورته الحالية على إخراج جيل واعٍ فاهم؟ كانت الإجابات: واقعاً أنا لا أذهب إلى المآتم النسائية، عندما أذهب إليها لا أحصل على فائدة تذكر… إن المأتم النسائي متخلف عن الركب الحضاري والثقافي والاجتماعي).
في نهاية الثمانينيات كنت مدفوعاً بحس ثوري لتغيير العالم، كان العالم هو أنا وأسرتي وقريتي ومأتم جدتي، كنت أرى أن المأتم النسائي لم يستجب لصوت الصحوة الإسلامية، والسبب الذي كنت أعتقده يكمن في أن الملايات متخلفات وغير واعيات ولا يسمحن بالتغيير. كنت أرى ملايات مأتم جدتي هكذا، وهنَّ الحاجيـة مريم بنت الحاج أحمد صميل (توفيت ديسمبر1997) والمعروفة بالحاجية مريوم، والحاجية شريفة بنت سيد عبدالله (توفيت 2000) والمعروفة بالحاجية شروف. والحاجية صفيــــة بنت الحاجي عبدالله محسن (توفيت في فبراير2004)، المعروفة بالحاجية صفوي.
خضت معهن محاولات تغييرية لكنها باءت بالفشل، كنت أرى فيهن حجر عثرة أتمنى أن تزال بسرعة، من أجل أن يأتي صوت الوعي الجديد والطرح الجاد. اليوم أحن لأصواتهن بناستالوجيا بالغة الدفء، اليوم أعيد اكتشافهن من جديد، أرى أني بحاجة إلى أن أنصت إليهن من أجل أن أفهم عالمهن الخاص وثقافتهن الخاصة، بعيداً عن تشنجات وعي الصحوة الدينية.
لست ضد المحاضرات الجدد اللاتي بدأن يزاحمن الملايات أو يتزاوجن معهن، لكني ضد هذا الوهم بأنهن يمتلكن الوعي والطرح القادر على أن يأخذ النساء إلى الركب الحضاري والثقافي والاجتماعي. بل أنا ضد هذه الكلمات المشحونة بتخمة من الأوهام. لم يجد خطاب الصحوة بحسه الأيديولوجي في خطاب الملاية ما يعزز من سلطته واستحواذه وتفسيره لواقعة كربلاء، التي راح يؤولها لصالح حسه الثوري، ولأنه خطاب لا يحسن الإنصات إلى ما يختلف معه، فإنه لم يجد في الملاية غير علامة على نقص الوعي والتخلف والتقليدية وعدم القدرة على طرح الإسلام وكربلاء طرحاً جديداً، لكنه لم يكن ومازال عاجزاً عن أن يرى مأزقه في تضييق الإسلام وأدلجة كربلاء.
سير هذه الملايات وتجاربهن جزء من ثقافتنا التي يجب الإنصات إليها، وفهمها وتوثيقها، بعيداً عن حس الإدانة الديني أو الأيديولوجي. أنا مدين في جانب من فهمي لعمل الخيال الخلاق في التاريخ إلى صوت هؤلاء الملايات، وهن يعدن سرد التاريخ بخيال لا مثيل له، لذلك فأنا مدين باعتذار متأخر إلى ملايات مأتم جدتي لأني أسأت الاستماع إليهن، وأسأت تقدير صوتهن الأصيل الذي لم تشبه هُجنة أيديولوجية تضيق بالآخر [6]

جمح المخيلة

كان الخط الحركي الإسلامي الذي مثلته خلال الثمانينيات، نداء لجمح هذه المخيلة، وتوجيهها نحو شرع منضبط وعقل مؤدلج. كنت أرى في هذه المخيلة أسطورة تجتر الدمعة لا الفكرة، مخيلة لا تستجيب لحركة الواقع التي كنا مأخوذين بها حد مجاوزة الواقع.
كان صوت القيادات الحركية قد بدأ يضع هذه المخيلة ضمن دائرة وعيه، كان يريد من المأتم النسائية أن تكون في مستوى وعي الإسلام الحركي، وقد بدأت الناشطات الإسلاميات محاولاتهن للدخول إلى هذه المآتم، من أجل تقديم شكل خطاب جديد، يفيد من صيغة الخطابة الرجالية، التي لا تكتفي بالجانب البكائي الحسيني، وهنا برزت مع ظهور أسماء الخطيبات الجديدات تذمرات الملايات التقليديات وصاحبات المآتم.
مع صعود هذه الموجة كنت قريباً جداً من جدتي ومأتمها الذي ظللت أخضعه لاستخدامات متعددة، منبثقة من هذه الموجة، غير أنها استخدامات تقع خارج صفة المأتم، حين يكون مأتماً نسائياً، هو عالم آخر ومكاناً آخر. لا يمكن لاستخداماتنا الحركية أن تخضع المأتم لها، فهو يمثل خط ممانعة قوية للمخيلة الكربلائية التقليدية، وعلى الرغم من أنني ظللت لفترة طويلة مسؤولاً عن تركيب سواد مأتم جدتي، إلا أنني لم أستطع أن أغير حتى في شكله ومساحته التي تغطي المأتم كله، وعلى الرغم من أنني حاولت إدخال شعارات حركية من خلال تركيب السواد، إلا أنني فشلت، وذلك يعود إلى مزاج المخيلة البكائية لملايات المأتم. لقد كن يرين في بقاء المأتم وفق شروط مخيلتهن المطلقة العنان من أي مساءلة واستخدام، بقاء لهن ومحافظة على وجودهن واستمراراً لتقاليدهن وتراثهم الأثير.
تقليص المخيلة
في محرم1990 بدأنا مشروع مهرجان عاشوراء الأول، كان مقر المهرجان مأتم جدتي، يبدأ المهرجان بعد عشرة محرم، وقد خصصناه لإقامة محاضرات ثقافية عن عاشوراء، كيف نسثمر عاشوراء في واقعنا؟ وكيف نعي الثورة الحسينية؟ وكيف نحولها إلى وعي جديد حركي؟ وكيف نخلصها من الأوهام الأسطورية؟
كان المشروع امتداداً لمشروع سابق خضناه قبل ثلاث سنوات، في عام 1987تحديداً، وهو مشروع خطابة حسينية، كنا نتدرب كل ليلة من ليالي محرم، بأن يتولى أحد الشباب التحضير لها ويكون ليلتها هو الخطيب الذي عليه أن يقدم موضوعاً جديداً ونعياً تقليدياً. كان الاتجاه السائد تقليص مساحة النعي التي هي مساحة المخيلة ومحل خصوبتها، وتوسيع مساحة الخطابة التي هي محل الفكر والوعي وتقديم مفاهيم الإسلام الحركي.
كنا في سياق، إعداد جيل حركي جديد، يفهم كربلاء فهماً جديداً، وقد انتدبنا أنفسنا للقيام بهذه المهمة، وعلينا واجب التثقف والتدرب وخوض التجارب، لحسن حظي، لم أتوفر على صوت جميل، وكنت الوحيد من بين الأصدقاء الذين خاضوا التجربة مقتصراً على الخطابة فقط دون النعي الحسيني، في حين كان الأصدقاء السبعة يتولون تقديم مجلساً كاملاً بنعي وخطابة، كنت أستعين بصديق طفولتي أحمد رمضان، لقراءة مقدمة حسينية لمجلس محاضرتي، ومازال هو يذكر بشيء من المرح طريقته في قراءة قصيدة (وجه الصباح علي ليل مظلم…) التي افتتح بها أحد مجالسي (تسمى الفترة التي يقرأ فيها الخطيب بالمجلس، فيقال بدأ المجلس وانتهى المجلس).
كان التحول من مشروع الخطابة الحسينية إلى مهرجان عاشوراء، تعبيراً عن الانحياز إلى الجانب الفكري، وعدم التعويل على الجانب البكائي والمأساوي في كربلاء، كما أنه كان معبراً عن انحيازي إلى الجانب الفكري في ذلك الوقت. وهو من ناحية الأخرى يحمل أيضا قناعتي المبكرة بعدم امتلاكي مهارات القراءة الحسينية التي تشترط الصوت الشجي والقدرة على النعي بالطريقة الحسينية.
تطهير المخيلة
لقد خصصنا مهرجان عاشوراء الثاني والأخير، والذي أقمناه أيضا في مأتم جدتي، لكتاب (الملحمة الحسينية). لقد قسمنا الكتاب على عشر ليال، يتولى كل ليلة شخص تقديم محاضرة من هذا الكتاب. الكتاب محاولة لتصحيح واقعة كربلاء من الانحرافات التاريخية التي صنعتها المخيلة.
تصحيح الانحرافات التاريخية، كان يعني رفض نشاط المخيلة الكربلائية التي أنتجت هذا الكم الضخم من المرويات والأشعار والقصص والكرامات والبكائيات. كان يعني تجفيفاً لمساحات واسعة من هذه المخيلة وما يرافقها من دموع حارة وطرية. كان يعني أن تبقى المآتم النسائية من غير ذاكرة، لأن ذاكرة هذه المآتم تكمن في أرشيف مخيلتها.
كان الإسلام الحركي، كما مثله مطهري مثلا، يريد أن يغير الواقع، وهو يريد من التاريخ ما يغير به الواقع، لا ما يجعل الواقع ثابتاً، والبكاء كان من وجهة نظر هذا الإسلام الحركي، يجعل من كربلاء تاريخا ساكناً لا متحركاً، هو يريد أن يعرف اليوم معسكرات يزيد ومعسكرات الحسين، ‘’نعم لو كان الحسين بن علي بيننا اليوم لقال لنا: إذا كنتم تريدون إقامة العزاء من أجلي وأردتم الضرب على الصدور من أجلي فان شعاركم لا بد وأن يكون فلسطينيا’’[7].
الإسلام الحركي، يريدك أن تحرك الواقعة التاريخية لتكون واقعة معاصرة، هو ليس معنياً بالسياق التاريخي، بقدر عنايته بالسياق المعاصر، هو يريد أن يستخدم الواقعة في حركة صراعاته الحالية، وليست لديه مشكلة في أن تنحرف الواقعة التاريخية عن سياقها التاريخي، لكنه معني بإضفاء قدر من المعقولية عليها من أجل أن يكون استخدامه أكثر إقناعاً، ومن أجل أن يعطي احتراماً.
هكذا يحرك مطهري مثلا واقعه اليوم باستخدام واقعة أمس’’ماذا لو أن الحسين بن علي (ع) كان بيننا اليوم، وأراد أن يطلب منا أن نقيم له العزاء؟ ترى أي الشعارات كانت هي التي سيطالبنا بترديدها؟ فهل كان سيقول لنا اقرأوا في المجالس ‘’أين ابني الفتى على الأكبر’’، أو يطالبنا بالمناداة: ‘’يا زينب المعذبة الوداع الوداع’’، وهي أمور لا شك لم يفكر فيها ‘’الإمام الحسين’’ طوال حياته وإنه لم يردد مثل هذه الشعارات الخانعة الذليلة، في يوم من أيام عمره نعم فلو كان الحسين بن علي بيننا اليوم، لقال لنا: إذا كنتم تريدون إقامة العزاء من أجلي، وأردتم الضرب على الصدور، والخدود، من أجلي، فإن شعاركم لابد وأن يكون فلسطينيا فشمر اليوم هو موشي دايان وشمر ما قبل ألف وثلاثمائة عام، قد مات، وعليك أن تتعرف على شمر هذا العصر، لأن جدران هذه المدينة، يجب أن تهتز اليوم من شعارات فلسطين’’[8].
بالنسبة للإسلام الحركي، المخيلة مهمة بقدر ما يمكن استخدامها لتغيير الواقع وتحريك جمهوره، وتفقد أهميتها حين تفقد قدرتها على هذا الاستخدام، وهذا الاستخدام هو ما يجعل من المخيلة أيديولوجيا، هو يريدها في حالة أيديولوجية نشطة.
لذلك فالنقد التاريخي الذي يصدر عنه الإسلام الحركي في مراجعته للمصادر التاريخية التي أرّخت للواقعة وطريقة تمثل الخطابات الحسينية لها، لــيس محكومــــاً بأفق المدارس التاريخية المعاصرة ومناهجـــها المعرفية، بقدر ما هو محكوم بأفق الأيديولوجيا الحركية، وإن كـــان أفق هذا النقد يفضي إلى نتائج تلتقي أحياناً بنتائج ذاك الأفق.
لقد كنا محكومين بهذا الأفق، ونحن نحاول تغيير خطاب المآتم النسائية. كنا نستحضر في حركة تغييرنا خطاب فضل الله وهو يتحدث عن دور المرأة القيادي الحركي ممثلاً في حركة زينب والرباب وسكينة. وكنا نستند إليه في محاولة تحويل المـــأتم النسائي من وظيفة الاستماع والبكـــاء إلى وظيفة الخطابة والمعرفة. لكن أي معرفة وأي خطابــــة كنا نريدها أن تحل مكان هذه المخيلة الكربلائية المطلقة؟
كــــانت نماذجنا التي نحلم بها، خطيبات قادرات على بيان الحقائق العقائدية وبيان المفاهيم الإسلامية وبيان القيم والأخلاق. فالمجتمع النسائي يحتاج كما كنا نراه إلى إعادة النظر في تفعيل طاقاته وتحريك مواهبه وإخراج الخطيبات العالمات القادرات على العطاء وعلى البذل، يحتاج إلى ما هو أكثر، يحتاج إلى دروس دينية بشكل مكثف في الفقه والعقيدة. كنا نحلم بخطاب نسائي يحمل طرحاً سياسياً ووعياً تربوياً ومجتمعياً وتاريخياً. كنا نستخدم كل هذه المصطلحات المفخـــــــمة بسذاجة ومراهقة، والغريب أن هذا الخطاب مازال فعالاً بالنبرة نفسها. والدليل على ذلك أني اقتبســـت الفقرة السابقة التي تتحدث عن النماذج النسائية التي كنا نحلم بها، من أحد المواقع الإلكترونية، دون أن أضطر إلا إلى الاختصار فقـــط. ولست مضطرا إلى الإشـــارة إلى المصدر، لأنها تصلح أن تقتبس من عشـــرات المواقع.
كيـــف يبدو الموقف اليوم من هــذه المخيلة؟ كيف نشاطها الاجتمـــاعي؟ كيف حضورها في وسائط الميديا؟ تلك أسئلة تحتاج مقاربـــة أخرى.

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=94216
هوامش:
[1]، [2] حوار مع قاسم أجرته رولا قباني: جريدة ‘’الزمان’’ – لندن 18/ مارس .1999
[3] انظر: بروفايل المشي إلى كربلاء،(مأتم بنت الحايي.. مأتم حجي طرار) جريدة الوقت، العدد 341 – السبت 8 محرم 1428 هـ – 27 يناير .2007
http://www.alwaqt.com/art.php?aid=38032

[4] مفهوم التــخيـــيـــل الروائي، جميل حمداوي: http://www.doroob.com/?p=10447
[5] مجلة الأنصار: مجلة إسلامية تصدر عن حسينية بن زبر، العدد.2007 ,9
[6] انظر بروفايل الملاية، جريدة الوقت، العدد 348 – السبت 15 محرم 1428 هـ – 3 فبراير 2007
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=2342

[7]، [8] مرتضى مطهري، الملحمة الحسينية، بيروت: الدار الإسلامية، ط1990 ,1م.