تطهـــير المخيلــة

لم نكن في الثمانينات نعي أن منطق الثورة، قد جعل من مطهري الدعم الثقافي للثورة الإسلامية بما كان يقدمه للثورة من صيغة إسلامية يرون فيها نقاء خالصًا مستمدًّا من كتاب الله وسنة نبيه وتعاليم الأئمة دون تحريف أو تعديل أو تصحيف. وأن هذا المنطق نفسه وجد في مطهري الذي اغتيل في 1980 صيغة آمنة من اختراق قيم الثقافة الغربية التي كان يحمل روحها علي شريعتي في ثقافته الإسلامية. مطهري ثقافة خالصة وشريعتي ثقافة مشوبة، والثورات لا تعرف غير مشتقات (خ ل ص) والتي منها: التخلص والإخلاص والخلوص والخالص والخلاص والخلاصة. لقد تخلصت الثورة من شريعتي لأنه غير خالص الثقافة الإسلامية، ومن ثم فثقافته لا تصلح لأن تكون خلاصاً للشعب الذي عانى من التغريب، ولا يمكن تقديم حتى خلاصة أفكاره. لقد تعزز حضور الشهيد مطهري في ثقافتنا الدينية ووجداننا الثوري، طوال الثمانينيات، لذلك حين جاء كتابه ‘’الملحمة الحسينية’’ باللغة العربية في 1990 يحمل نقداً لبكائيات كربلاء ورواياتها المشهورة التي استقرت في الوجدان الشيعي، لم يواجه هذا النقد بأي اعتراض، على رغم عنف لغته وتعارضه مع مسلمات كربلائية مستقرة اجتماعياً، وذلك يعود للمكانة التي كان يمثلها مطهري. كنت قد قرأت الكتاب في عام صدوره، وتحمست له، وشكل موقفي الفكري والسلوكي مما أسميه ‘’المخيلة الكربلائية’’ كما هي مجسدة في كثير من المجالس التقليدية الحسينية الرجالية وكما هي مكرسة في كل المآتم النسائية. في العام 1997كتبت ورقة لملتقى ثقافي خاص عنوانها ‘’المتخيل والتاريخ: كربلاء نموذجا’’ رجعت فيها موقفي من كتاب مطهري، ووجدته على رغم السجال الفكري الذي أثاره، يعاني من مشكلتين، الأولى هي أنه لا يتوفر على معرفة نقدية حديثة بعلوم الإنسان التي تتفهم عمل المتخيل الاجتماعي وحضوره الثقافي والديني، والمشكلة الثانية أنه لا يتوفر كذلك على معرفة بـ(الفللوجيا) المختصة بمنهجية تحقيق وتدقيق النصوص ومقارعتها ببعضها البعض ودراستها على الطريقة التاريخية الحديثة.
لا شك أن مطهري، مثقف موسوعي كبير، ومصلح اجتماعي حاذق، ولديه تكوين فلسفي وحوزوي وعقائدي وكلامي، ولديه سعة أفق معاصرة، و هذا ما يجعل من الساحة الإيرانية الثقافية تتحدث اليوم عن حاجة الرجوع إلى مطهري، لكن هذا لا ينفي قصور منهجه في معالجة موضوع (الملحمة الحسينية). وربما يكون استخدامه لمصطلح (التحريف) مشحوناً بشحنة دينية وثورية ايديولوجية تفوق شحنته المعرفية، الأكثر دلالة على هذا القصور، وهذا ما جعله يعتبر التحريف، منكراً، والمنكر حكم فقهي وليس مفهوماً إجتماعياً، لذلك تأتي دعوته إلى النهي عن المنكر الذي يتمثل في ما يقال على المنابر من كذب وافتراء، ويقرر أن من يعلم ذلك فواجبه ألا يجلس في مثل هذه المجالس، لأنه عمل حرام والواجب يتطلب منه مقاومة هذا الكذب وفضحه.(الملحمة الحسينية،ص14). كان الحس الأيديولوجي يغلب الحس المعرفي في نقد مطهري، وهو حس مبرر بلحاظ السياق السياسي والاجتماعي للتاريخ الذي كان يتحرك فيه، إلا أننا اليوم في سياق آخر، يسمح لنا بنقد خطابه، وهو نقد مبني على إعادة الاعتبار للمخيلة الكربلائية، فالمخيلة هي ما يبقى بعد أن ننسى كل شيء، بما فيه كتاب مطهري وسياقه السياسي والثوري والأيديولوجي، في هذا لبروفايل نعيد الاعتبار لهذه المخيلة، مؤمنين بأنه إذا كانت الأيديولوجيا تزيّف الواقع، فالمخيلة تجعل الواقع ممكناً، والأيديولوجيا وهي تجعل الواقع مزيّفاً، همها إلغاء الأشياء، أما المخيلة فهمها ابتكار الأشياء. الأيديولوجيا تستبعد، وتضيّق وتفرض وتجعل الأشياء أحادية. والمخيلة تكثّر، وتتسع، وتقترح، وتُعدد. المخيلة تقدّس الأشياء لتبتكرها، والأيديولوجيا تقدّس الأشياء لتحتكرها. الأيديولوجيا هي ما يذهب مع الأشياء والمخيلة هي ما يبقى بعد ذهاب الأشياء. الأيديولوجيا تُطهّر (من التطهير وليس من مطهري) بمنطق الحق والباطل، والمخيلة تُحي بمنطق الممكن والمحتمل.

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=5816