الروائي النرويجي يوستن جاردر في حوار خاص

لم أكن أطمح في «عالم صوفي» إلى أبعد من أن أخرج عملاً تعليمياً في الفلسفة «1-2»

الوقت – محمد المبارك – علي الديري:

يزور جاردر البحرين ليومين برفقة زوجته وناشرة أعماله السيدة منى هنينج، صاحبة دار المنى في السويد، بدعوة من مركز الشيخ إبراهيم للثقافة والبحوث، حيث ألقى أول من أمس محاضرة بعنوان ”احرص على تغذية خيالك”. ولد الكاتب النرويجي (جاردر) في الثامن من شهر أغسطس/ آب العام ,1952 ويعمل أستاذاً في الفلسفة وتاريخ الفكر وهو يمارس الأدب والتعليم معاً. أشتهر بكتابته للأطفال بمنظور القصة داخل القصة. روايته ”سر الصبر” هي التي جعلته معروفاً لدى الجمهور النرويجي. وحصل من ورائها على جائزة النقد الكبرى. لكن كتاب ”عالم صوفي” هو الذي أخرجه للعالمية، حيث ترجم إلى أكثر من ثلاثة وخمسين لغة، وبيع منها أكثر من ثلاثين مليون نسخة، وفي ألمانيا وحدها تعدت مبيعاتها المليون نسخة. وتم تحويل الرواية لفيلم سينمائي، وأيضا تم تحويلها للعبة فيديو، وحاليا يتم تقديم جائزة سنوية للأعمال المختصة بتطوير ودعم البيئة باسم (جائزة صوفي) مقدمة من غاردر وزوجته.

لقد عبر جاردر في بداية حوارنا معه عن سعادته بالتعرف إلى البحرين، لافتاً إلى أنه وجدها ”مكاناً متعدداً وكوزموبوليتاني”، وأبدى إعجابه ببيت القرآن الذي زاره وقد بهره فن الخط العربي والمخطوطات القرآنية.

الوقت: لقد كتبت في صحيفة الأفتن بوسطن النرويجية يوم السبت أثناء الحرب الإسرائيلية على لبنان بتاريخ 5-8-,2006 مقالا أثار ردود أفعال شديدة في الصحافة والتلفزيون: إننا لا نعترف بدولة إسرائيل كما لم نعترف بنظام الأبارتايد العنصري في جنوب إفريقيا، وكما لم نعترف بنظام طالبان. وكما كان كثير منّا لم يكونوا قادرين على الاعتراف بعراق صدام حسين، أو بالإبادة الاثنية التي مارسها الصرب. الآن لابدّ أن نعتاد على التفكير بأنّ إسرائيل بشكلها الحالي قد صارت تاريخاً ماضياً، ونحن لا نؤمن بمفهوم شعب الله المختار”.

كيف تقرأ زيارتك اليوم إلى المنطقة العربية، في سياق تزامنها مع أول زيارة رسمية للرئيس جورج دبليو بوش للشرق الأوسط التي استهلها بزيارة إسرائيل متعهداً بالحفاظ على أمن إسرائيل ”كدولة يهودية”، ومشدداً على أن الولايات المتحدة وإسرائيل حليفان قويان، ومصدر هذه القوة هو الإيمان المشترك في قدرة الحرية البشرية”.

– غاردر: حسب المعايير الدولية ربما يكمن الحل الأمثل في دولة واحدة لا يتميز فيها اليهود عن غيرهم. أعتقد أن مفهوم الدولة اليهودية غير مقبول ولا يتوافق مع الأفكار المعاصرة. كما لا أعتقد أنه يجب أن تكون هناك دولة إسلامية أو مسيحية. فحتى النرويج مثلاً، وبطريقة ما، هي رسمياً دولة مسيحية وأعتقد أنها لا يجب أن تكون كذلك. الأفضل للدولة الحديثة أن تكون علمانية، وهذا تحد يجابه الكثير من الدول في العالم، خصوصا العالم الإسلامي فكما تعلم أنه لا يوجد في تاريخ الإسلام تفريق واضح بين الدين والدولة.

الوقت: بالنسبة لحكومة الولايات المتحدة الأميركية، ألا ترى أنها تقع في نوع من التناقض، فهي من جهة تقود بشكل ما العالم الديمقراطي ومن جهة أخرى هي تدعم فكرة الدولة اليهودية؟

– غاردر: أوافقكم. كما أن فكرة أن لكل اليهود في العالم الحق في الاستيطان في إسرائيل هي ما أقصده بتشبيه إسرائيل بنظام الأبارتيد. من الواضح أن الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة يتعرض للمضايقات اليومية الآن بشكل يذكرنا بالمضايقات التي كان يعاني منها اليهود في أوروبا إبان العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي. لا أعتقد أننا يجب أن ننسى المحرقة، التي تعرض لها اليهود على يد النازيين، ولأننا رأينا هذه المحرقة، فإننا لا نقبل المضايقات والإذلال الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني من نساء وأطفال ورجال بسبب جدار العزل، ونقاط التفتيش. لقد سمعنا قصصاً عن حوامل تعرضن للموت بسبب التأخير والمضايقات على الحواجز الإسرائيلية التي حالت دون وصولهن للمستشفى في الوقت المناسب.

الوقت: لقد اشتهرت بهذه الآراء الناقدة لإسرائيل، فهل تعرضت بسببها للمضايقات في إسرائيل أو في مكان آخر؟

– غاردر: لا. لكن دائماً عندما تنتقد إسرائيل، يتهمونك بمعاداة السامية. وأرى أن من السخف أن تلصق بي هذه التهمة لسببين. الأول أنني طبعا لست معادياً للسامية، والثاني أعتقد أن كل الناس متساوون في الإنسانية ويجب أن يعاملوا بالطريقة نفسها. والشعب اليهودي شعب طيب كغيره من الشعوب. كما أن هناك الكثير من اليهود الذين ينتقدون السياسات الإسرائيلية. إن هذه التهمة هي سلاح يستخدمه ما يمكن أن نسميهم ”أصدقاء إسرائيل” ضد كل من ينتقد السياسة الإسرائيلية. لكنها تؤذيني لأنني أكره أن أكون معاديا لأي نوع من الناس. أشعر بأنني إنسان، وأن كل إنسان له قيمة الإنسان الآخر نفسها. أنا أشبه إسرائيل بالقوة الاستعمارية التي تستغل الشعوب التي تحتلها بعد أن تذلها.

لقد كتبت مقالاً لاحقاً للمقال الذي ذكرته، عبّرت فيه عن آرائي بشكل أكثر وضوحاً، وأعتقد أن غالبية الناس في النرويج يوافقونني في هذه الآراء. رغم أنك لن تستنتج ذلك من الجرائد. لكنني تلقيت ردوداً غاضبة من أصدقاء إسرائيل في النرويج، ومن إسرائيل أيضاً فكتبي مطبوعة بأكثر من 55 لغة، منها العبرية، والقراء في إسرائيل يعرفونني. لم أفكر بذلك عندما كتبت المقال الذي انتشر حول العالم في غضون يومين فقط، بما فيها الجرائد العبرية في إسرائيل.

الوقت: هل يمكن للمثقف أن يأخذ موقفاً كهذا في دول أوروبية أخرى؟

– غاردر: سؤال جيد. نعم سيكون من الصعب إصدار مقال نقدي كهذا في بلد كألمانيا مثلاً. لأنه ولأسباب تاريخية، يعد انتقاد إسرائيل في ألمانيا من جملة التابوهات، لكن الأمر ليس كذلك في بلدي النرويج.

  الوقت: يبدو أنك تعول على الأطفال في أعمالك الروائية أكثر من أي شيء آخر، فبطل »سر الصبر«، الطفل هانس توماس، 12 عاما، يسافر مع والده إلى اليونان لكي يلتحقا بالأم »انيتا« التي هاجرت إلى بلاد الفلاسفة قبل سنوات بحثا عن الحقيقة. ورواية ”عالم صوفي” تبدأ مع يوم عادي لصوفي أمندسون بطلة الرواية ذات الأربعة عشر عاما، حيث عادت مع صديقتها جورون من المدرسة، فتفاجأت للمرة الأولى أن هناك في صندوق البريد رسالة لها موجهة بالاسم. ورواية ”فتاة البرتقال” تُحكى من وجهة نظر الشاب الصغير جورج، لقد كتب جون قبل وفاته بأيام قليلة رسالة لابنه جورج ذو الأربعة أعوام؛ كي يقرأها حين يكبر، وبعد أحد عشر عاما من وفاة جون تعثر عائلة جورج على هذه الرسالة وتسلمها له، يقرأها جورج ومن ثم يحكي لنا قصته مع رسالة والده، الرسالة كانت تحوي قصة وسؤالا، قصة حب والده لفتاة البرتقال، وسؤال يطرحه بعد سرده للقصة.

لماذا يبدو أبطالك من الأطفال غالباً؟ ولماذا تلجأ إلى تقنية الرسائل دائماً؟ ولماذا تدور في أجواء البيئة النرويجية؟ هل لهذا علاقة بكونك أستاذاً يمارس تدريس الفلسفة وتاريخ الأفكار؟ وهل يهدد الأطفال الرواية بالتحول إلى الجانب التعليمي بدلاً من الفني؟

– غاردر: سؤال جيد أيضاً. أولاً ليست كل رواياتي تدور أحداثها في النرويج، فقصة ”فتاة البرتقال” مثلاً تدور أحداثها في أسبانيا. أما بالنسبة للأطفال، فدعني أذهب لبداياتي ككاتب. عندما كنت في الحادية عشرة، أتذكر أنني شعرت فجأة أنني جزء من لغز كبير، وأن الكون أحجية كبرى. لجأت لوالدي ولأساتذتي وقلت لهم: ألا تعتقدون أن الوجود أمر غريب وعجيب؟ لكنني صدمت بالإجابة: لا، ليس غريباً على الإطلاق. لكنني ألححت: إذن أنتم تعتقدون ان الوجود أمر عادي؟ وكانت الإجابة: نعم، بالتأكيد. كبرت وأنا ماأزال أعتقد أنني أنا المحق. ماأزال أعتقد أن الحياة لغز. لهذا عندما بدأت أكتب، أردت أن أنقل هذا الشعور الذي أحسست به وأنا صبي صغير. يمكن القول إن هناك طريقتين ليصبح المرء كاتبا: فهناك مجموعة من الكتاب تحب اللعب بالكلمات مثلما يلعب الرسام بالأشكال والألوان. لكن هناك فئة أخرى من الكتاب، وهم الذين يشعرون أن لديهم أشياء يريدون قولها. أعتقد أنني أنتمي لهذه الفئة الثانية.

أنت محق عموماً في أنني أستخدم الأطفال كشخصيات في رواياتي أكثر من الكبار، رغم أن الكبار قد يكونون رائعين أيضاً مثل شخصية معلم الفلسفة في رواية ”عالم صوفي”. لكن الأطفال يسألون أفضل من الكبار.

أما بالنسبة لسؤالك عن الجانب التعليمي، فأقول إن رواية ”عالم صوفي” هي رواية تعليمية بالتأكيد. عندما كتبت هذه الرواية، لم أكن أطمح من خلالها أبعد من أن أخرج عملاً بيداغوجياً تعليمياً في الفلسفة. رواياتي الأخرى تدور فيها فلسفة لكنها ليست كتب فلسفة، أعني أنها ليست كتباً تعليمية، تعلم الفلسفة. لا أعتقد أنني كنت معلماً في هذه الكتب، لكنني يمكن أن أكون مجرد مرشد أشير إلى الكون.

في رواية ”عالم صوفي” أنا أعلّم فلسفات معينة، لكن في رواياتي الأخرى أشير فقط محاولاً نقل حماسي بالوجود إلى قرائي. ألتقي بأشخاص من مختلف الأعمار، وأسألهم أحياناً: ألا تعتقدون أنه أمر عجيب أن نعيش؟ ألا تعتقدون أن الحياة قصيرة؟ يجيبون في بعض الأحيان: نعم أنت محق، لكنني لم أفكر بهذا من قبل.

كما أستلم الكثير من الرسائل والإيميلات، من قرائي، وأغلبها من الفتيات. أعتقد أن الفتيات يقرأن أكثر من الفتيان. هي آلاف الرسائل. وهي تختلف عن بعضها كثيراً لكنها غالباً ما تشترك في أمر واحد. غالبا ما يكتبون ”قبل أن أقرأ كتابك كنت أشعر أنني مختلف عن الآخرين لأنني أسأل الكثير من الأسئلة ولا يُبدي الآخرون اهتماماً بهذه الأسئلة. لكن بعد أن قرأت روايتك عرفت أنني في الواقع كنت أسأل أسئلة فلسفية”. كما يكتبون أيضا ”التجارب التي تعبر عنها في كتابك فيما يخص إحساسك بأنك جزء من لغز، هو إحساسي نفسه من زمان لكنني لم أخبر به أحداً من قبل”.

هناك تفسير محتمل لسر انتشار رواياتي، وهو ربما بسبب أنني أسأل فيها أسئلة كلية تخص كل الناس.أنا أؤمن أن السؤال يحمل قوة كبيرة، وأننا يجب أن نشجع على طرح الأسئلة. من المهم للآباء والمدرسين أن يشجعوا الأطفال على طرح الأسئلة.

أذكر أنني أيام حادثة الحادي عشر من سبتمبر كنت في مؤتمر في براغ. وهناك أخبرتنا امرأة أميركية عن سؤال ابنتها وهي تشاهد الرئيس بوش ينهى خطاباته دائماً بعبارة ”ليبارك الله أميركا” فتسأل أمها ”لماذا لا يقول الرئيس ليبارك الله العالم بدل أميركا فقط؟”. كان ذلك سؤالاً جيداً ولكنه أيضاً سؤال صادم، سنزعج الرئيس الأميركي بالتأكيد لو وجهنا إليه هذا السؤال. ربما نتوقع أن يصدر سؤال كهذا لا من طفلة بل من شخص كبير. أنا نفسي لم يكن ليخطر ببالي أبداً هذا السؤال. تذكرني هذه الحادثة بقصة الأطفال ”الأمبراطور العاري” التي كتبها الدانماركي الشهير ”هانز أندرسن”. في القصة، يخدع محتالان الإمبراطور بإقناعه بأنهما سيصنعان له أفخر الثياب على وجه الأرض، وهي ثياب لا يمكن للأغبياء أن يروها، يلبسانه الثياب الوهمية، فيخاف الأمبراطور أن يقول إنه لا يرى ثيابا عليه، والكبار حوله يخافون من الاعتراف بأنهم لايرون ثيابا على الإمبراطور خشية أن يفضحوا غباءه، لكن كان هناك طفل فقط كانت لديه الشجاعة ليصيح بأمه: ”أمي، لماذا يمشي الأمبراطور عارياً؟”.

أتساءل وأنا هنا في العالم العربي والإسلامي: هل يشجع الناس على طرح الأسئلة؟ أتخيل أنه في المدارس الدينية لا توجد ثقافة الأسئلة لأنه يتم تعليم الأجوبة وليس الأسئلة.

الوقت: ولكن ألا ينطبق هذا على أي جماعة مؤمنة؟

– غاردر: بالتأكيد. هذا ينطبق على المدارس الدينية المسيحية فنحو خمسين بالمئة من التجمعات المسيحية في الولايات المتحدة لا تعلم الأطفال طرح الأسئلة. والمؤسف أنه في أميركا وفي بلدي أيضاً يتكلم الناس عن ”الأصولية” وهم يعنون بذلك الأصولية الإسلامية، دون أن يروا أن الأصولية المسيحية تؤسس نفسها بشكل كبير في الغرب حتى ظهرت آثارها جلياً في السياسة الخارجية الأميركية. فمثلاً هناك أناس كثيرون في النرويج يؤمنون أن ما يحدث في الشرق الأوسط اليوم هو إعداد لظهور المسيح حسب ما يتنبأ الكتاب المقدس، وأنه من أجل ذلك لابد من أن تقوم حروب في المنطقة، وأن يبني اليهود دولتهم الكبرى هنا. وهذا يقودنا لملاحظة الأصولية اليهودية أيضاً.

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=94059