رئيس تحرير صحيفة «السفير» اللبنانية طلال سلمان يفتح ملفاته لـ«الوقت»:

رئيس تحرير صحيفة «السفير» اللبنانية طلال سلمان يفتح ملفاته لـ«الوقت»:
الصحافة اللبنانية في مراحلها البائسة.. ولا يمكن مقارنتها بالبحرينية.. هذا ظلم

الوقت – حسين مرهون – علي الديري:


لدى طلال سلمان ما يفتخر به. فحين أراد زعيم طائفة إثنية صغيرة، لكن مؤثرة في بلده لبنان إطلاق ”فرملة” بشأن تصريحات هجومية أطلقها فبراير/ شباط الماضي متوعداً فيها خصومه السياسيين بحرب أهلية، اختار تظهيرها من خلال جريدة ”السفير”. الجريدة نفسها التي تختصم معه في الخط السياسي ويتلقى يومياً على صفحاتها رشقاتِ النقد الكاسحة حيال كثير من المواقف. ليس هذا قدر الصحافة في لبنان أو سمة من سماتها اليومية، حتى وهي الوحيدة في محيطها العربي الممتد التي تمتلك تقاليد مهنية راسخة في هذا المجال وذات أسبقية. الأصح القول، إن ذلك قدر ”السفير” التي يستحوذ سلمان على امتياز نشرها منذ العام 1973: أن ترفع شعاراً سياسياً فاقعاً. أن تسوسه بخليط ذهبي يقوم على الاحترافية والدهاء و”المسؤولية الاجتماعية”. وأن تحوز بفعل ذلك وتلك هي النتيجة المحصّلة – على ثقة الأصدقاء والخصوم معاً.
ويعترف سلمان أن الاقتراب من بعض الشخصيات السياسية ”ذات الوزن” قد تطلب من جريدته في بعض الأحيان صوْغ مواقف جدلية أكثر من التسليم بوجاهة الثنائية الرائجة: مع أو ضد. وهذا الموقف لا يشمل طبعاً، قضايا اعتاد على التعبير عنها من موقع الانحياز التام: قناعته القومية أو نبذ الاستعمار أو قضايا التحرر و.. فلسطين.
”الوقت” التقت طلال سلمان فيما كان يزور البحرين لتقديم محاضرة عن الإعلام العربي أواخر الأسبوع الماضي، في بيت الزايد للتراث الصحفي، بدعوة من مركز الشيخ إبراهيم للدراسات والبحوث، وأجرت معه حواراً. فيما يلي:
قلت ذات مرة ”لا مفرد في حياتي، ولا مرة كنت وحدي”. دعنا نعيد صوغ هذه العبارة في ضوء عبارة أخرى لأدونيس ونقول إنك كنت ”مفرداً بصيغة الجمع”. والجمع نعرفه تماماً من خلال القضايا الكبرى التي عبرت عنها في كتاباتك. لكننا لا نعرف المفرد الذي هو أنت كيف تشكل وعبر على تخوم كل تلك القضايا. ماذا يمكن أن تخبرنا عن ”عنك” المفردة؟
– أفترض أن الكاتب ”يفترض” هو الآخر في نفسه أنه يخاطب جمهوراً. وحتى لو كان ذلك ادعاءً، فإنه لا يتوجه في كتاباته لشخص أو لمجموعة أشخاص أو حتى لحزب، إنما لجمهرة الناس وعمومهم. هذا الافتراض يجعلك دائماً في إطار مسؤولية محددة مادمت تكتب رأيك للناس. كما يجعلك أيضاً في موقع المحاسبة من طرفهم. إنك لست مجرد ناقل للأخبار، إنما شخص في موقع مسؤول ولديه رأي، هذا الرأي ”تفترض” – بينك وبين نفسك – أنه قد يكون مفيداً للناس. وبالتالي فأنت تظل دائماً تحت إلحاح تقديم الرأي لهم. تخطئ أو تصيب، تلك مسألة أخرى. نعم أنا منحاز إلى قضايا كبرى، لفلسطين وضد إسرائيل ومع حق الأمة في الحرية ومقاتلة الاحتلال أينما وجد. لكن ضمن هذا الانحياز أنا أريد أن أظل موضوعياً مع قارئي. ”أفترض” أن عليّ التوجه إلى عقول الناس وليس إلى عواطفهم، على رغم من أهمية هذه الأخيرة. أتوجه لهم بمزيد من المعلومات التي تمكنني من استخلاص موقف لي ولهم. ويبقى أنني لا أغصب أحداً كيما يتبنى هذا الموقف. بمعنى آخر، إنني لا أحمل مكبر صوت أو أدعو إلى مظاهرة، فوظيفتي مخاطبة العقول. 
لنرتقي بالسؤال قليلاً إلى العلاقة بين الأيديولوجي والصحافي. قمت بإصدار ”السفير” في مرحلة كان الخطاب القومي في ذروته، أو الأصح في نهاية الذروة. بعد ذلك انحدر هذا الخطاب، وتفلش إلى ماصرنا نشاهده من عودة خطاب المكونات البدائية الأولى إلى الواجهة. بمعنى آخر، سقطت الحاضنة الأيديولوجية لجريدتك، في حين صمدت الجريدة نفسها. كيف واكبت الجريدة ذلك، صعود القومية وتفلشها تالياً؟
– لا أحد يحب المراثي، وهي لا تنفع أصلاً في الوضع الذي نحن فيه. ولكن عندي إيمان عميق بهذه الأمة، بهذا الإنسان العربي على رغم من كل التعاسة التي يحياها. يمكن لأنني وجيلي عايشنا حالة النهوض. في بداية عمري الصحافي عايشت الهبة العظيمة للأمة في المشرق والمغرب ضد العدوان الثلاثي على مصر (1956). عايشت قيام دولة الوحدة بين مصر وسوريا (1958 – 1961). وأنا ممن سعى إلى دمشق ورأيت الملايين تهتف في الشوارع تحية إلى جمال عبدالناصر. عايشت بناء السد العالي (1960) والجزائر تتحرر (1962) ومصر دولة عظيمة تأخذ موقع محور أساسي في السياسات الدولية. صحيح أنها كانت هبات شعبية ناقصة، لم يكتب لها النصر التام، ولكنها أكدت الإمكان. وحتى قبل عامين (2006) عايشت وغيري نصراً حدث أمام مرأى الجميع، هؤلاء الفتية الأغرار في لبنان الذين قاتلوا لمدة 33 يوماً أشرس آلة عسكرية من دون أن يهرب منهم أحد.
من حسن الحظ أن إسرائيل تنشر بعض الوقائع. فإذن ليس صحيحاً أنه لم يتبقّ ثمة أمل أو أننا وصلنا إلى نهاية الحلم. نعيش ظروفاً صعبة أو أن الصورة قاتمة، صحيح ذلك، ولكن نقاط الضوء القليلة تدل على أن الأمور لم تنته. أنا مع الوحدة العربية حتى لو وجدت كل الخيبات التي ذكرت، لأنني أعتقد أنها عقيدة وليست موقفاً سياسياً تكتيكياً كي أغيره. لكن علي أن أتعب أكثر من أجل إعادة صياغة منطقي وتعزيزه بأدلة جديدة لها علاقة بحياة الناس.
من جهة أخرى، أشير هنا إلى حقيقة تاريخية وهي أن جمال عبدالناصر كان من أهم مؤسسي الصحافة في لبنان. لقد دعم صدور نحو 7 بين صحيفة ومجلة لبنانية في الفترة الواقعة بين أواخر الخمسينات والستينات: ”الحرية”، ”الصياد”، ”الأسبوع العربي” إلخ إلخ.
«الحريري» صعب!
 هل توافق زميلك وليد نويهض توصيفه للمراحل التي مرّت بها ”السفير” لجهة خطابها الصادر، بين ”شقف” قومية عروبية استمرت لغاية خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان (1982)، ثم بعد ذلك ”شقفة” من خطاب المقاومة و”شقفة” من الحريرية وإعادة الإعمار استمرت إلى وفاة رفيق الحريري (2005)، لتنتهي أخيراً ابتعاداً كلياً عن مشروع الدولة لصالح مسار المقاومة ومعارضة حزب الله وعون؟
– في المجمل، أنا لا أعتقد أننا انحرفنا عن خطنا العام. فأنا أيضاً، لدي طموح في رؤية بلدي يعمر بعد سلسلة من الحروب الأهلية. أشير هنا بالمناسبة، إلى أننا اشتبكنا مع الشهيد رفيق الحريري قبل وفاته بوقت كثير حين قام بتقديمنا إلى المحاكمة في العام .1993 وهي حادثة معروفة لدى اللبنانيين، فيومها انطلقت أكبر تظاهرة في تاريخ القضاء تضامناً مع ”السفير”. طبعاً ربحنا الحكم وربحنا السياسة، وتالياً صالحنا الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد. أستغلّ هذه الحادثة لأقول، كانت هناك صعوبة في تحديد موقف من الشهيد الحريري. إذا اقتربت قيل إنك ”قبضت” وإذا ابتعدت قيل ”إنك تريد أن تقبض”! في الحقيقة، الحريري شخصية كبيرة على مستوى لبنان، وصعب جداً أن تعطيه ولاءك كله أو تمحض عنه ثقتك. لذلك كان هناك أكثر من موقف منه. كنا معه وقت كان في المعارضة ونقديين بإزائه وقت كان في السلطة. وحين مات، طبعاً لم نقبل بالطريقة التي مات فيها. لم يكن سهلاً أن تأخذ منه موقفاً حدياً، معارضاً أو مواليا، لذلك اتخذنا موقفاً جدلياً.
عتب خفيف على«جوزيف»
 كيف تلقيتم في ”السفير” صدور ”الأخبار” من نخبة خرجت من عندكم على رأسها المرحوم جوزيف سماحة. هل تأثرتم أو هل صحيح ما كتبه إبراهيم الأمين من أن ”شخصية كبيرة” طلبت من سماحة ”وقف سحب الكوادر من السفير”؟
– لديّ اعتزاز كبير بتجربة السفير. وأشهد هنا أنني لم أصنعها وحدي. فقد شارك معي في تأسيسها عشرات وربما مئات من الزملاء من مصر وسوريا وفلسطين، ومنهم طبعاً زملاء لبنانيون. وقد نجحنا وصارت إلى حد ما في نظر كثير من الزملاء مدرسة لها نهجها وأسلوبها. ”الأخبار” لم تكن نكسة، وقد استقبلنا صدورها بترحاب. يمكن كان عندي عتب بدافع من الصداقة والزمالة على جوزيف سماحة – رحمه الله – تحديداً كونه لم يخبرني بنية الانتقال، وأنا ألمحت لذلك في أحد مقالاتي.
إبراهيم الأمين قال إنه ذاهب لتأسيس جريدة. هو ليس أول صحافي يخرج من ”السفير” ويذهب لكي يؤسس جريدة. أنا نفسي كنت محرراً في جرائد أخرى وخرجت وأسست جريدة. فإذن، لم يكن لي الحق في الاعتراض من حيث المبدأ.
الآن، إذا كانت ”الأخبار” أكفأ مني وهي تصدر عن الخط نفسه، فإن معنى ذلك أن الإخوة يعطون جريدتهم أكثر والتقصير مني ما من شك. في المقابل، إذا استمرت ”السفير” بمكانتها نفسها، فهذا امتياز يضاف إلى رصيدها كونها لم تتأثر بمنافس جديد. بالعكس إن ذلك يعزز من خط ”السفير” أكثر ويدفع إلى مزيد من التكامل. في وقت سابق قال أمل دنقل ”صوتان صوتك، سيفان سيفك” وأقول أنا.. تنجح ”الأخبار” ولا تنجح جريدة أخرى معادية في الخط السياسي. ليست لديّ أية ضغينة حيال إبراهيم أو جوزيف، فنحن عائلة واحدة، وبيني وجوزيف 22 سنة عمل وعشرة عمر. إبراهيم عمل 15 سنة في ”السفير”. هل أمسح كل ذلك لمجرد أنهم ذهبوا لصحيفة أخرى! في ”السفير” هنالك جو أسري، كلنا نعرف كلنا. نحن لسنا صحيفة رساميل كبيرة. الكل يعرفني ويعرف أولادي وكيف نعيش ووو. أعني أنه ليس لدينا مكان للضغينة والأحقاد.
وظيفة المال الخليجي
؟تنطلق أحاديث كثيرة بشأن علاقة الصحافة بالمال، وكيف يتدخل الأخير بسطوته في إدارة الحقائق التي تعبر عنها الصحف ونظرتها إلى الواقع. ماذا يمكن أن تخبرنا عن دخول المال الخليجي إلى الصحافة اللبنانية؟
– على مستوى الصحافة ما يزال محدوداً، لكن في الفضائيات نعم. المال مفسدة من أين أتى، خصوصا أنه مال سياسي له وظيفة سياسية. ظل لبنان مفتوحاً بشكل مستمر على المال الخليجي، لكن الذي يأتي منه للصحافة بسيط جداً. أقول بسيط لكنه مفيد! لكن اليوم اختلف الأمر. ثمة كرم مبالغ فيه، وهو كرم مرتبط بتوجهات سياسية ومنابر إعلامية معينة. بالنسبة لي، فأنا ضد التوجه السياسي لهذه الدول قبل أن أكون ضد المال نفسه. لست ضد صحيفة معينة يزيد دعمها أو ينقص، أنا في الأصل ضد التوجه السياسي لصاحب هذا المال، حتى وهو في بلده، فكيف الحال إذا صار في بلدي ويؤثر علي!
إن ذلك يشكل بؤس الصحافة اللبنانية في الوقت الحالي. الصحافة عندنا فقيرة نسبياً، وفي بلد فقير نسبياً تصبح أضعف في مواجهة هذا المال. في السابق كان الأمير أو الشيخ يدفع لأنه يريد تسويق صورته أو تطريزها، لكنه يدفع الآن لأغراض سياسية. هذه الأغراض معادية لأهداف الأمة العربية والوحدة والحرية والتحرر. وبالتالي أنا ضد هذا المال، ضد وظيفته السياسية لا ضده في ذاته. 
كيف يمكن أن تصف الصحافة في لبنان الآن؟
– في مراحلها البائسة. لقد دخلنا في المستنقع. صرنا معزولين في حين أنتم مازلتم تحافظون على بعض الروابط الخليجية. نحن، إذا صارت سوريا عدواً، والفلسطيني مكروهاً، والعرب صاروا بعداء عنا، فيما البلد مشحون مذهبيا. ما الذي تتوقع أن تكون عليه الصحافة وفق هذه الظروف! نشتغل وسط ظروف قاتلة. لقد قضيت طوال عمري عروبياً وقومياً، والآن ثمة من يأتي ليحاسبني كوني شيعياً. ينسى كل وطنيتي، كل عروبتي ليأخذ من كل تاريخي أنني ولدت مصادفة من أبوين شيعيين، في حين لا يعني هذا الشيء أي شيء. هذا هو الحال في لبنان.
مقارنة ظالمة
لو أردنا عقد مقارنة مع التسليم بالعسف، بين أجواء الصحافة في البحرين والأجواء في لبنان لقلنا إن في البحرين هناك جيل ألفيني (أي بدأ الكتابة منذ مطلع عقد الألفينات وصاعداً) يهيمن على عملية إنتاج نحو 80% من كمية الأخبار والتقارير والتحليلات التي يتم ضخها إلى الرأي العام البحريني. وهذا الجيل أغلبه خارج من الورشات الدينية مع قلة بعلمانية سطحية. فماذا يمكن أن تضيف من صوبك عن لبنان؟
– لا، أعتقد أن المقارنة ستكون ظالمة، فلكل بلد ظروفه. هناك اتجاه غدا سائداً في الخليج، وهو إطلاق الصحف لأسباب ربحية تجارية. في لبنان الوضع مختلف، لاسيما صحافة الحرب أو ما قبلها. حين أسست جريدة ”السفير” خرجت على الناس قائلاً ”أنا صوت الذين لا صوت لهم، جريدة لبنان في الوطن العربي، جريدة مقاتلة من أجل الحق ووو”. كانت شعاراتي واضحة، وأنا أحاسب على شعاراتي. ولكن حين يقول شخص ما إنه يريد أن يعمل مشروعاً تجارياً، ماذا تقول له غير كلمة: مبروك!. في لبنان، كانت تتم العناية بالصحافي. أصبحت هناك مؤسسات صحافية، ليست كبرى، ولكنها تعتني كثيراً بكوادرها. كانت ”النهار” وكانت ”السفير”، ولا أريد أن أتحدث عن الصحف الأخرى؛ لأنني لست قريباً من الأجواء فيها. أقول في المجمل، إن من انتسب إلى الصحف كانوا خريجي جامعة، وكانت هناك كوادر مهنية. للأسف، إن هذا الحال تراجع في الفترة الأخيرة. بل أصبحنا في أسوأ حالاتنا. القضية السياسية صارت ملتبسة. كل واحد أصبحت لديه قضيته وما عادت هناك قضية موحدة. كما قلت نحن في حالاتنا البائسة، ولكن ذلك لا يعني أنه ليس هناك تراكم.

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=104845