حوار مع حازم صاغية

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=107164

حازم صاغية لـ «الوقت»: انتهت الخرافة..الشعوب ليست عظيمة (1-3)
لم نعرف شيئاً اسمه المجتمع السياسي طوال تاريخنا.. إما عرباً أو موالي

الوقت – حسين مرهون، علي الديري:

 
في
مطلع الثمانينات كان حازم صاغية واحداً من بين جمهرة شبان يافعين ممن أطلقوا قبضاتهم في الهواء هاتفين بحياة ثورة إيران الخمينية وحياة قائدها الروحي روح الله الخميني. لكن زخم الهتاف لم يدم طويلاً، إذ لم تكد تنقضي أشهر قليلة حتى كانت القبضات تتراخى تحت وطأة انكسار أفق التوقع وسرعان ما أتى الطلاق. الأمر نفسه كان من نصيب تطواف له سابق على ذلك – وهتافات وقبضات حماسية لقائد شعبي يروح وقائد يجيء! – حَرَثه ما بين الورشتين البعثية فاليسارية. الآن، فإن قبضات حازم لم تعد تهتف بشيء. قال ”انتهت الخرافة.. الشعوب ليست عظيمة، إنها أسوأ من الأنظمة بكثير”. حديثاً جداً عاد ليستقرّ في عاصمة بلده (بيروت) بعد إقامة طويلة دامت نحو العقدين في مدينة الضباب (لندن). يبدو متخففاً كثيراً من ”روشتات” الوعد والخلاص، ”الروشتة” الوحيدة المتبقية لديه والتي تمثل اليوم أقصى مطمح عنده ”تقريب الناس إلى بعضهم، يصبح الشيعي أقلّ شيعية والسني أقلّ سنية، ومثل ذلك المسيحي” لا أكثر أو أقل. ”الوقت” التقت بحازم صاغية على هامش زيارته إلى البحرين أواخر الأسبوع الماضي بدعوة من جمعية المنتدى، وفيما يلي مقتطفات من الحوار معه:
* هاجمت ومثقفون عرب آخرون الليبراليين العرب الجدد واعتبرتم في بيان صدر في العام 2005 أنهم يقومون بتبسيط العناوين الأهم في حياتنا. فكان البيان بهذا المعنى ”صرخة ضد التبسيط” وفق ما عملتم على تقديم أنفسكم وقتئذ مستحضرين في الرد بياناً آخر كان قد سبقكم لهذه الجماعة في العام .2004 كيف تجد الآن في 2008 مآلات الليبراليين الجدد بعد ثلاثة أعوام من إصداركم البيان؟
الفكرة الأساسية لم تكن رداً على بيان الليبراليين الجدد بقدر ما كانت رداً على حالة غدت تتكاثر في المنطقة العربية. في الحقيقية، كان البيان يستهدف مسائل عدة بينها خلق تمايز بين موقّعي البيان وبين من يسمون أنفسهم ليبراليين جدداً. أردنا القول إننا لسنا مثل هؤلاء. لم نؤسس الليبرالية بعد، لذلك ليس بذي معنى أن تصبح ليبرالياً جديداً. تتميز الليبرالية عن باقي التيارات المعتقدية الأخرى في كونها قليلة الإيديولوجية. فأنت لاتنطلق من أنني مع أو ضد (مع أميركا أو ضد أميركا) إنما من ماذا يناسب مجتمعي. قد تلتقي مع الأميركان صحيح، لكن قد لا تلتقي أيضاً، المسألة تتعلق بالمصالح. يترتب على ذلك افتراق أساسي مع الليبراليين الجدد. فنحن مع أن نصبح مثل الغرب لكننا لسنا مع الغرب. بمعنى آخر، فأنا أريد حريات الغرب، تقدمه وديمقراطيته، وضع المرأة، الوعي الفردي وشعور الفرد بذاته، حب الحياة، الدفاع عنها وعن المتعة. فإذا ما ترادف ذلك مع سياسات غربية توافق مصلحتي، بحرينياً كنت أو لبنانياً أو مصرياً أو أو أو، جيداً ذلك. وإذا لم يترادف، سأعارض هذه السياسات لكنني لن أحمل على عاتقي مهمة مقاتلة الغرب. بنظري، لا أحد يعرّف نفسه بطريقة سلبية، فالوطنية لاتتأتى من كونك تكره أميركا إنما من كونك تحب البحرين. أنا لست ضد الغرب سلفاً وفي المطلق، لكنني أيضاً لست معه سلفاً وفي المطلق، الغرب السياسي تحديداً، أنا مع مصلحتي. إذا اتفقنا اليوم أن حب الأميركان مفيد لي، على رأسي، وإذا اتفقنا على العكس غداً سأكره أميركا. هذه سياسات دول وليست أدياناً لكي نتعامل معها من منطلق أن أميركا هي ”الشيطان الرجيم” أو ”الرب العظيم”.
* لكن لأي درجة يمكن للمصلحة أن تكون مرجعية المثقف التي هي مرجعية السياسي حصراً. في الوقت الذي يُعتقد أن بيانكم هو بيان ثقافي في الأساس؟
صحيح ذلك لكنه ليس بياناً ثقافياً بالمعنى الذي يمكن أن تنطبق فيه كلمة ثقافي على الفن التشكيلي مثلاً أو المسرح أو أو. لنقل إنه بيان فكري سياسي انطلاقاً من أنه أراد أن يسجل موقفاً فكرياً حيال المسائل السياسية المطروحة آنئذ. لكن حتى هنا أقول إن المصلحة يمكن أن تكون جامعة بين أناس كثيرين. فنحن لن نختلف – سياسيين أو مثقفين – على كوننا نتطلع إلى تحسين وضع الإنسان في بلداننا، لكن ما عدا ذلك فهو قابل للتجريب، الأخذ والعطاء.
لستُ ليبرالياً جديداً

* هل أفرز بيان ”صرخة ضد التبسيط” فريقاً آخر ضمن الورشة الليبرالية، أو على الأقل ما أردتم من خلاله نعني الممايزة بين الليبراليين العرب التقليديين ومن يسمون أنفسهم ليبراليين جدداً؟
– لا، لم يفرز بسبب أنه لم يكن هناك اتجاه لاستكمال الفكرة في شكل مشروع أو إقامة أطر وتنظيمات تحقق هذا التمايز. ولكن أيضاً بمعنى ليبرالي، كان البيان محاولة في القول إن هناك أصواتاً فردية ليبرالية لاتريد أن تحسب بضمن هذا الاتجاه. هو نوع من الاحتجاج لأفراد اتفقوا – رغم وجود عشرات الأشياء التي لايتفقون عليها – على أنهم ليسوا هكذا. لم نقل شيئاً، لم نقل نحن ماذا، لأن هذه مسألة أخرى، قلنا.. إننا لسنا ليبراليين جدداً.
* لكن كيف تقرأ الآن مآلات هذه الجماعة التي أعلنت ورفاقك أنكم لستم منها على اعتبار أن الموقف الليبرالي الذي تنطلقون منه اتصال بقيم تنويرية وتحديثية في الأساس وليس بالشخص الجالس في البيت الأبيض؟
إن شئت فقد بدأ الافتراق الفعلي بيننا – أنا وعدد من موقعي هذا البيان – وبين من يسمون بالليبراليين الجدد من اللحظة التي شُنّت فيها الحرب على العراق (العام 2003). وقفنا ضد الحرب، ليس حباً في صدام طبعاً ولا إعجاباً بالنظام العراقي، ولكن لشعورنا أن العراق غير مهيأ لأن يحرر. وإلا فلو كان مهيئاً لما استدعى الأمر تدخلاً خارجياً. ما إن تضطر لعمل تدخل خارجي فمعنى ذلك أن المجتمع غير قادر على تغيير نفسه بنفسه. وهنا يوجد اختلاف أساسي ثانٍ في التفكير، أن من يسمون أنفسهم ”ليبراليين جدداً” ينظرون نظرة خارجية وبرانية للمسائل، مع أميركا أو ضدها، مع صدام أو ضده، مع التحرير أو ضده، وليس بنظرة فاحصة على المجتمعات من الداخل. لم ينتبه الليبراليون الجدد إطلاقاً إلى أن العراق يتكون من أكراد وعرب وسنة وشيعة وقبائل وعشائر، وبالتالي كيف بحسب هذه التشكيلة سيمكن مواجهة السؤال التالي: صون الوحدة الوطنية إذا ما انهار نظام الاستبداد!. برأيي إن الأميركي حرر العراق صحيح، ولكن أيضاً حرر تناقضاته. إن عملي الأساس يجب أن يكون في هذه المنطقة تحديداً، في هذه الجماعات المتشكلة سوسيولوجياً، وليس أن أكون مع أميركا أو ضدها. علينا أن نحذر من الوقوع مرة أخرى في أشكال مختلفة من الوعي القومي العربي أو الوعي الإسلامي القائم على الخير والشر، الصح والغلط. علينا أن نفكر في المجتمع، في الطوائف والأعراق بدلاً من الركض وراء الترسيمات الأيديولوجية هذه.
المجتمعات أكثر سوءاً من أنظمتها
لم يعد مقنعاً مجاراة الهتاف الشعبوي السائد.. نحن شعب عظيم ولاينقصنا سوى رحيل هذا الحاكم المستبد. أنا لا أصدق ذلك، وبنظري إن نقد النقد لايبدأ بنقد السلطات والأنظمة، كائنة ما كانت درجة سوئها، إنما بنقد المجتمعات. أنا أفترض اليوم أن تجربة إيران الإسلامية التي تحمست لها كثيراً في بدايتها تجربة سيئة، لكن بنظري إن المجتمع الإيراني أسوأ بكثير لأنه غير قادر على القطع مع هذه التجربة. لايمكن أن نأتي إلى السياسة في بلداننا انطلاقاً من الأنظمة إنما من المجتمعات. لو سألتني عن طموحي الآن حيال بلدان كثيرة، طبعاً منها لبنان والعراق والسودان، لقلت لك إن الأمر لايتعدى مسألة تقريب الناس إلى بعضهم، بحيث يصبح السني أقلّ سنية والشيعي أقل شيعية وهكذا الحال بالنسبة إلى المسيحي أن يصبح أقل مسيحية من أجل أن يتعايش الجميع بسلام في دولة واحدة. الشعارات الكبيرة لاتعمل شيئاً سوى تفجير التناقضات بين هذه الجماعات. إذا كنا نحن الآن، الثلاثة الجالسون على هذه الطاولة بيننا كل هذه الخلافات، فهل أزيد عليها قضايا أخرى تفجرها!. الشيء بالشيء يذكر، لدينا في لبنان 17 طائفة، فهل نأتي لهم زيادة على كل هذه التركيبة المعقدة نأتي بـ… مقاومة!. لا، هذا غير صحيح مثلما غير صحيح أيضاً لو أن طائفة معينة أرادت بين ليلة وضحاها عمل صلح مع إسرائيل غصباً عن أنف بقية الطوائف. هذه المجتمعات المركبة إنما تعيش بتقليل الأيديولوجيا لا بزيادتها. بتقليل الصح، كل واحد يستطيع أن ينام على الصح الخاص به في بيته، يهتف لأجله أمام امرأته وأولاده، لكن في الحياة العامة عليه أن يصل إلى تسويات مع الأطراف الأخرى في المجتمع. إلا إذا كان يريد تفجير مجتمعه ويضعه على حافة حرب أهلية. أعود إلى الفكرة الرئيسة، لايتعلق الأمر بكون أميركا سيئة أو غير سيئة، مع المقاومة أو ضدها، إنما يتعلق بقضية العيش المشترك بين عدد من الجماعات والطوائف. كيف ذلك؟. تلك هي القصة.
الدولة.. أزمة الحداثة الكبرى
* إذن أنت تتفق مع قسم من الليبراليين الجدد في مهمتهم الأساس التي تكاد تقتصر على مناهضة الأيديولوجيات الدينية وتحرير الاقتصاديات فيما يسكتون تماماً عن المسائل المتعلقة بتحديث الدول وضخّ المشروعية عليها.
– لا، أنا لم أقل لا توجد مشكلة مع الأنظمة. ولكن في حالة مجتمعات ممزقة تصبح المشكلة مع المجتمعات أكبر مما هي مشكلة مع الأنظمة. نعم لابد من الضغط على الأنظمة، ولكن من الذي يضغط!. إذا كان النظام مشكلاً من ظل طائفة إثنية معينة وأتى الضغط من طريق طائفة أخرى مقابلة، فإن الضغط ينقلب مباشرة إلى أزمة طائفية. فالذين من طائفة النظام، حتى إذا كانوا متضررين منه، سرعان ما يتحولون إلى الدفاع عنه معتبرين سقوطه خطراً عليهم. بالمناسبة هنا، أنا لست مع تحرير الاقتصاد مطلقاً. طبعاً لست مع التأميم لكنني أعتقد أن الدولة ماتزال مطالبة بأدوار اجتماعية كبيرة في مجتمعاتنا على مستوى التعليم ومكافحة الفقر. مرّة أخرى، هنا أيضاً الأمر لايتعلق بترسيمة أيديولوجية، أكون مع تحرير الاقتصاد أو… أكون ضده. فلو كانت هناك دولة حديثة تراقب ماذا يحدث بالضبط في القطاعات الاقتصادية المربحة، وتراقب كيف يرتد العائد الربحي من قطاع ما لمصلحة المجتمع ككل، جيد ذلك.. أنا مع تحرير الاقتصاد. لكن أن يأتي التحرير لصالح بعض ”النصّابين” فقط، لا أنا ضد ذلك طبعاً. هنا أيضاً، أكرر لابد أن ننظر إلى الأمر من دون يافطة أيديولجية عامة. لكن الأساس في كل هذا، هو بناء الرابطة الوطنية وإقامة الدولة. الدولة لاتعني أنها أداة قمع فقط، ففيها خدمات أيضاً وهي الذي تؤمن السلم الاجتماعي. برأيي أزمة الحداثة الكبرى في العالم العربي، هي أزمة الدولة. لم نتصالح بعد مع مسألة الدولة.
عظمة الشعب.. خرافة الخرافات
* ربما نهجس هنا بأسئلة مردها إلى واقع محلي أساساً. فتقاعس الليبراليين أو من يصنفون أنفسهم على هذا التيار عن تأمين خطاب لهم يحقق تمايزاً بينهم وبين الأرضية التي تقف عليها السلطة خلق موقفاً اجتماعياً مناهضاً ضدهم من قبيل أنهم يحابون السلطات القائمة ويسكتون عن التفكير في مشروعيتها.
نعم، لكن حين تكون المجتمعات بهذا المستوى من التردي السياسي والاجتماعي فإن الضغط والمطالبة بالإصلاح يخفّان تلقائياً على الأنظمة. الإصلاح مسألة تخرج من المجتمعات وتطالب بها الأنظمة. ولكن المجتمعات حالياً، الصوت الأعلى فيها ليس صوت المطالبة بالإصلاح. قد يرتفع صوت من هنا أو هناك من طريق بعض النخب الصغيرة، ولكن الصوت الأعلى في مجتمعاتنا هو صوت محطة ”الجزيرة”. في هذه الحالة، أنا أتمسك بالأنظمة وأصير خشبة خلاصها. ليس معنى ذلك أنني معجب بها، ولكن ماذا أفعل إذا كانت الأكثريات الشعبية العربية مؤيدة لصدام حسين أو أسامة بن لادن أو لقنبلة نووية في إيران؟ في هذه الحالة، أنا مع الأنظمة قياساً بهذه الخيارات. أنت تريد أن تختار أيضاً بناء على المعطى الموجود في الواقع. دعني أقول لك شيئاً، أنا آت من تجربة اسمها الحرب اللبنانية. حين اندلعت الحرب كنتُ يسارياً وكنتُ ممن يظنون حسب الخرافة الشعبوية أن الشعوب عظيمة والأنظمة تقمع عظمة الشعب. لكن حين انهار النظام وخرج المجتمع رأينا تحديداً ماذا عمل، الذبح على الهوية والقصف العشوائي وكلّ النذالات. من هذا المنطلق، أعتقد أن الأنظمة قيد على غرائزية المجتمعات، ذلك أن مجتمعاتنا لم تتعد بعد المرحلة الغريزية. نعم في بريطانيا أنا أقف مع المجتمع البريطاني ضد النظام، لأنني أعرف أن الشعب إذا رفع الغطاء عن نظام ما فإنه يأتي بنظام أحسن منه. لكن في مجتمعاتنا الأمور لا تسير هكذا. لنكن صريحين في مواجهة حقائق مجتمعاتنا، نحن لم نعرف شيئاً اسمه المجتمع السياسي، كنا طيلة تاريخنا إما عرباً أو موالي، شعوبيين أو غير شعوبيين، سنة أو شيعة، ولا مرة واحدة تم تقديمنا بوصفنا أفرادا مواطنين. سنغرق في الدم إلى الرقاب إذا أسقطنا أنظمة سيئة، وأفسحنا المجال لغرائزية المجتمع.نتأنت
* من هذا المنطلق ما تعليقك على من ينتقدك شخصياً ويقول إنك على صراحتك في نقد الظواهر السياسية المحدقة إلا أنك تغض الطرف تماماً عن الأيديولوجيا الخليجية، فيما تحظى الأيديولوجيا الإيرانية بقصف شبه يومي في كتاباتك. ألا يهجس ذلك بنوع من الازدواجية؟
بطبيعة الحال، أنا لست معجباً بالأيديولوجيا الخليجية ولا أتصور أن في ما أكتبه من قيم وأفكار فيه امتداح للإيديولوجيا الخليجية من قريب أو بعيد. كتبت كثيراً عن مساواة المرأة بالرجل وعن رفض حكم الإعدام والعنصرية والعبودية، إضافة إلى كتابات ضافية في نبذ التعصب، وهذه كلها على ما أعتقد قيم حديثة وتفترق في المطلق مع ما تسميه الأيديولوجيا الخليجية. إنما هناك فارق أساسي بين التركيبة الخليجية من جهة، التي هي عنصر استقرار إقليمي حالياً، وبين التركيبة الإيرانية التي هي عنصر تفجير إقليمي. هذا شيء أساسي، هناك مئة مأخذ لديّ على الأيديولوجية الخليجية، ولكنني أعدها أقلّ خطراً، أو على الأقل لاتمثل تهديداً داهماً. الخطر الداهم تمثله يقظة إيديولوجية إيرانية ثورية تهدد تركيبة الخريطة السكانية والاجتماعية والدول في المنطقة. بهذا المعنى، فالخطر هنا إنما لا أقول إن غير إيران عسل وسكر، ولكن أقول إن الخطر الأساسي حالياً هو هنا.