حوار مع حازم صاغية2

الدولة هي الأمة ولا مبرر لوجود «وطن عربي» أو «أمة عربية» 3-2

الوقت – حسين مرهون، علي الديري:

في مطلع الثمانينات كان حازم صاغية واحداً من بين جمهرة شبان يافعين ممن أطلقوا قبضاتهم في الهواء هاتفين بحياة ثورة إيران الخمينية وحياة قائدها الروحي روح الله الخميني. لكن زخم الهتاف لم يدم طويلاً، إذ لم تكد تنقضي أشهر قليلة حتى كانت القبضات تتراخى تحت وطأة انكسار أفق التوقع وسرعان ما أتى الطلاق. الأمر نفسه كان من نصيب تطواف له سابق على ذلك – وهتافات وقبضات حماسية لقائد شعبي يروح وقائد يجيء! – حَرَثه ما بين الورشتين البعثية فاليسارية. الآن، فإن قبضات حازم لم تعد تهتف بشيء. قال ”انتهت الخرافة.. الشعوب ليست عظيمة، إنها أسوأ من الأنظمة بكثير”. حديثاً جداً عاد ليستقرّ في عاصمة بلده (بيروت) بعد إقامة طويلة دامت نحو العقدين في مدينة الضباب (لندن). يبدو متخففاً كثيراً من ”روشتات” الوعد والخلاص، ”الروشتة” الوحيدة المتبقية لديه والتي تمثل اليوم أقصى مطمح عنده ”تقريب الناس إلى بعضهم، يصبح الشيعي أقلّ شيعية والسني أقلّ سنية، ومثل ذلك المسيحي” لا أكثر أو أقل. ”الوقت” التقت بحازم صاغية على هامش زيارته إلى البحرين أواخر الأسبوع الماضي بدعوة من جمعية المنتدى، وفيما يلي الحلقة الثانية من الحوار معه:

أشرت في سيرتك الفكرية إلى موقف طريف حصل مع أستاذة علم الاجتماع حين ردت ورقة لك وراحت سائلة إياك: ”ماذا تفعلون لو لم تستطيعوا إقناع الفئات المستفيدة من الوضع القائم؟” وكان أن أجبت: ”نصفّيها” [1]. بدا هذا الموقف أن لديك موقفاً أسطورياً من الشعوب آنذاك إضافة إلى أيديولوجيا مستعدة لأن تصفي كل من لا يقف معها. ألا ترى أنك الآن تقوم باسترجاع الدرس نفسه في طريقة دفاعك عن القناعات المستجدة؟

– النقلة الأساسية التي حصلت على الصعيد الشخصي هي مبارحة الوعي الإيديولوجي. فهذا الأخير ينطلق من فكرة ويريد تطويع الواقع وفقها. كانت الفكرة عهد ذاك تقول إن الأنظمة رجعية وعميلة فيما الشعوب على العكس، عظيمة ولها مصلحة في التغيير والتقدم. وكان الوعي تبعاً لهذه الفرضية يعد العنف مبرراً، فلا بأس – فيما لو افترضت الآن أنني أمثل حزباً أيديولوجياً يهتف باسم الأمة وباسم حاجتها إلى التقدم والحداثة – من قتل خمسة آلاف إنسان إذا كان ذلك سيكون في سبيل تقدم الملايين. حالياً أنا لا أقول بذلك، لا أنطلق من فكرة إنما من الواقع ومن معاينة دقيقة لمجتماعتنا. أرى أولا وقبل كل شيء ماذا تفرز هذه المجتمعات؟ هل تريد التقدم فعلاً!؟

في نظري لا، مجتمعاتنا لا تريد التقدم. خذ مثالاً على ذلك، فلدى انتهاء الحقبة الكولونيالية ترك الاستعمار عدداً من البرلمانات وعدداً من الإدارات الأولية والمدارس وسكك الحديد وخطوط المواصلات. فماذا فعلنا بهذه الأشياء؟. دمرناها جميعها. لا أقول إن الاستعمار جيد، أقول كان هناك قمع، صحيح ذلك لكن كانت هناك إنجازات. أقول أيضاً إنه لم يقم بهذه الإنجازات لسواد عيوننا، إنما كان يستهدف مصلحته في الأساس، فالمدارس لتخريج كوادر يدير بها مشاريعه، وخطوط المواصلات لتمرير سلعه إلينا، ولكن حتى في ذلك كانت هناك ثمة فائدة مشتركة. في المقابل، حين زال الاستعمار ما الذي حصلنا عليه؟. لا شيء إطلاقاً. والمشكلة لم تكن مشكلة أنظمة، فالمجتمعات هي التي قامت بانقلابات، أطاحت أنظمة واستبدلتها بأخرى، وكان أول ما فعلته هو تدمير البرلمانات والبنى التحتية الموجودة.

فإذا كانت مجتمعاتنا قد فشلت في المحافظة على الإنجازات التي بحوزتها، هل تريد مني اجتراح المعجزة وأذهب هاتفاً في سبيل الانتقال إلى الفجر الاشتراكي أو الإسلامي أو أو؟ إن ذلك أقصر طريق إلى الفوضى العارمة. وهنا أقول بناء على كل ذلك، إنني ربما كنت أبعد من ليبرالي، محافظاً ربما. محافظ كوني أريد التقدم ببطء شديد، بالشعرة لو أمكن أو بالملليمتر. وكلما حققتُ ملليمتر تقدم لابد أن يكون قد سبق ذلك استعداد اجتماعي. وإلا نصبنا أنفسنا نخبة أو طليعة كما لو كنا نعرف مصلحة الناس غصباً عنهم. في المقابل أقول أيضاً، إن الأنظمة الموجودة ليست عظيمة، لكنها تاركة إلى حدٍّ ما هامشاً معقولاً من الحريات، مع وضع ألف خط تحفظ هنا. ومن أجل أن يزيد هذا الهامش أو يتحسن لابد أن يحصل شيء في المجتمع ينم عن أنه يريد أكثر، يريد أكثر تقدم وليس أكثر فوضى.

ننام ونصحو على فرق ديمغرافي بالملايين

قلت – في الحلقة السابقة – إن ”المجتمع السياسي” لم ينوجد في الاجتماع العربي طوال تاريخ ممارستهم السياسية. السؤال هو إلى أي حد يرتبط وجود هذا المجتمع بفكرة الدولة؟ ثم كيف يمكن الحديث عنه في ظل تعددية الطوائف بحقائقها المطلقة الشتى؟

– هناك ثورتان حصلتا على هذا المستوى ونحن مطالبون إزائهما بموقف ثقافي قبل أن يكون سياسياً أو ينعكس على الحقل السياسي. وهما أولاً فصل الدين عن الدولة، والانتباه إلى أهمية الدولة ثانياً. نحن طوال تاريخنا كنا نتحايل على الدولة. ننام ونحن أمة عربية لنصحو على أمة عربية إسلامية. كيف حصل ذلك؟. لم يسأل أحد عن ذلك رغم أن الفرق بين الصيغتين هو 800 مليون نسمة. نحن المجتمعات الوحيدة في العالم التي الدولة فيها شيء والأمة شيء آخر. نقول الوطن البحريني في الوقت ذاته الذي نقول الوطن العربي.

ماذا يعني الوطن العربي؟. بنظري هو شكل من أشكال التحايل على الدولة القائمة، وإلا فإن الدولة هي الأمة، هي الوطن. نقول أيضاً.. قطري. ماذا يعني قطري؟. هل هناك كلمة في أي من لغات العالم ترادف هذه الكلمة عندنا!. الدولة دولة، ليس ثمة دولة قطرية وأخرى غير قطرية، نقطة على السطر. كل هذه الصيغ عبارة عن نماذج احتيال حتى لا يتم الإقرار بواقعة الدولة التي هي قاطرة الحداثة الأولى والأخيرة. تعال تحدث عن حقوق الإنسان والتقدم وحريات المرأة واصمت عن الدولة، أقول لك إن هذا الطريق لا يمكن أن يفضي إلى شيء. في المقابل، ابدأ بالدولة، بنهائيتها ومرجعيتها أقول لك.. إن هذا هو الطريق الذي يوصل إلى حقوق الإنسان والتقدم وحريات المرأة.

المشكلة أننا شعوب مفصومة الوعي، فالواحد منا لا يعرف ما إذا كان لبنانياً أو عربياً أو مسلما أو مسيحياً أو ابن قبيلة أو أو أو. هذه الأشياء كلها جيدة، إن شئت، ولها الحيز الخاص بها. لكن في الحيز السياسي، أنت بحريني فقط، وإن كنت لبنانياً فلبناني أو إيطالياً فإيطالي، أي لست مسلماً ولا سنياً أو شيعياً أو عربياً. تستطيع في حال كنت مسلما مثلاً أو مسيحياً أن تذهب إلى المسجد أو الكنيسة، كما أنك حر في أن تعمل ما شئت من العلاقات اللاهوتية مع أي مسلم أو كاثوليكي آخر، أو أن تقول إنك تنتمي إلى فضاء ثقافي إسلامي أو مسيحي.

كما تستطيع أيضاً أن تحب عائلتك أو عشيرتك بأي حجم تريد، لكن كل هذه الأشياء لا علاقة لها بالسياسة. في السياسة أنت لست أيّاً من هذه الأشياء، فأنت بحريني فقط.. لبناني فقط.. إيطالي فقط. يجب الفرز بين هذه المستويات جميعاً. هذا الفرز لا يمكن أن يحدث ما لم يتم الإقرار بواقعة الدولة ونهائيتها.

ألا ترى أن فرز المستويات مطلب مثالي يقترب من مثالية المطالب الأيديولوجية السابقة؟

– هذا ممر إجباري للتقدم، أي لا يوجد مهرب. أول شيء عمله الفكر السياسي الأوروبي، هو أنه حسم الأمر مع واقعة الدولة وسلّم بنهائيتها. أنا لا أطالب بالفرز، إنما التخفيف من الضباب والفوضى. على الأقل نبدأ باستعمال المصطلحات استعمالاً سليماً. هل من المعقول أن آتي لعمل خطة اقتصادية من واقع دولة اسمها البحرين، وكذا عبارة .. ”وطن عربي”. أي أن ما أعمله بيدي اليمين أقوم بنسفه من طريق يدي اليسار، كما لو أنني أؤسس لنفسي ما أصنعه في الواقع!. حسناً، إذا كانت القصة تتعلق بوطن عربي، فلم إذن كل هذه الدول الموجودة. لم أخطط لها ولاقتصادياتها، تعليمها ومواصلاتها.

بلْع الدول مصنع العنصرية

هل يُفهم من مطابقتك بين الدولة والأمة شيئاً شبيهاً بأحاديث جورج بوش عن ”الأمة الأميركية”؟

– نعم حتماً. وهذا لايعني العنصرية بأية حال.. إطلاقاً. في نهاية الأمر، أنت لا تستطيع العيش من دون مكان محدد في حين على العكس، التغافل عن مسألة الدولة هو الذي يؤسس لنشوء النزعات العنصرية والشوفينية. فحين يأتي صدام ويبلع الكويت أو حين تبلع سوريا لبنان تحت شعارات من نوع ”الأمة العربية” أو ”الوطن العربي الواحد” أو ”إعادة الفرع إلى الأصل” فإن ذلك هو الذي يستولد العنصرية. هل تعلم أن المواطن المصري كان بمثابة ”المعبود” لدى الشعب اليمني، لعوامل عدة بينها مساهمة المدرسين المصريين على مستوى نشر التعليم في اليمن ما أدى إلى الاحتفاظ له بمودة عظيمة، إلى أن قام جمال عبدالناصر بالتدخل العسكري في اليمن (1967). بعد ذلك أخذت الأمور منحى عكسياً. وكما ترى فإن عدم الإقرار بواقع الدولة، هو مصنع كل عنصرية. إن دوام الخوف لدى الدول الصغيرة من احتمال بلعها مرة بعد مرة من قبل دولة جارة أكبر منها، لايؤسس لوضع صحي إطلاقاً، بل إلى التكاره والعنصرية المتبادلة، كونها لاتحقق إشباعاً وطنياً للدول الأصغر. إذا لم تحقق الدول هذه إشباعاً من هذا النوع تظل المشكلة قائمة.

هل الدولة – الأمة وفق المفهوم الذي تدافع عنه قائمة على أساس صهر مكونات المجتمع في أمة واحدة أم العكس، أمة واحدة ذات مكونات متعددة؟

– لا، إن عملية الصهر القسري انتهت منذ بسمارك (1825 – 1898). ما أدافع عنه يتناسب مع ما يسميه الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (1929) المواطنة الدستورية. أن نقر أننا ننتمي إلى بلد واحد، نخضع لقانون واحد، نعامل معاملة واحدة كمواطنين، ونتساوى بطريقة ما في مسألتي التعليم والإنفاق [2]. أي من دون صهر أو محو للخصوصيات. ففي بريطانيا يمكنك أم تكون كاثوليكياً أو بروتستانتياً أو هندوسياً أو مسلماً، ولكن هناك الجامع المشترك، وهو الفضاء العام. ببساطة، فأنا لن أتدخل في حياتك ما دمت ببيتك، ومثل ذلك أنت لن تتدخل في حياتي ما دمت ببيتك، لك ولي أن نعمل في بيتينا ما نشاء، لكن الطريق الواقعة في الخارج هي طريق مشتركة بيننا. وبالتالي فلا بد من إرجاعها إلى مرجعية واحدة، هي مرجعية الدولة. أما إذا كنت سأعمل الطريق مسلمة كوني مسلماً، وجاري سيعملها مسيحية كونه مسيحياً، فلن يعود هناك طريق ساعتئذ. هذا الطريق ينتمي إلى الدولة، محل التآصر بين الجماعات، المحل العام، وبالتالي فلا يمكننا أن نصبغه بصبغة جماعة معينة.

لا أجد الخبز.. فكيف أسأل عن السلمون

هل المواطنة الدستورية شرط الديمقراطية التوافقية؟

– لا، المواطنة الدستورية تأتي قبل الديمقراطية التوافقية. هي شرط البقاء على قيد الحياة حالياً باعتبارنا أناساً حديثين. من دون وطنية دستورية لا توجد حياة.

لو عرّفنا الديمقراطية على أساس أنها ضمان حرية الجدل السياسي. ما الذي يجعل من الجدل السياسي اللبناني الجاري اليوم جدلاً لا يخدم فكرة الديمقراطية ولا فكرة الدولة رغم وجود حيز كبير لحرية النقاش إزاء المسائل المطروحة؟

– هناك مشكلة نواجهها باستمرار في مجتمعاتنا، وهي نقل تناقضات مجتمعات معينة إلى مجتمعات أخرى. فالجدل مثلاً كلمة موجودة لتوصيف علاقة أحزاب وأيديولوجيات بعضها ببعض. في لبنان ومثل ذلك في معظم الدول العربية لاتوجد أحزاب حديثة، هناك أديان وطوائف وإثنيات. الأمر الذي ينتفي معه وصف النقاشات التي تدور على المستوى السياسي ”جدلاً” ديمقراطياً. ألفت بالمناسبة هنا إلى أنني لست عاشقاً للديمقراطية في البلدان العربية. أنا، إن شئت، عاشق للبقاء على قيد الحياة. فقبل الديمقراطية هناك مهام سابقة لا مناص من إنجازها. وفي حال بلد مثل لبنان لا يوجد لدي أي مانع – لو أن المؤسسة العسكرية كانت موحدة – من أن تمسك بالبلد فتعطل الديمقراطية قليلاً، لكن شريطة أن تمنع الحرب الأهلية. للأسف فإن الجدل الدائر في لبنان ليس جدلاً صحياً أو ديمقراطياً بتاتاً، ما يحصل هو جدل حرب أهلية. وما إن يصبح الخيار خيار حرب أهلية، فمن يتكلم عن الديمقراطية ساعتذاك!. الأمر يشبه تماماً لو أنك لم تكن قادراً على تأمين كسرة خبز لإطفاء جوعك فتقوم رافعاً من سقف تطلبك أنك تريد سمك ”سلمون” أو ”قريدس” أو أو أو. نحن مجتمعات مهددة بالفناء لأننا لم نخرج بعد من مرحلة الطوائف والإثنيات إلى مرحلة الدولة. ”على رأسي…” كل النقاشات التي تدور بشأن الديمقراطية الدولة أولى هذه المهمات. وأخشى أن تكون المبالغة والإمعان في هذه النقاشات نوعاً من الالتفاف عليها.

الدول عاكسة للانقسامات لا منتجة

هل يمكن أن يُفهم من كلامك نوعاً من القبول بواقع الدولة العربية القائمة حالياً مادامت تحافظ على الحد الأدنى من السلم وتلغي أو تؤجل الحرب الأهلية. ماذا عن مساهمة هذه الدولة نفسها في إعادة إنتاج الانقسامات الموجودة في المجتمع؟

– ليست الدولة التي تعيد إنتاج الانقسامات في هذه المجتمعات. هناك أوليات ذاتية قائمة في العصبيات والهويات الطائفية ومهيئة بشكل مسبق لمثل هذا الانقسام. بوجود دولة من هذا النوع أو من دون دولة، فإن هذه الهويات تمثل خطراً داهماً على كل عملية التمدن. نعم، حين تتوافر دول تمنع الحرب الأهلية فأنا مع هذه الدول. ثم بعد ذلك نفكر في كيفية بلوغ درجة أعلى من الانسجام الوطني وكيفية توسيع هامش الحرية والديمقراطية إلخ إلخ. ولكن الموجود حالياً، أقصد على مستوى المجتمعات، أقلّ من الطموح بكثير.

لكن كيف يكون مبتغاي الحفاظ على هذه الدولة ما دامت تقوم على أساس تشطير المجتمع واللعب على انقساماته؟

– سبق وأن قلت.. ليست الدولة من يعيد إنتاج الانقسامات الموجودة. المجتمع بما فيه من طوائف وإثنيات لديه القابلية المسبقة لذلك. في لبنان أوحت الدولة مرة بإمكانية الذهاب في اتجاه ”الزواج المدني” فأتى الرفض من جهة الطوائف لا من جهة الدولة.

لنأخذ الدولة الخليجة مثالاً، فأنت تعرف أنها قائمة على البنى القرابية بحكم التشكل القبلي للأنظمة الحاكمة. وهي بنى تتشكل على روابط الدم ضاربة بذلك في البدائية أكثر من الطوائف التي هي على الأقل تتشكل بناء على المعتقد، كائناً ما كان الموقف من هذا المعتقد.

– حسناً، لكن هل الدولة الخليجية هي التي اخترعت البنى القرابية أو أنها عكستها فقط!. ثم هل التحلل من البنى القرابية أيسر في نطاق الدولة أو في نطاق المجتمع!. في نظري، إن التوصل إلى تسوية مع الدولة في مسائل التحديث والحداثة أيسر من التوصل إليها مع المجتمعات الهائجة. المجتمعات تقبل بفكرة التسوية ولكنها تريد الحد الأقصى منها، فالسني يريد أن يسنن العالم، ومثل ذلك الشيعي يريد أن يشيع العالم، وكلاهما لديه حقيقته المطلقة. والمجتمعات التي لاتقبل بالتسوية، بل تقبل بفكرة التسوية، تريد حداً أقصى. الدولة مهما كانت سيئة أو مترددة، لكن هي المكان الوحيد لعقد التسويات. قد لاتكون التسويات عادلة اليوم ولكن في مناخ سلمي ومطمئن يمكن تصحيحها بقليل من عمل سياسي وقليل من عمل ثقافي وقليل من عمل إعلامي. الدولة في نظري هي مشروع إن لم يكن إلغاء فتأجيل الحرب الأهلية. بقدر مايكون أداؤها جيداً على هذا الصعيد نقول.. ”إلغاء” وبقدر ما يكون سيئاً نقول.. ”تأجيل”. أما المجتمعات فهي أفران حرب أهلية. حين تقوم الدولة بعمل برنامج تعليمي تضع في اعتبارها وجهات نظر الجماعات. لكن تعال انظر إلى مدارس الطوائف، وقل لي ماذا تعلم؟. تعلم الرواية الدينية للطائفة نفسها. حسناً، كيف لنا العيش مواطنين في مجتمع واحد إذا كنت أقرأ في الكتاب الديني إن عمر بن الخطاب كان على حق والإمام علي على باطل، أو العكس إذا كان الكتاب كتاب طائفة أخرى، الإمام علي على حق وعمر بن الخطاب على باطل. في نظري، لابد من تأليف رواية فيها تسوية، أن الاثنين كانا على حق مثلاً، والاثنين غلطا، وإلا فإن الحال لاتمشي. الدولة هي التي يمكنها عمل هذه التلفيقة المطلوبة والضرورية، لكن الطوائف لاتعمل. فلكل جماعة روايتها، وهذه الرواية محكمة من الألف إلى الياء. الأمر الذي يتعذر معه عمل أية تسوية.

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=108241

هوامش:

[1] يروي حازم صاغية في سيرته الفكرية ”هذه ليست سيرة” الصادرة عن دار الساقي 2007 عن موقف طريف حصل له مع أستاذة علم الاجتماع الكندية في سنوات الجامعة ”فقد ردت لي ورقة المسابقة ملأى بالدوائر الحمراء التي خطها قلمها حول تعابير استخدمتها. فحول ”خط التاريخ” وضعت دائرة وكتبت على هامشها: ”هل خط التاريخ في جيبك؟”، وحول ”بروليتاريا” وضعت دائرة أخرى وكتبت: ”كلمة عامة لم تعد صالحة”، وهكذا دواليك”. ثم يقول ”وإذا احتججت واندفعنا في مهاترة هادئة الشكل عاصفة المضمون، سألتني: ”ماذا تفعلون لو وقف ضدكم غالبية الشعب؟”، فقلت: ”نحاول إقناعها بأن نعزل الفئات المستفيدة من الوضع القائم”. وإذا أصرت وكررت سؤالها: ”وماذا لو لم تقتنع؟”، أجبت بشيء من الحسم يغالبه التلعثم: ”نصفيها”. هنا أدارت وجهها عني وتوقف السجال”.

[2] يذهب هابرماس إلى ضرورة تجاوز الصيغ الكلاسيكية لبناء الهوية الوطنية، وذلك من خلال الاعتراف بصيغة ولاء مستحدثة هي الأنسب للمجتمعات التعددية، ويسميها ”الوطنية الدستورية” وهي صيغة من صيغ ”ما بعد القومية” يتركز فيها ”الولاء الوطني” patriotic loyalty، على ”مبادئ الدستور” التي هي مرجعية الولاء بدلاً من المقولات الخلافية التقليدية من قبيل القومية والطائفة والتراث والثقافة والتاريخ المشترك وغيرها. وبحسب هابرماس فإن هذه الوطنية هي الأكثر توافقاً مع متطلبات مجتمع متعدد الثقافات، وهي أساس نافع ومفيد لبناء التوافق الوطني. (المصدر: من ورقة بعنوان ”معضلة الولاء في الدولة الحديثة” للدكتور نادر كاظم).