حوار مع ابتسام الكتبي

ابتسام الكتبي لـ«الوقت»: المجتمعات الخليجية أكثر حداثة من نخبها الحاكمة
الإصلاحات في الخليج رهن أسعار النفط.. والمطلوب رهنها بإطار ثقافي

الوقت – حسين مرهون، علي الديري:
وصفت دائماً أنها راديكالية وصاحبة مواقف متشنجة. رغم ذلك فإنها مقتنعة إن صوتها ليس فريداً وتتشارك معها فيه نخب كثيرة. غير أن ابتسام الكتبي تقول مستدركة ‘’الاختلاف الوحيد يكمن في أن صوتي أكثر جرأة’’. عندما كانت في الثانوية العامة سمعت لأول مرة عن ‘’الجبهة الشعبية لتحرير البحرين وعمان’’، وحين سافرت للدراسة في القاهرة أتيح لها تكوين علاقات رفقة مع الشبيبة البحرينيين من منتسبي الجبهة والأعضاء في الاتحاد الوطني لطلبة البحرين – فرع القاهرة، في الوقت نفسه. تقول ‘’شكلت هذه الرفقة البواكير الأولى لتنشأتي السياسية’’. وآنذاك كانت مدينة القاهرة ولاتزال تنبض بدقّات وعي قومي عريض خلفته الحقبة الناصرية. والحال فقد تواءم هذا مع تنشئتها الأولى لينتج في المحصلة حماساً ضافرياً حيال قضايا كان يندر المتحمسون لها في البيئة التي يصدر عنها صوتها. مع نهاية عقد التسعينات أكملت كورس التنشئة السياسية بنيلها درجة الدكتوراه في فلسفة العلوم السياسية، فعادت إلى بلدها الإمارات ليبدأ كورس التجريب وامتحان الحصيلة المعرفية التي راكمتها على ضفاف الرفقة البحرينية والدرس في قاعات الأكاديميا معاً. فكانت مواقفها تتدفق جائلة عبر أثير الفضائيات وهادرة بالقضايا المطروحة على الدولة الخليجية وضرورات التحديث السياسي. الآن تشغل الكتبي كرسيّ العلوم السياسية بصفة أستاذ مساعد في جامعة الإمارات، داعمة بذلك ظهورها الإعلامي بالسجالات اليومية مع الطلبة التي تعوّل عليها كثيراً. قالت ‘’تأسيس ثقافة الانتخاب أهم من صندوق الانتخاب نفسه’’. ‘’الوقت’’ التقت بابتسام الكتبي على هامش تقديمها ندوة في البحرين قبل نحو أسبوعين بدعوة من جمعية المنتدى. فيما يلي مقتطفات من الحوار معها:
ينظر إليك بوصفك صاحبة صوت راديكالي بعد كل مواقفك الصريحة الموجهة حيال نقد النخب الحاكمة في الخليج. دعينا نفهم بداية البيئة الثقافية التي ينبثق منها صوتك. هل هناك في تراث عائلتك مثلاً، ثقافة سياسية دعمت ولادة هذا الصوت؟
– لا أستطيع أن أدّعي هذا الشيء. ليس في عائلتي فقط، إنما حتى في عموم بلدي الإمارات. ليس ثمة تراث سياسي على غرار التراث الموجود في البحرين بالنسبة إلى وجود عوائل تشتهر بالمعارضة أو حتى بالنسبة إلى وجود ثقافة سياسية عامة لابأس بها. لكن أستطيع أن أقول إن هذا الصوت بدأ في التشكل في مرحلة الثانوية، حين كنت أتابع أخبار الجبهة الشعبية لتحرير البحرين وعمان. في الواقع، أدين إلى الجبهة بتشكل بدايات وعيي السياسي، وقد تأكد هذا العامل لدى ذهابي إلى الدراسة في مصر واحتكاكي بالطلبة البحرينيين الأعضاء في الاتحاد الوطني لطلبة البحرين – فرع القاهرة. في العلوم السياسية يتم دراسة مفهوم اسمه ‘’التنشئة السياسية’’، وهو يتوجه من بين ما يتوجه إلى جماعة الرفاق المحيطين بوصفهم مؤثراً في عملية التنشئة. وهو ما كان عليه حالي بالنسبة إلى علاقتي مع الجبهة والطلبة البحرينيين. زد على ذلك، أن مصر كانت تغلي آنذاك. فحتى مرحلة الثمانينات كان لا يزال البعد القومي طاغياً. كنت أشاهد التحركات الشعبية، المظاهرات وطرق التعبير العامة وكنت أتأثر. توافق ذلك مع وجود تيار بين الإماراتيين أقرب إلى الأيديولوجية اليسارية. كل هذه الأمور شكلت البيئة الثقافية والسياسية التي وجهت قناعاتي لكي تسير في اتجاه معين، أنت سميته ‘’راديكالياً’’.
إلى أي درجة يمكن القول إنك معارضة؟
– في المجمل، لا أحبذ تعريفي على جهة أنني معارضة. لكن إن شئت، فأنا معارضة فقط للسياسات التي لا تدفع باتجاه وجود دولة القانون والمؤسسات والحريات والمواطنة. أرى من غير المناسب في هذا العصر أن تظل دولنا محكومة بالمنظومة التقليدية السابقة نفسها. معارضة أيضاً لكلمة ‘’تدرج’’ التي أرى أنها تستخدم من أجل عمل فرملة لعمليات التغيير، كما لو أن شعوب الخليج غير شعوب العالم قاطبة أو أنهم الوحيدون الذين لا يمكن لهم أن ينضجوا. رغم أنهم من بين أكثر الشعوب العربية تعليماً، وتكاد تنعدم فيهم الأمية. وحتى في الحداثة التكنولوجية، فالدول الخليجية هي الأكثر تحديثاً.
لست وحيدة لكنني الأكثر جرأة
لكن كان لديك تصريح سابق تصفين فيها الشعوب الخليجية بأنها شعوب ‘’حديثة’’ عمرياً بمعنى أنها ليست بعراقة شعب مثل شعب المصري. على صلة بذلك أن الحداثة التي تشيرين إليها ليست نتاج عملية تاريخية، وهي ارتبطت بظهور النفط. الأمر الذي يدفعنا إلى سؤالك عن: إلى أي حد يمكن التعويل على الثقة بهذه الشعوب التي سبق وأن وصفتها بأنها أكثر من حداثة النخب الحاكمة؟
– حسناً، لن أسميها حداثة أو أي شيء لكن أسميها خلخلة. لقد عمل النفط على خلخلة العلاقة بين المجتمع الخليجي والنخب المهيمنة لصالح الأخيرة. في الفترات التاريخية السابقة لظهور النفط، صحيح كان ثمة شعور اجتماعي سائد عن الحاكم بوصفه أباً أو راعياً لكن لم يكن ثمة خنوع. أيضاً، الملكية لم تكن موجودة بالشكل الذي نجدها فيه اليوم: ملكية الأرض ومن عليها. كان هناك نوع من التشاور ولم يكن المجتمع ملغىً بشكل كلي. لكن كل ذلك غدا موجوداً اليوم بفعل الثورة النفطية التي أنتجت نوعاً من الاكتفاء لدى الحاكم يكون قادراً معه على الاستغناء عن المجتمع. لذلك تجدني أكرر باستمرار أن النخب الخليجية قد أخذت بكل أسباب الحداثة التكنولوجية والاقتصادية، في حين وقفت عاجزة أمام الحداثة السياسية. فهنا فقط يجري الإلحاح على أن هذا لايتناسب مع قيمنا العربية أو الإسلامية. شيء محير جداً، تجد أن السلط القائمة، الخليجية أو حتى العربية، تشجع شعوبها على الخروج في مظاهرات منددة حين يجري المس ببعض الرموز الدينية. لكن هذه الدول نفسها لا تستنكف من قمع شعوبها حين تتوجه المظاهرات إلى المطالبة ببعض الحاجات اليومية الملحة، الحريات أو ارتفاع الأسعار أو ما شابه.
هل يجد خطابك مقبولية لدى النخب الإماراتية أو هل استطاع أن يخلق له أرضية للحوار مع المشتركين في القناعات نفسها؟
– خطابي ليس فريداً، هناك الكثير ممن يحملون هذه الأفكار، إنما الفرق بيني وبينهم هو أنني أجهر بصوتي. جزء من الإشكال الذي يقع فيه المثقفون هو أنهم يريدون أن يكونوا مثقفي السلطان وفي الوقت نفسه مثقفي الشعب. لا، هذا غير ممكن برأيي، لا بد من اختيار مكان بين المكانين. أستطيع أن أزعم أن هناك تياراً يتعاطف معي، لكنه لايجد وسيلة للتواصل. ليس ثمة قنوات لذلك، غير الكتابة في الصحف أو الظهور في التلفزيونات، لكن طبعاً خارج نطاق الصحف والتلفزيونات المحلية لأنها لاتسمح بتمرير الأفكار التي تنوي تمريرها بحرية.
ثقافة ديمقراطية ممنوع أن تسود
كيف وجدت كتاب ‘’رؤيتي’’ لحاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي على أساسه قامت مدينة دبي. هل تتفقين مع بعض النقد الموجه بشأن أنه عجز عن رؤية التحديث السياسي الذي على أساسه ينبغي أن تكون المدينة قائمة؟
– لقد أنجزت دبي الكثير في المجال الاقتصادي لكن من دون أي منجز سياسي. ربما لأنها تسير في ذلك على خطى النموذجين الكوري والصيني في التنمية. إذ كلا النموذجين يقومان على تحديث اقتصادي من دون تحديث سياسي. دبي غير معنية أساساً بالسياسة، وهذا ليس من الآن. إنها لا ترسم لنفسها نموذج دولة سياسية، إنما دولة مفتوحة للاقتصاد. وفي الاقتصاد المطلوب هو الاستقرار من أجل جذب رؤوس الأموال لا أكثر أو أقل، أما السياسة فهي لا تتناسب مع ذلك.
لكن هل يمكن أن تكون هناك مدينة قائمة على تحديث اقتصادي من دون تحديث سياسي؟
– المشكلة أن سكان دبي قطرة في بحر عمالة أجنبية مائج، ناهيك عن مشكلة موازية تتعلق بضعف الثقافة السياسية. أضرب لك مثالاً، في السنوات الأخيرة جمع بعض السكان الأجانب المقيمين في دبي قرابة 20 ألف توقيع وأرفقوها بعريضة احتجاج نظراً لأن مستثمراً أراد بناء مبنىً كان سيحجب عنهم رؤية الشاطئ. وهو الأمر الذي لم يجرؤ أحد من الإماراتيين على فعله. هذا لا يعني أن ليس لدى الإماراتيين مطالب ملحّة، لكن ثقافتهم السياسية، فضلاً عن ممارستهم، لا تؤهلهم للتفكير في أسلوب العرائض كوسيلة من وسائل الاحتجاج أو المطالبة. في حين أن معظم العمالة الأجنبية آتية من بلدان ديمقراطية تعد فيها وسائل التعبير هذه بمثابة خبز يومي. ثمة مشكلة أخرى هنا، وهي أن هذه الثقافة السياسية الراسخة من غير المرجح أن تحدث تأثيراً لدى المواطنين الإماراتيين، على غرار مثلاً التأثير الذي أحدثته العمالة الفسلطينية في الكويت، كون الاحتكاك بين العمالة الأجنبية والمواطنين معدوماً. فالإماراتيون كما سبق وأن أشرت قطرة في بحر، ثم إن دبي تعيش في ما يشبه الكانتونات، حيث إن كل جالية معزولة عن الأخرى.
الانتخابات ليست كل شيء
عملت في فترات مختلفة في لجان لها علاقة بإعداد برامج أو مناهج تعليمية تتعلق بالثقافة الوطنية. هل استطعت أن تعكسين جملة أفكارك المتعلقة بالحداثة السياسية والثقافة الديمقراطية داخل هذه البرامج؟
– لا أستطيع القول إنني عكست الحداثة السياسية، لكنني سعيت إلى وضع معارف سياسية يكون مؤداها النهائي إيجاد نوع من التثقيف السياسي. معارف من قبيل عملية الانتخاب وأشكال أنظمة الحكم وأيها يمكن أن يكون ديمقراطياً وأيها لايكون انطلاقاً من أسس الأنظمة الديمقراطية. في منهج حقوق الإنسان مثلاً، جرى التركيز على الحقوق المدنية والسياسية من باب تعريف الطالب بحقوقه. في هذه الحدود كنت أمارس دوري، خصوصاً وأنه بالنسبة إلى منهج علمي فالواجب الأول هو الالتزام بالنظرية، أي أنك لايجب أن تصدر عن انطباعات أو آراء سياسية. تلك كانت وجهة نظري، وربما لو كان لدى آخرين وجهة نظر أخرى تصدر عن غير توجهي لجاءت المناهج بصيغة أخرى. تماماً كما كانت في السابق مناهج التربية الوطنية، حيث يجري التركيز على التاريخ وتصوير الانتماء على أنه مجرد الارتباط بأرض وعلم. إن شئت، تلك الأشياء التي عكستها من خلال شغلي لهذه الوظائف.
كان لديك رأي أيضاً حول أن التأسيس لثقافة الانتخاب أهم من صندوق الانتخاب نفسه. هل يعني ذلك اقتناعك بأن التحديث السياسي على صعيد المجتمع يكون سابقاً تحديث الدولة؟
– برأيي، إن الإطار العام الذي تأتي الانتخابات بموجبه أهم من الانتخابات نفسها. ذلك أن هذا الإطار يتصل بالثقافة الديمقراطية. فالانتخابات هي التي أوصلت هتلر (1889 – 1945) إلى السلطة، وكان ذلك عبر الممارسة الديمقراطية. بالتأكيد، حين لاتكون هناك ثقافة انتخابية سابقة للعملية الديمقراطية فإن النماذج التي ستأتي هي من شاكلة هتلر، والعكس صحيح أيضاً. مشكلة الأنظمة أنها تهتم بصندوق الانتخاب لتحسين وضعها وامتصاص ضغوط الداخل والخارج معاً، فتجد فيها انتخابات لكن في الوقت نفسه تجد الحريات الصحافية مخنوقة. نعم، قناعتي أن الانتخاب ليس كل شيء، فمسألة الشفافية أهم، كذلك الحال بالنسبة إلى الفصل بين المالين العام والخاص. هذه أسئلة جوهرية ينبغي أن تطرح وتناقش اليوم في الخليج.
لهذا السبب الخليج تأخر
هناك أكثر من مقاربة تطرح في عملية تفسير الخلل في الدولة الخليجية. ثمة أطروحة تقوم على تحليل عنصر القبيلة، وثمة أطروحة تقوم على تحليل الميراثية، وثمة أطروحة ثالثة أخيراً تقوم على تحليل الريعية. كيف تجدين هذه الأطروحات الثلاث، وإلى أي منها تميلين؟
– كلها مجتمعة، لكن دعني أقف هنا عند الأطروحة الريعية. لقد تزامن ظهور النفط مع نقص حاد في عدد السكان. الأمر الذي أنتج سهولة في توزيع ريع النفط واستخدامه في شراء الولاءات. لهذا قلت إن ظهور النفط خلخل العلاقات لصالح السلط الحاكمة على حساب المجتمعات. في السابق كان هناك نوع من المشاركة. كانت هناك دورة نخبوية ماشية، وكان أفراد القبيلة يتدخلون في اختيار الحاكم، نظراً لكون الظروف الصعبة آنذاك تستوجب اختيار حاكم يصل بهم إلى برّ الأمان. فكان الحاكم لا يعبر عن سلالة فقط إنما كان الأحكم والأقدر أيضاً. أتى الاستعمار وخلخل هذه المعادلة عن طريق ما كان يدفعه من أموال وإيجارات مقابل تأمين خطوط المواصلات واحتكار حقوق التنقيب عن النفط في بيئة مستقرة لكن على حساب الديمقراطية. ومع اكتشاف النفط، اكتملت عملية الخلخلة، فأصبح الحاكم مستقلاً عن الناس تماماً، صار هو المعطي والواهب. تلك كانت السيرورة التاريخية التي مرت بها معظم دول الخليج، ربما باستثناء الكويت. هذا يفسر إلى حد ما أن شعوب المنطقة تقاعست عن التعبير عن أية مطالبات سياسية في الوقت الذي كانت شعوب العالم كلها تطالب. فالريع جعل الحاكم يستغني عن الضرائب وبالتالي عن الاحتياج إلى المحكومين، وصار العكس، الناس هم المحتاجون للحاكم ومعتمدون على ما يضن به عليهم. وأصبح الدخول إلى دورة الريع مرتبطاً بدرجة القرب أو البعد من الشخص الواهب. هذا جزء من الصورة، الجزء الآخر يكمن في الثقافة السياسية. فقد ظلت الذهنية العامة تنظر إلى الحاكم بوصفه أباً وراعياً، الأمر الذي أعاق تعميق فكرة تداول السلطة. يجب ألا ننسى العامل الخارجي أيضاً، الذي لم يفصح عن مبادرات جدية حيال عملية الإصلاح. وحتى حين ارتفع صوت الغرب أخيراً بشأن إصلاح الأوضاع في الدول العربية، سرعان ما ظهر كذبه.
الأطروحة الريعية.. نواقص في التحليل
ناقشت في رسالة الدكتوراه أطروحة الدولة الريعية التي هي في النهاية نموذج تفسيري يحلل قصور بناء الدولة وعدم إنجازها. ما هي أوجه قصور هذه الأطروحة بنظرك في تفسيرها للدولة الخليجية؟
– لدى مناقشة الأطروحة الريعية تواجهك مشكلة أن جميع المقاربات السابقة لها كانت تقتصر على مقاربة البعد الاقتصادي. لم يحاول أحد تناولها من زاوية البعد السياسي والعلاقات التي تخلقها على هذا المستوى. بالنسبة لي، فقد كان اشتغالي على هذا البعد تحديداً. بمعنى آخر، أن المقاربات السابقة ركزت على كيف أن الاقتصاد الريعي أنتج منظومة ريعية ملاكها وجود أفراد يأنفون من العمل اليدوي ثم يتلقون مكافأة لا تتناسب والجهد المبذول. وهو الأمر الذي تم التسالم على تسميته ‘’العقلية الريعية’’. لكن أحداً لم يسأل عن انعكسات هذه العقلية على الدولة والمجتمع. في الواقع إنني لا أريد حتى استخدام كلمة دولة، نظراً لعدم وجود دول بالمعنى الحقيقي للدولة. ثمة سلط سياسية موجودة، والريع همش المجتمع لصالح هذه السلط. لو دققت قليلاً في الفترات التي سعت فيها السلط القائمة إلى الدخول في تسويات ولو شكلية مع مجتمعاتها لوجدت أن ذلك يحصل في الفترات التي يتراجع فيها مردود العائد النفطي، أو ينحصر تأثيره. سترى أن الإصلاحات التي عمّت بعض دول المنطقة حصلت في الفترة التي أعقبت تحرير الكويت (1991). وقد تزامنت مع نقصان العوائد النفطية طيلة الفترة التي تلت منتصف الثمانينات. صحيح إن الحرب رفعت أسعار النفط، لكنها أوجدت عجوزات مالية كبيرة في الموازنات بسبب كلفة الحرب. فكان ثمة انكشاف مالي للدول الخليجية بموازاة من الانكشافين الأمني والعسكري. وهو الأمر الذي أظهرها في صورة هشة. وآنذاك سادت موجة الحديث عن الإصلاح أغلب دول المنطقة، ولأول مرة ظهرت مطالبات سياسية في السعودية. وفي البحرين تم العمل بنظام مجلس الشورى. المشكلة أن هذه الإصلاحات، لاتسير ضمن وتيرة واحدة. فحين تكون هناك عوائد نفطية كبيرة تنتكس العملية الإصلاحية وتسود القبضة الحديدية، وعلى العكس تتسارع وتيرتها مع انكشاف العائد النفطي. تلك الجوانب ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأطروحة الريعية، لكن أحداً لايفضل تناولها فيما يجري التركيز كما أسلفت على الأبعاد الاقتصادية.
ثمة أيضاً البعد الثقافي المتعلق بمفاهيم الناس عن الحاكم وفصل الديني عن السياسي والمواطن الفرد، الأطروحة الريعية لاتضع كل ذلك في الاعتبار. دعينا نتحدث بصراحة هنا عن مسألة العلمنة.
– هنا أيضاً تجد أن النخب الحاكمة ركبت الدين واستخدمته كأساس لشرعيتها. ظلت فكرة العلمانية التي هي فكرة محايدة حيال الأديان والطوائف بعيدة عن ممارساتها. بل على العكس، لقد أضافت على الدين تراثها القبلي. وهو الأمر الذي أوجد عندنا دولة قبلية بلباس عصري. لذا فأنا أقول صحيح كان هناك تحديث لكنه ظل تحديثاً خارجياً لم يطل الجوهر. الجوهر ظل تقليدياً. ظل الحاكم نفسه شيخ القبيلة. في حين أن الحداثة تستوجب قيماً جديدة غير القيم الموجودة. نتحدث عن العلمانية بوصفها فكرة حيادية ونتحدث عن الدولة المدنية. وهنا لا توجد مشكلة من أن يكون المجتمع متديناً في الوقت الذي تكون فيه الدولة مدنية.
ثقافة للديمقراطية أولاً
ألا يحوي هذا الكلام تناقضاً، ذلك أن الدول الموجودة عاكس موضوعي للأحوال في المجتمع. دعينا نأخذ القبلية التي تحدثت عنها، أليست السلط الموجودة عاكساً ليس إلا للروابط القبلية في المجتمع، بمعنى أنها لم تقم باستحداثها. الأمر الذي يؤشر على أن الخلل مجتمعي قبل أن يكون متعلقاً بالسلطات المهيمنة؟.
– هذا يرجعنا إلى الكلام الذي قلناه بشأن تأسيس ثقافة للديمقراطية. بوجود ثقافة ديمقراطية لن تكون هناك نخب مستبدة. أزعم أن الدولة في الخليج لا تعكس المجتمع.. المجتمع أكثر حداثة من الدولة. ثمة مطالب اجتماعية تنادي بالانفتاح والحريات في حين الدولة لاترضى بهذا. لو كانت الدولة عاكسة لذلك لتمثلت هذه الأفكار في مؤسساتها.
ماذا تقولين إذن بشأن نماذج الانتخابات التي جرت في بعض الدول العربية وأفرزت قوىً غير حديثة، إما قبلية أو إسلامية؟.
– أقول إن سبب ذلك غياب ثقافة ديمقراطية. في ظل القهر لابد أن تأتي مثل هذه التيارات. متى تضعف هذه التيارات؟. فقط بالممارسة. خذ مثال الإسلاميين في تركيا الذين يعدون مثالاً ناجحاً. صحيح إن تركيا بلد غير عربي، ولكنها مثال فقط على أن الإسلاميين يمكن أن يصلوا إلى مواقع متقدمة من دون أن يقوموا بتغيير قواعد اللعبة. شخصياً، ليست عندي مشكلة في أن يحكم الإسلاميون شريطة أن يحترموا قواعد اللعبة السياسية ولا يقصون الآخرين.

http://alwaqt.com/art.php?aid=110631