في انتظار تركيا.. من يقتل أتاتورك؟ 3-2

من يقتل كمال أتاتورك؟

من يقتل كمال أتاتورك

لتنزيل بروفايل جريدة الوقت من يقتل كمال أتاتورك؟ pdf

تتفاوت البلدان بتفاوت أفق انتظارك لها، هناك بلد تنتظره بأفق وبلد تنتظره من غير أفق، حتى كأنك لا تنتظره، تركيا، تكاد تكون البلد الأكثر انتظاراً بالنسبة إلى أفقي، والانتظار ليس حالة سلبية، كما تخبرنا أدبيات انتظار الخلاص، فهو حالة توقع، تدفعك إلى أن تمدّ عين ينك إلى الأمام مرة وإلى الخلف مرة، والإنسان لا يمدّ عينيه إلا ليقرأ بهما ويؤول من خلالهما، لذلك فالانتظار نشاط تأويلي محكوم بأفق السياق الذي تعيشه. كانت تركيا، بالنسبة إلى أفقي، الجغرافيا التي لم أعاين تاريخها بحواسي كلها، والتاريخ يكون عصياً على الفهم حتى تمشي بقدميك في جغرافيته التي حدث فيها، وتاريخ تركيا عصي على الفهم أكثر لأنه تاريخ مازال يشتغل في الحاضر بلغات متعددة وحضارات متعددة وجغرافيا متعددة، فكيف يمكنك أن تقيم صلة أليفة مع هذا التاريخ، من غير المشي فيه؟
في الحلقة السابقة: تركيا بحاجة إلى قتل الأب، أي التخلص من سلطته التي تمارس حضوره الطاغي عليها، ويحول دون تخطيها أو تجاوزها له. وهناك قلنا إن تركيا تقاوم قتل أبيها الحديث، وهناك من يقف دون ذلك، وهناك من يهدد بالثأر إن حدث ذلك، وهناك من يطلق صيحات التحذير التي تقرأ في كل حركة تهديداً بهذا القتل.
الكنيسة الكمالية
ي مكن معاينة هذا الخوف على هذه الأبوة الرمزية، من خلال تقرير «ماذا يجري في تركيا؟» الذي أعده الصحافي الألماني المقيم في إسطنبول، غونتر زويفرت، عن الجدل العام الذي رافق المظاهرة التي خرجت العام الماضي أمام ضريح أتاتورك في أنقرة التي شارك فيها مئات الألوف، كانت «جمعية الفكر الأتاتوركي»، أحد محركات هذه المظاهرة، وتضم في مجلس إدارتها القائد السابق للشرطة التركية والبروفيسور نجلاء أرادت المدافعة عن تدخل الجيش في الحياة السياسية «لماذا نقلق إذا عندما يفصح الجنود عن رأيهم؟».
لابدّ من أن يبدي الجيش رأيه حين تهدد «الرجعية الدينية» علمانية الدولة. وقد حددت رئيسة المحكمة الدستورية العليا سومرو شورت أغلو في خطابها بمناسبة الذكرى الـ 139 السنوية لتأسيس المحكمة مفهوم «الرجعية الدينية» بقولها «كل حركة لا تتفق مع مبادئ وإصلاحات أتاتورك هي رجعية دينية».
يعترض الكاتب والمفكر الليبرالي في إسطنبول مراد بلجه، على هذا التعريف الاختزالي، ويتساءل ماذا عن النماذج السياسية الاشتراكية والليبرالية والديمقراطية التي لا تتفق كثيراً مع العالم السياسي لأتاتورك.
لقد خاطب عضو مجلس إدارة «جمعية الفكر الأتاتوركي»، البروفيسور علي أرجان، أثناء مظاهرة أنقرة أتاتورك في ضريحه قائلاً «القائد الكبير مصطفى كمال أتاتورك.. لقد مضى على رحيلك 24992 يوماً، وها نحن نقف اليوم أمامك وكلنا عار وحزن عليك».
وقد علّقت الكاتبة التركية بريهان ماجدن في عمودها بشكل ساخر: «ليتني كنت عضواً في الكنيسة الكمالية وأعيش مثل طفل موصَى عليه للأبد. أتمنى أن أضع جبهتي على رخام ضريح أتاتورك وأقبّل التمثال على القبر وأقول: يا والدي إنني أشعر بأني وحيدة! ثم يأتي صوت من الظلام يقول: إنك لست وحيدة! بجوارك رئيس أركان الجيش التركي الجنرال يسار بويوك أنيت الذي يعتبر نفسه نائباً عني، وبجوارك أيضاً دنيز بيكال الذي يعتبر بمثابة رئيس حزبي (حزب الشعب الجمهوري)، وبجوارك مئات الألوف من الإخوة والأخوات الذين لا يفقهون كثيراً من الديمقراطية مثلك».
الكنيسة العلمانية
في سخرية الكاتبة بريهان ماجدن كثير من الحكمة، وجملتها الأخيرة التي صاغتها ساخرة على لسان أتاتورك «وبجوارك مئات الألوف من الإخوة والأخوات الذين لا يفقهون كثيراً من الديمقراطية مثلك» فيها قلب الحكمة، والجملة قابلة لأن نتصرف فيها، وذلك بتقليبها، لنقول: إن بجوار هذا الأخ كثير من الإخوة والأخوات الذين لا يفقهون كثيراً العلمانية ليس بمعناها العام فقط، بل حتى بمعناها الأتاتوركي القابل لتأويلات حديثة، تناسب الحداثة السياسية التي يجب ألا تتوقف عندها الدولة.
يمكن فتح معنى العلمانية الأتاتوركية، باسترجاع خطابات أتاتورك التي قدمها في بدايات تأسيس الجمهورية التركية، فهذه الخطابات تكشف أن أتاتورك لم يكن يسعى إلى تأسيس دولة لا دينية أو معادية للدين، ولا حتى دولة تريد أن تسقط الخلافة بقدر ما تفصلها.
لقد أجرى الصحافي الفرنسي موريس برنو، في العام ,1923 مقابلة مع أتاتورك عن معنى الإصلاحات السياسية التي قام بها، وكان مما قاله له «لقد أمر نبينا أتابعه بأن يهدوا أمم العالم إلى الإسلام، لكنه ما أمرهم بتولي حكم هذه الأمم، إن سياستنا ليست فقط بعيدة عن أن تكون لا دينية، بل إننا نشعر أيضاً أنه مازال ينقصنا، من المنظور الديني، شيء ما.. ينبغي أن يصير الشعب التركي متديناً أكثر، أقصد متديناً بقدر أكبر من البساطة.. إن ديني، الذي أؤمن به إيماني بذات الحقيقة، لا ينطوي على شيء يناقض العقل»(iv).
لن نقول إن أتاتورك كان صاحب مشروع إصلاح ديني، لكنه لم يكن صاحب مشروع دولة لا دينية، كان يريد دولة منفصلة عن الدين، وقادرة على أن تتيح للإنسان أن يمارس تدينه بشكل عقلاني وخاص، وهذا يتطلب رفض أشكال التدين المتخلفة التي كانت تستغلها الخلافة لتثبيت نفسها، وإذا كان مشروعه لم يكتفِ بأن يحقق ذلك فقط، بل ذهب بعيداً عن ذلك، فبالإمكان التعويل على مقاصد خطابه، كي لا يشعر أتباعه بالعار عند ضريحه، وكي يتمكنوا من توسيع تعددية الدولة من دون شعور بذنب خيانة الأتاتوركية.
كان خطاب أتاتورك يدعو الأتراك إلى أن يتركوا وهم سيادتهم للعالم عبر فكرة الخلافة التي لا تعني شيئاً «كما أنني وجهت تحذيراً إلى الشعب بقولي: ينبغي أن نكف عن خطأ اعتبار أنفسنا سادة العالم»(v). ومع أن أتاتورك أعطى للقومية التركية حساً سيادياً، لكنه يحسب له أنه أبقى هذا الحس في إطار الدولة لا في إطار العالم، لكن لا يحسب له أن جعله خاصاً بالعرق التركي، لا بالمواطن التركي، لذلك كي تمضي الدولة في مشروع التخلص من وهم السيادة العرقية الخاصة بجماعة في إطار الدولة، عليها أن تفتح الدولة لتشكيل هوية أعراقية (جمع عرق) دستورية متساوية، لا يشعر فيها عرق بأنه فوق عرق آخر في الدولة.
هكذا نخرج الدولة من الكنيسة الكمالية، ومن الكنيسة العلمانية. لكن ذلك لا يمكن أن يتحقق من دون مشروع يأتي من خارج الكنيسة، إنه مشروع عضوية الاتحاد الأوربي.
شرعية الاتحاد الأوربي
يبدو مشروع عضوية الاتحاد الأوربي، الذي بدأت تركيا تتطلع إليه منذ 1963 وتوقف بسبب الانقلابات العسكرية في 1970 و,1980 اليوم، هو وسيلة الضغط على المؤسسة العسكرية، كي تفتح علمانيتها على ديمقراطية تعددية، وبحكم منطق التغيير فهذه المؤسسة اليوم مضطرة إلى إصلاح نفسها وتقليص وصايتها وإعادة تعريف مفهومها للكمالية، «لقد قامت المؤسسة العسكرية مراراً بإعادة تعريف الكمالية لكي تكون معاصرة لبيئتها»(vi).
يمكننا أن نقرأ هذه الإعادة من خلال انقلاب طريقة الجيش في الانقلاب، لقد قام الجيش بأربعة تدخلات مباشرة في الدولة، لكن تدخله الأخير وصف بأنه انقلاب ناعم، أو انقلاب ما بعد حداثي(vii)، وهو انقلاب 28 فبراير/ شباط 1997 عندما حشد الجيش الرأي العام ووسائل الإعلام لفرض استقالة حكومة تحالف يقودها حزب الرفاه الإسلامي. لقد أخرج الجيش حزب الرفاه من السلطة السياسية، لكن من دون أن يسيطر سياسياً على السلطة. لقد فهم حزب العدالة والتنمية اللعبة، وجد أن شرعيته السياسية لن يكتسبها بإقناع الجيش بالخروج من كنيسته الكمالية أو كنيسته العلمانية، سيكتسبها، من المضي بمشروع الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي إلى الأمام، فقام بالتخلص من قياداته التقليدية، وحدّث خطابه السياسي، قبل بمبادئ السياسة الليبرالية، خصوصاً ما يتعلق باقتصاد السوق، وتمكن بعد فوزه في انتخابات 2002 من إنعاش الاقتصاد التركي، أزال ستة أصفار من العملة التركية في ,2003 وصار معدل النمو 7%(viii).
بهذا الإصلاح سيتمكن الأتراك من الخروج من وهم سيادة العالم الذي صاحب مشروع الخلافة، وقد جاء مشروع أتاتورك ليخرجهم منه، وسيتمكنون من الخروج من وهم سيادة العرق التركي، ومن وهم كمال الدولة الأتاتوركية، ومن وهم الكنيسة العلمانية، وسيدركون من موقعهم الجغرافي وحراكهم الثقافي والسياسي بالفعل أنهم وسطاء بين الحضارات «في العادة يرى عامة الأتراك أنفسهم كوسطاء بين الحضارات»(ix).
معاناة المحافظ
لا أدري ما هو المقابل اللغوي لمفهوم المعاناة في اللغة التركية، لكن هناك مشكلة تثيرها هذه الكلمة، ففي افتتاحية هذا المهرجان (مهرجان تشقروّة العالمي «Cukurova») قدم الكاتب السوري مالك صقر كلمة نيابة عن الكتاب العرب المشاركين في المهرجان، وأشار إلى أن الكتّاب الأتراك والعرب يشتركون في هموم المعاناة الإنسانية، فكل كاتب يعاني هماً إنسانياً يدفعه للكتابة. عبر الترجمة الفورية فهم المحافظ الذي جاء لافتتاح المهرجان، المعاناة بمعنى محافظ، فأشار في كلمته التي تلت كلمة الكتاب العرب إلى أنه يختلف مع مقدم كلمة الكتاب العرب، في مسألة المعانة، فالكتاب الأتراك لا يعانون من شيء، وكل الأمور ميسرة لهم، ولا قيود عليهم، وأن وضعهم على ما يرام.
لقد فسر البعض الاختلاف إلى خلل في الترجمة، يتعلق بالكلمة المعبرة عن المعاناة، لكن الأمر بدا فيما بعد أقرب إلى أن يكون سوء فهم يتعلق بمفهوم معاناة الكاتب وسوء فهم يتعلق بمفهوم الكتابة نفسها، فالمحافظ يبدو كان حريصاً على أن يظهر الدولة التي يمثلها كراعية وحاضنة للكتاب، وأنها تبلغ في تقديرها لهم أنها لا تترك فرصة للمعاناة كي تقترب منهم. والكتاب لا يختلفون عن بقية أصحاب المهن في الدولة في مفهوم المحافظ، ويبدو أنه قد فهم تعبير معاناة الكتاب بفهمه لتعبير معاناة العمال نفسه. لقد أصبحت كلمة المعاناة مادة أثيرة للسخرية بين الكتاب المشاركين في المهرجان، وصار الكتاب العرب، ينالون من الكتاب الأتراك حين يقولون لهم: أرجوكم أن تسكتوا فأنتم ليست لديكم معاناة.
في كلام المحافظ وجه مما تعانيه تجربة العلمنة الأتاتوركية، فقد صارت هذه العلمنة مقدسة ومحنطة وأنتجت موظفين بيروقراطيين يخشون النقد ويحرصون على أن يقدموا وجها رسمياً ينفي النقص، فالنقص ضد الكمال، والكمال في مفهومهم مشتق من مصطفى كمال أتاتورك الذي يعني الدولة الكمالية التي هي نفسها الدولة الكاملة. هنا تقع الدولة في تأليه لا نفسها، بل في تأليه نموذج منها، فتظل محنطة في هذا النموذج حتى يتحول إلى عبء عليها.

هوامش

جورج طرابيشي، هرطقات عن العلمانية كإشكالية إسلامية ـ إسلامية، ص118
v ) جورج طرابيشي، هرطقات عن العلمانية كإشكالية إسلامية ـ إسلامية، ص127
vi ) مجلة الثقافة العالمية، مسيرة العسكريين الأتراك نحو الاتحاد الأوربي، بقلم إرسل أيدينلي، نيهات علي أوزكان، دوغان أكياز، العدد,147 مارس/ آذار – أبريل/ نيسان ,2008 ص58
vii ) مجلة الثقافة العالمية، تركيا تتجه غرباً، بقلم سولي أوزيل، العدد ,147 مارس/ آذار – أبريل/ نيسان ,2008 ص.38
viii ) مجلة الثقافة العالمية، تركيا على الحافة، بقلم فيليب غودون وعمر تاسبينا، العدد ,147 مارس/ آذار – أبريل/ نيسان ,2008 ص.25
ix ) مجلة الثقافة العالمية، تركيا على الحافة، بقلم فيليب غودون وعمر تاسبينا، العدد,147 مارس/ آذار – أبريل/ نيسان ,2008 ص .40

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=114830