حوار مع أركون

محمد أركون في حديث خاص مع «الوقت» يفتح النار على خصومه

ويرد لهم الصاع بالصاع

الخطاب الإسلامي منقطع عن العالم و… عن العقل

 

الوقت – حسين مرهون، علي الديري:

كان المفكر الجزائري محمد أركون يحلم عندما غادر البحرين في العام 2002 بعد زيارة صغيرة دامت ثلاثة أيام. لقد فوجيء بحجم تلقيه في بلد خليجي صغير لا يكاد يُرى على الخارطة. ولكن الآن الحال تغير. كيف ساء الأمر؟ لأن خطاب الردح التهييجي لم يجرِ – هذه المرة – على ألسنة خصومه التاريخيين (الأصوليات الدينية) ممن تمسهم اشتغالاته بشكل أو آخر؛ إنما جرى على ألسنة جامعيين وأساتذة أكاديميين. وتلك هي المفارقة!. ونظرة واحدة على ملتقى ‘’بحرين أونلاين’’ على شبكة الإنترنت، وهو الملتقى الذي شهد صولات وجولات على خلفية زيارة أركون الأولى، كافية لإعطائنا فكرة عن كيفية تعامل ‘’خصومه التاريخيين’’ أو، الأصح الخصوم الطبيعيين، معه في الزيارة الأخيرة. إذ لا نكاد نعثر في الملتقى على أي موضوع يتعلق بأركون، وخلا ‘’الملتقى الإسلامي والفكري’’ من كل ما له صلة به أو بمحاضرته التي ألقاها الثلثاء 13 مارس/ آذار في مركز الشيخ إبراهيم، فيما اتخذ الممثلون الاجتماعيون من رجال الدين ووكلاء المراجع وآيات الله الموقف نفسه.

أين المشكلة إذن؟. إنها هناك، في المكان الأكثر صلة – هذا ما يفترض! – بنشاط أركون البحثي والأكاديمي: جامعة البحرين. ويقول أركون هنا ‘’لو كنت أعلم أنهما أستاذان جامعيان لوجهت لهما كلاماً جارحاً’’، في إشارة إلى الأستاذ المساعد بقسم اللغة العربية الدكتور منذر عياشي وأستاذ الهندسة المدنية والعمارة بكلية الهندسة الدكتور مصطفى بن حموش.

كان الأخيران قد ألقيا مداخلتين ‘’ساخنتين’’ غضون النقاش الذي أعقب محاضرته عن ‘’قضية الأنسنة في المجتمعات الغربية والمسلمة المعاصرة’’، واتهماه فيهما بالصدور عن موقف أيديولوجي ونفي قداسة القرآن الكريم، كما عبرت عن ذلك أسئلتهما ‘’النارية’’.

وأضاف أركون ‘’أتحدى أي شخص أن يأتي لي – من ما قلته – بكلمة واحدة تنتمي إلى الأيديولوجيا أو إلى أي حزب سياسي (…) هاتوا لي بكلمة واحدة من كتبي تدل على ذلك’’، موضحاً ‘’هذا ليس كلام إنشاء إنما هي إستراتيجيتي في التدقيق وتحليل الخطاب’’.

وتابع ‘’ليس من حق الأستاذ الجامعي أن يستعمل أساليب جدلية محضة في النقاش (…) ليس من حقه أن يتظاهر أمام الجمهور بأنه يحترم الموقف العلمي بينما هو بعيد عن ذلك’’ على حد تعبيره.

وتساءل أركون ‘’لا أدري هل كتب واحد منهما (عياشي، بن حموش) صفحة واحدة عن مفهوم الأنسنة في الفكر الناطق باللغة العربية وفي السياقات الإسلامية (…) سأكون سعيداً لو عرفت ذلك، وسيسرني أن أقرأه وأعترف لهما بالمساهمة الإيجابية فيه، وخصوصاً إذا كانت مساهمتهما في شيء لم أقله – أنا – حتى الآن’’.

وقال ‘’هذا ما كنت سأقوله لهما أمام الجمهور لو عرفت أنهما أستاذان في جامعة البحرين (…) هذه هي النزاهة الفكرية التي يجب أن يتقيد بها كل أستاذ يعلم الشباب ويحترم مهنته’’ على ما عبر.

ورداً على سؤال، علق ‘’أدعو جامعة البحرين – كما سائر الجامعات – إلى إعطاء الأفضلية لتدريس علوم الإنسان والمجتمع والإبستومولوجيا التاريخية اعتماداً على ما ينتجه الباحثون بهذا الصدد على مستوى العالم’’.

وأضاف أركون ‘’يجب أن نتعرف على جميع ما يصدر في هذه العلوم، ومن ثم تطبيقها على التدريس الخاص بجامعاتنا وعلى الطلبة الذين يتكونون ويتخرجون منها’’.

يشار إلى أن محمد أركون، هو أستاذ سابق في جامعة السوربون في فرنسا، وقد أشرف على العديد من رسائل الدكتوراه لطلبة يعدون اليوم من خيرة المشتغلين في حقول النقد والمعرفة، وحالياً هو متفرغ للبحث والتأليف.

وتابع موضحاً ‘’… ثم الاهتمام بتكوين الأساتذة الذين يعلمون الشبان (…) الأنظمة التربوية التي تدرس في جامعاتنا لم تسنح لها الفرص لتلقي هذا التكوين’’، مستدركاً ‘’لكن ذلك يجب أن يكون واضحاً الآن، وذلك هو ما قمت به طيلة حياتي الأكاديمية مدرساً في جامعة السوربون وأجيال من الطلبة يشهدون على ذلك’’ وفق تعبيره.

وقال رداً على الانتقادات التي أخذت عليه عصبيته في أثناء النقاش ‘’من الطبيعي أن أغضب، فأنا إنسان’’، موضحاً ‘’من يتحدث عن الأنسنة فهو إنسان مثل سائر الناس’’.

لم يخرج تناولك للأنسنة في محاضرتك عما تناولته في كتابيك ‘’معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية’’ و’’نزعة الأنسنة في الفكر العربي.. جيل مسكويه والتوحيدي’’. فهل كفّ مفهوم الأنسنة عن أن يولد اختلافه وفرادته؟

– يقول ‘’لا، لم يكف. إنما لأنني كنت أتحدث في محاضرة عامة أمام جمهور متنوع. فيه من قرأ كتبي وفيه من لم يقرأ. لو كنت أتحدث في سيمينار خاص (حلقة نقاشية) لكان الأمر مختلفاً. لذا وجدت من الضرورة إعادة طرح المفهوم عبر استعادة ما كتبته بهذا الصدد وعبر العودة إلى ذاكرته في السياقات العربية والإسلامية.

في الواقع، فإن أركون يفرق بين نوعين من الأنسنة، تلك التي تقوم على المحتوى الديني، وهي تحترم الإنسان وترفع من شأنه بقدر ما يطيع الله وتعاليمه وأوامره ويتقيد بالشعائر الطقوس، وتلك الأنسنة التي تقوم على المحتوى الفلسفي، وهي تعطي للإنسان حرية كاملة واستقلالية ذاتية بعيداً عن المرجعيتين الدينية واللاهوتية.

رغم ذلك، يؤخذ عليك أنك لم تعطِ مفهوم الأنسنة راهنيته. خصوصاً ونحن نشهد هذا التفجير الضافر للهويات وللذاكرات الصلبة، وبطريقة هي على الضديد تماماً من النزعة الإنسانية التي دافعت عنها منذ أطروحتك في الدكتوراه قبل ثلاثين سنة وحتى محاضرتك الأخيرة؟

– يعلق أركون ‘’هذا صحيح. كان بودي أن أقوم بهذه المطالعة، لولا ضيق الوقت، خصوصاً وأنني أطلت في المحاضرة. ما أشرت إليه هو ما أسميه سوسيولوجيا الذاكرات الاجتماعية’’، موضحاً ‘’تتوجب دراسة هذه الذاكرات، لا من خلال خصوصيتها المحلية إنما بوضعها في السياق العام لجميع الناطقين باللغة العربية’’.

وتابع ‘’علينا أن لا نبقى مقيدين في إطار الخطابات الإسلاموية المحلية. هذا الموقف يجب الإلحاح عليه وتبنيه. وخصوصاً هنا في البحرين’’، مضيفاً ‘’البحرين مجتمع محدود حتى على مستوى خريطة العالم العربي. يجب التركيز على الخطابات الإسلاموية في جميع العالم الناطق باللغة العربية’’ حسب تعبيره.

وقال أركون ‘’إذا انخرط المثقفون في هموم محلية ضيقة، وليس على أساس دراسة سوسيولوجيا الذاكرات الاجتماعية في امتدادها العربي والإسلامي العام، وأيضاً في امتدادها التاريخي، فإن هذا سيجعلهم بعيدين عن تحصيل فهم بالظاهرة’’.

وأضاف رداً على سؤال آخر ‘’يجب عدم الخلط بين ما يحمله المخيال الاجتماعي اليوم الذي يشير إلى وجود الشيعة والسنة من جهة، وبين الموروث القديم والقديم جداً الذي يقوم عليه الوعي الشيعي والوعي السني’’، موضحاً ‘’هذا الموروث بقي موروثاً يستغله المخيال، ولم يعتن به البحث التاريخي والأنتروبولوجي والعقائدي (…) هذه مشكلة’’.

هل نالت فترات بناء الحوزات في النجف وقم والسياقات التي تكونت فيها، وتأثير كل ذلك على التيارات الشيعية، (نالت) نصيباً من اهتمامك؟

– يقول أركون ‘’نعم، وهناك باحثون كثيرون قاموا بذلك. ويجب ألا يتوقف هذا الجهد، لأن هناك أشياء كثيرة لا تزال لم تدرس’’، مضيفاً ‘’تنبغي دراسة ما جرى ويجري في قم منذ القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين، وخصوصاً ماذا حدث ويحدث منذ ثورة (آية الله) الخميني’’.

وأضاف ‘’اطلعت على كتب تحليلية عن أنواع الإنتاج الفكري الذي يصدر من تلك المدينة التي لها تاريخ كبير كما وتأثير كبير (…) ما يجري في قم مثلاً ينتمي إلى العمل الأصولوي أكثر مما ينتمي إلى الفكر التأصيلي أو الفكر النقدي الخاص بعملية التأصيل’’.

واستدرك ‘’حتى هذا التمييز بين الأصولوية والأصولية لا أسمعه عند الناطقين باللغة العربية. أكتشف دائماً أن الناس يكتفون بالأصولية السلفية’’، موضحاً ‘’لا صلة أبداً بين علم الأصول كما تأسس وتم استعماله على مدى قرون عند الشيعة والسنة معاً، وبين ما يجري الآن’’ على حد تعبيره.

ورداً على سؤال آخر ذي صلة، علق أركون ‘’عندي دراسات كثيرة حول الأصولية والإخبارية. هناك كتب صدرت أخيراً وبينت الفرق بينهما. وأنا كتبت في هذا الموضوع، ولكن باللغة الفرنسية’’، مضيفاً ‘’رغم أن التيارين مختلفان وبينهم صراعات كثيرة إلا أنهما يشتركان في مسألة أنهما يتحركان داخل التقليد نفسه’’.

وقال ‘’لا يمكننا أن نعتمد لا على هذا ولا على ذاك، لأن كليهما لا يتقيد بالتحليل على حسب المناهج الألسنية والتاريخية’’.

تحدثت كثيراً في كتبك عن ما تسميه التضامن الأيديولوجي بين الدولة والأرثوذكسيات الدينية. كيف نقرأ ذلك في ضوء أن بعض الدول أصبحت تلجأ إلى استبدال النخب الليبرالية بنخب أخرى دينية لتأمين نوع من الشرعية لنفسها. خصوصاً وأن الأخيرة – أي التيارات الدينية – هي المهيمنة على الشارع الآن، فيما الليبراليون لا حول لهم ولا قوة؟

– يجيب ‘’أقول إن الداعم الوحيد لمشروعية الدولة هو إنتاج مباديء فلسفية لكل عملية تشريعية’’، موضحاً ‘’لأن المشكل المطروح اليوم والذي يناقش في الغرب بإسهاب بتمثل في السؤال التالي.. ما هو المصدر أو المصادر التي ينبغي أن ينبني عليها الاجتهاد التشريعي في أي مجتمع؟

وقال ‘’الاعتماد على الإسلاميين أو الشريعة الإسلامية يسهم فيما أسميه الفوضى الدلالية. ذلك أن الخطاب الإسلامي في جميع المجتمعات العربية والإسلامية خطاب منقطع عن العالم أو عن احترام ما يقوم به العقل’’.

وشدد أركون على ‘’ضرورة طرح السؤال المتعلق بطريقة تأصيل الاجتهاد التشريعي في مجتمعاتنا’’، معتبراً أن ‘’الدول اليوم لم تعد قائمة بالمعنى القديم للدولة’’.

واستدرك ‘’ما يضاعف من هذا المشكل هو أنه ليس هناك تشريع أو قانون يعتمد عليه على المستوى الدولي. فما نسميه اليوم تشريعاً دولياً هو شرع بنته بعض الدول الأوروبية التي سيطرت على العالم منذ القرن التاسع عشر’’، مضيفاً ‘’لذا لا يمكننا القول إن هناك قانوناً دولياً محترماً، بل هناك قانون مفروض بالقوة’’.

وقال ‘’كان هناك تيار قوي في فرنسا يدعو إلى الاعتماد على إحداث تصور جديد لمفهوم التشريع’’، مضيفاً ‘’القضية تكمن إذن في كيف نتصور المباديء التي يجب أن يتقيد بها العقل البشري على مستوى العالم لبناء شرع آخر. إذا قمنا بهذا الجهد، فإن الشريعة الإسلامية ستسأل نفسها أين يقع مكانها في هذا الشرع’’ على ما عبر.

عولت كثيراً على دراسة تشكل الألوهية في المجتمعات، وكيف أننا نحتاج إلى إعادة قراءة هذا التشكل لكي نؤنسن مجتمعاتنا. كيف ذلك؟

– يقول أركون ‘’هذا داخل في باب الدراسات المتعلقة بالخطاب القرآني. وهذا أيضاً لم نشرع فيه بسبب أن الخطاب القرآني لا يزال طاغ على الذهنية الإسلامية العربية’’.

ورأى أنه ‘’مادمنا لم نفكك الخطاب القرآني كله عن طريق الألسنية، وما دمنا لم نفرق بين ذلك وبين ما يأتينا ويفرض علينا منذ قرون من طريق الخطاب اللاهوتي، فإن المشكلة ستظل باقية’’، لافتاً إلى ‘’أن ذلك لا ينطبق على الإسلام وحده إنما على اليهودية والمسيحية أيضاً’’.

وأضاف ‘’مثلاً من يذكر اليوم ذاك الجانب المتعلق بإسرائيل القديمة والذي يتناوله القرآن تناولاً إيجابياً بإسرائيل القديمة. لا أحد ذلك أن إسرائيل المعاصرة ألغت تماماً الذاكرة القرآنية الإسلامية عن إسرائيل القديمة’’.

وتابع موضحاً ‘’هذا ليس تجريحاً في القرآن بل تذكير للناس بأن هناك ظاهرة قرآنية ألغاها التاريخ المعاصر الذي هو تاريخ أيديولوجي وسياسي’’.

وقال أركون ‘’مثال آخر يتعلق بصورة النبي موسى في الخطاب القرآني. إن من يعتني بقراءة القرآن، لاشك سيواجه صعوبة في التفريق بين الصورة القرآنية للنبي موسى وتلك الصورة التي يفرضها المخيال المعاصر لإسرائيل المعاصرة’’.

وأضاف ‘’انظر إلى قوة المخيال (…) البعض يعد ذلك تجذيفاً أو هدماً للقرآن أو ضرباً لقداسته. قل لي.. أين هو التجذيف؟. أين هو الهدم؟. أين هو نزع القداسة؟.’’ وفق تعبيره.

وتابع موضحاً ‘’هذا ما أسميه الفوضى الدلالية، وأنا أصر على استعمال هذا المفهوم حتى يدخل في الفضاء التداولى (…) ذلك هو المخيال الجبار الذي يجعلنا نعيش كلنا في خطابات استلابية. حتى أصبح استعمال الفكر في المجتمعات العربية كله واقع تحت سيطرة هذا الاستلاب’’.

ورداً على سؤال آخر، أوضح أركون ‘’أنا أستخدم مصطلع (الألوهية) ولا أستخدم مصطلح (الله). ذلك أننا لايمكن أن نخرج من (الله) القرآني في اللغة العربية. واستخدامه سيحدث تشويشاً وسوء تفاهم وفوضى دلالية كبيرة. يجب دائماً أن نجتنب الفوضى الدلالية. لايحق للباحث أن يساهم في إنتاج فوضى دلالية. وأناأكافح ضد هذا’’.

أخيراً، ماذا ستقول عن زيارتك الأخيرة إلى البحرين؟

– يجيب ‘’فوجئت بحجم الصراعات الواقعة بين المكونات الاجتماعية في البحرين (…) زيارتي الأولى في العام 2002 لم تكشف لي ذلك عن قرب’’، ‘’خرجت في الزيارة السابقة بانطباع إيجابي، ولكن ربما لأنني كنت أحلم’’.

وأضاف ‘’كان يمكن لهذا المجتمع الصغير أن ينهض ويتعايش في إطار مواطنة حديثة، بيد أنني لاحظت تقهقراً كبيراً على هذا المستوى’’ وفق تعبيره.

وتابع موضحاً ‘’هذا يطرح مشكلة الانتخابات في مجتمعاتنا التي لاتزال قديمة جداً وبطركية كما كانت في عهد القبائل’’.

ورأى إنه ‘’ما كان يجب على المجتمع أن يتورط في هذا الاتجاه ويعطى الفرصة لأن تنتهي الانتخابات إلى هذه النتيجة، مهما كانت الملاحظات على هذه الانتخابات’’.

لكن وعلى الرغم من ذلك، يتابع أركون مختتماً حديثه بالقول ‘’لست محبطاً، بدليل أنني أجلس مع أشخاص مثلكم يتمتعون بنصيب من الحرية (…) هذه الظاهرة ليست خصوصاً بكم. لذلك يجب أن تنتبهوا لذلك، وتلعبوا دوركم بمعزل عن كل ما يعطي لنشاطاتكم صبغة مائلة إلى الأيديولوجيا’’.

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=45917