ليلة الرابع من المحرم..مجلـــــس مــآتـــم الحــــاج طـــرار

  باسمة القصاب، فضاء عباس: 

 

في هدوء محبب تجلس الحاجة سلامة قيمة مآتم الحاج طرار إلى ركن مأتمها الصغير. يتغشاها السواد فلا يخطئ من بياضها شيء. لا يشذ منها غير جزء عصي على الاحتواء. إنها يدها البيضاء. تبرز من شق عباءتها كحمامة لم يمسسها لون. يتوسط أصابعها فص في هيئة خاتم فيروزي. فيروزته ركن يدها، كما هي ركن مأتمها. يمكنك حين تجلس في أي مكان في المأتم، أن تلمح بريق معاضدها الذهبية. لا تفارق المعاضد معصم يدها حتى في الحزن. ينزع الأسود عن جدار مأتمها بياضه في شهري الحزن، لكنه لا ينزع معاضدها الذهبية، ولا يحلحل خاتمها الفيروزي. إنهما علامتها لا علامة حزنها. مأتمها بيتها. ومن يصير مأتمها بيتاً لها، يصير عالمها مأتمها. تسكن فيه وحدها على رغم كبر سنها. لا تقبل أن تتحول عنه إلى أي مكان آخر، حتى لو كان هذا الآخر، بيت ابنتها القريب. لا يخلو بيتها -مأتمها- من رواده -روادها-. كاريزمتها المحبوبة جعلتها جهة قلب تقصدها النسوة والفتيات على حد سواء.

كبر سنها لا يتيح لها الحركة والتنقل بسهولة. لكنها تدير مأتمها من مكان جلوسها. من ذلك الركن تمارس سيادتها كما تمارس عنايتها. لا يفوتها أن ترحب بالمستمِعات بحفاوتها البالغة، لا يفوتها أن تحيطهن بعباراتها الذهبية كما تحيط معصمها بمعاضدها الذهبية. لا تغيب عن نظرها من تحضر، لا تغيب عن وعيها من تتخلف. لا تغفل من لا تصلها بعد انتهاء القراءة والضيافة. فالوصل في نظرها تقدير، وإهمال الوصل تقتير وقطع. إنها ليلة الرابع من محرم، تبكر خادمات الحسين بالحضور إلى المأتم. يقمن بتوظيب المكان وتهيئته للقراءة. في المطبخ، يجلس قِدْرٌ كبير من الحليب فوق النار، يمتزج بياض الحليب بخيوط الزعفران وماء الورد. يتمكن اللون من اللون والرائحة من الرائحة. ليس مثل الحراة تذكي الكيمياء بالكيمياء. تنتج كيمياء جديدة. حليب وزعفران، أو حليب زعفران؛ سمه ما شئت. يعبق به المكان. يمتلئ المأتم برائحة الزعفران قبل أن يمتلئ بسواد النسوة. تبدأ النسوة بالتوافد. رائحة الزعفران تهيئ لدفء يكسر برد الشتاء. تغيرت بعض ملامح المأتم النسائي في السنوات الأخيرة. أُدخلت المحاضرة الدينية تقليداً جديداً. يريد التقليد الجديد أن يستقطب الفتيات اللاتي لا يجدن في النواح والبكاء كفاية لعقولهن. يريد أن يقارب بين مأتم الرجال الذي يقدم عزاءه في قالب خطابي، وبين مأتم النساء الذي يقدم عزاءه في قالب لطمي. التقليد النسائي الجديد يتمثل أداء الخطيب. يقلّده. يتشبه الأداء النسائي (المُحاضِرة) بالأداء الرجالي (الخطيب)، فيشتبه الصوت النسائي (دون قصد) بالصوت الرجالي. اللحن والترنيمة والرتم والقوة والجهور. لكن يبقى ثمة خيط زعفراني يفرق بين الصوت والصوت، بين لغة الخطاب ولغة الخطاب. على غرار المآتم النسائية الأخرى، يشهد هذا المأتم محاولة تحديث أو إصلاح. يتبنى المحاولة عدد من شباب القرية في نهاية الثمانينات. يحاول هؤلاء تهيئة المأتم لدخول المحاضرة الدينية. لكن قارئات المأتم يجابهنهن بالرفض القاطع. يبقى المأتم في قالبه التقليدي طيلة السنوات السابقة. في السنوات الأخيرة القليلة تتقلص التحفظات. تتسرب المحاضرة إلى داخل المأتم أحياناً. لكنها أحيان قليلة. جهة الحديث مأتم القرية لا يشبه مأتم المدينة. والنسوة في مأتم القرية لا يشبهن النسوة في مأتم المدينة. في تلك الليلة لم يزد عدد الحاضرات عن الأربعين. لا يزال محرم في لياليه الأولى. ليس بين الحاضرات من لم تتجاوز العقد الثالث من عمرها أو قريباً من ذلك. أغلبهن كبيرات في السن. تعلو وجوههن البساطة والعفوية والتلقائية. تجلس بعضهن (ممن لا يستطعن الجلوس على الأرض) فوق كراسي. الكرسي تقليد جديد في المأتم أيضاً. لكنه تقليد له أسبابه الصحية لا الإصلاحية. للمأتم حرمته الخاصة. تلبس النسوة في المأتم عباءة الرأس، لا الكتف، إمعانا في الاحترام. في المدينة الأمر ليس كذلك، لمأتم النساء في القرية حظوة تفوق حظوة مأتم النساء في المدينة. تبدأ إحدى القارئات بقراءة الحديث [1]. تواصل النسوة أحاديثهن الجانبية. تسير أحاديثهن جهة حاضرهن. وحديث كربلاء يسير بهن جهة التاريخ. كأنهما يسيران في خطين متوازيين، لا يتقاطعان، ولا يلتقيان. لا تنقطع أحاديث النسوة الجانبية حتى تنقطع قراءة الحديث، ويبدأ القصيد. تبدأ القارئة بقراءة القصيد. هنا يخفت صوت النسوة. يغيب حديث جهتهن حتى يتلاشى. تغطي النسوة وجوههن. ويبدأ صوت النحيب. تتفاعل الحاضرات. تعلو أصواتهن. يشاركن القارئة ترديد الأبيات التي يحفظنها. يصير المأتم كله صوتاً واحداً ونحيباً كثيراً. تتوقف القراءة الحسينية. يأتي دور المحاضَرة الدينية (لعلها الليلة الأولى للمحاضرة في هذا المأتم). تحمل المحاضِرة معها دفتراً مدوناً فيه عدد من المحاضرات. تحمله معها في أي مأتم تذهب إليه. تتوسط المحاضرة المجلس. تبدأ النسوة بكشف وجوههن. تداخل إحدى النسوة: ليش ما جبتون لينا عيش الحسين؟ حديث الساعة تبدأ المحاضِرة بآية من سورة طه. تشرح مفرداتها. تنتقل بترتيب مقصود إلى استشهادات حسينية. تقدم حواراً يدور على لسان بعض شهداء الواقعة. لعل النسوة تستسيغ المحاضرة الذي قطعت خلوة بكائهن. تسترسل المحاضِرة في الكلام. لا العزاء. تبدأ بعض النسوة في التثاؤب والتململ. تقف بدفترها وسط المستمعات. تتحدث المحاضرة عن محاسبة الذات. تكشف إحدى النسوة عن وجهها وتقول: لا تجيبين عن القبر ولا الموت. تتناول المحاضرة بعض أحداث الساعة. تنتقد إحدى الكاتبات الصحفيات. تسميها ”بحرانية بعثية”. تأتي اللعنات من بعض النساء، تشاركهن الباقيات اللاتي لا يعرفن معنى ”بعثية”. تأتي المحاضرة على سيرة صدام حسين. تشير إلى تاريخه ونهايته. تقارن بينه وبين محمد باقر الصدر الذي أعدمه صدام. تقول المحاضرة ”عندما نبش قبر الإمام الصدر بعد 20 سنة، تفاجأ الجميع بما رأوا. كأنه مات الساعة”. تقاطعها إحدى الحاضرات ”أبي رحمة الله عليه، عندما فتحوا قبره بعد سنوات أيضا، وجدوه على حاله”. تجيبها المحاضرة ”عليه بالعافية”. تبسط المحاضرة الكلام. ومن العراق تنتقل إلى لبنان. ومن صدام حسين إلى حسن نصر الله. فينتقل الكلام من الذم إلى الإطراء. يسترسل الكلام ولا ينقطع. الشاهد يجر الشاهد. تعلن إحدى المستمعات امتعاضها: إذا كل ليلة محاضرة ما بجي. تدخل إحدى المستمعات متأخرة : ”كل شي تقولينه نعرفه، أنا تأخرت لين تنتهي المحاضرة”. تبتسم المحاضِرة، لكنها لا تستسلم، تنتقد لبس البالطو (الجلباب الأسود) المزركش، تستاء من ملابس حفلات الزواج غير المحتشمة. تدعو المستمعات إلى التوقف بعد عشرة محرم، ومحاسبة أنفسهن ليكون حب الحسين قولاً وفعلاً، لا قولاً فقط. تختم محاضرتها بأبيات حسينية وتنتهي. يشكرها النسوة، يرتفع صوت إحداهن من آخر المأتم: ما تقرين عاد جت آخر الليل (تعني الملاية). إنها الملاية الآن. ها هي تمسك دفترها وتقف في صدر المأتم. تغطي شيئاً من وجهها وتظهر ما يمكنها من القراءة والنعي. ها هي الوجوه تتبدل حالاتها. ينتفض الملل الذي كان جاثماً على بعضها، وتدب فيها شهوة النواح. تعتدل الأجساد وتتهيأ للدخول في مساحات البكاء. البكاء غسل للروح وترقيق للقلب. البكاء توجه خالص لنصرة الحسين. البكاء اشتراك في فجعة الفاجعة. البكاء مواساة لصبر زينب. البكاء اعتذار يتجاوز التاريخ. هكذا تفهم النسوة البكاء. وهكذا تقدم النسوة نفسها بين يدي العزاء. حديث الواقعة تبدأ الملاية. يغطي النسوة وجهها مرة أخرى. تطلق الملاية ونّتها الأولى. يضج المكان بالونين والآهات. تقرأ روايتها بإيقاع يفجع السواد. فتزيد السواد لوعة وأسى. يسكب النسوة أصواتهن في دموعهن. يطأطئ النسوة رؤوسهن فيرتفع نواحهن. تتمايل جذوعهن يمنة ويسرة. تهتز أجسادهن من فرط البكاء، وتنفرط أصواتهن من صوت الواقعة. كلما اشتد خطب بأحد أبطال كربلاء أو سار بخطواته نحو الموت صفقت النسوة مولولات. تصفق الملاية على ظهر كتابها وتعلي وناتها وآهاتها. لا تتمالك النسوة أنفسهن، يناجين السيدة زينب في نحيب كسير: ”غريبة يا بعد عمري”، ”الله يساعدش يا زينب”، ”جوش الشباب يا زينب”، ”ما قصرت يا عيوني”. تناجي النسوة الإمام الحسين بصوت باكٍ متهدج ” يا حبيبي يا غريب”. تمد ونتها ”واحسيييييين واحسييييين”. تلطم صدرها ”على الشهيد، على الغريب، على الوحيد، على العطشان،..”. يختلط صوت المستمعات مع صوت القارئة في تداخل يستدر الدمعة ويزيد من حدة الفجيعة. في المراد (اللطمية)، يضرب النسوة بيدهن على صدرهن أو رجلهن أو رأسهن. لا يهدأ صوت النحيب حتى تختم الملاية. ”إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”. فيأتي وقت الدعاء. حديث الحليب ها هن النسوة يجففن دموعهن. يستعدن شيئاً من هدوئهن. يسكنّ إلى الدعاء. كأنهن ينزعن عنهن ثوب الواقعة. تدور خادمات المأتم بحليب الزعفران الدافئ. ترتشفه النسوة بروية، فتعود إلى وجوههن التي أرهقها البكاء، شيء من لون الحياة. تفرش السفرة على الأرض. يتوسطها عيش الحسين وخيرات المأتم. تتقابل النسوة. ينفتح الحديث على الحديث مرة أخرى. يصير الحديث جهة الحاضر لا التاريخ مرة أخرى. تبدأ حميمية الكلام والطعام. تعود للوجوه الابتسامات والضحكات. قبل أن تغادر النسوة، يتجهن ناحية ركن المأتم. حيث صاحبة المأتم. يسلمن عليها، يشكرنها، يستمتعن بحلو عباراتها، ثم ينصرفن. من ذلك الركن، بإصبعها ذي الخاتم الفيروزي، تشير صاحبة المأتم، تلتفت لمن لم تتناول حليب الزعفران هنا، ومن لم تأكل هناك. تتأكد أن الجميع قد تمت ضيافتهن، وأن الأمور تسير بشكل مرض. تحيط بنظراتها الجميع، ويسبق سلامها سؤالها عن من لم تحضر من المستمعات والصديقات.

[1] الحديث هو بمثابة التهيئة للدخول إلى القراءة. يقرأ الحديث أولاً، ثم يأتي بعده القصيد، ثم الرواية، ثم المراد.