حوار مع مجدي خليل2

مجدي خليل لـ «الوقت»: الأصولية حكر على الإسلام.. وأميركا بيد العلمانيين

المثقفون العرب دعاة تقدم.. بينما صناعته تحتاج إلى القوة وهي بيد الغربيين

الوقت – حسين مرهون، علي الديري: 

الحقائق قابلة لأن تتغير باستمرار. هذه حقيقة جديدة: لا أثر للأصولية المسيحانية على أميركا، ولا حتى اليهودية. على الأقل هذا رأي الباحث مجدي خليل، الأميركي من أصل مصري قبطي وعضو مركز ابن خلدون للدراسات.

في الأعوام الأخيرة التي أعقبت غزو أفغانستان والعراق بدت هذه الحقيقة قوية وأقلّ استجابة إلى النقض. وقد أسهمIMG_4148 الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش بمعاونة المحافظين الجدد في إدارته على تكريسها عبر سلسلة من التعبيرات أطلقها على خلفية الحرب على الإرهاب وكانت ذات صبغة دينية. في الوقت الذي كانت مراكز الدراسات وأجهزة قياس الرأي تشير إلى ارتفاع جنوني في نسب التدين في أميركا، وهو ما كان يتنافى مع صورتها كواجهة للعالم الحديث.

ومع ذلك، فإن خليل تحفظ في ترتيب نتائج كبيرة على ذلك. قال «مايزال القرار بيد علمانيين». وقد جادل بشأن أن الأصولية اليوم هي حكر على الإسلام. في حين انتفت تماماً عن المسيحية واليهودية، مستدركاً «حتى الباقي منها فغير مؤثر». «الوقت» التقته على هامش تقديمه ندوة قبل أسابيع من تنظيم جمعية المنتدى. فيما يأتي الحلقة الثانية من الحوار معه:

التقدم بيد باريس وطوكيو وواشنطن ولندن

لستَ قبطياً متديناً وتصف نفسك بالليبرالي. لكن الملحوظ في كتاباتك أنك تلجأ لدى تحريرك بعض المصطلحات إلى تعريفات دينية. تقول معرفاً الإصلاح إنه «نشدان الكمال المسيحي». وتشترط في الشخص المصلح أن ينطلق من سياق يبقيه ضمن أرضية «الداخل المسيحي». كيف تفسر هذا التناقض؟

– رأيي أن كل دين يرتبط بمجموعة من القيم. في الإسلام مثلاً، هناك قيمتان رئيستان، وهما العدالة والإيمان بالله. والعكس، فإن أرذل قيمتين في الإسلام هما الظلم والشرك بالله. في المسيحية أيضاً هناك مجموعة من القيم، لكن القيمة الرئيسة، هي المحبة. تمثل هذه القيم خيوطاً رئيسة لمقاربة الأمور ضمن دائرة الإسلام أو المسيحية. بمعنى آخر، إنك لا تستطيع شطبها أو تجاوزها. لكن ليس معنى ذلك أنك تؤمن بهذا الدين أو ذاك. أنت تستقي فقط أهم ما فيه. وبالتالي، فإنك بخصوص التعريفات التي أوردتها عني، لا تستطيع أن تنتزعها من السياق العام للكلام.

لكنك تقدم طرحاً للإصلاح أقرب إلى أن يكون لاهوتياً. فأنت تميز بين ماتسميه «المصلح» و«المعارض» – للكنيسة – وتجعل من المصلح شخصاً مربوطاً بالمسيحية وعارفاً بها فيما تقتصر وظيفته على إيصالها إلى الكمال من الداخل؟

– هذا التعريف أوردته في سياق ورقة كنت قد أعددتها أساساً لتلقى داخل الكنيسة القبطية في مصر. فسياق الحديث إذاً كان مختلفاً ومداره يحمل شيئاً من الخصوصية تتعلق بالكنيسة المصرية فقط. لكن إن شئت، فيمكننا التحدث عن المصلح عموماً. المصلح في إطار نظريات التقدم الذي هو كما لا يخفى صاحب خصائص أخرى.

حسناً، لو دعيت الآن لإلقاء محاضرة خارج الكنيسة، كما في تجمع علماني أو حتى في واحدة من البلدان الإسلامية. كيف ستقوم بتعريف المصلح وهل ثمة مصلح خصوصي وآخر عمومي؟

– سبق أن كتبت شيئاً من هذا القبيل تحت عنوان «الصراع بين دعاة التقدم وحراس التخلف». وقد فرقت فيه بين دعاة التقدم وصناع التقدم، كما عرفت أيضاً حرّاس التخلف. قلت إننا – نحن المثقفين العرب – دعاة تقدم في حين أن الغربيين صنّاعه. ذلك أننا لا نصنع التقدم، فصناعته تحتاج إلى قوة. فيما الغرب وحده من يمتلك القوة اليوم. أما نحن فكما أسلفت.. فدعاة تقدم فقط، وقد ضعت نحو عشر نقاط بمثابة خصائص، ولك أن تعتبرها تعريفاً متبنى من قبلي إلى المصلح: أن يتبنى قيم الديمقراطية، الرأسمالية الغربية، يكون منفتحاً على الغرب، وفي حالة سلام مع إسرائيل إلخ إلخ. المشكلة عندنا في المنطقة العربية، وهذا الأمر ينطبق على مثقفين أيضاً، أن هناك تقديساً للصراعات. فحين تستمع إلى صحافي مثل محمد حسنين هيكل تجد نفسك دائماً ضمن دائرة خط أساسي، هو الصراع. بينما أنا أرى الأمر من جهة معاكسة، أن الخط الأساسي في العلاقات الدولية هو التعاون.. السلام. أما الحروب والصراعات فهي استثناءات. وقلت في هذا المقال أيضاً إن صناعة التقدم تمر بباريس وطوكيو وواشنطن ولندن فيما تمر صناعة التخلف من دول مثل أفغانستان وباكستان وإيران والسودان ووو. إن ثمة ركائز إلى التقدم، أولها هو خبرة الآخرين. التجربة الغربية هي اليوم موضع خبرة البشرية الرئيس.

السلفية الدينية أقوى من التيار الإصلاحي

لكن مدار حديثك الرئيس كان عاماً والورقة جرى نشرها من قبلك في منتدى علماني «منتدى الحوار المتمدن» وكنت تقول الإصلاح «سعي الكنيسة نحو الكمال» من دون أن تلفت إلى أنك كنت تعني «الإصلاح الكنسي».

– لا، هذه مقالة كنسية، ولا علاقة لها بموقفي من الإصلاح بالمعنى العام.

هل تتبنى ضمن هذا الموقف تفريقاً كان يعقده بعض الفلاسفة المسلمين مثل ابن رشد الذي كان يفرق بين الخطاب الذي للعامة وذاك الذي للخاصة؟

– لا، أبداً. كل ما في الأمر أن هناك مصطلحات ذات طبيعة خاصة. ورأيي، أن عليك ضمن بعض السياقات أن تخاطب الجمهور بمصطلحاته التي يفهمها. أي أن تتكلم بلغته. لكن إن شئت، يمكنك أن تسألني عما أعبر عنه من خلال السياقات العامة.

حسناً، ثمة جدل كبير يدور في أوساط المثقفين بالنسبة إلى موقفهم من الإصلاح. هناك من يبني موقفه من الإصلاح عبر استعادة لحظة عصر النهضة: محمد عبده وجمال الدين الأفغاني والكواكبي ومجايليهم. وهناك من يستعيد لحظة الحداثة الأوروبية، بدءاً من ديكارت وسبينوزا فاللاحقين. في حين لا تبدو أنت، أو لا يظهر من كتاباتك على الأقل، أنك معني بهذا الجدل. ما السبب؟

– على العكس، فقد كانت لي كتابات في هذا الإطار. وقد تحدثت عن أربعة مشروعات إصلاحية طرحت في المنطقة. أولها كان مشروع ابن رشد (1126 – 1198) وكان مداره هو إعمال العقل في تأويل النص وتوظيف ذلك لصالح فكرة التقدم. الآخر كان مشروع محمد عبده (1849 – 1905) وكان يدور بشأن تأويل المصلحة، أي البحث في النص عما يوافق المصلحة. وكان الثالث مشروع علي عبدالرازق (1888 – 1966) الذي وضع كتاب «الإسلام وأصول الحكم» وعمل على تأصيل فكرة فصل الدين عن الدولة. وكان الأخير – الذي تحدثت عنه – هو مشروع المستشار محمد سعيد العشماوي (1944) الذي اشتغل على إثبات فكرة تاريخانية النصوص. لكن المشكلة أن كل هذه المشروعات فشلت رغم أن جميعها تعاملت مع الدين كمكون أساسي. فابن رشد حرقت كتبه، وعبده انقطعت مدرسته، وعبدالرازق طرد إلخ إلخ. ومرة أخرى، أثبتت السلفية الدينية أنها أقوى من التيار الإصلاحي بكثير.

على ماذا تعول إذاً بالنسبة إلى الإصلاح في العالم العربي. على الموقف الأميركي مثلاً، نعرف أن لك مواقف سابقة تؤيد فيها مسائل التدخل لتعديل بعض الأوضاع. والحق أن ذلك يختلف تماماً عمن أشرت إليهم لجهة تبنيهم الإصلاح انطلاقاً من جهود داخلية. أم ماذا؟

– أبداً، لا يوجد تعارض بين النموذجين. أنا لا أتبنى الإصلاح الأميركي إنما الرؤية العالمية للإصلاح المتفق عليها من قبل دعاة التقدم. العالم ليس أميركا وحدها. هناك رؤى عالمية مشتركة. مسائل مثل الحريات أو الفصل بين السلطات أصبحت أشياء ذات طبيعة كونية. وحين نتحدث عن حقوق الإنسان اليوم نتحدث عن حقوق توافق عليها المجتمع الدولي بأسره وليس المجتمع الأميركي. بالنسبة إليّ فأنا أتبنى ما اتفق عليه المجتمع الدولي، والإنسانية جمعاء، حيال مسائل مثل هذه. كانت الإنسانية قد راكمت تراثاً عريضاً بشأن مسائل حقوق الإنسان. لكن بدءاً من العام 1945 غدا هذا التراث مكتوباً. أصبحت هناك مواثيق واتفاقيات ومحاكم دولية موقّعة من قبل نحو 193 دولة، ما يعني أنها ليست أميركية. القاعدة الأساس أنك تريد الارتقاء بالإنسان، حريته وكرامته. ولدي رأي هنا، أن سيادة الإنسان من خلال ما يمثله عنصرا الحرية والكرامة أهم من سيادة الدول.

العرب أفشلوا مشروع الأميركان في العراق

لكن هل تعزل نموذج الإصلاح هذا عن خلفيته السياسية. بمعنى آخر، هل مفهوم الإصلاح الذي تطارح لأجله بالبناء على موقف المجتمع الدولي يخلو من أية أجندات سياسية؟

– شخصياً، أتبنى مسألة فصل الهدف عن الوسيلة. أي أنني لست معنياً تماماً بمن الذي يتبنى المشروع أو يساعد عليه. ما يهمني هو المضمون، صحيح أو لا. لصالح الإنسان العربي أو لخير المنطقة أو. بعد ذلك، سواء أتى الإنقاذ من الغرب، الهند أو السند، الأهم هو الهدف.

لكن ما يمكن أن يؤخذ عليك هنا، هو أن هذا الطرح لا يحترز إلى جوانب تتعلق بأبعاد سوسيولوجية. فأنت نفسك كتبت مقالاً بعنوان «بعد عام من سقوط بغداد» رسمت فيه صورة وردية للواقع. في حين نعرف الآن جميعاً النتائج التي أفرزها التدخل الأميركي كانت حرباً على الهوية. إلى أي حد يمكن أن يستقيم طرحك بشأن الإصلاح من دون التدقيق في الوسيلة؟

– أواظب منذ خمسة عوام على كتابة مقال عن سقوط بغداد. تجدني في آخر مقالاتي على العكس، أرسم صورة متشائمة. أخبرك أكثر من هذا، في العام الماضي تمت استضافتي وأربعة من رجال الإعلام من قبل صحيفة «واشنطن بوست»: غسان تويني والمرحوم أحمد الربعي وناظم شفيق وسلامة نعمات. أسمونا.. الخمسة المؤيدون لغزو العراق يتحدثون بعد أربعة أعوام. كلنا قلنا، إن الأمر كارثة. في الواقع، لقد تداخلت كثير من الأمور، حكومات دينية، طوائف، فاختلط الحابل بالنابل. أصبحنا أمام مشروع تناحر طائفي، ميليشياوي. لكن في الأصل، فأنت تبني مواقفك انطلاقاً من أهداف محددة. وحين أؤيد الإطاحة بديكتاتور، وإعادة التوازن لشعب من الشعوب، فذلك تأييد مشروع. أما النتائج فشيء آخر. أنا أعتبر أن أميركا فشلت في العراق.

حسناً، مادامت قد وصلت إلى هذه النتيجة، ألا يستدعي منك ذلك مقاربة جديدة لنموذج الإصلاح المطروح على المجتمعات العربية. ليست مسألة أنك تؤيد أو لا تؤيد، إنما مقاربة تأخذ في الحسبان بالأبعاد السوسيولوجية؟

– للأسف، العرب هم من أفشلوا المشروع. فقد كانت لدى الأميركان نوايا حقيقية. كانوا يريدون جعله نموذجاً، وقد صرفوا مبالغ طائلة لأجل ذلك. لكن العرب لعبوا دوراً سلبياً. روجوا كلاماً فارغاً، أن الأميركيين أتوا للبقاء في حين لم تكن أهدافهم تعدو إسقاط الديكتاتورية وجعل البلد مستقراً، في حالة سلام مع إسرائيل، خالٍ من العنف، مع ضمان استمرار تدفق النفط. تلك كانت أهدافهم، بعضها تحقق وبعضها الآخر لا. نجحوا في إسقاط صدام، امتصوا القاعدة، وسيطروا على العنف نسبياً، وأبعدوا شبح الإرهابيين. منذ العام 2001 لم يحصل أي عمل إرهابي في أميركا. لقد نجحوا نسبياً في كل ذلك، لكن ما يهمني على المستوى الشخصي لم ينجح. تلك هي الكارثة. أخفقوا في جعل العراق بلداً ديمقراطياً، أو جعله نموذجاً في المنطقة. وقد أسهم العرب بدور كبير في ذلك.

أقول «غزواً» ولا أقول «فتحاً»

وتحول بذلك العراق من نموذج كان يراد له أن يصبح نموذجاً لكل المنطقة إلى مضرب مثل في الفشل لكل المنطقة، كما يحلو لرئيس تحرير مجلة «نيوزويك» فريد زكريا أن يعبر. هل توافق على ذلك؟

– لا، لا أتفق مع ذلك. أعرف الخلفية التي ينطلق منها فريد زكريا. إنها تنطلق من منظور أقرب إلى المأزوم. ذلك بحكم خلفيته الثقافية كما أسلفت، في حين رؤية الغربي أكثر تفاؤلاً وأقدر على خوض المغامرة، يتحرك ويغزو. نعم ثمة فشل حصل في العراق، لكن تلك ليست كل الصورة. هنالك مواضع نجح فيها الأميركان.

حسناً، لننتقل إلى مسألة أخرى ذات صلة، وتحديداً عند مفهوم استخدمته في كتاباتك لدى وصف أوضاع الأقلية القبطية التي تنتمي ثقافياً إليها. قلت.. الأقباط غرباء على أرضهم منذ «الغزو» العربي. ألا تجد أن استخدامك لمصطلح «الغزو» هنا يرتبط بعلاقة ما مع مفهوم الإصلاح الذي تدافع عنه؟

– هل تعرف أن الخميني استخدم المصطلح نفسه. قال.. الغزو العربي لفارس. قال أيضاً.. أخذنا الإسلام ولم نأخذ العروبة. وهو ما يعني أنني لست وحدي من استخدم هذا المصطلح. وإلا قل لي.. ما المصطلحات التي يمكن أن نصف بها الحالة هذه. في أميركا، نحن نستخدم المصطلح نفسه لدى الحديث عن التدخل في العراق. نقول غزواً ولا نقول فتحاً. أما بالنسبة إلى أهداف الغزو، نبيلة أو لا، فتلك مسألة أخرى. وهكذا، فحين جاء عمرو بن العاص إلى مصر (19 – 21هـ) جاءها غازياً. كانت دولة فرعونية وحوّلها إلى مستعربة. وأرجو ألا يفهم الأمر على أنني ضد حركة التاريخ. لا، فأنا أصف فقط. أقول «غزواً» ولا أقول «فتحاً».

لكن أليس هذا هو حال الإمبراطوريات على مر التاريخ؟

– نعم، لذا فأنا لا أعترض، جميع الإمبراطوريات غزت. لكن حين نريد إدانتها فيجب إدانتها جميعاً بالتساوي. الحروب الصليبية كانت غزوات، والغزوات في ظل الخلافة الإسلامية كانت كذلك أيضاً. الأمر نفسه بالنسبة إلى غزو أميركا إلى العراق. لكن حين نذهب إلى تقييم الغزو فنحن ننتقل من التعريف إلى ضفة أخرى. هنا يجب أن نتحدث عن الآثار، إيجابية كانت أو سلبية.

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=119285