حوار مع مي الخليفة

الشيخة مي الخليفة في أول حوار لها بعد أن غادرت كرسي الوكيل المساعد:

لم أراهن على غير الثقافة، ويحركني الغضب والحب

http://www.awan.com/node/84202

لا يحضر اسمها في مكان إلا ويكون محفوفاً بجدل غير مسبوق. امرأة تكثر (غير مسبوقاتها) على نShMaiphoto حو غير مسبوق. تطلق رهاناتها، ثم تمضي إليها ولا تكترث. تقول في أول حوار معها بعد أن غادرت منصبها الرسمي: "لم أراهن على أحد، لم أراهن إلا على نفسي وعملي".

متمردة عنيدة، مقاتلة شرسة، لا تلين ولا تنكسر، لا تعترف بالسرب، ولا بالمؤسسة الرسمية التي كانت تنتمي إليها متمثلة في وزارة الإعلام. تمردت على وزراء ثلاثة متعاقبين خلال أعوام أربعة وعدة أشهر؛ هي مدة توليها منصبها كوكيل مساعد.

تتجاوز أية سلطة إدارية تعيق تنفيذ مشاريعها المتعلقة بالثقافة والتراث. مشاريعها لا تسكت وليس لها سقف. تعمل منفردة ولا مكان لاستراحة المحارب ضمن أجندتها المكتظة دائماً.

على الصعيد الرسمي؛ هي الوكيل السابق لقطاع الثقافة والتراث الوطني التابع لوزارة الإعلام. أنجزت خلال توليها هذا المنصب عدة مشاريع غير مسبوقة، مثل تسجيل قلعة البحرين ضمن التراث العالمي، وإنشاء متحف قلعة البحرين بدعم من القطاع الخاص. والانضمام إلى عضوية لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو، وقد سجلت البحرين رسميا في تلك المنظمة، ومن مشاريعها غير المسبوقة، إنارة القلاع، فقد نجحت في إقناع القطاع الخاص لتحمل تكاليف إنارة قلعة البحرين، وقلعة عراد وقلعة الرفاع.

وقد توّجت مشاريعها غير المسبوقة إضافة إلى جهدها البحثي وأنشطتها الثقافية، بالحصول على وسام (غير مسبوق محلياً في مجال الثقافة والآداب)، وهو وسام الفارس في يناير/ كانون الثاني من العام 2008.

المرأة المراهنة تلك، هي الشيخة ميّ بنت محمد آل خليفة. أخضعت الشارع الثقافي البحريني إلى جدل مثير. جدل تصاعد مع تزاحمات برامجها ومشروعاتها وإدارتها وتحركاتها وجرآتها الإدارية (غير المسبوقة أيضاً).

قيل إنها المرأة التي "أشعلت حرب داحس والغبراء في البحرين"، وأنها قسمت الشارع الثقافي إلى قسمين، بين منحاز لها ومنحاز ضدها. بين ذائب في عزفها المنفرد، وبين ساخط لاختراقها المنفلت عن السرب. وبين طرف ثالث أقل، أراد أن يبقى على طرف من النزاع.

§ الرهان الأخير..

على الصعيد الشخصي والخاص؛ هي صاحبة مركز الشيخ إبراهيم للثقافة والبحوث (تم افتتاحه 2002)، وهو المركز الرئيس لمشروع ممتد لا تزال مساحته آخذة في التوسع بسرعة ملفتة. من هذا المركز انبثقت عدة بيوتات محلية برزت كمحطات ثقافية جاذبة: مثل بيت الصحافة، بيت الشعر، بيت الموسيقى، بيت الكورار، ومكتبة اقرأ. كان لهذا المشروع دوره البارز في إثراء الحركة الثقافية البحرينية داخلياً وخارجياً على نحو غير مسبوق أيضاً.

ورغم المنصب الرسمي الذي تبوأته ميّ في القطاع، إلا أنها تعلن بخلاف المتوقع: "أنا لا أراهن على المؤسسة الرسمية، أنا أراهن على الثقافة فقط". "رهان الثقافة"، هو أيضاً عنوان محاضرة ستقدمها مي نهاية يونيو الجاري في أحد البيوتات الثقافية في فرنسا، بتنظيم من المثقفين العرب في فرنسا. في هذه الورقة ستقدم ميّ منظورها الخاص عن رهانها الخاص؛ رهانها للثقافة وعلى الثقافة، وذلك من خلال أنموذج تجربتها البحرينية.

§ شيء آخر..

لا تراهن ميّ إذاً، على منصبها أو وظيفتها، بل تراهن على شيء آخر. تقول "المنصب الذي كنت فيه كان محدودا وصغيراً ودون سقف مشاريعي. ليس له صلاحية. أنا أعطيت المنصب حركة وإيقاع مختلفين، لأني كنت أتحرك من خلال شخصي، لا من خلال منصبي. عندما أتيت المنصب كنت واقفة على سبعة كتب، وكان لدي مركزان ثقافيان نشطان، وكانت لي علاقة متينة بشخصيات لها ثقلها الاجتماعي والثقافي. لا يمكن إغفال دور العلاقات الشخصية في تعزيز وجود المثقف وترسيخ مكانته. العلاقات توسِّع مدارك الإنسان وتفتح أمامه أبواباً جديدة وأفكار. نحن لا نكتفي بذواتنا، نحن نتعلم في كل يوم الجديد".

ثم توضح "العمل الذي قمت به في المؤسسة الرسمية لم يكن عملاً. أنا لست موظفة أسترزق. أنا لم أذهب للوظيفة، الوظيفة هي التي أتت لي. أنا سيدة كنت أعمل في بيتي: أرسم، أكتب، أعمل دراسات تاريخية. ثم قمت بإنشاء مركز ثقافي. كان دافعي إلى ذلك الثقافة. حب الثقافة فقط. وخلال شهور أربعة فقط، تجاوزت أنشطة هذا المركز بتألقها وحيويتها أنشطة بعض المؤسسات الرسمية. عندها أوكلت لي مهمة الإمساك بالقطاع الرسمي. وكنت متخوفة من ذلك. أتيت القطاع الرسمي وعملت بنفس الإيقاع ونفس الحب. لم تكن علاقتي بالعمل في القطاع علاقة عمل، كانت علاقة حب"

وتوضح "الآخرون الذين كانت توكل إليهم نفس وظيفتي، يأتون مكاتبهم في المتحف، ثم يجلسون. أنا أدخل المتحف فلا أجلس. أدور في داخله لأبحث عن الزوايا التي تتيح لي أن أنعشه من خلالها. المتحف عندي مؤسسة تعليمة أساسية. هي ليست مكاناً لوضع الآثار والمعروضات. المتحف يجب أن يكون صرحاً ثقافياً، يجب أن تقام فيه أنشطه ثقافية. يجب أن يُحرك كي يفعل وجوده الثقافي. وهكذا حرصت على أن أجعل من هذا المكان متحف، وشيء آخر".

§ تحرك المحب..

تفتخر ميّ بما حققته في المتحف من انجازات، وما جعلت له من حضور غير مسبوق، فتضيف "كان المتحف يغلق أبوابه يومين كاملين هما الجمعة والاثنين، بالإضافة إلى عصر يوم الخميس، وأوقات الظهيرة من الثانية حتى الرابعة كل يوم. لفتتني السفيرة التركية إلى أنها حاولت زيارة المتحف على مدى أربع مرات، لكنها كانت تأتي لتفاجأ في كل مرة أن المتحف مغلق. منذ الأسبوع الأول لتسلمي القطاع، عملت على فتح أبواب المتحف يومياً من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الثامنة مساء. فصار متاحاً للجميع في أي وقت. صار باباً يدعوك للدخول إليه"

ربما لهذا، لا ترى ميّ أنها قد أُخرجت من حقل الثقافة والتراث. تقول "لا أحد يخرجني من مكاني. عملي ليس حيث الكرسي. عملي هو في الثقافة والتراث. هذا هو ما يسكنني. أعمل وفق محرّك داخلي. أعمل في هذا بلا هوادة وبلا راحة. لن أقف عند منصب. المنصب كان تبعة مكلِّفة جداً. رجوعي الثاني للقطاع كان بهدف حماية المواقع الأثرية؛ تسجيل قلعة البحرين في قائمة التراث الإنساني هو هدفي. كتبت ذات مرة شيئاً عن علاقتي بقلعة البحرين وطفولتي قريباً منها. ما تم انجازه لدخول قلعة البحرين شيء خيالي. لا يمكن للموظف أن يعمل وفق هذا الجهد الخيالي ما لم يكن مسكوناً بالحب. فـ(بالحب تحرك المتحرك) كما يقول ابن عربي. قلت قبلاً أن ما يحركني هو حب وغضب. حب لأشياء وغضب من أشياء. لماذا يتركون هذه الآثار دون حمايتها. الحب هو ما يبقى لا الحسبات. هؤلاء تحركهم حسبات سياسية وضغائن، لكن لا يحركهم الحب"

لكن ماذا تشعر ميّ تجاه القطاع الآن، وقد غادرته؟ تقول مي "أنا لدي مشاريعي ماضية فيها. لا أنكر أني أخشى أن تدمّر الانجازات المتحققة، وعيني عليها. لكن لا يحق لي الآن أن أتكلم عنها. أنا الآن خارج المؤسسة الرسمية. لدي الكثير مما أقوله. لكن الذي أستطيع أن أقوله هو أتمنى أن تتواصل الأمور. سأجلس خارجاً الآن وسأتفرج. والوقت هو الحكم. والفرص لا تتكرر"

§ ترف الثقافة..

لا تختلف الأطراف الثقافية بشأن قوة حضور ميّ في الساحة الثقافية، وما تشعله فيها وما تشغله من حراك ثقافي متفرِّد، لكنها تختلف بشأن تفاصيل إدارتها للقطاع، وعلاقتها بكل من رؤسائها ومرؤوسيها والأطراف المختلفة معها. كما تختلف بشأن معالجة ميّ لقضاياها الخلافية. إلا أن قضية "فصل قطاع الثقافة عن وزارة الإعلام"، تأتي على قائمة نزاعات ميّ وصراعاتها الداخلية، ما جعل ميّ لا تعترف بأي قرار إداري يظهر سيطرة (الإعلام) على قطاع (الثقافة والتراث)، أو يعرقل أي من مشروعاتها فيه. الأمر الذي استجلب بدوره خناقات مستمرة بينها وبين وزراء ثلاثة توافدوا على الإعلام خلال توليها منصبها الرسمي. فيما "كانت حقبة الوزير الثاني هي الأخف وطأة" كما تقول.

تمكنت ميّ، وبوحيٍّ من قوة رهانها، أن تجعل اسمها قريناً لكل ما يحضر فيه اسم الثقافة والتراث، وأن تجعل من الثقافة حديثاً شارعياً بعد أن كان حديثاً نخبوياً يدور داخل جدران أسوار مغلقة. تراهن ميّ على ذلك عبر قولها " لم يكن استقلال الثقافة موضوعاً مطروحاً عند أحد من قبل. لم يكن الشارع تعنيه الثقافة ولا يلفته نشاطها. كان الشارع منشغلاً بهمه اليومي وشأنه السياسي والحياتي فقط. الكثير من الناس كانت ترى إلى الثقافة أنها محض ترف؛ أن تحضر أمسية موسيقية فهذا ترف، أن تتعنّى للمشاركة في أمسية ثقافية فهذا ترف. الجدل الذي أحدثته الثقافة مؤخراً، سلباً كان أو إيجاباً، جعل الثقافة تأخذ موضعاً (ما) بين اهتمامات الناس. صارت حديثاً يتحرك بين الناس ويحرِّكهم. صارت الثقافة قريبة أكثر من الناس، قريبة من أعينهم وحضورهم".

ورغم ما حرَّكه هذا الجدل باتجاه الثقافة وأحاديثها. إلا أن ميّ أخذت الجانب الأكبر من التأييد، بقدر ما أخذت الجانب الأكبر من النقد كما حدث في ربيع الثقافة الأول، ما تلاه من أحداث يرتبط بعضها بتجاوزات ميّ الإدارية فيما يتعلق بمشاريع القطاع. إذ ارتفعت العديد من الأصوات الرسمية والإعلامية والثقافية، منددة أن "لا أحد فوق القانون"، مرجعة اختراقات ميّ (غير المسبوقة) في وزارتها وبرامجها، إلى انتمائها إلى الأسرة الحاكمة. لكن ميّ وعلى خلاف ذلك ترى أن "كوني من الأسرة ظلمني كثيراً".

§ الاستثمار..

الاستثمار في الثقافة، كان أحد المشاريع التي رفعتها ميّ لتوظيف رؤوس الأموال الخاصة، بغرض دعم المشاريع الثقافية، ومنها تجديد المباني وإنشاء المتاحف. أشارت ميّ أن أجندتها الاستثمارية كانت تتضمن 19 مشروعاً لتأسيس البنية التحتية للثقافة، بالاستعانة بأفضل المتخصصين في مجالاتهم، وكان أبرز تلك المشاريع تجديد المتحف الوطني وبناء المسرح الوطني وإنشاء متحف للفن الحديث. تقول ميّ " رفعت شعار الاستثمار في الثقافة. وأنا مستمرة في هذا البرنامج من خلال مشاريعي الخاصة الآن. وهي سائرة بهذا الاتجاه. لكن المؤسسة الرسمية لا تعترف بهذا".

وتضيف قائلة "سعيدة أنا أني تمكنت من إنشاء متحف ثاني في البحرين؛ متحف قلعة البحرين. وهو متحف يخدم الموقع الأثري الأهم في البحرين، ويحتوي على دليل سمعي. يتيح لك أن تستأجره لتتعرف من خلاله على الموقع. يحتوي الدليل ترجمة بثلاث لغات العربية والانجليزية والفرنسية". ثم تضيف "وزارة الإعلام رفضت توفير موظفين للمتحف. تطوع 60 شخصاً للعمل في المتحف. كانوا يعملون طوال الوقت دون مقابل. بقى منهم الآن 6 فقط".

تعيب ميّ على الوزارة تجاهلها لمشروع هام مثل المتحف، وتعتبره استهدافاً لا للشخص، بل للوطن المستفيد الأول من مثل هذه المشاريع. تقول "هناك أشخاص لا ألتقيهم في أفكارهم ولا أشخاصهم. لكن نوعية ما يقدمونه من عمل يفرض عليّ دعمهم وتقديمهم على غيرهم في كثير من الأشياء. مادام هؤلاء سيقدمون شيئاً متميزاً يظهر وجه البحرين. أنا لا أدعم الأشخاص هنا. بل أدعم البحرين. يجب أن يكون حلمي أكبر من الذات"

§ الفصل القاطع

وحول مطالبتها المستميتة والعنيفة بالفصل بين قطاع الثقافة والإعلام، تقول ميّ "لا يمكن أن تأتي بمهندس وتطلب منه أن يقوم بعملية جراحية. ولا يمكن أن تأتي بطبيب وتطلب منه أن يقوم بهندسة بناء. الإعلام جهاز خطير. ووزير الإعلام لديه الكثير ليقوم به في هذا الجهاز. نعلم أن الإعلام جهاز لم يتم توظيفه بالشكل الصحيح حتى الآن. أما الثقافة والتراث فهي مسؤولية كبيرة أخرى. هي لون آخر وطبيعة أخرى. هي عمل مختلف تماماً".

توضح ذلك قائلة " في الثقافة والتراث، أنت تتحدث عن هوية. بدون هوية أنت تفقد خصوصيتك. إذا لم تعمل على فرض خصوصيتك أمام العالم، وإذا لم تعمل في الوقت ذاته على تطويرها بشكل ملائم، فأنك تضيع. إذا لم تبرز خصوصيتك وتكون معتزاً بجذورك، فإنك تمحى، وتمحى معك كل جذورك. كان لدي حلم كبير. المشروع الذي أحمله بحجم وطن. لم يكن بحجم شخص. كنت أريد أن أنشئ سبع متاحف. إلى جانب خطط أخرى تعمل بموازاتها".

أما عن اختلاف إيقاعها مع إيقاع العاملين في حقلها الثقافي، تبرر ميّ "إيقاعي الذي أعمل به خيالي. ليست لدي دقائق من أجل راحة. ربما عيبي أنني سريعة جداً. من لا يستطيع مجاراة سرعتي أتجاوزه سريعاً. ضاعت علينا أشياء كثيرة فيما مضى، ولم يعد مقبولاً أن نمشي بإيقاع أبطأ".

وعن ملتقى «الثقافة في البحرين – واقع وتطلعات» الذي عقد في نادي العروبة في 11مايو2008 والذي شاركت فيه 11 مؤسسة ثقافية، تقول مي " وفق معياري الثقافي يكفي أن يقول أحد المثقفين ببقاء القطاع تابعاً للإعلام كي أرى أن الحوار الثقافي معه غير منجز"

253

§ رهان داخلك..

لكن كيف ترى ميّ إلى المثقفين الذين تعتقد أنهم خيبوا ظنها، وكيف تتعامل مع الجهات الرسمية التي كانت كذلك؟

تقول "ليست لدي خيبة. لم أعول إلا على نفسي. لم أعتمد على أحد في أي شيء. في كل شيء كنت أحفر لوحدي. لا أتكئ على عصا أحد. الجميع لهم المعزة في نفسي. لكني لم أعتمد إلا على نفسي. تجربتي تثبت لي مع الوقت أن رهاني على الأشخاص خاسر، ورهاني ليس إلا على نفسي. ما يحركك هو داخلك لا خارجك. لا يحركك موقع رسمي أو منصب، ولا مثقفين يدورون حول أنفسهم. هؤلاء لا يحركوني. هناك في الحياة أشياء جميلة. أنا أتذوقها. هذا هو ما يحركني. وهناك أناس يصلني حبهم. هذا يعطيني حماية نفسية. وهذه الأشياء تكفيني".

وتضيف "أنا أطوف سريعاً. لدي أشياء كبيرة أريد أن أنجزها. أحتاج وقتي لأمضي فيه. لن أدخل في الجدل الدائر لأنه لن يؤدي إلى شيء. سأتركهم يتناقشون ويأتمرون. أنا لا أؤمن بالكلام. أؤمن بالعمل فقط. عندما أرى طفلاً يقرأ كتاباً في مكتبة (اقرأ) التابع لمركز شيخ إبراهيم، أشعر بالإنجاز. حتى نساء الكورار عندما يأتي إليهن الناس في بيت الكورار، ويسألونهن وتجيبهن هؤلاء النسوة من خبرتهن، أشعر بالإنجاز. الإنجاز هو رهاني".

§ حصار الثقافة..

لم تكن الأشهر الستة التي سبقت مغادرة مي لقطاع الثقافة يسيرة. بل كانت ممتلئة بالضغط النفسي والعصبي كما تقول مي "خلال ستة شهور تعرضت لأكثر مما تتعرض له غزة في حصارها. لقد منعوا عني كل شيء. كل الصلاحيات الإدارية والمالية بشكل لا يمكن الصمود معه ليوم واحد. كان تحطيم أعصاب. أنا أردت أن أبقى حتى النفس الأخير. كانوا يريدونني أن أستقيل من تلقاء نفسي، حفظاً لماء الوجه. لكني كنت أقول: احضروا من تريدون وضعوه مكاني، لكني لن أستقيل بنفسي. كنت أريد أن أكشف أقنعة الوجوه كلها. حتى اللحظة الأخيرة. عرفت قبل مدة بأن هناك من سيأتي مكاني. ومع هذا بقيت أحضر معارض وأقوم بافتتاحات رسمية"

مقطع آخير ترويه ميّ من الضغوط التي تعرضت خلال هذه المدة. تقول "كنت قبل أكثر من عام، قد عقدت اتفاقاً مع متحف في فرنسا بخصوص متحف الأقنعة الذي افتتحناه في ربيع الثقافة 2008، قبل أسابيع قليلة من موعده تصلني رسالة من الوزير، بأن لا داعي لإقامة هذا المعرض. المعرض كلفته نصف مليون دينار. حتى قبل 10 أيام لم يكن في يدي فلس واحد. الوزارة لم تدفع شيئاً. هل يمكن تخيل صعوبة تدبير مثل هذا المبلغ خلال تلك الفترة. المعرض الآن موجود، ولا يزال قائماً. أنا غادرت المتحف وهو باق هناك. لا يهم. أريد أن أعمل باسم البحرين. لا يهم باسم من يظهر. مؤمنة أنا تماماً، أن "العمل الصالح ثوابه في العمل نفسه" هذا ما تعلمته ذات رسالة أبوية من إبراهيم العريض، قامة البحرين الثقافية التي سيحتفل مركز الشيخ إبراهيم بمئوية مولدها في نهاية هذا الشهر في اليونسكو. وتقدير الناس هو شيء مكمِّل، لكنه ليس هو الثواب نفسه"

§ ربيع الثقافة..

لكن ماذا عن مصير المتاحف السبعة الآن وربيع الثقافة؟

تجيب ميّ "توقفت، كانت تلك مشاريعي، وقد توقفت بعد خروجي". ثم تضيف "متاحف العالم الجديدة الآن، كلها تدار عبر مؤسسات أهلية. حضرتُ مؤتمر في سيسيلي في إيطاليا تحت عنوان خصخصة التراث، يشير إلى أنه لا سبيل لتطوير المواقع الأثرية وتطويرها وصيانتها والاستفادة منها وتشكيل حركة سياحية ثقافية صحيحة إلا من خلال القطاع الخاص"

وماذا عن ربيع الثقافة؟

"ربيع الثقافة سيستمر. هو مشروع مشترك بين بين مركز الشيخ ابراهيم وبين مجلس التنمية. لا أعرف لماذا يريدون إخراجي من ربيع الثقافة. هؤلاء المثقفون يدورون حول أنفسهم. أنا من أعطاه الاسم. وأنا من أعطاه الشعار. هذا المشروع قام على 3 أشخاص. كنت أنا، ومعي دالية عماشة رئيسة قسم السياحة في مجلس التنمية الاقتصادية، وايمان هنداوي المديرة التنفيذية لمركز الشرق الأوسط للثقافة والتطوير وصاحبة مشروع سوق عكاظ "الربيع مستمر. النجاح الذي حققه لم يكن متوقعاً بهذا المستوى. أنا أخذت الجانب الأكبر من رصيد النجاح ومن رصيد النقد. التكاليف بالكامل هي مدفوعة من مجلس التنمية. لكن تكاليف أنشطة مركز شيخ إبراهيم، خلال ربيع الثقافة أنا أدفعها بالكامل. وبرنامج العام القادم للمركز جاهز، وهناك أسماء كبيرة ضمن برنامجنا، لكن لن أعلن عنها الآن"

§ حين سكتوا..

الآن وبعد أن غادرت ميّ رسمياً موقعها، سكتت الأصوات الضاجّة كلها؛ الصفحات الثقافية والأعمدة والمثقفون والبرلمانيون. بدت هذه الأصوات وكأنها تقاطرت صمتاً بعد كانت تتقاطر صفوفاً بالكلام. لكن ماذا عن قطرات ميّ بعد كل هذا؟ وماذا عن مشروعاتها؟ هل تأثرت أم لا تزال تنهمر كعادة اكتظاظها؟

"لست مشاريعي قطرة، بل سيلاً متدفقاً لا يتوقف عن الانهمار". بهذا تراهن مي على قطراتها، ثم تضيف "لم تبدأ مشاريعي مع منصبي في المؤسسة الرسمية، ولم تتأثر أثناءه، فكيف تتأثر الآن؟ مشاريعي الخاصة آخذة في التوسع، وبزخم أكبر، وبدعم خاص أكبر، لا وقت لدي للالتفات. وقتي أقايضه بالعمل، وأقبضه إنجازاً صرفاً أهديه للثقافة. وقتي ليس كلاماً".

ثم تضيف " نعم. المثقفون الآن سكتوا. ارتاحوا. دعهم يرتاحون. دعهم يبقون مع المؤسسة الرسمية. الثقافة في نظري إبداع حر لا يمكن تقييده"

وحول برنامج أجندتها الأقرب تقول "الأقرب سيأتي نهاية يونيو الجاري، نقوم من خلال المركز بالتنظيم لاحتفالية خاصة في فرنسا باسم الشاعر إبراهيم العريض (1908- 2008). اليونسكو لديها برنامج يتيح الاحتفال بمناسبة مرور مائة عام على شخصيات لها ثقلها ووزنها الثقافي والعلمي. تقدمت لهم باسم إبراهيم العريض الذي يكمل مئويته نهاية هذا الشهر، وقد تم قبول طلبي". توضح ميّ تفاصيل الاحتفال "سنعمله من خلال مركز الشيخ إبراهيم للثقافة والبحوث، في إحدى القاعات الرئيسية في اليونيسكو. يتضمن البرنامج فعالية تتناول سيرته، وكتيب يتناول نبذة عن حياته، كذلك مراسلاته مع بعض الأسماء المعروفة، سيكون هناك ما يشبه المعرض، يحتوي على الكتب المطبوعة عنه في ركن من الأركان. سيكون معه معرض متكامل".

أما عن الجمهور الذي سيحضر الاحتفال، فتقول مي "الجمهور كلّه فرنسي ما عدا أصدقاء معدودين سيأتون من هنا وهناك. وجهنا دعوة إلى 800 شخص. سيكون الاحتفال على مدى خمسة أيام تمتد من 23 وحتى 27 يونيو الجاري". هناك، وفي الفترة نفسها سيكون لميّ لقاء يجمعها بالمثقفين العرب في فرنسا، تلقي فيها محاضرة حول تجربتها الثقافية، توضح "المثقفون العرب في فرنسا مثل محمد أركون وأدونيس وعيسى مخلوف ونبيل أبو شقرا، قاموا بتنظيم محاضرة لي فترة وجودي هناك. أسميت ورقتي "رهان الثقافة. البحرين نموذجاً". لكني لن أضيف الآن توضيحاً أكثر كي لا افسد عليَّ ورقتي".

لكن هل يبدو شيئاً غريباً، أن تكون مئوية العريض ليس لها أي التفاتة هنا في البحرين؟

تضحك مي، ثم تجيب " ماذا أفعل إذا لم يكن أحد ملتفتاً إلى هذا. لم أسمع أن أحداً هنا قد فكر في عمل شيء بمناسبة هذه المئوية. بيت العريض نفسه كان سيهدم، وكانت هناك رخصة لبناء عمارة سكنية مكانه. بالإمكان سؤال المالك الأصلي عن ذلك. كانت إجراءات الهدم منتهية، ولم أحصل على ذلك البيت إلا بعد معاناة شديدة. لكن لا أحد يعرف كيف حصل كل ذلك".

وعن سلسلة مشاريع مركز الشيخ إبراهيم، تقول ميّ " ترقبوا أربعة بيوت جديدة ستفتتح بين سبتمبر وأكتوبر. الأول سيكون مركز معلومات عن البيوتات. والثاني في مركز الشيخ إبراهيم، إذ ستتحول صالة الزوار إلى فناء يضم مأثورات الشيخ إبراهيم، وسيتم افتتاح قاعة خاصة جديدة ملحقة بالمبنى. الثالث هو افتتاح بيت القهوة، وهي مقهى على الطراز الحديث تقدم خدمة ثقافية لزوار المكان. أما الرابع فهو ملحق بيت الزايد، وهو امتداد لبيت الزايد، يتصل به من الطابق العلوي. يمكن عمله كمكتبة متخصصة للصحافة". تقول ميّ ذلك ثم تعقب " أنا أرى الأشياء وهي منتهية. لا أراها وهي قبل ذلك".

هل هذا كل جديد المركز؟ تضيف مي "الآن أيضاً سنبدأ العمل في بيت التراث المعماري. كما سنقوم ببناء نُزُل للضيوف الذين يأتوننا من الخارج".

أما أكبر مشاريع ميّ في المحرق، كما تقول فهو عمارة مطر. تقول " هذا أكبر المشاريع حتى الآن. هو مشروع خيالي. سلمان بن مطر كان من أشهر تجار اللؤلؤ في البحرين. لدينا وثائق أصلية. مكتبي الرئيسي سيكون هناك. وسيتضمن المشروع مقهى خاص، وسيكون جو جديد للمقاهي لم تعرفه البحرين"

ثم تضيف " في عمارة مطر، سيبقى الجزء القديم كما هو. لكن الإضافة ستكون عبارة عن معرض دائم للفنانين البحرينيين. بالإضافة إلى دعمه للمعارض الفنية. وهي خدمات مجانية يقدمها المركز. فالفكرة من إنشاء مركز الشيخ إبراهيم هي العطاء لا الأخذ"

يؤخذ عليك أنك لم تولي القطاع الثقافي الأهلي شأناً ذا بال من خلال شغلك منصب الوكيل المساعد. أو على الأقل، لم تقاتلي لأجله كذاك، قتالك من أجل مشاريع كرست لها جهدك ووقتك: تسجيل قلعة البحرين ضمن قائمة التراث العالمي، أو حجز كرسي للبحرين في لجنة التراث. كيف تردين على ذلك؟

صدر قانون الآثار للبحرين سنة 1970، وعدل بالمرسوم بقانون رقم (17) لسنة 1985، وعدل بمرسوم بقانون رقم (11) لسنة 1995لحماية الآثار. وهو قانون دون المستوى المطلوب، ولا يمكني بهذا القانون منع البلدية من تدمير المواقع الأثرية وعلى الرغم من جهودي في مجال حماية الآثار، لم أتمكن من تعديل هذا القانون، فكيف يمكنني أن أعدل قانون الجمعيات الصادر عام 1989وسط هذه الحروب الشرسة.